تحميل رواية «القديمة تحلى» PDF
بقلم نرمين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
غرفة كبيرة بإحدى السرايات الكبرى تجلس فتاة في الثالث والعشرين من عمرها على الفراش تضم قبضتيها بتوتر وترتدي فستان زفاف. تنظر قدوم زوجها بعد أن استدعته والدته وأمرتها بالصعود إلى الغرفة. بعد أكثر من ساعتين، كان زوجها يفتح باب الغرفة بملامح متجهمة غاضبة جعلتها تنكمش في نفسها أكثر، وصوته يقول: - قومي غيري هدومك ديه عشان ننام. تنهدت بارتياح، فعلى الأقل تنازل عن حقه حتى لو مؤقتا. فعلت ما أمرها به بصمت وسارت بخطوات عرجاء متعثرة إلى المرحاض. لم يفتها ضحكته الساخرة على خطواتها التي آلمتها كثيرا، لكن ليس...
رواية القديمة تحلى الفصل الأول 1 - بقلم نرمين
غرفة كبيرة بإحدى السرايات الكبرى تجلس فتاة في الثالث والعشرين من عمرها على الفراش تضم قبضتيها بتوتر وترتدي فستان زفاف. تنظر قدوم زوجها بعد أن استدعته والدته وأمرتها بالصعود إلى الغرفة.
بعد أكثر من ساعتين، كان زوجها يفتح باب الغرفة بملامح متجهمة غاضبة جعلتها تنكمش في نفسها أكثر، وصوته يقول:
- قومي غيري هدومك ديه عشان ننام.
تنهدت بارتياح، فعلى الأقل تنازل عن حقه حتى لو مؤقتا. فعلت ما أمرها به بصمت وسارت بخطوات عرجاء متعثرة إلى المرحاض. لم يفتها ضحكته الساخرة على خطواتها التي آلمتها كثيرا، لكن ليس بيدها شيء سوى الصمت والدعاء لربها حتى يهون عليها.
بعد قليل، خرجت من المرحاض وتوجهت إلى الفراش حتى تخلد إلى النوم، فيما اتجه هو إلى المرحاض صافقًا الباب خلفه بعنف جعلها تغمض عينيها وتعتصرهما حتى لا تبكي. ودقائق وكانت تذهب في سبات عميق.
بالغرفة المجاورة، كانت نجاة تجيء الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تغلي وتزبد من الغضب، وبجانبها زوجها السيد عبد القادر يحاول تهدئتها.
- هو إيه اللي جرا يعني يا نجاة؟ مش ده ابنك اللي كنت عاوزة تجوزيه بردو؟
- مش ديه... مش واحدة معاقة يا قدري.
- معاقة صح، بس جميلة وده إحنا شوفناه بعنينا.
- يفيدني بإيه جمالها وهي معوقة ومعيوبة، ويارتها حاجة مؤقتة، لا ديه دايمة، عاهة يا أستاذ. عاهة مستديمة. ديه إزاي تبقى واجهة لعيلة النوساني أصلا؟ إزاي تبقى مرات وقاص النوساني أصلا؟ ديه عار ديه، المفروض تست...
- نجااااااة لمي دورك واحترمي نفسك، اللي بتتكلمي عليها ديه بنت أخويا.
ضحكت بسخرية قائلة:
- بنت أخوك مين؟ أخوك اللي رماها لينا برخص التراب لولا إنك أصرت تجبلها شبكة؟ ولا أخوك اللي كان عاوز يجوزها سكيتي ويخلص منها؟ متضحكش على نفسك ولا عليا.
- لا بضحك عليكي ولا على نفسي. البنت سليمة مفهاش عيب واحد. ثم إنه مش ذنبها أصلا إنها عملت حادثة وسابت أثر فيها.
حاولت الحديث مرة أخرى لكنه قاطعها قائلاً:
- أنا عاوز أنام. قفلي ع الموضوع ده ومتتكلميش فيه تاني.
أطبقت نجاة على فمها بغيظ وغضب واتجهت إلى المرحاض.
صباح اليوم التالي.
استيقظ وقاص من النوم ولم يجدها بجانبه. لم يعط للأمر أهمية ونهض من مكانه حتى يمارس عاداته فور استيقاظه من النوم.
خرج وقاص من المرحاض على صوت والدته المرتفع.
- فيه إيه يا ماما ع الصبح؟
تحدثت نجاة بحدة وصوت مرتفع:
- اتفضل حضرتك. بقول للست هانم مفيش أكل هيطلع فوق وتنزلوا تاكلوا معانا تحت، مش عاجبها قال إيه رجل السنيورة وجعاها ومش هتقدر تنزل تحت.
- خلاص يا ماما روحي إنت واحنا نازلين، متقلقيش.
حدقتها نجاة بنظرة نارية وغادرت.
التفت وقاص إلى زمزم قائلاً بصوت حاد:
- مشاكل مش عاوز. اللي أمي تقول عليه تنفذيه من غير كلام كتير، واتفضلي خشي لبسي أي حاجة عشان ننزل نفطر تحت، خلينا نخلص م اليوم الزفت ده.
تحاملت على نفسها وذهبت حتى تبدل ملابسها لتناول الإفطار بالأسفل كما طلبت والدته.
بالأسفل، كان عبد القادر يترأس الطاولة، وعلى يمينه تجلس نجاة وبجانبها ابنتها سيلين.
بعد قليل، كان وقاص من على الدرج ووراءه زمزم تتبعه بخطوات بطيئة.
- صباح الخير يا حبيبي.
- صباح الخير يا بابا. صباح النور يا سوسة.
- صباح النور يا قلبي. مش المفروض تفطروا فوق إنت وزوزة؟
نهرتها نجاة قائلة:
- مش لما تبقي جوازة الأول. كلي وإنت ساكتة يا سيلين.
زفرت سيلين بغضب وعاودت تناول طعامها مرة أخرى. أما زمزم فقد وقفت مكانها وضغطت على سور الدرج.
- تعالي كلي يا حببتي، هتفضلي واقفة عندك كتير كده؟ يلا.
ابتسمت زمزم لهذا الرجل الذي لم تتلق منه سوى المعاملة الطيبة والابتسامة التي لا تفارق وجهه عندما ينظر إليها أو يتحدث معها. لذلك سارت حتى وصلت إليه وجلست على الطاولة بجانب وقاص.
سارت الجلسة طبيعية، إلى أن قررت نجاة إفسادها بلسانها ذاك وتصرفاتها.
- قومي هاتيلي مية من المطبخ.
أشارت زمزم إلى نفسها قائلة:
- أنا؟
- وهو فيه حد غيرك هنا مثلا؟ ولا تكوني مفكرة إني هقول لبنتي؟ المقامات هنا محفوظة لكل واحد في البيت ده. قومي يلا.
نهضت زمزم من مكانها حتى تجلب لحماتها ما طلبته، لكن صوت عبد القادر أوقفها قائلاً:
- اقعدي يا زمزم. نجاة، زمزم بقت من العيلة خلاص، يعني زيها زي أي حد هنا في العيلة. مش مقامها خالص إنها تقوم تخدم حد ايا كان. فيه خدامين للكلام ده. صفية. صفية.
هرولت الخادمة تلبي نداء مخدومها.
- أيوه يا بيه.
- هاتي مية للهانم بسرعة لو سمحتي.
وبذلك أشعل عبد القادر نيران الحقد بداخل نجاة تجاه زمزم أكثر دون أن يدري.
مر أسبوعان إلى الآن ولم يأت أحد لزيارتها، فقط أختها الصغيرة هي من تحادثها بالهاتف. وبالطبع لم تسلم من كلام حماتها أو لسانها، لذلك كانت تتجنبها قدر الإمكان. عن طريق الجلوس مع سيلين بغرفتها أو قضاء وقتها مع عمها أينما ذهب. لم يكن لزوجها أي دور يذكر طوال هذه المدة.
صباح اليوم، دق هاتفها الخلوي فالتقطته بسرعة حتى ترى أن كان والدها أو إحدى شقيقتيها. وبالفعل كانت شقيقتها الكبرى "تمارا".
- الو. إيه يا حببتي عاملة إيه؟ طمنيني عليكي.
ابتسمت زمزم برقة قائلة:
- الحمد لله يا حببتي، أنا كويسة. إنت عامله إيه؟
هتفت تمارا بمرارة:
- هكون عاملة إيه يعني يا زمزم، اديني عايشة وحاطة جزمة في بوقي وساكتة.
حاولت زمزم التهوين عليها وقالت:
- إن شاء الله كله يتحل يا حببتي.
أدمعت عيني تمارا وهتفت:
- إيه اللي هيتحل بس يا زمزم؟ خلاص عابد اتجوز عليا واللي كان كان. أنا راضية بنصيبي وبالواد والبت اللي طلعت بيهم. الحمد لله. بس عمري ما هسامح أبوكي، عمري ما هسامحه.
- ولا واحدة فينا هتسامحه يا تمارا. هو دمرنا كلنا. يلا روحي شوفي بنتك بتعيط ليه. هرجع أكلمك تاني. سلام يا حببتي.
أغلقت الهاتف مع شقيقتها ولم تدري بنفسها وهي تستيقظ من النوم بفعل الماء البارد الذي سكبه أحدهم على وجهها حتى عادت لواقعها المرير من جديد.
انتشلها من شرودها صوت عبد القادر وهو يأمرها بمتابعة اللعب فقد حان دورها.
- هاااااي، روحتِ فيه يا زوزة؟
- أنا معاك اهو يا حبيبي. وادي الزهر يا سيدي.
تابعا اللعب إلى أن جاءت نجاة تخبرهم برجوع وقاص من سفر دام لأكثر من عامين. نهض قدري من مكانه بسرعة ولهفة لملاقاة ابنه الغائب عن أحضانه، لكنه تسمر مكانه عندما شاهد ابنه بالخارج وبيده شابة وهما يضحكان سويا.
- مين ديه يا وقاص؟
نظر إليها بحب قائلاً:
- ديه... ديه شيما... مراتي.
توقفت عن السير على حين غرة ولم ترَ تلك الدرجة التي تفصل غرفة المكتب عن البهو الخارجي، مما أدى إلى ارتطامها بالأرضية بقوة حتى تأوهت. نظروا إليها جميعهم ولم تخلو نظراتهم من السخرية، حتى زوجته الجديدة لم يتحرك أحد لمساعدتها إلا عمها الذي أمد يده لها حتى تنهض من مكانها.
نهضت زمزم من مكانها وارتمت بأحضان عمها حتى تختفي عن أنظارهم وانخرطت في بكاء ناعم لم يشعر به سوى عمها. ربّت قدري على رأسها بحنان بالغ وأخذها وذهبا إلى المكتب مرة أخرى. أما والدته فلم تغير ايا منهم انتباه ولم تتأثر حتى، فقد ساقت ابنها وزوجته الجديدة نحو غرفة الصالون.
رواية القديمة تحلى الفصل الثاني 2 - بقلم نرمين
صراخها يعلو ويعلو.. حتى أوشكت أحبالها الصوتية على الانقطاع نتيجة الصراخ المستمر.
لم يستطع أحد من طاقم التمريض أو الطبيب المسؤول عن حالتها التدخل، فقد كانت تقف بأخر الغرفة وبيدها قطعة زجاج حادة تضعها على العرق النابض برقبتها تهددهم بالانتحار إذا لم يأتوا لها بما طلبته.
خرج الطبيب من الغرفة قائلاً أنه سيحاول أن يجلب لها ما تريد، وبذلك استطاع الخروج من هناك والاتصال بزوجها الرائد "ناير سويلم".
"استاذ ناير المدام حالتها صعبة جداً. محدش فينا قادر عليها. ده غير أن كل ده بيأذي الجنين. أرجوك تيجي، هي مهددانا بالانتحار لو مجبتلهاش طلبها."
"وازاي مهدداكم أصلاً؟ ازاي يا بهايم؟"
توتر الطبيب قليلاً ثم لم يجد مفراً وهتف:
"ككك.. كان عندها كوباية إزاز.. كسرتها وهددتنا بحتة منها."
ركل ناير المقعد الموجود أمامه بغضب وصرخ في الهاتف:
"ده أنا هوديكوا في ستين داهية. أنا هوريكوا يا كلاااااب. غووور غور من وشي، اقفل يلا."
لم يستطع الطبيب التفوه بكلمة، فهو يعلم أن ناير معه كل الحق فيما فعله، بل أنه قليل على خطأهم.
بعد قليل كان ناير يدلف إلى الغرفة المحتجزة بها زوجته زهرة، وهو يرى طاقم التمريض بالكامل أمامها يحاولون إلهائها عن رأيها وما ستفعله.
"كله يخرج، مش عاوز حد هنا."
انصاع الجميع لأوامره، وبعد خروجهم اقترب منها ناير بخطوات حذرة، ولكنها رأته فما كان منها إلا أنها زادت من ضغطتها على رقبتها بقطعة الزجاج الموجودة بيدها.
"اهدي يا زهرة وسيبي اللي في إيدك ديه."
"لا مش هسيبها إلا لما تجبولي اللي أنا عاوزاه.. يا أما هموت نفسي.. اختار."
حاول استمالتها قليلاً وهتف:
"زهرة انتِ هنا عشان تتعالجي.. انتِ كده بتهدي اللي انتِ عملتيه في شهر."
رفعت يدها وغرست الزجاجة أكثر برقبتها حتى جرحت نفسها، فهتف هو بذعر وهو يخرج شيئاً ما من جيبه:
"خلاص خلاص، أنا جبتلك اهو. تعالي خديه ونزلي اللي في إيدك ديه يلا."
تركت زهرة قطعة الزجاج من يدها غير عابئة بها وسارت نحو الكيس الصغير المطوي بيد ناير بسعادة غامرة وهي تحك رقبتها وتمرر يدها أسفل أنفها.
لم تنتبه إلى ناير وملامح وجهه التي تحولت إلى الترقب والحذر حتى تأتي وتأخذ ما بيده، وبسرعة لم تتداركها كان ناير يمسك بكلتا يديها ويكبلهما حتى وصل إلى الفراش وأجلسها عليه عنوة وهو يصرخ منادياً الطبيب الذي لبى طلبه في الحال.
وبثوان كان جسد زهرة يتراخى بين يدي ناير، وآخر ما شاهدته كانت دمعتها التي انحدرت لتسقط على كفه.
خرج ناير من الغرفة بعد نجاح خطته مع زهرة، وأول ما فعله عندما خرج كان تسديد لكمة قوية بوجه الطبيب.
"ديه عشان متبقاش تنسى بعد كده، قبل ما تدخل حاجة أوضة أي مدمن من اللي هنا تتأكد إنها مفهاش حاجة يقدر يأذي بيها نفسه. المرة الجاية هقدم فيكوا شكوى."
***
"يعني إيه لا دي إن شاء الله؟!"
"يعني لا. عندك مراتك التانية وتقدر تروح لها، هي أصغر مني وأحلى مني، على الأقل مش مليانة زيي كده."
اقترب منها عابد بغضب وأمسك بذراعها بقوة قائلاً:
"انتِ بقالك مدة سايقة العوج يا تمارا وأنا سايبك بكيفي، فاهدّي كده وخذي الموضوع ببساطة، مش أول مرة ليكي هي عشان العند ده كله."
اختارت الاستمرار بعندها وهتفت بصوت حاد:
"وأنا بقي مش هينفع تيجي جنبي.. ظروف قهرية يا سيدي."
ضحك بسخرية وأردف بقسوة:
"ظروف قهرية.. الظروف القهرية دي بقالها خمس شهور عندك مبتتقطعش إن شاء الله!"
وهنت نبرتها كثيراً لكنها حاولت أن تتحلى بالقوة وهتفت:
"آه خمس شهور.. وده بقي يخليك تفهم إنه نزيف مش ظروف قهرية. فابعد عني بقي وروح لمراتك التانية وأنا سبني في حالي، أنا لا عاوزاك ولا طايقة سيرتك أصلاً، بستقبلك بس عشان عيالك، غير كده انت متسواش حاجة عندي."
ترك يدها بشيء من العنف وضرب الكرسي الموجود بجانبه والتفت إليها قائلاً:
"مش انت مش طايقاني واللي بيخليكي تستقبليني هنا هو عيالي.. ماشي يا تمارا حاااااضر."
وخرج من الغرفة وصاح منادياً أطفاله "عدي.. سجدة".
"يلا يا عيال انزلوا روحوا لتيته عشان هتباتوا عندها النهاردة."
صاح الطفلان مهللين وأسرعا بالنزول إلى الطابق الآخر نحو جدتهم.
"عيالي من هنا ورايح هيقعدوا عند أمي عشان لما أحب أجي أشوفهم مبقاش تقِل عليكي، وانت عاوزة تشوفيهم انزليلهم تحت.. وهاتي الكريدت اللي معاكي."
رغم حزنها على قراره الظالم وإبعاد طفليها عنها إلا أنها تحلت بالصبر وغادرت حتى تجلب له ما طلبه بصمت قاتل.
"جميل.. تجهزي بالليل يا تمارا عشان هوديكي لدكتور، وخلي بالك إني أصلاً متجوز عشان متعتي وانتِ من ضمنها، هعالجك وأتمتع بيكي."
وخرج من المنزل بأكمله تاركاً إياها وراءه ترتعد بخوف.
عابد نسخة طبق الأصل من والدها، وهذا يعني أنها لن تنال شفقته أو رحمته حتى.
***
"بس.. بس اهدي يا حبيبتي اهدي.. هو ميستاهلكيش أصلاً صدقيني ميستاهلكيش والله."
قالها قدري وهو يربت على كتف زمزم يحاول تهدئتها حتى تكف عن البكاء.
"طلقني منه الله يخليك ساعدني.. أنا.. أنا بس عاوزة أمشي من هنا."
"حاضر.. حاضر هطلقك منه بس استني.. استحملي شوية بس وهطلقك، على الأقل يكون أبوكي بعد عنك."
تمسكت بقميصه أكثر قائلة بنحيب:
"مش هقدر استحمل أكتر من كده.. كفاية سنتين ونص إهانة بعده عني وإهانة نجاة هانم وخروجي الممنوع والضغط على تعبي، كل ده مش هقدر استحمله تاني."
زاد قدري من ضمه لها وتعالى نحيب زمزم أكثر حتى قطعه دخول زوجته التي صاحت بإحدى الكلمات الإنجليزية التي تنم عن دهشتها، ثم تبدلت ملامحها للعبوس والغضب قائلة:
"قومي يا بنت انتِ روحي شوفي الأكل مع صفية، خلينا نتكلم في معادنا، مش كل يوم تأخير كده."
نهضت زمزم من أحضان قدري ومسحت عبراتها بهدوء وسارت بخطواتها المتعثرة إلى أن وصلت للباب، عندما سمعت نجاة تقول:
"لو فضلتِ ماشية كده لحد المطبخ مش هناكل في يومنا ده."
أغمضت عيناها بقوة واعتصرتهم بألم، ثم تابعت السير دون أن تتفوه بكلمة حتى سارت إلى المطبخ لتباشر عملها المعتاد.
بعد قليل كان الجميع يجتمعون على طاولة الطعام، وبالطبع أخذ مكان زمزم حتى تحتله الزوجة الجديدة والمرحّب بها هنا على عكس زمزم تماماً.
"إيه القرف ده.. مين البهيمة اللي عملت الشوربة دي؟!"
ردت زمزم بصوت يكاد يكون مسموع:
"أنا."
"طبعاً ما لازم تبقي انت.. بتعملي الأكل برجلك إن شاء الله.. حاجة تقرف.. قومي غوري من وشي."
نهضت زمزم من مكانها ببطء وإرهاق، وبمنتصف الطريق لم تستطع التحمل فسقطت على الأرض وهي تلهث بتعب.
هرولت إليها سيلين تتفقدها بقلق قائلة:
"إيه يا زمزم مالك؟ رجلك تاني برضه؟"
"آه.. بس المرة دي صعب أوي يا سيلين مش قادرة."
حاولت سيلين أن تجعلها تنهض من مكانها، لكنها لم تستطع إلا بمساعدة والدها.
بالغرفة استطاعت سيلين أن تجعل زمزم تعري قدمها، إذ أنها خجولة جداً.
كانت ساقها بداية من ركبتها إلى آخرها تنتشر عليها بقع زرقاء وبنفسجية اللون.
"يا نهار أسود.. إيه ده؟ انتِ لازم تروحي دكتور فوراً."
"بص يا بابا."
"زمزم سيلين عندها حق.. لازم تروحي دكتور فوراً، المنظر ده ميتسكتش عليه."
ردت زمزم بارهاق:
"حاضر يا بابا هروح والله.. بس دلوقتي عاوزة أنام أنا تعبانة بجد."
"لا مينفعش.. أنا هتصل بياسر ييجي يشوفك لازم دلوقتي."
حاولت زمزم الاعتراض لكن حديثها ضاع وسط مكالمة عمها مع ذلك الطبيب.
بعد مرور ساعة تقريباً كان الطبيب يقف بالغرفة يحاول الكشف على ساقها، لكن خجلها هو ما جعله يتأفف بضيق قائلاً:
"يا آنسة زمزم مش كده.. أنا دكتور محترم والله يعني لا هبص بصة كده ولا كده على رجلك يعني."
استشعرت زمزم ضيقه منها فلم تجد إلا أن تنظر إلى عمها وسيلين، وما كان من ياسر إلا أن هتف:
"معلش يا جماعة اطلعوا برا لحد ما أكشف على المريضة بعد إذنكم."
أذعن كل من قدري وسيلين إليه وخرجا من الغرفة، التفت ياسر إليها قائلاً:
"هم خرجوا يا ستي، أنا أصلي كنت عارف إنك محرجة منهم، ممكن أكشف بقي؟"
أومأت برأسها إيجاباً ثم رفعت الغطاء حتى وصلت إلى مكان الإصابة بالضبط.
"يا ساتر يا رب.. ده صعب جداً.. كنتِ مستحملاها إزاي أصلاً؟ أكيد دي مش بين يوم وليلة."
ردت زمزم برقة قائلة:
"هي فعلاً بقالها فترة بس مكانتش بالحجم ده.. وده اللي خلاها تعبتني النهاردة."
اقترب منها ياسر ووضع يده على قدمها قائلاً:
"أنا هفحصك بس لو فيه أي وجع قوليلي.. ممكن يبقي فيه وجع جامد.. بس هي الإصابة دي من إيه؟ أنا ملاحظ إن رجليكي فيها إعاقة."
"أأ.. أأيوة هي دي سببها حادثة."
"اها تمام.. لو فيه أي وجع قوليلي."
أومأت برأسها إيجاباً وبدأ ياسر يباشر عمله وضغط على جلد ساقها.
لم تتأوه أو تصدر صوتاً حتى.
"مش حاسة بحاجة كده؟"
"لل.. لا."
غرس إصبعيه بساقها بقوة حتى وصل إلى عظامها قائلاً:
"ولا كده؟"
صرخت زمزم بقوة وحركت ساقها بعيداً عن مرمى يديه.
"اوكي.. اوكي.. خلاص.. واضح إن المشكلة في العضم. شوفي أنا مقدرش أكتبلك إلا على مسكن ولازم تيجي المستشفى عشان الفحوصات والأشعة عشان نعرف سبب الألم ده.. بس أنا أرجح إنه سببه إرهاق لأن الزرقان لآخر الرجل ده وخصوصاً الجزء التاني من رجلك بس يبقي حضرتك محملة عليه زيادة."
سار ياسر نحو باب الغرفة حتى يأذن لوالدها وشقيقتها (كما يعتقد) بالدخول.
"خير يا دكتور؟"
"الآنسة عندها مشكلة في العضم وطبعاً أنا مقدرش أحدد المشكلة بالظبط إلا بعد الأشعة عشان أبقي متأكد من كلامي.. ولازم تتعمل في أسرع وقت ممكن. عن إذنكم."
خرج ياسر من الغرفة ووراءه قدري حتى يوصله إلى باب المنزل شاكراً إياه.
رواية القديمة تحلى الفصل الثالث 3 - بقلم نرمين
بعد مرور أسبوع...
"أهو جبتلك طلبك... إيدك بقى ع الحلاوة."
تعلقَت عينا زهرة بما بيد تلك الممرضة بسعادة مرضية وهي تتأمل ذلك المسحوق الأبيض الذي بيدها راحتها وسعادتها كما تظن.
مدت زهرة يدها حتى تلتقط الكيس الصغير، لكن الممرضة أبعدته عن مرمى يديها قائلة:
"لأ لأ... حلاوتي الأول."
عبست زهرة قليلاً وهتفت بصوت باكي:
"الله يخليكي اديهوني... أنا مش معايا حاجة عشان أديهالك."
حولت الممرضة عيناها إلى الحلقة الذهبية الملفوفة حول إصبعها، فلم تتردد قط في نزعها وإعطائها لها. وتركت لها الممرضة الكيس وخرجت فرحة بما حصلت عليه من هذه المريضة الساذجة.
بالداخل، أسرعت زهرة بفتح الكيس ووضعت بعضاً منه على يدها واستنشقته باستمتاع، وكذلك حتى أنهت الجرعة كاملة. خبأت الكيس بداخل ملابسها الداخلية حتى لا يراه أحد، وذهبت في سبات عميق.
باليوم التالي، استيقظت زهرة على ضوء الصباح يغزو الغرفة. فتحت عينيها ببطء ليطالعها وجه ناير المبتسم وهو يقول:
"صباح الفل يا زهرتي... عاملة إيه النهارده."
ابتسمت زهرة بشرود قليلاً وهتفت:
"أنا الحمد لله... أحسن."
"طيب الحمد لله... عملتي مشاكل الأسبوع اللي فات لحد ما ربطوكي كالعادة." قالها ناير بمشاكسة وهو يداعب أرنبة أنفها.
رفعت زهرة قدميها ويديها لتري كيف يقيدونها، وقالت بسخرية:
"حبيت أتسلّى شوية... خصوصاً إنك سبتني الأسبوع اللي فات كله وما جيتليش خالص."
ناير آسف:
"سماح المرادي يا زهرتي صدقيني كان عندي شغل ضروري وما كانش ينفع يتأخر."
رفعت حاجبيها الكثيفين بطريقة ساخرة وهي تمط شفتيها:
"اممم... شغل... ضروري... وما يتأخرش... الكلام ده ما بيفكركش بحاجة؟"
تغيرت معالم وجهه إلى الجمود والألم، ونهض من مكانه يقرب منها الطاولة الموجود عليها الطعام:
"سيبك من شغلي يا ستي، اديني رجعت أهو وهجيلك كل يوم كمان... اتفضلي افطري بقى."
"عاوزة العلاج الأول."
ابتسم ناير بخفة واقترب منها ليحرر يدها قائلاً:
"تاكلي الأول وبعدين تاخدي علاجك... يلا أنا هفطر معاكي أهو."
اضطرت زهرة أن تتناول طعامها أولاً حتى تحصل على ما تريده.
"بالهنا... كده بقى تاخدي علاجك."
تناولت علاجها، ثم بدأ الصداع يخمد قليلاً. نظرت إليه قائلة:
"عاوزة أروح الحمام ممكن تفكني؟"
ضحك ناير بقوة ثم هتف:
"قولي إنك عاوزاني أفُكّك، ما فيهاش مشكلة بس بلاش حوارات يا زهرتي... إنت عارفة إني مش بخاف منك يعني."
ابتسمت له بسماجة هاتفة:
"فعلاً... ممكن بقى تفكني؟"
"طبعاً بس ثواني صغيرين أد كده."
قام ناير من مكانه وأوصد الباب بالمفتاح ووضعه بجيب بنطاله، وسار نحوها وفك قيدها.
"أهو يا ستي... ها بقى تعالي استحمي كده وسرحي شعرك ده وخلينا قاعدين مع بعض اليوم كله النهاردة."
"مش عاوزة... عاجبني نفسي كده... وكمان مش عاوزاك تقعد معايا أصلاً."
كان ناير ينظر إلى بقعة ما بغضب شديد، حتى رفع بصره إليها وهتف:
"مين؟"
"مين إيه؟"
"مين اللي لبسك بنص كم؟"
ابتسمت زهرة بتشفي وفرح وهتفت بابتسامة عريضة وعيون مدمعة:
"امبارح يا سيدي طلبت منهم أستحمى رفضوا... فقولتلهم ع الأقل أغير هدومي وواحدة من الممرضين أخدت رأيي في اللي هلبسه وأنا اخترت ده أصل الجو حر جداً."
نهض من مكانه وسار إلى الحقيبة الموجودة وأخرج محتواها حتى عثر على كنزة أخرى بأكمام طويلة. أمد يده بها:
"خدي البسي ديه."
هزت رأسها نفياً ببراءة مصطنعة:
"لأ... ديه مريحاني أكتر... مش عاوزة اللي في إيدك."
"البسيها يا زهرة بدل ما ألبسهالك غصب عنك... يلا."
ربعت يديها والتفتت للجهة الأخرى وأردفت:
"لأ... مش هلبسها... إنت جاي تقعد معايا ولا تضايقني."
زمجر بغضب واقترب منها يحاول تبديل تلك الكنزة التي ترتديها بالموجودة بيده، لكنها نهضت من مكانها بسرعة وركضت في الغرفة وهي تضحك بطريقة غير طبيعية جعلته يجعد جبينه في شك.
"زهرة... إنت مالك النهاردة فيه إيه؟"
"مفيش حاجة بس عاوزة أجري... وطبعاً مش مسموحلي إني أنزل الجنينة ف بحاول أعمل ده في الأوضة الكبيرة ديه."
"ماشي يا زهرة بس غيري التي شيرت ده الأول والبسي التاني."
"لأ... أنا هفضل بده يا إما إنت تمشي لو مدايق."
زفر ناير بضيق وحنق قائلاً:
"خلاص ماشي... تعالي اقعدي بقى."
***
بالسرايا...
تجلس زمزم بالمطبخ وتطهو الطعام كما أمرتها السيدة نجاة. تمسك بهاتفها تنتظر رسالته بفارغ الصبر بابتسامة رقيقة على شفتيها.
حتى أعلن هاتفها عن وصول رسالة ما.
"أنا الحمد لله كويس... إنت أخبارك إيه؟"
فتحت الرسالة بلهفة وكتبت:
"الحمد لله... كويسة."
"أخبار رجلك إيه؟؟ أحسن؟?"
ظلت تنظر إلى الهاتف بيدها بابتسامة فرحة وشعور بالكمال لأول مرة. فها هي لأول مرة يهتم أحد لأمرها سوى شقيقاتها وعمها وابنته.
قطع شرودها صوت وقاص وهو يدلف إلى المطبخ:
"عاوز ميه."
لم تستمع إليه زمزم من الأساس، فقد كانت شاردة في الرسالة كما هي.
حول بصره ناحية ما يلهيها عنه فوجد الهاتف بيدها. فاقترب منها وهزها بقوة قليلاً.
ذعرت زمزم من الحركة المفاجئة وسقط هاتفها منها.
"ن... نعم."
كانت تتهرب بعينيها من نظرات عينيه التي ثبتت عليها واخترقتها.
"عاوز ميه... مش سامعاني؟"
اخفضت رأسها عندما شاهدت إصراره على تفحصها وهتفت بصوت خافت:
"كنت عاوز حاجة."
"آه... ميه وتجيلي في أوضتي يمكن تفوقي من السرحان ده شوية." وخرج من المطبخ.
انحنت هي حتى تجلب الهاتف الذي سقط منها وذهبت إلى البراد حتى تجلب له الماء.
دق باب الغرفة ففتحت شيماء الباب ونظرت إلى زمزم باستهزاء:
"خير!!"
امدت لها يدها بزجاجة مياه وكوب قائلة برقتها المعهودة:
"وقاص كان طالب ميه وقالي أجيبهاله في الأوضة."
"طيب هاتيها... ممكن تمشي بقى؟"
التفتت زمزم حتى تغادر، لكن صوت رنين هاتفها فردت بسرعة غافلة عن هذه المرأة وراءها وهي تتسمع على مكالمتها.
"الو... أنا الحمد لله... لأ كنت بعمل حاجات كده في المطبخ ومعرفتش أرد."
جاءها صوت ياسر يقول:
"ما روحتيش شفتي الأشعة ليه؟ أستاذ عبد القادر قالي دي رجلك مينفعش تسكتي عليها كده خصوصاً أن منظرها كان صعب جدا."
"لأ لأ... أنا أصلاً مبحبش الدكاترة... والمرة اللي فاتت بابا هو اللي أصر على دكتور عشان رجلي... وسبحان الله يعني ارتحت لحضرتك وخليتك تكشف عليا... يعني تجارب الدكاترة مش سهلة أوي كده بالنسبالي."
"عقدة صح؟؟ بسبب الحادثة اللي سببتلك الإعاقة..."
"الو... الو..."
على الجهة الأخرى، أغلقت زمزم الهاتف دون قصد، فقد ارتجفت يداها بسبب خروج وقاص من الغرفة على حين غرة وهو يستدعيها حتى تتبعه إلى غرفتها. فأغلقت الهاتف وأزالت آخر مكالمة من سجل المكالمات.
"تعالي... اقعدي بقى مش هفضل أقولك كل حاجة كده."
سارت زمزم حتى جلست على الكرسي وانتبهت له.
"دلوقتي إنتِ واحدة بس... أنا وشيماء اتنين... طبعاً من ساعة ما جينا واحنا بنام في الأوضة الصغيرة ديه... وإنت بتنامي في الكبيرة لوحدك... ف إحنا عاوزين الأوض..."
قاطعته زمزم قائلة:
"مفيش مشكلة... أنا أصلاً كنت عاوزة أستأذن نجاة هانم إني آخد الأوضة اللي في الجنينة... عاوز حاجة تاني مني؟"
نهض وقاص من مكانه قائلاً:
"لأ... هو ده الموضوع اللي كنت هكلمك فيه بس... إنت كنتِ بتكلمي مين في التليفون؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وهتفت:
"اا الرقم كان غلط."
وقاص بشك:
"الرقم كان غلط... اممم طيب..." وخرج من الغرفة وهي وراءه حتى تعود لعملها بالمطبخ وتنهيه.
***
بمنزل "عابد سلمي"
كانت تمارا تجلس على الأريكة وبجانبها طفليها بمنزل جدتهم.
عندما دلف إلى المنزل عابد بهيبته الطاغية.
أمسك بيد والدته وقبلها قائلاً:
"عاملة إيه يا ست الكل؟"
ربتت والدته على كفه قائلة:
"الحمد لله يا حبيبي... إنت أخبار شغلك إيه؟"
عابد بابتسامة ونبرة ذات معنى:
"الحمد لله... الشغل كويس جداً... حتى إني أخدت أسبوع إجازة وهقضيه كله هنا عشان زينب سافرت لأهلها."
ارتعشت تمارا رغماً عنها بعد أن صرح بمكوثه معهم لمدة أسبوع كامل، وبالطبع لن يتنازل عن حقه فيها. فمنذ يومين أخذها لموعد استشارتها مع الطبيبة التي طمأنته بتمكنها من وقف النزيف وأنهم بإمكانهم ممارسة حياتهم بطبيعية.
"يلا يا تمرة قومي اطلعي مع جوزك."
زاغت بعينيها تحاول الهروب وهتفت:
"طيب بس أقفلك ع الأكل الأول."
"لأ يا حببتي خلاص كتر خيرك إنك عملتيه أنا هتابعه."
حاولت تمارا الحديث لكن والدته أوقفتها وهي تقول بصرامة وقوة:
"قلت مع جوزك يلا... جاي من الشغل تعبان وعاوز يرتاح."
نهضت تمارا من مكانها بضيق شديد وسارت نحو الباب يتبعها عابد.
دلفا إلى الشقة بهدوء شديد لم يتفوه أحدهم بكلمة، فقط الصمت هو الذي يسود الأجواء.
"أنا جعان حضريلي الأكل لو سمحتي."
أومأت تمارا برأسها إيجاباً وسارت إلى المطبخ حتى تطهو الطعام.
بعد الانتهاء من الطعام نظر عابد إلى تمارا قائلاً:
"شيلي الأكل وتعالي الأوضة."
أغمضت عينيها بقوة وهي تهدئ من روعها.
تعلم أنه نسخة من والدها ولذلك رفضته عندما تقدم لها، لكن والدها وطغيانه أصر على إتمام تلك الزيجة. وبسبب خوفها من والدها لم تتمكن من إخباره بعدم رغبتها فيها.
وكحال شقيقتيها اختارت التأقلم مع الظروف والتلوّي معها أينما انجرفت بدلاً من الاعتراض عليها من البداية.
"سيبي النور مفتوح."
أجابت بصوت باكي:
"لو سمحت خليني أقفلُه الله يخليك."
كانت تتوسل إليه وهي تعلم أنه لن يجدي معه. عابد لا يضعف ولا يتأثر أمام دموعها، فقط الجمود هو ما يسود الأجواء بينهم. ولكن ذلك لم يمنعها من المحاولة مرة أخرى.
"يا عابد..."
"خلصنا تعالي يلا."
سارت بخطوات بطيئة مثقلة نحوه.
رواية القديمة تحلى الفصل الرابع 4 - بقلم نرمين
بعد مرور أسبوع، كان ناير يجلس أمام زهرة بالمقعد الموجود بالغرفة، ينظر إليها بغموض وهي تبادله نظراته بابتسامة غريبة وغير متزنة.
"قوليلي يا زهرة، انتي مرتاحة هنا في المستشفى؟"
أومأت زهرة برأسها إيجاباً وهتفت: "امممم... مبسوطة جداً هنا... المستشفى حلوة أوي."
ابتسم ناير بخفة وهتف: "طب الحمد لله إنها عجباكي ومرتاحة فيها."
نظرت إليه زهرة بضيق وحنق قائلة: "هو انت ليه مبقتش بتفكني؟"
ناير بجدية: "مش لازم... أنا باجي أقعد معاكي ساعتين تلاتة بالكتير، ملهاش لازمة إني أفكك يعني."
"بس أنا بستنى الساعتين اللي بتجيلي فيهم عشان تفكني شوية... أنا زهقت وأنا مربوطة كده."
عبث ناير بخصلات شعرها قليلاً ثم قال: "بكرة تخفي وتبقي حصان، ومحدش يربطك. بس ده بيعتمد عليكي إذا كنتي عايزة ولا مش عايزة."
ردت زهرة بلهفة: "أيوة عايزة."
"خلاص يبقى تشدي حيلك بقى عشان تخفي كده وتشوفي اللي في بطنك ده... انتي طبعاً عارفة إن الحاجات المخدرة اللي بتاخديها دي بتضره، عشان كده بيحاولوا يخففوها لك، وده اللي بيزود لك الصداع والتعب."
وبنبرة ذات مغزى: "بس عشانه تستحملي أي حاجة، مش كده برضه؟"
ارتعشت زهرة بداخلها قليلاً ثم قالت بابتسامة مهتزة: "آه... أي حاجة أستحملها عشانه."
مرر يده على وجنتها وانحنى يقبلها في جبينها، ثم انحنى إلى أذنها هاتفا: "صدقيني يا زهرة، العيل ده لو نزل هعيشك في جحيم. أنا ماشي دلوقتي، عندي شغل، هجيلك بكرة."
أشار لها بيده مودعاً وغادر المستشفى. أما هي، فبعد مغادرته صاحت بأعلى صوتها تستدعي تلك الممرضة حتى تطلب منها جرعة اليوم مقابل ما يتركه ناير تحت الحساب بالمستشفى، تأخذه الممرضة وتعاود مطالبته بدفع الحساب.
***
كما توقعت تماماً... تركها بعد أن فرغ منها وأعاد الأمور إلى نصابها الصحيح، تركها مغادراً إلى زوجته الأخرى. كما أنه أصر على معاقبتها، فلم يتراجع عن انتقال طفليها للعيش مع والدته. مازالت تتذكر آخر ما القاه على مسامعها في آخر يوم بالأسبوع الذي أعاد تربيتها به: "ده كان نتيجة تصرفك يا تمارا... أسبوع... أسبوع كامل استمتعت بيكي فيه... كل ليلة كنت في حضني سبع أيام يا تمارا، كل ما هتحاولي تتحديني هتفتكريهم... وأقدر أقولك إنك مش هتعملي كده تاني، لأنك مش هتبقي عايزة تكرريهم تاني أصلاً."
فاقت من شرودها على صوت باب المنزل يفتح ويدلف منه عابد وضرتها. أغمضت عينيها بقوة تحاول منع الدموع منهما.
"انتي قولتي لمين إنك جاية لأمي؟" قالها عابد بحدة وصوت مرتفع قليلاً.
"أنا ما رحتش في حتة، أنا بس نزلت كام سلمة... كنت عايزة أشوف عيالي."
"ولو... كام سلمة... كام خطوة حتى، ولا يفرق معايا الكلام ده في حاجة أصلاً، تستأذنيني الأول."
جاءت والدته على صوته المرتفع وهي توجه كلامها إلى تمارا قائلة بتحذير: "خلاص يا عابد، حصل خير يا حبيبي. هي مكانتش بتروح في حتة أصلاً إلا عندي. مش هتعمل كده تاني، صح يا تمارا؟"
اخفضت رأسها محاولة السيطرة على دموعها أمام تلك الغريبة التي لمحته تبتسم بخبث فرحة بما يحدث.
"صح يا طنط."
"اعتذري لجوزك واطلعي شقتك، وتاني مرة تستأذني لما تحبي تجيلي."
تمارا بخفوت: "أنا آسفة."
وخرجت من المنزل بأكمله وصعدت إلى شقتها. بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، تصاعد رنين هاتفها.
"تنزلّي دلوقتي عند أمي تحت." كان المتصل عابد زوجها. قال لها ما يريده وأغلق الهاتف بوجهها مباشرة.
تأففت تمارا بنفاذ صبر وهي تقول: "مش انتي اللي عملتي فيها سبع رجالة في بعض؟ استحملي بقى."
نزلت تمارا إلى الأسفل مرة أخرى بناءً على أوامر زوجها. "روحي حضري الأكل مع زينب جوة." لم ترد عليه حتى، فقد سارت نحو المطبخ بكل هدوء حتى تباشر عملها. لم يخلو الوضع بينهما من مضايقات زينب لتمارا، وأخيراً أتمتها زينب بملء الحوض بأواني كثيرة وخرجت من المطبخ وهي تقول بنبرة ماكرة: "أنا سيبالك تذكار بقى يا حبيبتي في الحوض، سلام بقى."
اكتفت تمارا بالصمت ولم تعيرها انتباهاً من الأساس. بعد انتهائها من العمل، كانت تمارا تضع الطعام على الطاولة المستديرة ووجهت حديثها إلى حماتها قائلة: "الأكل خلص يا طنط."
تغيرت ملامح حماتها إلى الغضب وهتفت بصوت مرتفع حاد: "احترمي نفسك يا تمارا... اوعي... اوعي تقللي من احترام ابني... ابني ده يبقى جوزك... اوعي تنسي نفسك... كل الخير اللي انتي عايشة فيه ده كله من شقاه وعرق جبينه... اعتذري لجوزك واطلبي شقتك، مش عايزة أشوف وشك دلوقتي خااالص."
فرت دمعة من عين تمارا رغماً عنها، لكنها أزالتها بسرعة وهتفت بصوت حزين: "أنا آسفة."
وغادرت المكان بأكمله ذاهبة إلى شقتها حتى تستطيع البكاء بحريتها.
***
قلبها يرفرف من السعادة، لا تصدق ما فعله بها خلال أسبوعين لا أكثر. أحبته بكل تفاصيله التي تعلمها والتي لا تعلم عنها شيئاً. خلال هذا الأسبوع، تبدلت حياتها كثيراً، لم تعد تبكي كالسابق. أصبحت تجلس مع سيلين بغرفتها وتتحدث إلى صديقاتها، حتى أنها تشارك سيلين الرقص عندما تشغل المسجل. لا يعنيها وقاص في شيء، ولا حتى زوجته. لم يعد يؤثر فيها كلام السيدة نجاة أو حتى توبيخها لها بسبب إعاقتها أو لبطئها في إنجاز أعمال المنزل المكلفة بها. فقط تهتم بملابسها، حررت شعرها من ربطته المعتادة وأصبحت طوال الوقت تتركه منسدلاً على ظهرها. باختصار، دخول ياسر إلى حياتها نعمة تشكر ربها عليها في صلاتها المتقطعة وتتمنى عدم زوالها.
دلفت إليها سيلين الغرفة، وبمجرد أن رأتها حتى أطلقت صفيراً دلالة على إعجابها.
"وااااو... إيه الجمال والشياكة دي؟ أنا كده هغير منك بقى."
قرصتها زمزم من وجنتها بخفة قائلة: "انتي الأصل يا جميل." وانحنت على وجنتها وعضتها مما جعلها تصرخ: "آآآآه... إيه يا زمزم ده؟ خدي الله! المهم بقى رايحة فين كده يا جميل؟"
"عندي معاد عند دكتور ياسر... عشان الأشعة بتاعة رجلي."
دارت حولها سيلين وهي تتصنع التفكير قائلة: "امممم... دكتور ياسر... وانتي متشيكة كده عشان دكتور ياسر ولا إيه؟"
ارتعبت زمزم بشدة وحاولت التماسك قائلة: "لا طبعاً، عجبتني الهدوم فلبستها. انتي عارفة إن أنا كل فين وفين لما بخرج أصلاً."
اقتربت منها سيلين ووضعت يديها على كتف زمزم قائلة برفق: "زمزم، أنا أختك والله العظيم. صدقيني أنا أفرحلك لو حبيتي وحياتك اتعدلت بدل القرف اللي انتي عايشة فيه ده. وبعدين حتى لو مش حب، فهو أثر عليكي بطريقة كويسة. كفاية إن خدودك رجعت تحمر تاني بدل لونك المخطوف دايماً ده بسبب التعب. لسه شوية على معاد الدكتور، تعالي اقعدي واحكيلي كده من طقطق لسلامو عليكو."
سارت زمزم معها حتى جلست على الفراش وبدأت تسرد لها ما حدث بينهم خلال هذا الأسبوع، بدءاً مما حدث عندما فحصها وأمرهم بالخروج، إلى اليوم الذي ذهبت فيه إلى المستشفى وتبادلا أرقام الهواتف بناءً على طلب ياسر معللاً طلبه ذلك بأنه يريد التحدث معها بشأن إعاقتها.
"يا سيدي يا سيدي... أيوة بقى... ياسر ده أنا أعرفه من فترة مش كبيرة بس هو محترم جداااا. بس أنا مستغربة إزاي كلمك وطلب رقم تليفونك وانتي متجوزة؟"
"لا، م أنا مش قيلاله... يعني هو مسألش واستنتج من عنده كده إن إني أختك الصغيرة وعمي يبقى بابا."
"ودبلتك فين طيب؟"
"م انتي عارفة إن أنا قلعاها من ساعة ما اتجوزت أصلاً."
سيلين بتذكر: "آه صح. طيب يلا بقى عشان ننزل نروح معادنا عشان التأخير."
أومأت زمزم برأسها وسارت خلف سيلين بخطوات بسيطة وابتسامة رقيقة تزين ثغرها.
بالمستشفى، كان ياسر يمسك بالأشعة الخاصة بزمزم يفحصها. بعد أن انتهى ياسر منها، التفت إلى زمزم وعبد القادر قائلاً: "زي ما اتوقعت تماماً، الورم الزرقان ده سببه التحميل على رجليها، وطبعاً ده خلى العضم يلتهب لأنه أصلاً تعبان."
عبد القادر بقلق: "يعني إيه يا دكتور؟ إيه الحل دلوقتي؟"
ابتسم ياسر بخفة وهتف مطمئناً إياه: "متقلقش يا أستاذ قدري. أنا بس بطمن حضرتك على المنظر البشع بتاع المرة اللي فاتت، لكن الحل موجود إن شاء الله. دلوقتي الآنسة زمزم رجليها بتوجعها جداً والإعاقة فيها باينة. أعتقد إن الدكتور اللي قبلي قال لازم علاج طبيعي عشان أثر الإعاقة يخف شوية، صح؟"
نظر قدري إلى زمزم التي اخفضت رأسها بعتاب وهتف: "صح يا دكتور."
"طيب... إحنا هنبدأ بالعلاج الطبيعي بعد ما الورم ده يخف شوية."
"لأ، أنا مش عايزة العلاج الطبيعي ده." قالتها زمزم بصوت متوتر مهتز.
قطب ياسر جبينه قليلاً وهتف: "ليه يا آنسة؟"
تولى قدري مهمة الرد هذه المرة لعلمه بعدم ردها على الطبيب مهما تحدث. "بعد الحادثة وكده راحت جلسة واحدة بس، مستحملتش الوجع، كانت الجلسة كلها تقريباً صويت وعياط، فمراحتش تاني."
ابتسم ياسر بخفة وهتف مطمئناً إياها: "طبيعي طبعاً إنه يبقى فيه وجع. بس بصي لنص الكوباية المليان هتعرفي تمشي من غير ما تتكعبي في حاجة. هتعرفي تلبسي أي حاجة ومش هيهمك إذا كانت رجلك هتبان ولا لا. انتي نفسك هتبقي عايزة تخوضي التجربة."
"بس وجعها أنا مش هستحمله، يعني صعب جداً ده غير إن الدكاترة بتوع العلاج الطبيعي دول بيبقوا عنيدين جداً، يعني الدكتور ده كنت بعيط قدامه وهو برضه كمل."
"طبيعي جداً إنه يكمل. انتي متعرفيش المرضى يبقوا عنيدين إزاي يتمسكنوا ويعيطوا دول الستات طبعاً، وتفضل كده كل جلسة وفي النهاية مفيش تحسن."
لم ينتبه أياً منهم إلى قدري الذي خرج من الغرفة ليتحدث في الهاتف، وأكملوا حديثهم إلى أن هتف ياسر بأسف: "المرة اللي فاتت أنا مكانش قصدي إني أفكرك بالإعاقة أو حاجة، بس أنا كنت بسأل عادي. أنا آسف."
زمزم بلهفة: "لا طبعاً حضرتك بتتأسف على إيه، أصلاً التليفون وقع مني واتقفل، بس أنا مكانش قصدي خالص والله ولا زعلت أصلاً."
ابتسم ياسر بلطف، وبعدها دلفت قدري إلى الغرفة مرة أخرى.
"خلاص يا أستاذ قدري، أنا والآنسة زمزم اتفقنا خلاص، هتيجي الأسبوع الجاي عشان العلاج الطبيعي بس مش هنا، هيبقى في المركز بتاعي إن شاء الله."
صافحه قدري شاكراً إياه على قدرته في التأثير على قرار زمزم وغادر المستشفى عائداً إلى المنزل مرة أخرى.
رواية القديمة تحلى الفصل الخامس 5 - بقلم نرمين
هرج ومرج بالطابق الثاني بالمشفي.
ممرضين وأطباء يذهبون هنا وهناك وهم يدعون بداخلهم ألا يحدث ما يخشاه أحدهم.
ولكن إرادة الخالق سبحانه فوق كل شيء.
لم يستطع أي منهم أو مجهوده وتعبه أن ينقذ الجنين بداخلها.
ولكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل.
الآن عليهم الانتظار إلى أن يأتي زوجها ولكن ليس كزائر.
وإنما بصفة رسمية.
بعد قليل كان ناير يصعد درجات الدرج بسرعة وملامح غاضبة للغاية.
حتى وصل إلى الغرفة الموجود بها زوجته كما أخبروه.
كان الطبيب قد خرج من الغرفة المحجوزة بها زهرة وتفاجأ بوجود ناير أمامه.
"أنا عاوز أفهم إزاي ده حصل؟"
ابتلع الطبيب ريقه بصعوبة شديدة وقلق من هدوء ناير.
فالمعروف عنه أنه عصبي للغاية ولكن الآن يتحدث بكل هدوء.
"المدام سقطت."
"وده حصل إزاي؟ حصل إزاي يا دكتور يا محترم والمدام متربطة في السرير 24 ساعة؟"
كان الطبيب يحاول السيطرة على خوفه من القادم.
يعلم أن ما سيقوله الآن سيضيع ذرة العقل الموجودة بناير.
هذا إذا كانت توجد أصلاً في حالته العادية.
"أعتقد أن المدام رجعت تتعاطي المخدرات تاني.
لأننا لاقينا دول في هدومها."
وأخرج الأكياس الصغيرة التي كانت تحوي شيئًا لا يذكر من المسحوق الأبيض.
أخذها منه ناير بهدوء وضعها بجيب بنطاله.
وبسرعة لم يتداركها الطبيب كانت لكمة قوية تطيح بوجهه.
"دي عشان تبقوا تشوفوا شغلكم كويس بعد كده.
دلوقتي تعملولها تحاليل والنتيجة تطلع النهاردة سامع."
أومأ الطبيب برأسه موافقًا ثم فر من أمامه بسرعة.
***
تقف أمام المرأة تضع أحمر شفاه لامع فقط مع تحديد عينيها العسلية بكحل حتى تبرز جمالهما.
وتركت شعرها منسدلاً على ظهرها برقة.
دقات على باب الغرفة جعلتها تهتف بسرعة.
"اتفضل يا عمو ادخل.
أنا خلاص خلصت."
لم يكن الزائر سوى "شيما" زوجة ابن عمها.
"كما اختارت أن تسميها".
"أهلاً يا شيما اتفضلي.
عاوزة حاجة؟"
"الحقيقة آه كنت عاوزة.
يعني النهاردة عندي فرح كده أنا ووقاص.
طبعًا الفرح ده جه ع غفلة كده ف مكنتش عاملة حسابي يعني.
وطنط نجاة قالتلي اطلع آخد من عندك فستان لأنهم عندك ومش بتلبسيهم عشان رجلك يعني وكده."
اغتصب زمزم ابتسامة على صفحة وجهها وهتفت.
"عندك الدولاب يا حببتي خدي اللي انت عاوزاه."
وخرجت وتركتها مسرعة عندما صاح عمها مناديًا إياها حتى لا يتأخرا عن موعد الجلسة.
فخرجت مسرعة وتركت هاتفها بالغرفة.
بالمركز الخاص بالدكتور ياسر.
كان ينتظرها على أحر من الجمر وابتسم بارتياح عندما شاهد سيارة السيد قدري أمام المركز.
"أهلاً وسهلاً.
إزيك يا أستاذ قدري؟"
"الحمد لله يا دكتور.
انت أخبارك إيه؟"
"الحمد لله بخير."
ثم حول بصره ناحية زمزم متجاهلاً سيلين تمامًا.
"إزيك يا آنسة زمزم؟
أحسن النهاردة؟"
"الحمد لله.
أحسن."
"طيب اتفضلي ادخلي جوة في الأوضة الكبيرة اللي قدامك دي وأنا هاجي عشان نبدأ الجلسة."
أومأت برأسها إيجابًا وسارت إلى الغرفة برفقة سيلين.
تحدث قدري بابتسامة عملية قائلاً.
"تمام يا دكتور.
مش هوصيك على زمزم هي مهمة عندي أوي."
ياسر مطمئنا إياه.
"طبعًا مش هتوصيني."
غادر قدري المركز واتجه ياسر نحو الغرفة الموجود بها زمزم وشقيقتها.
"الحمد لله إنك أخدتي ع المكان بسرعة."
نظرت إليه زمزم بابتسامة عريضة قائلة.
"آه تقدر تقول كده.
يعني سيلين هي اللي جابتلي الهدوم دي عشان أغير وهي اللي ربطتلي شعري كمان."
"لا إحنا نشكر الآنسة سيلين بقي.
طيب نبدأ؟"
اختفت ابتسامتها تمامًا وظهر الخوف على محياها.
"أوكي إحنا لسه مبدأناش أصلاً عشان الخوف ده.
شوفي لازم تبقي عارفة إن كده كده هيبقى فيه وجع رهيب في الأول طبعًا عشان إنتِ مريحاها خالص لما بتتعبي بتقعدي ترتاحي مفيش تمارين ولا أي حاجة."
اقترب منها وأمسك بقدمها يبدأ أولى مراحل العلاج الطبيعي.
طوال فترة الجلسة كانت زمزم تحاول قدر الإمكان ألا تبكي أو تطلب منه التوقف.
ولكن الألم زاد عن احتمالها فصرخت بقوة.
"لا.
لا كفاية.
كفااااية مش قادرة."
وحاولت التملص منه لكن ياسر لم يتوقف وتابع عمله دون أن يكترث.
ظلت تبكي وتطلب منه أن يتوقف إلى أن هتفت سيلين بتوتر.
"ط..طب سيبها بس تريح خمس دقايق."
لم يلتفت إليها ياسر حتى وإنما هتف بجدية.
"الساعة كام يا آنسة معاكي؟"
"الساعة اتنين ونص."
"تمام.
حضرتك ممكن تستني برة نص ساعة كده والآنسة هتخرج.
لو مش قادرة تستحملي صوتها يعني."
اغتظت سيلين منه وخرجت من الغرفة بغضب.
وواصل ياسر عمله مع زمزم إلى أن انتهت الساعة إلى آخرها فابتعد عنها وتركها.
"احم.
شوفي إنت لازم تروحي ترتاحي يعني متعمليش أي مجهود نهائي مهما كان صغير."
لم ترد عليه زمزم فقد دفنت وجهها بين كفيها وظلت تبكي بنعومة.
خرج ياسر من الغرفة وهتف محدثًا سيلين.
"آنسة سيلين إحنا خلصنا.
اتفضلي حضرتك ساعديها تغير هدومها لأنها مش هتقدر تعمل حاجة هي دلوقتي تقريبًا جسمها شبه متكسر."
أومأت سيلين برأسها وغادرت مسرعة إلى الغرفة.
وما أن شاهدت حالة زمزم حتى هرولت نحوها تحتضنها.
"خلاص يا زمزم.
اهدي يا حببتي.
أقولك.
يلا تعالي ألبسك ونخرج نتغدى برة."
ساعدتها سيلين حتى انتهت من ارتداء ملابسها وخرجا من المركز بأكمله دون أن تلقي السلام عليه حتى أو تلتفت له.
***
ظهرت نتائج التحاليل بمنتصف الليل.
كان الطبيب يرتعد خوفًا من إعطائها لناير.
ولكن ليس بيده حيلة سوى الدعاء والتضرع إلى الله حتى لا يطاله أذى ناير.
خاصة وأن التحاليل أثبتت تعاطي زهرة للمخدرات بصورة كبيرة جدًا مما أدى إلى إجهاضها.
تقدم الطبيب من ناير يمد يده بالتحاليل.
"اتفضل.
دي نتايج التحاليل."
نظر إليه ناير بحدة قائلاً بصوت ساخر.
"حد قالك إني خريج زفت طب!!!
ما تخلص وتقولي فيها إيه؟؟
رجعت تتعاطي تاني ولا لأ؟?"
"أأأ...
أيوة رجعت تتعاطي تاني."
شتم ناير بسره بغضب شديد ثم التفت إلى الطبيب قائلاً.
"هي تخرج امتى؟?"
"يعني يومين كده ولا حاجة والمدام تبقى زي الفل.
وتقدر تخرج أو تكمل علاجها."
"لا والله.
تكمل علاجها ولا تكمل موتها!!
غور امشي وأنا مش هسيبكوا أنا هبلغ عنكوا وهشتكيكوا.
عاوز سجلات الكاميرا بتاعت أوضتها وبتاعت الطرقة."
انصرف الطبيب حتى يفعل ما أمره به ناير.
دلف ناير إلى الغرفة المحجوزة بها زهرة فوجدها نائمة كعادتها مؤخرًا بعد ما حدث وفقدانها لطفلها.
"تفوقي بس يا زهرة.
تفوقي بس وأنا هعالجك."
***
دلت زمزم إلى المنزل بمساعدة سيلين ابنة عمها إذ أنها كانت متعبة كثيرًا بعد جلسة العلاج الطبيعي تلك.
قابلتها زوجة عمها وهي في طريقها إلى الغرفة ولم تسلم منها.
"خير يا سيلين مالها الاخت؟?"
"تعبانة يا ماما لسه راجعة من جلسة العلاج."
مطت نجاة شفتيها ثم قالت بسخرية.
"وياريت يجيب نتيجة."
وغادرت من أمامهم تحت نظرات سيلين المستاءة ودموع زمزم.
بعد مرور بضعة ساعات كانت سيلين تدق الباب حتى تدلف إلى غرفة زمزم.
"ادخل."
"إيه يا زوزو.
تعالي عشان الغدا يلا."
"مش قادرة أنزل والله يا سيلين.
وأنا مش جعانة أصلاً."
تصنعت سيلين الزعل وهتفت بصوت حزين.
"يعني أنا طالعة أندهك وانت تقوليلي مش قادرة.
خلاص هطلبلك الأكل هنا وآكل معاكي."
أومأت زمزم برأسها وهتفت.
"ماشي اطلبي الأكل هنا.
أنا مقدرش على زعلك يا سيلا."
بعد أن انتهيا من تناول الطعام خرجت سيلين من الغرفة وتركت زمزم.
أصدر هاتفها صوتًا يخبرها بوصول رسالة ما فالتقطته بسرعة حتى تفتحه.
"زمزم أنا آسف.
بس صدقيني ده اللي المفروض يحصل.
هتشكريني بعد كده ع اللي بعمله ده.
المهم انت دلوقتي أخبارك إيه؟؟"
وبذلك نسيت زمزم ما حدث.
ونسيت أيضًا ألم ساقها.
ياسر مهتم بها.
يهتم لمشاعرها كما لم يفعل أحد من قبل.
ياسر يعاملها كإنسانة طبيعية.
ينسى إعاقتها تمامًا ويتعامل معها كأنثى بها من معالم الأنوثة ما يكفي ويفيض.
***
مر أسبوع آخر.
يليه آخر ولم يأتِ إليها أو لأبنائه.
عاد كما كان قبل أن تشعل فتيل غضبه.
ما الأسبوع الذي قضاه معها سوى عقاب على رفضها له.
كيف ترفض "عابد سلمي"؟
بالتأكيد جُنت.
ولكنه أصر أن يجعلها تدفع ثمن جنونها ذاك.
نظرت إلى نفسها بالمرآة وابتسمت بسخرية مريرة.
خلال ستة أشهر وصلت إلى هذا الوزن.
بدلت ثيابها كاملة إلى عباءات حتى تداري بها زيادة وزنها.
كما أنها لا تخرج من المنزل إلا للضرورة فقط.
شردت بفكرها بعيدًا إلى ذلك اليوم الذي علمت فيه بزواجه من أخرى.
ثارت.
غضبت.
ولكن لم تستطع الصمود أمام غضبه.
"مقصرة معاك في إيه عشان تتجوز عليا؟
خلفة؟
الحمد لله جبتلك الواد والبت.
جمال؟
جميلة بشهادة الكل ومحدش بيصدق إني متجوزة أصلاً.
حقوقك؟
بتاخدها مهما كنت تعبانة أو بموت حتى مبقولكش وبضغط على نفسي عشان ممنعكش من حقك.
ليه تتجوز عليا لييييييييه؟!"
لم يهتز قليلاً حتى من انهيارها أمامه فقط ما لفت نظره هو صوتها المرتفع.
"وطي صوتك يا تمارا.
أنا أتزوج مرة واتنين وأربعة محدش ليه عندي حاجة.
أنا حر."
صرخت بجنون.
"لا مش حر.
لا إنت اتجوزت عليا من غير سبب.
اتجوزت وبس.
إنت اتجوزت لأنك ناقص.
ناقص وحاسس إني كتيرة عليك.
رحت لواحدة زيك ناقصة عشان تبقى سي السيد عندها وتديك مكانتك كإنك كامل."
كان ذلك آخر ما تفوهت به من جنون وكلمات لا تعلم عواقبها جيدًا.
انتهى بها الأمر على الفراش وهو فوقها مستعينًا ببنيته القوية بعكسها.
أما هي فاستسلمت وفافت من نوبة الجنون التي اجتاحتها.
رواية القديمة تحلى الفصل السادس 6 - بقلم نرمين
كان يجلس بجانبها على الفراش منتظراً استيقاظها من النوم كما أخبره الطبيب. فقد أخذها ناير من المشفى ونقلها إلى المنزل بعد أن جهز لها غرفة بالمنزل حتى يتابع ويشرف هو على علاجها.
تململت زهرة في فراشها وفتحت عيناها وهي تضع يدها على رأسها بملامح منزعجة. ابتسمت زهرة عندما شاهدت ناير أمامها وهتفت:
"إزيك يا ناير؟ فينَك بقالك كتير مبتجيش؟"
ثم حولت بصرها بأنحاء الغرفة الموجودة بها. لم تكن غرفة المشفى.
"أنا فين؟"
"إنتِ ف البيت."
أفلتت ضحكة صغيرة منها ثم قطبت جبينها قائلة:
"إزاي يعني ف البيت؟ وليه ف البيت أصلاً؟ مش المفروض إني بتعالج؟"
أومأ ناير برأسه ونهض من مكانه قائلاً:
"المفروض... المفروض إنك بتتعالجي فعلاً. بس لما تكوني إنتِ مش عاوزة تتعالجي ووجودك ف المستشفى بيتعبك أكتر وبيدهور حالتك أكتر، يبقى ملهاش لازمة وتخرجي منها. ولا إنتِ إيه رأيك؟"
أُفزعت من كلامه غير المتوقع، فطوال فترة تعبها كانت مخدرة. فقد أمر ناير الأطباء بتخديرها حتى ينتهي من إجراءات خروجها من المشفى وينقلها إلى المنزل.
"أنا مش فاهمة حاجة... بس أنا حالتي كانت كويسة ف المستشفى."
ضحك ناير بسخرية ثم قال:
"حالتك كانت كويسة!!! ده قبل البودرة ولا بعدها؟ على حد علمي إنتِ أول ما روحتي المستشفى مكنتيش طايقاها. ومن كام أسبوع بدأتي تحسي إنك مرتاحة فيها. مش حاجة غريبة؟"
اتسعت عيناها بصدمة وخوف معاً، وتلقائياً وضعت يديها على بطنها. تفهم ناير جيداً، فهو إذا علم بتعاطيها المخدرات مرة أخرى كان عاقبها بداخل المشفى. لكن هدوءه والسخرية التي تظهر على وجهه الآن أخبرتها أن شيئاً ما حدث لجنينها.
"اممم... فعلاً يا زهرة إنتِ مبقتيش حامل خلاص، مفيش عيل. وحتى إني قرفان أقرب منك عشان نجيب عيل تاني. بس صدقيني هدفعك تمن العيل اللي راح ده."
تحرك ناير ناحية الطاولة المستديرة الموجودة بالغرفة وأخذ صينية الطعام وسار ناحية زهرة.
"أول أيام الجحيم يا زهرة. فطارك وكمان كام ساعة هيجيلك الغدا. لو وقعتي الأكل يبقى مفيش غيره. بالإضافة لأنك هتنضفي اللي عملتيه. أنا لا عندي مصحات ولا علاج. هتتحبسي هنا لحد السم ده ما يخرج من جسمك. حتى لو بعد ميت سنة. عاملتك زي الناس ووديتك مصحة بس إنتِ رفضتي النعمة. شيلي بقى."
وخرج وتركها في صدمتها وكل ما يدور برأسها أن أيامها هنا لن تمر بسلام أبداً.
***
على طاولة الغداء كانت تجلس نجاة وزوجها، ووقاص وزوجته، وسيلين. وبجانبها زمزم التي تمسك بهاتفها طوال الوقت ولا تفارقها تلك الابتسامة المحبة على شفتيها. كان عمها يتابعها بابتسامة صغيرة وتعبيرات غامضة.
إلى أن انتفضت زمزم على صوت زوجة عمها توبخها كعادتها.
"ياريت تبطلي توزيع ابتسامات هنا، عاوزة توزعيها اطلعي أوضتك، مش ناقصين إحنا."
اخفضت زمزم رأسها ونظرت إلى طبقها بعينين مدمعتين. حتى تحدثت شيماء بنبرة خبيثة متوارية، ولكنها بالطبع لم تخفَ على نجاة.
"معلش يا طنط سبيها، هي أكيد بتكلم صاحبتها أو حاجة. أصلاً طول اليوم فونها مش بيبطّل رسايل واتس آب."
قبضت زمزم على هاتفها بقوة مذعورة ولم تقو على رفع عيناها. ولكن سيلين كانت تستعد للهجوم على تلك الماثلة أمامها، إذ أنها لا تحبها أبداً وتتمنى خروجها من المنزل بلا رجعة.
"ملكيش دعوة يا شيماء. رسايل واتس آب، مكالمات فيديو، حتى ملكيش علاقة. هي مبتجيش تقولك وريني تليفونك؟ وكلنا بنبقى سامعين الرسايل اللي بتجيلك على أي أب ف الفون. ف متدخليش ف اللي ملكيش فيه."
قاطعها وقاص عندما نظر إلى زمزم بقوة قائلاً:
"تعالي ورايا."
هربت الدماء من جسد زمزم وشحب لونها. لم تتوقع أن يأمرها باتباعه، فجميع لقاءاتها مع وقاص كان التجاهل هو ما يسيطر عليها. يلقي أوامره ثم يذهب من أمامها وهي تفعل ما يأمرها به بصمت خشية مواجهته أو التشاجر معه.
ابتسمت نجاة بتشفي وفرح، فهي تعلم ابنها جيداً. رغم هجره لها، لكنه لم ولن يرضى أن تقلل من احترامه أو تتصرف بما يضع رأسهم بالطين. لم يتحرك عبد القادر من مكانه ولم يتفوه بحرف أو يدافع عنها، حتى وذلك ما أثار ريبتها. فقط سيلين هي من نزعت منها الهاتف، حتى أنها لم تخبرها بما فعلته وأعطته لها مرة أخرى.
تحركت زمزم بخطى متثاقلة نحو الغرفة التي دلف إليها وقاص ومعها هاتفها. أوشك قلبها على التوقف من قوة نبضاته التي كادت أن تحطم أضلعها.
أخيراً دلفت زمزم إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها كما أمرها وقاص.
"هاتي تليفونك."
مدت يدها بالهاتف بأصابع مرتعشة، خائفة من انكشاف أمرها. التقطه وقاص وحاول فتحه لكنه وجده بكلمة سر.
"هو أنا فضل أزقك بقي ولا إيه؟ لما إنتِ عارفة إنه بزفت باسورد، متفتحيها. قول لي الزفت."
حمدت ربها أنها لم تضع كلمة السر حروف اسمه، لكانت الآن في عداد الأموات. فقط اليوم الأول الذي تقابلا به، ومن المؤكد أن بضعة أرقام منفردة كما تقولها هي، لن يستطيع وقاص معرفة هويتها أو ماذا تعني.
فتح وقاص الهاتف وبحث في كافة محتوياته، لكنه لم يجد شيئاً -كما ظنت هي-.
"طيب يا زمزم خدي تليفونك واطلعي."
عقدت جبينها باستغراب وتوجس، فهو لم يتوصل لشيء. ولكن كيف؟ من المؤكد أن ما فعلته سيلين بالهاتف هو ما أدى إلى عدم معرفته بشيء بشأن ياسر. لا يهم أي شيء الآن، فقط ما يهمها أنه لم يكشفها.
خرجت من الغرفة مسرعة قدر استطاعتها وصعدت إلى غرفتها. وتبعتها سيلين حتى تعلم ماذا حدث.
***
التقطت هاتفها حتى تتحدث إلى شقيقتها وتخبرها بقرارها الجديد الذي توصلت إليه بالنهاية. ضغطت على رقمها وانتظرت حتى ترد عليها شقيقتها. وبالفعل بعد ثوانٍ وصلها صوت زمزم المرتعش الخائف، وهي تعلمه جيداً. على الفور نسيت ما اتصلت بها بشأنه وراحت تسألها بلهفة وقلق.
"مالك يا زمزم؟ صوتك ماله؟"
جاءها صوت زمزم على وشك البكاء.
"كـ... كنت هتكشف يا تمارا. أنا ميتة ف جلدي م الرعب."
"ليه يا حبيبتي بس مالك؟ تتكشفي ليه؟ إنتِ بتعملي إيه أصلاً؟"
انفجرت زمزم باكية بعنف وقالت:
"ياسر... ياسر يا تمارا. كنت هتكشف فعلاً ووقاص اللي كان هيكشفني لولا سيلين مسحت الرسايل."
تنهدت تمارا براحة ثم حاولت تهدئة زمزم قائلة:
"طب اهدي بس. الحمد لله أهو متكشفتيش. الحمد لله. يلا قومي اغسلي وشك وتعالي عشان عاوزة أكلمك ف موضوع كده."
نهضت زمزم من مكانها وفعلت كما أمرتها شقيقتها.
"ها يا توتا كنتِ عاوزة تقولي إيه؟"
بدأت تمارا الحديث بحماسة أثارت استغراب زمزم واهتمامها أيضاً، فانتبهت إليها بجميع حواسها.
"شوفي يا ستي... طبعاً زي ما إنتِ عارفة أنا عجلة واايد كده على غير العادة. يعني وصلت لوزني ده ف ست شهور بس. وبسبب الوزن ده غيرت استايل لبسي كله وبقى عبايات أو تونيكات بس. بصراحة زهقت من شكلي كده ف أنا قررت إني أخس وأرجع زي الأول. إنتِ إيه رأيك؟"
هتفت زمزم بصراخ وفرحة:
"إنتِ بتسأليني ع رأيي؟ طبعاً معاكي يا متخلفة. إنتِ لازم تخسي وترجعي زي ما كنتِ طبعاً."
زادت حماسة تمارا واتسعت ابتسامتها وتابعت:
"إمبارح بدأت رجيم من صفحة ع الفيس بتنزل نظام أكل وكده، والحمد لله ماشية عليه كويس لغاية دلوقتي. بس فيه مشكلة صغنونة كده وإنتِ اللي ف إيدك الحل."
زمزم بسرعة:
"عنيا ليكي يا توتا، قوليلي بس أنا ف إيدي إيه وأنا هعمله فوراً."
"لازم رياضة. والرياضة دي مش هتيجي إلا إذا نزلت اتمشيت كل يوم ساعة على الأقل على مدار اليوم. وعابد مش هيرضى ينزلني إلا لو كان حد معايا، ف أنا فكرت إني أقولك عشان تنزلي معايا وهو كده يبقى مطمن. لأن انتِ عمو قدري مبيسيبكيش تنزلي من غير حراسة. ودي حاجة هتنفعني طبعاً."
"أوكي يا توتا اتفقنا. بس خليها ع 10 الصبح كده ننزل، وأهو بعد الساعة أروح جلسة العلاج على طول. ماشي؟"
"طبعاً ماشي يا قلب توتا. باي يا حبيبتي."
ودعتها زمزم كذلك وأغلقت الهاتف والتفتت إلى سيلين حتى تسألها ماذا فعلت بالهاتف وأخفت أثر حديثها مع ياسر.
"سيلا إنتِ عملتي إيه ف التليفون؟ وقاص معرفش يطلع حاجة خالص من عليه؟"
أمسكت سيلين بياقة قميصها وهتفت بغرور مصطنع:
"عشان تعرفي بس فايدتي ف حياتك يا بنت عمو ناصر. معملتش حاجة، بما إني عارفة باسورد الفون ف فتحته ومسحت الواتس خالص. وطبعاً بما إنك دهولة يا حياتي واديتيني أنا التليفون عشان أنزلهولك م الأساس، ف الرسايل مضاعتش. لا تقلقي عزيزتي."
قفزت زمزم من مكانها وانقضت على سيلين تحتضنها بقوة وهي تبكي وتلقي على مسامعها عبارات الشكر والامتنان غير المنتهية.
***
مرت عليها الدقائق بثقل شديد. مع مرور كل ثانية كان ألم رأسها يتضاعف أكثر من ذي قبل. سابقاً وقبل أن تعاود تعاطي تلك السموم، كانت بدأت تعتاد على ألم رأسها قليلاً، ولكن إمكانية وجود المسحوق الأبيض جعلتها تلقي ما بنته خلال شهر من العلاج وراء ظهرها وانجرفت وراء الممرضة وعاودت تعاطي المخدرات.
تناولت طعامها كما أمرها ناير ولم تتسبب في أحداث ضجة قدر استطاعتها، فزوجها لن يتوانى عن تنفيذ تهديده إذا ما حاولت إثارة المشاكل بالغرفة أو العبث بمحتوياتها.
فتح الباب ودلف منه ناير يحمل صينية طعام بيده. نفس المشهد يتكرر. وضع الصينية على الطاولة الصغيرة بالغرفة والتفت لها قائلاً:
"الغدا. يلا كلي كده، إنتِ خسيتي خالص. عاوز أجي آخد الأطباق دي ألاقيها ممسوحة."
واستعد حتى يخرج من الغرفة، فاستوقفته زهرة قائلة بصوت مهتز وعينان مدمعتان:
"مـ.. ممكن تـ.. تديني حاجة للصداع يا ناير؟"
لم يلتفت لها وأجابها قائلاً بصوت حاد لا يقبل النقاش:
"لا."
اقتربت منه وأمسكت برسغه تترجاه وعبراتها تجري على وجنتيها.
"الله يخليك يا ناير. صدقني أنا تعبانة. تعبانة ودماغي هتنفجر م الصداع. عاوزة بس أي حاجة تخفف الوجع والصداع ده."
حل وثاق رسغه من قبضتها. تابع سيره ناحية باب الغرفة، لكنه توقف مكانه عندما شاهد الطاولة الصغيرة وما عليها يطيحان بالأرض. تبعهم صراخها هي.
"يعني إيه لا؟ إنتِ مفكر نفسك مين ها؟ إنتِ ملكيش دعوة بيا. إنتِ اتخليتِ عني وسبتني. جاي دلوقتي تتعبيني تاني؟ غور امشي. مش عاوزة منك حاجة."
شهقت بمفاجأة وألم عندما جذبها ناير بسرعة من شعرها وهتف من بين أسنانه:
"مع الأسف يا حياتي مفيش غير الأكل اللي إنتِ وقعتيه ده لغاية العشا. علينا وعليكي بخير بقي. ولغاية العشا إن شاء الله، ف مراتي حبيبتي هتنضف اللي هي عملته ده. أحسن ما يبقي مفيش عشا كمان."
صرخت بعنف وعناد:
"مش هنضف حاجة. لا عاوزة أكل ولا شرب. هفضل كده لحد ما أموت وربنا يخلصني منك."
حفر الألم معالمه على وجهه بوضوح مع كل كلمة تتفوه بها زهرة، ولكنه أخفاه بمهارة وراح يهزها بعنف.
"أنا هربيكي يا زهرة."
ودفعها حتى سقطت على الأرض بجانب ما أسقطته من طعام.
"براحتك يا حياتي. يعني أسافر وأنا مرتاح لإنك كده كده مش هتاكلي بقي وعاوزة تخلصي مني. اوكي أنا هساعدك. هتوحشيني يا زهرتي ف الكام يوم اللي هغيبهم دول."
وخرج وتركها وأغلق الباب خلفه بالمفتاح. ثوانٍ وكانت صرختها القوية تشق الصمت من حوله بسبب ألم رأسها الذي بدأ في التزايد بصورة غير محتملة، خاصة مع جذبه لها من خصلات شعرها بقوة والتي ساعدت في مضاعفة الألم.
رواية القديمة تحلى الفصل السابع 7 - بقلم نرمين
انتظرته حتى يأتي، فقد أخبرتها حماتها بقدومه اليوم ولكن بساعة متأخرة، لكنها لم تكترث وبقيت تنتظره.
ذهبت والدته في سبات عميق، إذ أن الساعة الآن تشير إلى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، فيأست من حضوره ونامت.
تنهدت تمارا باحباط وامتعاض جلي ونهضت من مكانها حتى تغادر إلى شقتها، ولكنها توقفت مكانها وابتسمت باتساع عندما سمعت صوت الباب وهو يحاول فتحه.
تجمد عابد بمكانه عندما شاهدها، لأول مرة منذ زواجه بها، تبتسم له. بدت وكأنها تنتظره. شرد بخياله بعيدًا إلى إحدى أمانيه عندما شاهدها لأول مرة في خطبة ابنة عمها "سيلين". عاش معها بخياله، تخيلها وهي تنتظره بإحدى ابتساماتها التي تسلب لبه بدون شك عند عودته من العمل. ولكن جميع أمانيه وما بخياله تبخر عندما...
"هتفضل واقف عند الباب كتير كده؟"
قالتها تمارا بهدوء وابتسامة صغيرة على شفتيها، وأخرجته مما شرد به ربما لدقائق ولم يشعر. استعاد رباطة جأشه وعادت الجدية إلى ملامحه ثم قال:
"لا أبدًا... أكيد هدخل يعني، بس اتفاجئت كده. فكرتك مثلًا مستنياني."
فتحت فمها تنوي الرد، لكن صوت والدته الملهوف قاطعها وهي تندفع إلى أحضان صغيرها.
"وحشتني أوي يا حبيبي... كده كده يا عابد، يومين بحالهم مشوفكش يا ابني."
بادلها عابد العناق بقوة وربت على رأسها مقبلًا إياها، ثم أبعدها عنه وجلس على المقعد قائلًا بقوة هادئة:
"هو أنا مش قايل متنزليش هنا إلا لما تقوليلي؟ كلامي مبيتسمعش ليه؟"
سارعت والدته بالرد وهي تربت على كتفه قائلة بنبرة مدافعة:
"لا يا حبيبي مش ذنبها... أنا كلمتها قولتلها إني تعبانة، أنت عارف السكر بقي على عليا فجأة كده واتصلت بيها عشان تلحقني، لكن هي متقدرش تكسر كلمتك طبعًا."
عابد بلهفة:
"انت كويسة دلوقتي يا أمي ولا تروحي لدكتور؟"
ردت والدته مطمئنة إياه:
"لا يا حبيبي تسلملي، أنا تمام. تمارا الله يبارك لها لحقتني بالعلاج. تعالى بقي اتعشى معانا."
انتهيا من تناول العشاء الذي أعدته تمارا في دقائق وجلسا سويًا لبعض الوقت، وبعدها نهضت والدته من مكانها وهي تقول إليهم وتشير إلى باب المنزل:
"يلا يا حبيبي خد مراتك واطلع شقتك. أنا خلاص هدخل أنام مع حبايبي. تصبحوا على خير."
عابد/تمارا:
"وانت من أهل الخير يا أمي."
لم يستطع عابد مجادلة والدته بشأن صعوده إلى منزله، فهي لا تعلم شيئًا عما قالته تمارا بذلك اليوم، لذلك فعل ما طلبته والدته بصمت تام وتبعته هي بسكون.
بالشقة...
دلف عابد إلى غرفة أطفاله واستعد للنوم بها حتى يذهب صباحًا إلى العمل.
بعد قليل، دلفت إليه تمارا بعد أن دقت على الباب تنتظر إذن الدخول.
"ياااه... بتقدري الوقت صح أوي. استنيتي لما غيرت هدومي وبعدين دخلتي. المهم خير؟"
شبكت كفيها ببعضهما دلالة على توترها وقالت:
"كنت عاوزة أستأذنك إني أروح النادي مع زمزم."
قطب عابد جبينه قليلًا ثم هتف باستغراب:
"نادي!! ده من امتى أصلًا. وعاوزة تروحي ليه؟"
"عادي... أنا بفضل قاعدة هنا الـ 24 ساعة وأنت مبترضاش إني أخرج إلا معاك لما تكون موجود. لكن زمزم عمو قدري ميخرجهاش إلا بالحراسة عشان لو حصل حاجة لاقدر الله."
"اممم... فانت شفتي إنها فرصة كويسة خصوصًا إن مش هيبقي فيه مبرر لرفضي."
أسرعت تمارا تقول بلهفة:
"لا... لا والله مش قصدي... أنت تقدر تقولي لا بكل سهولة ومش لازم تقول أسباب كمان. بس أنا فعلاً لقيتها فرصة كويسة خصوصًا إني مبروحش لزمزم وده هيبقي تعويض. وكمان العيال مش هقدر أسيبهم لطنط فقلت النادي فرصة."
ابتسم عابد بخفة وتمدد على الفراش قائلًا:
"ماشي يا تمارا... وخذي الكريديت بتاعتك من المحفظة. يلا خدي الباب ف إيدك."
نظر لها عابد وهي تعطيه ظهرها بنظرات ممزوجة بالاحباط. خيبة الأمل، الخذلان، الوجع. فابتسامتها وهدوءها ورقتها معه اليوم لم تكن نابعة من داخلها. كانت فقط مجرد واجهة لما ستطلبه منه، ولذلك اقتضى ذلك توفيرها الراحة للزبون حتى تصل إلى مرادها وما تريده. تنهد بوجع وخيبة ورفع الغطاء عليه وأغمض عينيه حتى يستدعي النوم إلى جفنيه.
***
دلفت إليها سيلين على حين غرة، فشهقت بعنف من المفاجأة ونهضت مسرعة من مكانها، ولكنها تعثرت بسبب كومة الملابس التي تحتل أكثر من نصف أرضية الغرفة.
اقتربت منها سيلين وهي تنظر للملابس الملقاة أرضًا بذهول قائلة:
"إيه ده كله يا زمزم؟ مطلعاهم كلهم كده ليه؟"
غرست زمزم أصابعها بخصلاتها البرتقالية وهتفت بنزق وملامح منزعجة:
"مش عارفة ألبس إيه وأنا راحة عند ياسر. زهقت فنزلتهم كلهم."
ضحكت سيلين بقوة حتى أدمعت عيناها وهي تنظر إلى تلك الطفلة الحانقة أمامها، ثم تقدمت منها وجلست بالأرض:
"ما لازم طبعًا متبقيش عارفة. أنت أصلًا هدومك كلها قديمة. مكنتيش بتجيبي لبس أساسًا."
زمزم بحيرة:
"طب أعمل إيه؟"
رفعت سيلين إحدى حاجبيها بتفكير ثوان وأصدرت صوتًا بإصبعيها وهتفت:
"لقيتها. شوفي يا ستي فاضل على معادك ساعتين بحالهم. إيه رأيك تنزلي معايا نروح نجيبلك طقم محترم كده تروحي بيه؟"
أعجبتها الفكرة وتحمست كثيرًا، ثم عادت ملامحها إلى التجهم وهتفت:
"بس الحاجات دي مين هيشيلها كده هتأخر."
قالتها وهي تشير إلى الملابس الملقاة أرضًا.
جذبتها سيلين من ذراعها وهي تقول:
"سيبك من ده كله دلوقتي هبعت سمر عشان تشيل ده كله واحنا نخرج. ها يلا بقي ولا إيه؟"
أومأت زمزم بسعادة وذهبت حتى ترتدي ملابسها.
***
بغرفة وقاص وزوجته المصون...
كانت شيما تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بضيق وملامح غاضبة، وأمامها يجلس وقاص ينفخ بنزق، ثم هتف أخيرًا بحدة:
"ما تقعدي على حيلك بقي خيلتيني."
"مش هقعد... مش هقعد إلا لما أعرف السبب العظيم اللي مخليك مش راضي تعملي حفلة عيد ميلادي هنا في الفيلا. إيه قليلة؟ مينفعش أظهر قدام رجال الأعمال والمناصب اللي تعرفوها."
صاح بها بغضب وصوت مرتفع:
"يووووه بقي مش هنخلص ولا إيه؟ أنت مش صغيرة عشان أعملك عيد ميلاد. وبعدين مش لازم الناس كلها تحضر الحفلة، كان ممكن تكون الحفلة دي سبيشيال... لينا إحنا وبس."
صرخت بعند وغضب:
"وأنا مش عاوزاها سبيشيال. أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا مبخرجش معاك أروح لقرايبك حتى ولا حد من معارفكو بييجي هنا ولا قلت لحد إنك متجوز أصلًا. الحفلة دي هتبقى فرصة ليا... وبصراحة رفضك ده مش مريح."
غرس أصابعه الطويلة بخصلات شعره بقوة وابتسم بغيظ محاولًا إقناعها:
"يا شيما... يا حببتي أنا مبحبش جو الحفلات ده أصلًا وده اللي خلاني أعجب ليكي. الحفلات دي والجو ده كله بلاستيك وشوش منافقة هييجوا للمجاملات وبس."
لم تقتنع، بل لم يزدها كلامه إلا عنادًا فوق عنادها.
"اديك قلت مجاملات وده اللي أنا عاوزاه. عاوزة الكل يعرف إني بقيت مراتك الأولى والأخيرة."
زفر بضيق شديد وهتف بنزق واضح بصوته:
"طيب يا حببتي... هعملك الحفلة هنا."
اقتربت منه شيما واحتضنته بنعومة أثارت غريزته نحوها. كان يعلم جيدًا ما تفعله تلك الخبيثة، ولذلك تعمدت إثارته بمفاتنها الأنثوية حتى انتهى بهما الأمر على الفراش يمارسان الحب من وجهة نظره.
بالغرفة الموجودة بها زهرة...
كانت لا تزال تصرخ بسبب ألم رأسها الذي يتضاعف أكثر وأكثر، خاصة مع صراخها المستمر. بعد مرور بضعة دقائق، خارت قواها وجلست بأحد أركان الغرفة تضم قدميها إلى صدرها وحولها خصلاتها الهائجة المشعثة. انتهت من الصراخ وتفرغت للبُكاء، ولاحت ذكرى عمرها أربعة أشهر فقط إلى ذهنها.
عودة إلى وقت سابق...
ركضت بسرعة إلى هاتفها الموجود على الفراش والتقطته بأيادي مرتعشة جراء ما رأته من معركة طاحنة دارت بين الحراسة التي تحاوط المنزل وذلك الخنزير الملئ بالشحوم هو ورجاله. سقط الهاتف منها فجأة وهي تستمع إلى جملته التي خرقت أذنها: "عاوز مراته... والحراسة عاوزهم مصابين... محدش ييجي جنبهم. لموا التليفونات وأمنولي المكان جوة."
عادت تلتقط الهاتف الذي سقط منها واتصلت به حتى ينقذها من براثن ذلك الذئب بالخارج. رد عليها ناير بغضب ألجمها:
"إيه؟ إيه؟ اتصالات اتصالات عندي شغل. مبتفهميش. مش فاضي يا زهرة. لو سمحتي اقفلي وأنا هقفل التليفون خالص لأني عارف إن إيدك هتاكلك وهتتصلي تاني بردوا."
وأغلق الخط دون أن يتيح لها الفرصة للحديث.
عادت زهرة تهاتفه من جديد قبل أن ينفذ تهديده ويغلق الخط، ولكن يبدو أنها تأخرت فقد أغلقه بالفعل.
انتفضت في مكانها عندما سمعت صوت الباب وأحدهم يحاول فتحه ويفسح المكان لذلك الرجل الشبيه بشعار "ميشلان". اقترب منها الرجل وابتسم باتساع مظهراً أسنانه الصفراء بفعل النيكوتين. ابتسامة أثارت التقزز في نفسها. جذبها من ذراعها وخرج من الغرفة لتبدأ رحلة عذابها.
رواية القديمة تحلى الفصل الثامن 8 - بقلم نرمين
صباح اليوم التالي...
كانت تمارا تقف أمام المرأة تحاول وضع عدستها اللاصقة حتى تداري بها لون عيناها، غافلة عن ذلك الذي يقف مستندًا على إطار الباب يراقب خلجاتها بشغف لم يستطع إخفاءه، ولم يستطع البوح به أمامها.
تأففت بضيق، راحت تستغفر بصوت مسموع عندما فشلت لأكثر من مرة في ارتدائها.
اقترب منها عابد ووقف خلفها وهتف:
- طب بتلبسيها ليه أصلًا؟ أنا أعرف إن البنات بتلبسها عشان تغير لون عينيها من البني للأزرق أو الأخضر، إنت عاوزة تداريها وتخليها بني؟
رفعت كتفيها بلامبالاة وهتفت:
- أنا مبحبش أخرج بيها، بتكسف لما الناس بتركز فيها فبداريها.
- اممم... وجهة نظر برضو. النشاط ده كله عشان راحة النادي مع زمزم؟
أومأت برأسها بابتسامة على شفتيها وعادت لتضع العدسة، ولكنها لم تستطع. فاقترب منها عابد وأمد يده لها قائلًا:
- تعالي أما ألبسهالك.
نظرت إليه بذهول ثم هتفت بضحك:
- عاوز تضيعلي عيني خالص؟ لا بلاها أحسن.
توقفت مكانها وسكنت ضحكاتها وتحولت إلى تمثال من الرخام لا يتأثر بشيء عندما هتف هو:
- براحتك. أنا أصلًا بركبها لزينب علطول. يلا أنا نازل رايح الشغل... سلام.
كانت تقبض على يدها بعنف شديد، فهو يتعمد إثارة غضبها، يتعمد قهرها وتجريحها. تجاوزت ما حدث والتفتت حتى تكمل ما تفعله، لكنها تفاجأت بأنها أتلفت العدسة، إذ أنها تقبض عليها طوال هذا الوقت.
رمتها أرضًا بعنف وغضب وهي تقول:
- والله ما أنا لبساكي لا دلوقتي ولا بعدين، أوف.
وأخذت حقيبتها وخرجت من المنزل حتى تأخذ طفلتها من الطابق أسفلها.
***
بقصر النوساني...
نزلت زمزم إلى الأسفل حتى تذهب إلى موعدها مع ياسر. بالأمس دعاها لتناول الغداء، فلم تفعل شيئًا سوى أن خرجت من غرفته ركضًا على قدر ما أسعفتها قدمها ولم ترد عليه. بقي ساعات الليل كاملة يحاول الحديث معها وبعث إليها برسائل الأسف وعدم التكرار مجددًا، ولكنها كانت تزداد خجلًا واحمرارًا.
اليوم قررت ترك شعرها حرًا بدلاً من ربطه. لا تعلم، فقد خالجها شعور أحمق خاص بفتيات المراهقة، تلك الفتيات التي تترك خصلاتها طويلة عندما تحب شخصًا ما، وعندما يتبادلا الكلام الرومانسي تترك شعرها حرًا وتتلاعب به باللعبث.
هزت رأسها حتى تبعد تلك الأفكار عن مخيلتها ووقفت تنظر إلى هيئتها في المرأة الموجودة بالبهو الكبير. ترينج أبيض اللون له سويت شيرت من نفس لونه بخطين أسودين من الجانب وتركت شعرها البرتقالي حرًا.
بنفس الوقت كان وقاص يمسك بيد زوجته وينزلان. لمحها وقاص وهي تضع إحدى يديها بخصرها وتنظر إلى نفسها بالمرأة ومن الواضح أنها تتأكد من روعة طلتها.
- هعمله في الجنينة يا حبيبي، بس طبعًا صحباتي هييجوا لي الصبح هنا كام واحدة كده القريبين مني... و...
واسترسلت شيماء في الحديث غافلة عن شرود زوجها في تلك الواقفة بالأسفل وتعبث بخصلاتها.
- ها بقي إنت إيه رأيك؟
لم تتلق شيماء ردًا على سؤالها ونظرت إليه، وعندما شاهدت نظره مثبتًا على بقعة ما، نظرت إليها تلقائيًا لتشتعل غضبًا. سرعان ما سيطرت عليه وهتفت بأعلى صوتها قائلة:
- زمزم حبيبتي... صباح الخير. إيه الشياكة دي كلها؟ أكيد معاد الدكتور ياسر النهاردة مش كده؟
استطاعت تلك الجبيثة جذب انتباه كليهما بما قالته، فقد فاق وقاص من تحديقه بها وتوحشت عيناه بعد ما قالته زوجته، إذ أنها بهذه الطلة التي أقل ما يقال عنها أنها تخطف الأنفاس حتى تذهب إلى جلستها فقط.
أما زمزم فقد هوى قلبها بقدميها من فرط ذعرها عندما شاهدت هيئة ابن عمها، لكنها هتفت بكل ما تستطيعه من ثبات:
- آه فعلًا... النهاردة معاد يا... دكتور ياسر، بس أنا رايحة النادي مع أختي وبعدين أنا لابسة تريننج عادي.
لم يفته زلة لسانها وهي تنطق اسم ذلك الطبيب مجردًا، ولكنه بلعها بكيفه.
في ذلك الوقت جاءت سيلين وأصدرت صفيرًا عاليًا وهي تنظر إلى زمزم بإعجاب:
- وااااو يا زوزة... مكنتش أعرف إنك مزة كده.
ولكزتها في ذراعها قائلة:
- عشان تعرفي بس ذوق بنت عمك. قعدتي تقوليلي الأسود الأسود عشان رجلك، وأهو الأبيض مش مبين حاجة ومخليكي ملكة جمال أهو.
انتبه وقاص بجميع حواسه إلى ما تقوله شقيقته، فهي خرجت من المنزل وتبضعت لاول مرة منذ أن دخلت إلى هذا المنزل عندما بدأت بالعلاج الطبيعي مع ذلك المدعو ياسر. هناك سر في الأمر برمته ولكل فرد من عائلته دورًا بها. أبيه تخلى عن الدفاع عن زمزم، شقيقته كلامها مع زمزم يدل على وجود أسرار بينهما، والدته تكن مشاعر الكره والاحتقار لزمزم حتى قبل أن تصبح زوجته. عليه أن يحل اللغز وبأسرع وقت حتى يعلم ما تفعله زمزم بمساعدة شقيقته.
***
يجلس بجانب هاتفه الخلوي ينتظر أي مكالمة من الخاطف، ينتظر أن يساوموه حتى على حياته. يريدها أن تعود سالمة إلى أحضانه، وهذه المرة سيأخذها أينما ذهب، لن يتركها مرة أخرى.
استجاب الله لدعاءه وتصاعد رنين هاتفه. طالع المتصل ووجده رقمًا غير معروف، ضغط زر الإيجاب مسرعًا ورد بلهفة:
- ألو.
رد عليه الطرف الآخر ببرود صقيعي:
- المعلومات اللي عندك يا حضرة الرائد عن عملية المخدرات. نفذت اللي قولته مراتك هترجعلك سليمة من غير خدش واحد. اتفرعنت كالعادة، انساها، حتى جثتها مش هتاخدها. معاك مهلة يوم واحد.
أغلق الخط مرة أخرى. خارت قواه وجلس على المقعد بتثاقل. عليه الآن أن يختار بين حبه لوطنه وحبه لزوجته. هو حتى لا يعلم من الرجل الذي قام باختطافها. هذه العملية بعد يومين هي حصيلة تعبه طيلة شهرين من العمل الدؤوب والجهد الخرافي، بها سيكون ساهم ولو قليلًا بإنقاذ الكثير من الشباب الحمقى من الوقوع في التهلكة.
وضع رأسه بين كفيه حائرًا لا يعلم ما عليه فعله. مر اليوم الذي أعطاه له الرجل بتثاقل شديد، فقد دق جميع الأبواب التي قد تتمكن من مساعدته، لكنه لم يتوصل لشيء. وآخر ما سمعه من صديقه المقرب ورئيسه بالعمل: "إحنا لما بنطوع في الجيش يا ناير بنقسم إننا هنحافظ على بلدنا حتى لو على حساب أرواحنا وأرواح حبايبنا. مش هأمرك بصفتي رئيسك في شغلك، بس هقولك مراتك واحدة بس. إنت دلوقتي بين نارين، اختيارين سيئين جدًا، ولازم تختار. فالحالة دي بتختار السئ فالأسوأ." وغادر المنزل تاركًا إياه في دوامته مرة أخرى.
تصاعد رنين هاتفه بنفس موعد أمس، رد على الهاتف ببطء وخوف كامن في حدقتيه البنيتين:
- المهلة خلصت. عندك حاجة تقوليها لي؟
رد عليه ناير بصوت جامد:
- افتح الاسبيكر.
ثوانٍ وسمع ذلك الرجل يتحدث إلى زهرته التي استمع إلى نشيجها:
- يلا جوزك عاوز يكلمك. قوليله بقي يخرجك من هنا بسرعة، إنت شفتي كرم ضيافتي، بلاش أوريكي الوش التاني.
وصله صوتها الباكي وشهقاتها:
- ناير... ناير عشان خاطري طلعني من هنا... ناير أنا خايفة.
قالت كلمتها الأخيرة وبكت بقوة. جاءها صوته الثابت الجامد وهو يقول:
- زهرة أنا آسف، مش هقدر أنقذك. مش هقدر أنفذ اللي هما عاوزينه. أنا بحبك.
ثوانٍ واستمع إلى صوت الرصاصة التي بالتأكيد أصابتها وأردتها قتيلة. سقط الهاتف من يده وبكى. بكى كما لم يبكِ من قبل. حب عمره، عشق شبابه، رفيقة دربه إلى نهاية الدنيا، وبالآخرة قتلت وستبقى يديه ملوثة بدماءها إلى يوم القيامة.
***
- هااااي رحت فين يا عم الحج؟ قالها يامن صديقه بالعمل ورئيسه سابقًا. بفضل هذه العملية حصل ناير على ترقية جديدة بعمله وأصبحا بنفس المنصب الآن.
- مفيش... رحت لزهرة يا يامن.
اتكمشت ملامح يامن بأسف واردف:
- هي لسه متعالجتش برضو؟
هز رأسه نفيًا بيأس وهتف بمرارة:
- لسه... إنت عارف علاج الإدمان بياخد وقت، والمصحة كمان كانت السبب إنها ترجع تتعاطى تاني، يعني رجعنا للصفر من الأول.
- طب المستشفى اللي راحتها دلوقتي مجابتش نتيجة؟
- لا هي حاليًا مش في مستشفى... أنا خدتها البيت وحابسها في أوضة يدوبك بس بدخلها الأكل، مفيش لا علاج ولا مسكنات.
اتسعت حدقتي يامن بذهول ثم هتف:
- حرام عليك يا ناير... حرام عليك... إنت كنت شايفها عاملة إزاي وهي في المستشفى وبتاخد العلاج، أومال لما تمنعه منها هتبقى عاملة إزاي؟
احتدمت نظرات ناير وهتف بشراسة:
- كنت عاوزني أعمل إيه يعني؟ أسيبها في المستشفى لحد ما تموت من جرعة زيادة؟
- طب اهدي... اهدي... أنا قصدي بس تتعالج صح... على الأقل يبقى الوجع الطبيعي مش مضاعف. هاتلها دكتور في البيت طيب.
تنهد ناير بتعب وأسند رأسه على ظهر المقعد قائلًا:
- مش هأمن عليها مع حد يا يامن. وكمان خايف... خايف منها لما تخف لا تسيبني. خايف من حاجات كتير... مش عارف هبررلها إزاي إني سبتها في إديهم. مش عارف هبررلها جوازي إزاي واللي كان قبل يوم الحادثة بكام ساعة بس.
رواية القديمة تحلى الفصل التاسع 9 - بقلم نرمين
بعد مرور يومان ...ذهب ناير الى زوجته فى الغرفة المحتجزة بها ..فقد اقنعه صديقه "يامن" بخطأ تصرفه معها ...وقف امام الغرفة واخرج المفتاح من جيب بنطاله..توتر يجتاحه عندما يقترب منها بعد فعلته الاخيرة...استعاد قوته وفتح الباب ثوان واندفع الادرينالين بأوردته وذهب ركضا اليها ...كانت تجلس بأحد اركان الغرفة يبدو انها لم تتحرك من مكانها طوال مده غيابه فقد كان يراقبها من خلال الكاميرا التي وضعها بالغرفة وكان هذا المشهد هو اخر ما رأها عليه...
جلس على الارض وجذبها الى احضانه بقوة وهو يبكي على حالها ...كانت كالزهرة بحياته تضفي جو من الحب والالفة بأى مكان توجد به..حتى انها لم تحمله معاناتها من معاملة اهله جميعا لها...
رفعت رأسها تنظر اليه ثم هتفت بضياع...
-مرة واحدة بس...صدقني يا ناير مرة واحدة ...اريح دماغي من الصداع ده...
نظر الى عينيها بقوة هاتفا...
-لا..
همست تترجاه ..
-والله مرة واحدة بس ..
-قولت لا..
توحشت نظراتها واسودت حدقتيها ودفعته بكل ما اوتيت من قوة ادت الى ترنحه قليلا اذ لم يكن مستعدا لتلك الدفعة منها ..
-يعني ايه لا؟؟..انت مين عشان تقولي لا؟؟...مش انت اللى سبتني ف اديهم ؟؟...مش اللى انا فيه ده دلوقتي كله بسببك..
نهضت من مكانها وخلعت التي شيرت الذي ترتديه وهى تشير الى باطن ذراعها نحو العلامات الزرقاء بسبب الابر..
-شوف..شوف نتيجة تخليك عني...خلوني مدمنه ف اقل من ست شهور..خلوني مدمنة وبجري ورا السم ده ...استنيتك تنقذني بس مجتش...بكل برود قولتلي انا اسف..سبتني ف اديهم مهمكش يعملوا ايه فيا حتى...مارست حياتك عادى واترقيت...اترقيت على حسابي...
وانفلتت اعصابها واصبحت تبكي وتصرخ فى آن واحد..اندفع اليها ولم يجد سبيلا لتهدأتها سوى ضربة تلقتها بسيف يده برقبتها ادت الى اغمائها...حملها ووضعها على الفراش وعاود البكاء عليها من جديد ...واتخذ قراره ...زهرة يجب ان تعود الى المشفي...كما انه يجب ان يبتعد عنها حتى يندمل جرحها الذي تسبب هو به ...
****************
تغيرت حالتها النفسية كثيرا ..يومان فقط بذلك النادي الرياضي برفقة شقيقتها ساهم بدرجة ملحوظة فى التغيير الذي طرأ عليها...انتهت من ارتداء ملابسها وذهبت الى النادى بمفردها فقد اخبرتها زمزم بأنها متعبة ولن تستطيع القدوم اليوم ...لم تضغط عليها تمارا وتركتها على راحتها داعية لها بالشفاء العاجل...
وصلت تمارا الى النادي مبكرا عن موعد تمارينها التى تؤديها بانتظام لمدة يومان فجلست على احدي الطاولات بالنادي المقابلة لحمام السباحة وطلبت فطورها...
على مقربة منها يجلس ذلك الشاب ذو البشرة البيضاء ...يرتدى سروالا من الجينز وقميصا ابيض اللون ويضع النظارات الشمسية على عينيه..كان يلتفت بالصدفة فوجدها ...تجمد مكانه لبرهة ثم نهض وسار باتجاهها..
-صباح الخير...
رفعت تمارا رأسها عن هاتفها عندما استمعت الى ذلك الصوت ثم قطبت جبينها باستغراب قائلة...
-صباح الخير...افندم؟؟..
افلتت ضحكة من ذلك الشاب ثم هتف بابتسامة...
-لسه زي م انت متغيرتيش ...مش فكراني؟؟..
هزت رأسها نفيا ..
-لا...الحقيقة معرفش حضرتك...وياريت تقول انت عاوز ايه ولا تعرفني منين اصلا..
جذب الشاب المقعد الاخر وجلس عليه قبالتها وخلع نظارته قائلا...
-انا احمد...احمد نصران زميلك بتاع الكلية...لسه مش فكراني؟؟..
هزت رأسها بعدم تصديق تحاول استيعاب هوية الماثل امامها..."احمد نصران"..عشق الشباب يجلس امامها الان بهيئته ...ترقرقت عيناها بالدموع وهى تتذكر ما عانته مع والدها بسببه...كانت تعتقد انه يحبها ...خيل لها انه لن يتركها تتزوج غيره....لكن ..ليس كل ما يتمناه المرء يدركه...
اخفضت رأسها سريعا وحاولت ازالت تلك العبرات قبل ان تتخطي حدود عيناها ...
-عاملة ايه يا توتا؟؟..اخبار دنيتك ايه؟؟..
تعمدت ان ترفع يدها اليسار امام وجهه وهى تقول بابتسامة حاولت قدر استطاعتها جعلها طبيعية...
-الحمد لله يا احمد...اتجوزت ومعايا سجدة وعدي...وانت ايه اخبارك؟؟
انطفأت لمعة عينيه وهو يحدق بالحلقة الملفوفة حول اصبعها ...احس بها تلتف حول عنقه حتى كادت ان تخنقه...سافر الى الخارج حتى يحصل على فرصة عمل مناسبة على امل ان تنتظره...تنتظر رجوعه ويتزوجها...لكن على ما يبدو انه كان مخطئا...فهي لم تكن له مشاعر يوما وذلك واضح للغاية من ابتسامتها...
-الحمد لله...بس لسه ربنا مكرمنيش ...ملقتش اللى احبها وتحبني..واصدقها...
استطاعت فهم المعني المبطن لكلمته الاخيرة والتي لا تمت بصلة الى ما يتحدثان به من الاساس لكنها لم تكترث وتابعت الحديث معه ...بعد مرور ساعة تقريبا ...
-سوري يا احمد لازم امشي ..معاد الكلاس بتاعي...فرحت جدا انى شوفتك النهاردة..
والتفتت حتى تغادر لكنه هتف...
-وانا كمان فرحان جدا اني شوفتك النهاردة...مع السلامة...
اشارت له مودعة وذهبت نحو الجيم الخاص بالسيدات وكل انش بها ينتفض رعبا وهى تتخيل معرفة عابد بتلك المقابلة مع رجل غريب فقط...تري ماذا ستكون ردة فعله عندما يعرف انه لم يكن بشخص غريب وانه الشخص الذي رفضته زوجته بسبب حبها له؟؟...من المؤكد سيقتلها دون ان يرف له جفن؟؟...
************************
بالمساء ...خرجت سيلين من غرفتها متوجهة نحو غرفة ابنة عمها حتى تري اذا كانت تجهزت ام لا...دقت الباب ودلفت اليها فوجدتها تقف امام المرأة وتفتح فمها بتركيز شديد وهى تضع خطا من الكحل بعيناها الزرقاوين...انتظرت سيلين حتى انتهت زمزم من وضع الكحل بنجاح ثم هتفت...
-خلصتي يا زوزة؟؟..
-ايوة يا قلب زوزة...بس ايه حلو ولا ايه؟؟...
اقتربت منها سيلين وهى تنظر الي هيأتها...فستان من خامة الستان اسود اللون يتناقض مع لون بشرتها البيضاء بأكمام قصيرة الي حد ما له فتحه مربعة تظهر عظمتي الترقوة طويل حتي قدميها كما تحب ان يكون...خصلاتها معكوصة علي هيئة كعكة كبيرة بأخر رأسها وتسدل بعض الخصلات القصيرة علي زمردتيها ...
اقتربت منها سيلين ونظرت الى هيئتها بانبهار قائلة...
-حلوة بس!!...انت قمرررر ..انا مش هلاحق عليكي النهاردة من فرح البت سارة...يلا؟؟
اومأت برأسها ثم سارت خلفها ...كان كل شئ يسير على ما يرام الى ان شاهدتهم السيدة نجاة ...
-سيلا حببتي..انت راحة فين؟؟..
ابتسمت سيلين ثم اجابت ..
-راحة فرح سارة يا ماما ..
اشارت نجاة باصبعها الى الواقفة بجانب ابنتها وهتفت بنزق...
-وديه راحة فين وانت مسكاها كده ليه؟؟..
شددت سيلين على يد زمزم ثم هتفت بحزم..
-سارة عزمتها يا ماما ع فرحها...عن اذنك ...
سارا حتى باب الفيلا وخرجا الى وجهتهما...طوال الزفاف لم تسلم سيلين من تساؤلات من بالحفل عن تلك الفاتنة التى دخلت الى الحفل برفقتها ...اقترب منها شاب ما متوسط الطول وجذاب ..
-تسمحيلي اقعد؟؟...
اومأت زمزم رأسها له بابتسامة مترددة..تحاول تنفيذ ما نصحتها به سيلين عن الحفل وتكوين صداقات خاصة بها ..
-انا عز..عز الدين سليمان...اخو العروسة...حضرتك تعرفي العريس ولا العروسة؟؟..
ابتلعت زمزم ريقها الجاف فهي لم تكن يوما على درجة القرب هذه من رجل لا تعرفه...ياسر حالة خاصة فقد استطاع الاستحواذ على جزء من قلبها بسبب معاملته الرقيقة معها...
-العروسة..سارة صحبتي..
اومأ عز الدين برأسه ثم هتف بتساؤل...
-حضرتك تعرفي الانسة سيلين النوساني؟؟..
-ايوة..هي بنت عمي..
ابتسم عز الدين باتساع ثم استأذن منها حتى يذهب ...
انتهي الحفل على خير اخيرا ..دلفت كل من زمزم وسيلين الى المنزل وهم يضحكان على ما فعله العريس فقد اخذ زوجته بمنتصف الزفاف مشيرا لهم ان يستمتعوا بقضاء امسية سعيدة..غافلين عن ذلك الذي ما ان سمع صوت الباب يفتح ويدلفا منه حتى اندفع اليهم...
-كنت فين يا هانم انت وهي؟؟..
قالها وقاص بغضب شديد وصوت حاد..
توقفت ضحكاتهما واخفضت زمزم رأسها تاركة سيلين تخوض الحديث مع اخيها الغاضب..
-ايه يا وقاص مالك؟؟..كنت ف فرح سارة زميلتي...وبعدين من امتي وانت بتسأل اصلا رحت فين وجيت منين؟؟..
-من دلوقتي يا هانم...لما ترجعي الساعة اتنين بالليل انت ومراتي المصون يبقي اسأل ...
ثم نظر الى تلك التى تحنى رأسها وهتف بغضب...
-وسيادتك ملكيش حد تستأذني منه؟؟..وكالة هي تروحي وتيجي براحتك صح؟؟..
لم ترد عليه ايضا وذلك ما زاد من غضبه منها ..
-هو انت طرشة كمان ولا ايه؟؟..م تنطقي..
حاولت سيلين تهدأة الاوضاع بين شقيقها وابنة عمها باستغراب شديد من هذا الاهتمام المبالغ فيه من اخيها لزمزم...
-خلاص يا وقاص اهدي...ما هى كانت بتخرج قبل كده من غير استئذان ومبتعملش كده ايه اللى جرا دلوقتي بس؟؟..
_ انا اعمل اللي انا عاوزه يا سيلين هانم...وانت علي فوق يلا..
قال جملته الاخيره بصوت حاد مرتفع فركضت زمزم الي غرفتها وهي تبكي بعنف وشهقات مسموعه اخترقت اذان الموجودين بما فيهم عمها..
نظرت سيلين الي أخيها وهتفت معنفة إياه...
_ عجبك كده...مش كفاية انك قاهرها من ساعة م اتجوزتها جاي دلوقتي كمان وصعبان عليك تشوفها مبسوطة لدقايق ف لا ازاي لازم تنكد عليها طبعا...
وذهبت من أمامه وصعدت الي غرفتها..
عند زمزم كانت قد أغلقت الباب خلفها وهي تبكي بوجع من كلماته اللاذعة التي تسمم بدنها ...رن هاتفها الخلوي فالتقطته وعندما طالعت المتصل ضغطت زي الايجاب بسرعة وهي تحاول جعل صوتها طبيعيا..
ظلت تتحدث مع ياسر لوقت طويل...طويل جدا حتي ذهبت في سبات عميق وابتسامة رقيقة تزين ثغرها..
رواية القديمة تحلى الفصل العاشر 10 - بقلم نرمين
مر الأسبوع ثقيلاً على زمزم، فقد اعتذر ياسر عن إشرافه على جلستها، على أن يرشح لها طبيباً آخر من المركز يباشر معها الجلسة، وبالطبع جاءه رفضها على اقتراحه، وآثرت انتظاره حتى يأتي من سفره.
كانت لا تزال تنام على الفراش وهي تعبث بالهاتف وتتحدث إلى شقيقتها الكبرى، تطمئن على سير خطتها بنجاح.
عندما دلف إليها وقاص دون أن يدق الباب.
شهقت زمزم ثم سارعت بتغطية جسدها العاري بالغطاء.
نظر إليها وقاص بسخرية وهو يتابع حركاتها حتى تخفي جسدها عن عينيه، وبسرعة فائقة كان يمسك بالغطاء ويزيحه ويسقطه أرضاً، لينكشف ثوبها البيتي القصير الذي يصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل. ضيق من الصدر ومتسع إلى آخره.
"أظن كده كويس عشان لا تداري مني ولا تخافي إني أشوف حاجة مش حقي."
غلبت عليها طبيعتها الخجولة، احمرت وجنتيها من الخجل والغضب، لا تريد لأحد أن يراها بتلك الملابس البيتية سوى ياسر فقط.
التقطت روبها بسرعة وارتدته وأخفت كامل جسدها به.
تابع وقاص ما فعلته بدهشة أخذت في الاتساع وهو يتابعها.
"حضرتك عاوز إيه؟"
صفق وقاص وهو يضحك بسخرية وتهكم قائلاً:
"براڤو.. لا حقيقي براڤو.. بقيتي شرسة أهو وبتعترضي.. الظاهر إن الجلسات جابت نتيجة معاكي مش بس على المستوى الجسدي لا والنفسي كمان، ما شاء الله."
تحلت بالبرود حتى لا ينكشف لها خوفها منه، الذي تضاعف الآن بعد تخلي عمها عنها بالأمس وتركه يوبخها كيفما يشاء.
"بردوا أنا معرفتش حضرتك عاوز إيه؟"
أغمض عينيه بقوة يسيطر على غضبه. شكه بها وبعلاقتها بذلك الطبيب، من الممكن أن تطير رؤوس من فوق أجسادها بسببه، وهي تتمادى في استفزازه.
"النهاردة عيد ميلاد شيما."
"كل سنة وهي طيبة.. إيه علاقتي؟"
وقاص بحدة:
"علاقة سيادتك إنك لازم تحضري الـ party، وكمان محدش يعرف إنك مراتي.. زي ما الفرح اتعمل سكيتي، كمان صفتك في حياتي هتفضل سكيتي."
عاشت بهذا المنزل عامين كاملين، تعودت على سلاطة لسانهم معها وجفاء علاقاتهم بها. لكن يبقى للكلام الأثر الذي يشعرها بدونيتها وأنها أقل منهم بكثير، رغم أنها تمتلك ما يوجد عند زوجة عمها وابنها المبجل، فقط الفرق الوحيد بينهما تلك الإعاقة التي كتبها الله لها.
سابقاً كانت لتنخرط في بكاء ناعم أمامه، لكن بعد دخول ياسر إلى حياتها أصبحت عيناها تدمع فقط وتتماسك حتى لا تلفت الأنظار إليها.
"متقلقش.. محدش هيعرف حاجة.. وكمان ممكن محضرش الـ party دي خالص، كده كده زي ما قولت صفتي في حياتك سكيتي، ممكن تفضل كده على طول.. حاجة تانية؟"
مع سؤالها الأخير، رفع وقاص معصمه ونظر إلى ساعته ثم هتف:
"مش المفروض إن جلستك دلوقتي؟"
هذه المرة لم تستطع إخفاء ارتباكها وهتفت بصوت مهتز:
"أيوة.. بس أنا مش هروح."
"ليه؟"
"تعبانة.. بقالي أسبوع بروح يومياً.. أنا كده هبقى بضغط على نفسي."
أومأ برأسه في شك ثم هتف بتحذير مرة أخرى قبل أن يخرج من الغرفة:
"أوكي.. على الساعة ٧ تكوني جاهزة.. صفتك الأساسية إنك بنت عمي، غير كده متزوديش في الكلام.. اللهم بلغت."
وخرج من الغرفة تاركاً إياها وراءه تتنهد براحة، فقد أوشكت أن تجعله يتأكد هذه المرة إذا علم بأنها رفضت الذهاب إلى جلستها بسبب سفر ياسر وأنها لن ترضى بطبيب غيره.
***
عادت مرة أخرى للمشفى، لكن هذه المرة كانت مشفى جديدة، قوانينها صارمة، لم تستطع حتى تجاذب أطراف الحديث مع أي من الممرضات حتى تطلب منها ما تريده. ذلك بكفة، والطبيب الذي يراقبها كظلها بكفة أخرى.
علمت مؤخراً أنه يلازمها بأمر من زوجها وليس من نفسه، لكنها لم تكترث، فهو منذ أن يدخل إلى غرفتها ويبدأ بالحديث وهي تتجاهل وجوده.
اليوم من الواضح أنه مل من طريقتها معه، لذلك تفوه بما جعل شفتيها تنفران إلى أسفل بشكل مضحك للغاية.
"امم.. متستغربيش كده.. أنا فعلاً كنت مدمن.. بس مش هنا طبعاً.. هنا انتبهت له زهرة بجميع حواسها وهتفت بصوت مشدوه:
"إزاي يعني؟"
"شوفي يا ستي.. أنا كنت عايش برة مش هنا أصلاً.. كنت شاطر حبتين فبقوا يخلوني أشرف على الحالات الصعبة، من ضمن الحالات دي عيل عنده حوالي ١٨ سنة بقى مدمن، طبعاً الواد ده من عيلة معروفة وشغالين في الدولة، كان في المستشفى بسرية تامة، مكانش بيدفع عشان يجيب، لا كان بيروح المكان ياخد اللي هو عاوزه ويطلع، طبعاً أنا صعب عليا الواد، وفي مرة كده سبتهم من غير ما يربطوه هرب من المستشفى وأنا وراه، لحقته ودخلت وراه، طلبت الشرطة وأنا جوة بس اتكشفت، اتاخدت رهينة لأن بفضل البلاغ اتقبض على ناس كتير.. طلع المكان ده وكر فيه أكتر من مكان، وساعتها بقى خلوني مدمن."
قصته بطريقة ما تشبه قصتها، فهي لم تعرف طريقاً لتلك السموم يوماً.
"وبطلت إزاي؟"
لمعت عينا الطبيب ثم هتف بنبرة رقيقة للغاية:
"خطيبتي.. فضلوا يدوروا عليا لغاية ما لقوني وكنت ضايع، وهي أخدتني وعالجتني."
"وإزاي مارست مهنتك عادي؟"
"مش قولتلك الواد كان من ناس تقيلة.. وأنا عملت كل ده عشان أنقذه يعني كانت تعويض.. بس رجعت هنا.. خطيبتي أصرت نرجع."
بللت شفتيها بطرف لسانها وهتفت بصوت متوتر:
"هو.. هو إنت بطلت في قد إيه؟"
كتم الطبيب ابتسامة من الظهور على شفتيه بصعوبة، فقد استطاع جذب انتباهها إليه كاملاً.
"بطلت في سنة.. قصدي يعني طول السنة دي كنت بدور طبعاً على السم ده وأهرب ويجيبوني.. فيين بقى لما هديت وأنا قررت من جوايا إني أتعالج مهما أتوجعت."
اتخذت قرارها، هي تريد أن تسحب ذلك السم من جسدها، تريد التمتع بحياة طبيعية كأي شخص، كما أنها تريد رؤية شقيقتيها.
"أنا عاوزة أتعالج."
ابتسم الطبيب هذه المرة ثم هتف:
"تمام.. هتبدأي من النهاردة.. بصي يا ستي.. برنامج العلاج بتاعي مختلف والدكاترة هنا بتنتقده.. بس أنا مكمل فيه برضه.. هتتكلمي في التليفون.. هتنزلي الجنينة تحت.. شهر بالظبط وهفكك من السرير.. كل ده بشروط طبعاً."
زهرة بلهفة:
"موافقة عليها."
"لازم تسمعيها برضه.. أول أسبوع حاولي تسيطري على نفسك وعلى غضبك كويس جداً.. ده الشرط.. الأسبوع بدأ من النهاردة."
أومأت برأسها موافقة. أسبوع فقط يفصلها عن محادثة شقيقتيها.
***
بذلك الأسبوع كانت تمارا بدأت تعود لشخصيتها القديمة قبل زواجها من عابد. رسائل تصلها على الهاتف تدغدغ مشاعرها قليلاً، لم ترد عليها ولن تفعلها، لكن تلك الكلمات أعادت ثقتها بنفسها وأنها مرغوب فيها من الجنس الآخر، لذلك أن تسعد نفسها بقراءة تلك الكلمات التي ترضي غرورها الأنثوي لن تضرها في شيء.
دلف عابد إلى المنزل وراح يبحث عنها حتى وجدها تقف بالمطبخ.
"تمارا."
انتبهت له تمارا أخيراً.
"نعم."
"إيه أمال بنادي عليكي من بدري كل ده عشان تردي؟"
"مسمعتكش يا عابد.. كنت عاوز حاجة؟"
"آه.. عاوز أتغدى.. يا ريت عقبال ما أغير هدومي تكوني حضرتي الأكل."
"حاضر."
بعد قليل كانا يجلسان على طاولة الطعام. نظر إليها عابد وهتف باستغراب:
"مبتأكليش ليه؟"
"بأكل أهو."
"لا مبتاكليش إلا من الطبق اللي قدامك ده."
"آه ده أكل الرجيم.. خضار سوتيه من غير زيت عادي يعني."
شرد قليلاً في هيئتها. خصلاتها البنية التي تصل إلى منتصف ظهرها تركتها اليوم ولم تربطها كعادتها. قميص بيتي قصير نهايته قبل ركبتيها تماماً، يظهر ذراعيها ورقبتها كاملين. متزوجان منذ ثلاث سنوات تقريباً ولم يراها تجلس معه وبهذا القرب منه وهي ترتدي ملابس فاضحة كالآن.
"بتحبيني يا تمارا؟"
توقفت عن مضغ الطعام واخفضت رأسها للأسفل. حركتها كانت كفيلة بأن يعرف جوابها.
صرخ عابد بغضب:
"مبتجبنيش.. ولا عمرك هتحبيني.. تلت سنين جواز محبتنيش فيهم ولا هتحبيني.. تلت سنين جواز بشحت منك حقوقي.. حقوقي في كل حاجة.. تقابليني بابتسامة تلبسيلي وتزوقي عشان أنا جاي.. خلفتي مني غصب عنك.. عايشة معايا غصب عنك.. طول ما أنا عايش معاكي بكوي.. بموت بالبطيء."
تركها وخرج من المنزل بأكمله، لا تعلم حتى أين سيذهب. ليس بيدها شيء، لم تكن مشاعر له يوماً ولم يحدث، هي لا تملك راحته ولا راحة نفسها، لذلك من الجيد لكليهما ترك الأمور كما هي عليه.
***
مساءً. بقصر النوساني.
كان الحفل يسير كما خططت له شيما، فوالدة زوجها كانت تأخذها هي وابنها حتى ترحب بالمدعوين، ومنها تتعرف عليهم ويتعرفوا على صفتها هنا بدلاً من تلك المعاقة التي حُسبت زوجة على ابنها بفترة من الفترات.
على الجانب الآخر تقف سيلين برفقة زمزم التي وصلت إلى الحفل للتو.
كان وقاص يبحث عنها بعينيه حتى وجدها تقف مع شقيقته. براءتها وبساطتها في كل شيء أصبحت تلفت أنظاره. بحركة عادية قارن بين فستانها وفستان زوجته. شيما أصرت أن يكون زيّها في الحفل من مصمم أزياء غالي الثمن، وضعت مساحيق تجميل. أما الأخرى فارتدت فستاناً رمادياً طويلاً، أكمامه شفافة وطويلة، لم تضع أي من مساحيق التجميل، فقط أحمر شفاه صارخ هو ما زينت به كامل وجهها. وعكست شعرها البرتقالي. طلتها كانت كفيلة بخطف أنفاسه.
"سيلا أنا هروح أجيب حاجة أشربها.. عاوزة حاجة؟"
"لا يا قلبي روحي انت."
أومأت زمزم برأسها وسارت إلى وجهتها. بعد رحيلها جاء ذلك الشاب شقيق سارة وطلب منها رؤية والدها في موضوع هام. لم تكترث سيلين له وأشارت إلى والدها. اقترب عز الدين من قدري.
"احم.. حضرتك أستاذ قدري النوساني؟"
قطب قدري جبينه وهتف مجيباً:
"أيوة أنا يا ابني.. خير؟"
رغم توتره إلا أنه أثر الدخول في صلب الموضوع مباشرة.
"أنا عز الدين غانم.. أنا طالب إيد الآنسة زمزم بنت أخو حضرتك."
اتسعت عينا قدري بدهشة ثم هتف:
"طالب إيد مين؟"
أعادها عز الدين بصوت أقوى ظناً منه أنه لم يسمعه.
"الآنسة زمزم بنت أخو حضرتك."
★★★★★★★★★★
على الجهة الأخرى كانت زمزم تقف أمام البار الموجود به المشروبات والعصائر. أخذت كأساً من العصير والتفتت حتى تغادر وتعود إلى سيلين مرة أخرى، لكنها شهقت بعنف وسقط منها الكأس وهي تنظر إلى ذلك الرجل أمامها. وهتفت بصوت مسموع ومشدوه:
"بابا."