تحميل رواية «القديمة تحلى» PDF
بقلم نرمين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
غرفة كبيرة بإحدى السرايات الكبرى تجلس فتاة في الثالث والعشرين من عمرها على الفراش تضم قبضتيها بتوتر وترتدي فستان زفاف. تنظر قدوم زوجها بعد أن استدعته والدته وأمرتها بالصعود إلى الغرفة. بعد أكثر من ساعتين، كان زوجها يفتح باب الغرفة بملامح متجهمة غاضبة جعلتها تنكمش في نفسها أكثر، وصوته يقول: - قومي غيري هدومك ديه عشان ننام. تنهدت بارتياح، فعلى الأقل تنازل عن حقه حتى لو مؤقتا. فعلت ما أمرها به بصمت وسارت بخطوات عرجاء متعثرة إلى المرحاض. لم يفتها ضحكته الساخرة على خطواتها التي آلمتها كثيرا، لكن ليس...
رواية القديمة تحلى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نرمين
لم تبلغ والدته بمرضه حتى لا تمرض، تعرف معزته بقلبها فهو وحيدها على ثلاث بنات تزوجن بأماكن مختلفة، هو فقط من جلس معها ورفض تركها رغم إصرارها.
خرج الطبيب من الغرفة الموجود بها عابد، فركضت تمارا نحوه.
"هو عامل إيه؟ الله يخليك قولي، هو ما كانش قادر ياخد نفسه."
"اهدي يا مدام، ذبحة صدرية، ومن الواضح أنها بسبب ضغط أو حزن، لأنه ما شاء الله شاب وصحته كويسة جدا، يا ريت يبعد عن الحاجة اللي مدايقاه."
"طب.. طب أقدر أشوفه امتى؟"
"بكرة بإذن الله لو عدى النهارده على خير هيتنقل أوضة عادية وتقدري تقعدي معاه."
أومأت برأسها للطبيب وجلست أمام غرفة العناية.
باليوم التالي، تم نقل عابد إلى غرفة عادية فقد تجاوز مرحلة الخطر. كان يرفض النظر إليها أو الحديث معها، يتجنبها فقط. حتى أنه تحامل على نفسه حتى يأكل ويجعلها تقترب منه.
امتدت يده إلى الكومود الموجود بجانبه حتى يجلب كوب الماء، فلم يستطع. نهضت هي من مكانها بسرعة وأمسكت بالكوب ومدت يدها به.
"خد أهو."
أدار رأسه إلى الجهة الأخرى قائلاً بحدة خفيفة.
"مش عاوز منك حاجة. للمرة المليون هقولهالك، امشي واطلبيلي أمي وروحي اقعدي مع عيالك لحد ما أخرج وأريحك من الجوازة دي."
"مش هقدر أمشي وأسيبك يا عابد، لما تخرج بالسلامة هنشوف حل."
صرخ بصوت أفزعها.
"قلت برة، والحل الوحيد لما أخرج من هنا هو إني هطلقك، هجيلك شقة تعيشي فيها انت وعيالك لأنهم صغيرين لسه، برة بقى."
خرجت من الغرفة وهي تبكي بقوة من معاملته السيئة لها. أمسكت حقيبتها واتصلت بزهرة حتى تأتي إليها.
"الو، أيوة يا زهرة، أنا في مستشفى... تعاليلي. لا لا مش أنا ده عابد امبارح جتله ذبحة صدرية وأنا في المستشفى، بسببي يا زهرة بسببي."
بعد مرور ساعة تقريباً، كانت تمارا في أحضان زهرة وتبكي بقوة، وبجانبها ناير ينظر لها بأسف على حالتها هي وزوجها.
"خلاص يا ناير، ادخله أنت وأنا هديها وأدخل."
أومأ برأسه ثم دخل إلى الغرفة.
"حمد الله على سلامتك يا درش، اجمد كده أنت لسه شباب."
"الله يسلمك يا سيدي، شباب! شباب فين بقي، أنا عجزت خلاص رايح برجلي على الـ 37 أهو، وشعري أبيض، وشلت الهم يا ناير."
كان يتحدث بمرارة تقطر من كلماته. وجع بجنبات روحه يشعر به جيدا. أحس نفس الإحساس عندما رفضته زهرة بليلة زفافهما.
ربت على كتفه قائلاً بنصح وابتسامة.
"عيال ناصر النوساني كلهم محتاجين الترويض يا عابد، أضعف واحدة فيهم عمرها ما هتيجي بالشدة ولا بالغصب، هاتها ع الهادي. بالمناسبة صح، يوم فرحي عليها قالتلي إنها مبتحبنيش، وزودت إنها بتحب واحد تاني من عندها، بس أنا صبرت وخلتها تحبني."
هز رأسه نفياً وهتف بصوت حزين.
"مراتك زودت مش فعلاً بتحب واحد تاني؟ أنا مختلف، تمارا لسه بتحب اللي أبوها رفضه وجوزاني بعدها، معركتي معاها خسرانة من قبل ما تبدأ."
"اللي تمارا عملته دلوقتي يخليني أقولك إنها بتحبك يا عابد، أنت مشوفتهاش بتعيط إزاي، كانت منهارة دلوقتي في حضن زهرة، صدقني."
***
بعد مرور أسبوع، دلفت زهرة إلى غرفة الطبيب باران حتى ترى نتائج التحاليل. خرجت من المشفي منذ شهر، كانت تقوم بعمل التحاليل كل أسبوعين واستطاعت التغلب على نفسها ولم تتعاطى تلك السموم مرة أخرى.
"صباح الخير يا زهرة."
"صباح النور يا دكتور، هي التحاليل فيها حاجة؟"
"اممم، فيها وفيها يا زهرة."
زهرة بنفي وخوف.
"والله أنا ما أخدتش حاجة، صدقني أكيد التحاليل بتاعتي اتلخبطت مع حد تاني، أنا أخدت عهد على نفسي إني مش هتعاطى تاني."
"اهدي، يا بنتي أنا قولت أصلاً إنها فيها حاجة من دي. أنا بقولك التحاليل فيها حاجة بس محددتش إيه هي."
هتفت زهرة بصوت متوتر.
"طب فيها إيه طيب أنا قلقت؟"
رفع باران التحاليل أمامها قائلاً بابتسامة.
"التحاليل بتقول إنك حامل."
ظلت زهرة تحدق به ببلاهة مضحكة حتى ضحك باران بالفعل هاتفاً من بين ضحكاته.
"إيه يا زهرة، مش أنت متجوزة برضه، حامل في أسبوعين يا ستي، يعني لازم تاخدي بالك من نفسك بقى."
ودعت الطبيب وخرجت من المشفي بفرحة عارمة، بعد ثمانية أشهر وأسبوعان بالتمام والكمال ستنجب ثمرة حبها هي وناير إلى الدنيا. ذهبت إلى المنزل حتى تهيئ الجو لأخباره.
بالمساء عاد ناير من الخارج. لا تعلم تحديداً أين يذهب منذ الصباح وحتى المساء، لكن لا يهم، فهي تثق به ثقة عمياء. تعلقت بعنقه بقوة.
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي."
حاوط خصرها بيديه ورفعها إليه قليلاً يقبلها على شفتيها بسرعة خاطفة قائلاً بابتسامة.
"الله يسلمك يا قلب حبيبك، عاملة إيه؟ أنا آسف بس نسيت موضوع التحاليل ده خالص، بس هنروح بكرة، ماشي؟"
حركت رأسها يميناً ويساراً بابتسامة.
"لا خلاص، أنا رحت النهارده وكمان شفت نتيجة التحاليل."
أنزلها ناير ونظر إليها بغضب شديد وصوت حاد.
"إزاي يعني تروحي لوحدك يا زهرة؟ أنا مش قايل متعتبيش برا البيت من غير ما أكون معاكي، كلامي ما بيتسمعش ليه؟"
نظرت إليه نظرات طفلة يوبخها والدها وقالت.
"والله الدكتور اتصل بيا وقالي لازم أجي النهارده عشان فيه حاجة في التحاليل بتاعتي متستناش، فروحت."
"ولو... برضه تنفذي كلامي، أنا مش هستحمل يجرالك حاجة تاني، المرادي هموت بجد."
وضعت يديها على شفتيه بسرعة قائلة بحب وصوت رقيق للغاية.
"بعد الشر عليك، متقولش كده تاني، عاوز تسيبني يعني؟"
وأمسكت بيده تضعها على بطنها المسطحة قائلة بابتسامة.
"عاوز تسيبه هو كمان؟ اممم أنا حامل، حامل في أسبوعين وأنا معرفش."
حملها ناير ودار بها بفرحة عارمة مختلطة بضحكاتها التي ملأت المكان بأكمله، حتى صمت أذنيه عن صوت والدته وزوجته الأخرى ومضايقتهم له. هي فقط من يهمه أمرها.
***
بمنزل عابد، سلمي. طوال ذلك الأسبوع وتحديداً بعد حديث ناير معه، كان يريد اختبارها جيداً. لم يتوقف عن الطلبات بطريقة مستفزة حتى يثير حنقها وتفلت أعصابها، لكنه لم يرى شيئاً من هذا القبيل، فقط الطاعة والراحة ما شاهدها عليه منذ مرضه.
"هاتيلي ميه."
"حاضر."
وقفت أمام الكومود وأمسكت الدورق تصب الماء في الكوب.
"لا... مش عاوز الكوباية دي، مبحبش أشرب فيها، هاتيلي كوباية تانية."
أومأت برأسها بهدوء وذهبت حتى تجلب كاسة أخرى وعادت. وضعت بها الماء وأعطتها له.
"جعان، ومش عاوز فراخ، عاوز محشي ودلوقتي."
ابتسمت رغماً عنها ولم تستطع كتمانها أكثر من ذلك.
"حاضر هعملك محشي، بس ده هياخد وقت، تحب أجيبلك حاجة تانية تاكلها عقبال ما أخلص؟"
"لا... مش عاوز، ويا ريت تبطلي ضحك وتروحي تعمليلي الأكل، اهو استفاد منك بحاجة."
بعد مرور ساعتان، وضعت تمارا الصينية على الفراش.
"أهو... اتفضل كل عشان العلاج."
"هاكل بإيدي يعني!! أنت مبتفهميش، قومي هاتي شوكة."
نهضت من مكانها واقتربت منه ودست يدها في الطبق وأمسكت بواحدة من الملفوف، ورفعتها أمام فمه.
"أولاً أنت مبتاكلش المحشي بشوكة، بتحب تلبص بإيدك زيي. ثانياً بقي أنت مبتحبش تاكل المحشي بالليل كده. ثالثاً وده الأهم... أنا بحبك."
ودست ما بيدها في فمه، وابعدت عنه حتى تخرج من الغرفة عندما أوقفها عابد قائلاً.
"مفكراني هصدقك بقي؟ أنا مش عارف إمتى أخف وأقوم على رجلي عشان أخلص منك وأمحيكي من حياتي نهائي، اطلعي برة وأوعي تيجي هنا تاني، مش عاوز منك حاجة."
خرجت من الغرفة وذهبت إلى غرفة أطفالها وبكت بقوة على جرحه لها بهذا الشكل وإهانتها طوال الأسبوع الفائت.
***
تدهورت حالة ناصر الصحية كثيراً بعد اختفاء ابنته، وبعد ابنتيه الأخريتان عنه. تحامل على نفسه اليوم وارتدى ملابسه حتى يذهب لتمارا ويدعو ابنته الأخرى وزوجها. يريد العيش معهم وسطهم، لا يريد أن يموت وحيداً. سيظل يبحث عن ابنته الصغرى حتى الرمق الأخير، لكن الآن عليه إصلاح علاقته بتمارا وزهرة.
خرجت من الغرفة حتى تفتح الباب فتفاجأت بوالدها أمامها. تسمرت مكانها ولم تدعوه للدخول حتى.
"هتطرديني يا تمارا؟"
"لا... لا أطرد حضرتك إزاي، اتفضل."
دلف ناصر إلى الداخل بهدوء وجلس على المقعد منتظراً دخولها وراءه. أجبرت ساقيها على التحرك وتتبعته إلى الداخل.
"جوزك فين يا تمارا؟"
"جوه."
"عامل إيه دلوقتي؟ بقي كويس؟"
"آآآ... أيوة الحمد لله."
"الحمد لله، طيب، اطلبيلي زهرة خليها تيجي هنا، أنا طلبت ناير على هنا بس هي قالتله مش هروح، فيا ريت تطلبيها لأني عاوز أتكلم معاكوا أنتوا الاتنين."
أومأت برأسها والتفتت حتى تجلب هاتفها، لكنها عادت تسأله مرة أخرى بتردد.
"حضرتك لقيت زمزم؟"
"لا، ملقتهاش، بس هلاقيه، مش هسيبها إلا لما ألاقيها، روحي يلا."
بعد مرور ساعتان تقريباً، ذهبت تمارا حتى تفتح الباب لشقيقتها وزوجها. سارت معها زهرة بخطوات مرتعشة، لاحت أمامها ذكري زمزم وما فعله بها والدها تلقائياً. وجدت نفسها تتشبث بيد ناير بقوة حتى دلفا إلى الغرفة الموجود بها وجلست بجانبه رافضة حتى أن تصافح والدها.
"عارف إن محدش منكوا أنتوا الاتنين طايقني، بس أنا لازم أتكلم معاكوا، ولازم تسامحوني وتنسوا، مش هقدر أغيب عنكوا وأبقى منبوذ كده. أنا جمعتكوا أنتوا كمان معاهم عشان فيه حاجة خاصة بيكوا. اللي عاوزة تطلق فيكوا أنا مستعد أطلقها، هطلقها وهتيجي تعيش معايا معززة مكرمة، عمري ما أدخل في حياتها تاني، مش هقدر أكمل كلامي إلا لما أعرف مين فيكوا عاوزة تطلق؟"
أمسك ناير بكف زهرة ولثمه بقبلة رقيقة أمامهم ولم يخجل وهتف بقوة.
"أنا عمري ما هطلقها يا عمي، زهرة حياتي كلها، أنا بحبها وهي كمان بتحبني، وبعدين إحنا مستنيين نونة، مينفعش تيجي وتلاقينا منفصلين ولا فيه بينا أي مشاكل أصلاً."
ابتسم ناصر بفرحة لهما، لكنه دارى ابتسامته حتى يأخذ رأيها أولاً.
"وأنت يا زهرة، عاوزة تطلقي ولا لا؟"
ردت زهرة محاولة التغلب على خوفها من والدها.
"لا... لا... مش عاوزة أطلق، أنا عاوزة أفضل مع ناير، أنا بحبه."
أومأ برأسه بفرح شديد. أزال عن كاهله ذنب واحدة منهم. التفت إلى تمارا وباغتها بالسؤال.
"عاوزة تطلقي يا تمارا؟؟"
توقفت أعضاؤه كاملة، أصبح على حافة الانهيار، يكاد يتوقف قلبه من شدة خفقانه. بالتأكيد ستطلب الطلاق وبالتأكيد أيضاً أن والدها سينفذ لها ما تقوله. نظر إليها ينتظر قرارها، حتى لو كان تصريحها بحبها له صادق، فهي لن تتحمل الإهانة مرة أخرى وأمامها والدها يمد يد المساعدة لها.
عاد ناصر يسألها من جديد قائلاً.
"عاوزة تطلقي يا تمارا؟؟"
أخذت نفساً عميقاً ورفعت نظرها إلى والدها وهتفت.
رواية القديمة تحلى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نرمين
أيوة... كلمة فقط هوت بروحه إلى الجحيم. رغم أنه هيأ نفسه وكان يعلم قرارها من البداية، إلا أن رفضها له أمامهم جميعًا جرح رجولته.
أغمض ناصر عينيه بألم على حالهم، يشعر بالذنب تجاه الاثنين بقوة.
"طلقها يا عابد، طلقها يا ابني. كفاية اللي كل واحد فيكم شافه."
هنا تحدثت زهرة معنفة شقيقتها: "أنت كدابة، ما طلقتيهاش من عابد يا بابا. اتصلت بيا لما كان في المستشفى، ولما روحتلها قالتلي إنها بتحبه، وإنها عمرها ما حبت الولد بتاع الكلية ده."
دمعت عينا تمارا وهتفت: "اسكتي يا زهرة، اسكتي. أنا مبحبش حد."
صاحت زهرة بغضب: "لا، أنت كدابة! لغاية امبارح كنتي بتقوليلي إنك بتحبيه حتى وهو بيعاملك وحش. كفاية قرارات غلط في حياتك بقى! من الأول اتجوزتيه. ولما المأذون سألك قولتي موافقة زي الجردل، وعشتي عيشة ما يعلم بيها إلا ربنا. ودلوقتي بعد ما حبيته وهتعيشي مرتاحة معاه، عاوزة تطلقي! الحاجة الوحيدة اللي المفروض تعاقبيه عليها هي جوازه عليكي، مش حاجة تانية. أنت كمان غلطتي في حقه. أنت مقولتيلوش إنك مش عاوزاه. مش ذنبه إنك جبانة."
احتفظ عابد بثباته أمامهم رغم رغبته الجامحة في ضمها إلى صدره وإشباعها تقبيلًا.
"أنا مش هطلقها يا عمي. عيالي يمنعوني إني أعمل كده. عدي وسجدة مقدرش أعيشهم مشتتين كده بيني وبين أمهم."
رغم سعادة ناصر بأن العشق دق باب ابنته تجاه زوجها، إلا أنه رفض التخلي عنها. فلم يلتفت إلى أي منهم وهتف موجهًا حديثه لها:
"قومي يا حبيبتي، البسي وهاتي عيالك. تعالي قضي معايا أسبوع ولا حاجة لحد ما تاخدي القرار اللي يريحك. محدش هيضغط عليكي."
حاولت زهرة الحديث، لكن ضغط زوجها على يدها أوقف الكلام بحلقها. أما عابد، فتركها حتى تتخذ قرارها دون تأثير عليها من أحد.
رفعت بصرها إلى أبيها غير مصدقة لما سمعته منه. والدها يسلمها زمام أمورها، لها وحدها، دون تدخل منه أو فرض رأيه عليها. تحدثت بسعادة ظهرت بصوتها:
"حاضر... حاضر يا بابا. هاجي معاك."
ونهضت من مكانها ذاهبة إلى الغرفة حتى تجلب كم قطعة ملابس لتكفي مكوثها في بيت والدها، واتجهت إلى أبنائها حتى توقظهم.
بشقة المعادي، يجلس قدري أمام ابنته التي أصبحت كثمرة الطماطم غير قادرة على إيضاح الموضوع كاملاً لوالدها، فقد طلبها عمرو اليوم منه دون أن يقول لها.
"يا سيلا، قولي بقى. كده كده أنا فهمت الحوار كله. أنت تقوليلي إنه قريب هفرح بيكي، وبعدين ييجي هو على طول يطلبك مني. ولما أنا آجي أقولك على عريس جاي يتقدملك تتكسفي وتحمري؟"
"والله يا بابا كنت هقولك، بس فعلاً اتكسفت، خصوصًا يعني إن أول معرفتنا كانت بخناقة. وبعدين الموضوع اتطور."
جذبها قدري من ذراعها واحتضنها بقوة وقبل جبينها بحب وعاطفة أبوية.
"يا عبيطة، بقي حد يتكسف من أبوه! أنا أصلًا حبيته من ساعة ما دخل عليا كده. وبكرة كل المعلومات هتجيلي عنه. بس عاوزك متكلميهوش لحد ما أسأل عليه. أوعي تصغري نفسك قدامه، ولا تصغريني يا بنتي."
أومأت برأسها وعادت تحتضن والدها من جديد.
بالمنزل الذي تقطن به زمزم، الشقة المجاورة لشقة ياسر وعائلته. والدته تعاملها معاملة سيئة للغاية وهي لا تعلم لماذا. ذهبت إلى المحامي الذي دلتها عليه إحدى صديقات سيلين وأخبرته برغبتها في الحصول على الطلاق دون علم زوجها حتى يتم. أخبرها أن الموضوع سهل للغاية. طلبت منه البدء بالإجراءات اليوم، ستتحدث مع ياسر ووالدته. يجب أن يعلم كل شيء عنها ويسامحها، ففي النهاية هي ضحية، وتلك الخطيئة التي ارتكبتها كانت غلطة غير مقصودة منها. فهي بحثت عما ينقصها. أما الآن، فستتحدث إلى والدته حتى تعلم لماذا تكن لها ذلك الكره. يجب أن تتخذها أما ثانية لها بعد والدتها التي كانت متعلقة بها بقوة، رحمها الله.
فتحت الباب فوصلها صراخ ياسر ووالدته. شيء متكرر اعتادت عليه، فمضت نحو الباب حتى تمنعهم من استكمال تلك الوصلة. لكن جملة والدته خرقت أذنها.
"مش هتتجوزها! مش هتجوز واحدة خرجت بيت وكانت بتخونك جوزها معاك! البت دي تمشي من شقتي، مش عاوزة أشوف وشها نهائي!"
"يا ماما، يا ماما حرام عليكي! مش هبقى أنا وأهلها عليها، كفاية كده. أنا بحبها."
"حبك برص! خانت جوزها بكرة تخونك."
صرخ ياسر بوالدته بنفاذ صبر، يسرد على مسامعها تفاصيل الحكاية كلها، غافلاً عن تلك التي فقدت القدرة على الحركة أو التحدث حتى.
بعد أن استمعت لكلامه وتيقنت من خداعه لها، عادت مرة أخرى إلى شقتها تجمع حاجياتها. كتب عليها الشتات في الأرض، والغدر من أقرب الناس إليها، من سلمته قلبها وتحملت ما تحملته بسببه كان متآمرًا مع عمها عليها. جمعت كل شيء لها بهذا المنزل وغادرت المكان بأكمله.
أوقفت سيارة أجرة وهتفت قائلة للسائق: "المقابر."
دَلفت تمارا إلى المنزل برفقة أبيها وهو يحمل سجدة ويمسك بيد عدي رافضًا تركهما مطلقًا.
"طب هات سجدة يا بابا عشان متتعبكش."
قبل ناصر الصغيرة بوجنتها الناعمة قائلاً بحب: "لا، هي مش تعباني. أنا بحبها وعاوزها تفضل معايا. خلاص طول ما أنت قاعدة هنا عمري ما هسيبهالك."
ابتسمت تمارا بحنين إلى تلك الأيام التي كانت فيها مع والدتها تحملها وتهدهدها وتتركها تتدلل عليها.
"أنا هدخل أنام يا بابا، عاوز حاجة؟"
"لا يا حبيبتي، اطلعي أنت. تصبحي على خير."
"وانت من أهله يا بابا."
صعدت تمارا إلى غرفتها فقد اشتاقت إليها، كما اشتاقت لتمار. تري أين هي الآن؟ أين ذهبت وماذا حدث لها؟ إنهما بحزن شديد على حال شقيقتها والتي لا تعلم عنها شيئًا.
أعلن هاتفها عن وصول رسالة ما. التقطت الهاتف وفتحت الرسالة، كانت مرسلة منه. أحمد نصران شخصيًا.
"تمارا، عدي أسبوع. أنا عاوز قرارك، وأيًا كان إيه هو ف أنا هحترمه."
"أحمد، أنا لما كلمتك كلمتك عشان أسألك أنت مين لأنك كنت بدأت تعملي مشاكل فعلاً مع جوزي. وكمان أنا بحب جوزي ومش كل واحدة عندها شوية مشاكل مع جوزها تبقى تعيسة أو مبتحبوش. بالعكس، أنا بحب جوزي جداً. عمري ما جه في دماغي إني أسيبه بالطريقة المهينة دي أو إني أخونه من الأساس. واللي خلاني استمريت إني أكلمك بعد ما عرفت أنت مين، إني معتبراك صديق. صديق مش أكتر، وأنت فهمت معزتك عندي دي غلط."
جاءها الرد بعد ثوانٍ معدودة:
"أنا آسف، أنا فعلاً فهمت غلط. انسي أي حاجة أنا قولتهالك، واعتبرني أحمد نصران صديق الكلية القديم، زي ما كنت صديق لسلمى صاحبتك. أتمنالك السعادة من كل قلبي يا تمارا."
وبذلك، أغلقت صفحة أحمد نصران وتمارا للأبد. الآن عصر عابد، سلمى، وتمارا النوساني.
بعد مرور شهر. جلس عابد أمام ناصر يطلب منه رؤية تمارا. مضى شهر وهي تتجنب الحديث معه. أبلغت رسالتها إلى والدها حتى يبلغها إليه بالحرف:
"قوله مش هيشوفني نهائي لحد ما أنا أقرر. قوله إني بعاقبه على جوازه عليا. مهما عملت مكانش ينفع يتجوز عليا."
ورغم اعتراض ناصر، لم يستطع التفوه بحرف سوى النصيحة فقط. كان كمن يتقلب على صفيح ساخن، يريد رؤيتها بأي طريقة، يريد إخبارها بشيء من المؤكد أنها ستقبله عليه.
"يا عمي، يا عمي حرام كده والله. بقالي شهر مش عارف أشوفها. هي مراتي والله مراتي."
"أعمل إيه يا ابني طيب؟ أنا ببلغك اللي هي بتقوله. أهي عندك فوق في أوضتها. طلعوني أنا منها، مليش دعوة أنا."
نهض من مكانه وسار باتجاه الدرج قائلاً: "أيوة، حضرتك ملكش دعوة. ده أنا قربت أحب على نفسي."
بالغرفة، كانت تمارا تتحدث بالهاتف. فشهقت بعنف عندما فُتح الباب ودخل منه عابد، فأغلقت الهاتف بسرعة.
"فيه إيه؟ حد يدخل على حد كده؟ إيه الطريقة الزفت دي؟"
كانت ترتدي عباءة بيتية دون أكمام لونها أسود يتناقض مع بياض بشرتها وبها نقاط حمراء، وتسدل شعرها على ظهرها برقة. اقترب منها عابد وأسقطها على الفراش وهو فوقها وقبلها بقوة وشوق. تمنعت بالبداية ثم تجاوبت معه. اشتاقت له أيضًا كما اشتاق إليها. بادلته قبلته بقوة ولفت ذراعيها حول عنقه تطالبه بالمزيد، غير عابئة بالمكان الذي توجد به. أما هو، فكان أكثر من سعيد وهو يلبي رغبتها حتى يطفئ نار شوقه إليها. نزع جاكيت بدلته بمساعدتها، كما ساعدها هو في الخروج من لباسها الضيق ذاك.
بقصر النوساني. دلف وقاص إلى الغرفة حتى يرى إذا كانت تجهزت كما طلب منها. لكنه وجدها تجلس على الفراش وأمامها حقيبة ملابسها. اقتربت منه بسرعة وهي تبكي وتترجاه:
"الله يخليك يا وقاص،طلقنيش. صدقني عملت كده من غيرتي عليك."
دفعها بعيدًا عنه قائلاً بغضب مكتوم: "غيرتك عليا تخليكي تكلميها وتحذريها إننا عرفنا مكانها! مفكرتيش في أبوها اللي هيموت عليها ولا أخواتها؟ سبق وقولتلك قبل كده متنسيش نفسك لأني اتجوزتك إعجاب. إعجااااب مش أكتر. حذرتك تحاسبي على تصرفاتك، يبقى تستاهلي يا شيماء. والله، لو لقيتك في طريقي لأموتك، هيبقى على إيدي. أنت طالق... برة."
خرجت شيما من الغرفة تجر أذيال الخيبة وراءها وتبكي. منذ أسبوع تقريبًا استمعت إلى سيلين وهي تتحدث إلى زمزم. أخذت هاتف سيلين دون علمها وأخبرت زمزم أن سيلين خانتها وأخبرتهم بمكانها ويجب عليها إلا تتصل بها مجددًا لأنها خائنة. ولكن سيلين سمعتها وصاحت بجميع من بالمنزل حتى يعلموا حقيقة تلك الحية الموجودة بينهم. فما كان من وقاص سوى ضربها، وبعدها طلب منها جمع حاجيتها وألقى اليمين عليها، لا يريدها بحياته أبدًا. يريد زمزم، زمزم فقط، والتي أضاعتها تلك الغبية من بين أيديهم.
رواية القديمة تحلى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نرمين
كانت تتوسط صدره العاري وتحتضنه بحب. لا تصدق ما عاشته خلال الدقائق الماضية.
لم تشعر بحلاوة ذلك الوقت بينهما سوي اليوم فقط. كانت تتابع خلجاته بلهفة وشوق.
كان يهمس لها بحبه وولعه بها. ولم تبخل هي عليه. لم تتشنج أو تبكي كالسابق. فقط الابتسامة المحبه وتأوهات استمتاعها بدلا من نفورها كالسابق.
كان يعبث بخصلاتها بحنان بالغ ثم قبل رأسها قائلا:
"بحبك يا تمارا... بحبك وعمري ما حبيت زيك ولا قبلك... انت قعدتي على قلبي من زمان وربعتي.. احتلتيني خلاص... بقيتي النفس اللي بتنفسه لو بعدت عنك بس أموت."
نقرت بأصابعها على صدره قائلة برقة:
"بعد الشر عليك متقولش كده... أنا كمان بحبك... بحبك من ساعة ما قدرت خوفي يوم جوازنا... بس انت بقي اللي بهدلت الدنيا باللي انت عملته."
"خلاص بقي... مش عاوز نحكي عن أي حاجة حصلت زمان... زمان ده كان غلطي وغلطك... وقبلنا غلط أبوكي... بس دلوقتي خلاص."
تملصت منه وتسطحت على بطنها ووجهها أمامه قائلة بغضب مصطنع:
"وانت مفكر اني هروح معاك ولا إيه؟... أنا مش ناسيه يا أستاذ إنك اتجوزت عليا... لا وكمان كنت بتروحلها وبتجبهالي البيت... اللي حصل دلوقتي ده حصل عشان انت كنت واحشني بس أنا مش هروح معاك."
قرص وجنتها بقوة آلمتها قائلا بجدية وصرامة:
"هتروحي معايا... مفيش قعاد هنا تاني خلاص... إنسي."
تمارا بعناد:
"لا مش هروح معاك... وبابا تحت هقوله مش عاوزة أروح وهو هيقعدني معاه."
امسك بيدها يقلبها على ظهرها وهو فوقها يقول بصوت مغر:
"تفتكري بابا لما يعرف إحنا عملنا إيه في البيت الطاهر ده هيسيبك تقعدي هنا ثانية واحدة؟... أبدا ده حتى يصعب عليه مجهودي."
ضربته تمارا بخفة بصدره قائلة بشهقة:
"يا قليل الأدب."
هبط برأسه على رقبتها المسكينة ذو العلامات باحثا عن مكان آخر حتى يترك علامته هناك.
"طب تعالي بس أما أقولك حاجة الأول وبعدين نشوف موضوع تروحي ومتروحيش ده."
تمارا بخجل:
"بس بقي كفاية قلة أدب إحنا في بيت أبويا."
نظر إليها بنصف عين قائلا بتهكم:
"والجاكتة اللي قلعتيهاني.. كنا فين ساعتها في القرية الذكية؟!... اتعدلي يا بت."
أفلتت ضحكة عالية من تمارا جعلته يغير مساره من رقبتها إلى فمها حتى يسكتها بطريقته.
***
"زهرررررررة...."
فزعها صوته فسقط منها ما كانت تحمله وتحاول إخفاءه عنه. اقترب منها ناير ونظر إلى الأرض باحثا عن الشئ الذي سقط وأحدث هذا الصوت. انحني وجلب واحدة من ثمرات الخوخ الواقعة أرضا وسار ناحية زهرة بملامح غاضبة.
كانت زهرة تفرك يديها ببعضهما حتى لا تحك رقبتها وذراعها أمامه.
"أنا مش قايل لا؟... انطقي."
عضت على شفتيها السفلى بحرج وهتفت بصوت ضعيف:
"ما أنا مأكلتش أهو وسمعت الكلام."
امسك بذراعها يكشف عنه مشيرا إلى تلك العلامات قائلا بصوت حاد:
"ودول!!... دول من إيه... مش قلنا خوخ لا... عشان الزفت الحساسية اللي عندك... مبتسمعيش الزفت على راسك ليه؟"
هتفت بصوت باكي:
"ما أنا بحبه طيب... وكمان أتوحمت عليه... أعمل إيه طيب."
"تعملي إيه طيب؟!... تبطلي فجع... اتنين كيلو خوخ تاكليهم كلهم وتملي جسمك حساسية وتقوليلي أعمل إيه!!... عارفة دواكي إيه؟"
هتفت مسرعة:
"لا لا خلاص مش هاكله تاني."
"ما انت مش هتاكله تاني فعلا... والله العظيم لو لقيت بذرة خوخ واحدة بس لأخبطك بيها في دماغك... ده الحساسية قربت تطلع على وشك... هتلبسي ولا إيه؟"
أومأت برأسها قائلة:
"أيوة هلبس... بابا لازم يعرف إن زمزم كلمتني امبارح... كفاية أوي القلب اللي جاله من زعله عليها."
أومأ برأسه موافقا وهتف بأسف:
"اللي انتي هتعمليه صح... وزمزم لازم ترجع أبوكي تعب أوي عشان يلمكم حواليه... كفاية كده سامحوه بقي.... لسه مسامحتيهوش يا زهرة؟"
أرجعت خصلاتها خلف أذنها وهتفت بصوت منخفض:
"سامحته في اللي يخصني كله والله... خصوصا إني فزت بيك وأنت ما أسأتش ليا نهائي... بس أنا مش قادرة أنسى يوم ما روحتله وعمل اللي عمله في زمزم... غصب عني خايفة منه... ممكن يكون ضعف بس أنا مش ناسيه اللي شفته... كمان زمزم بقت كئيبة أوي لما بجبلها سيرة ياسر بتقعد تعيط."
ربت ناير على كتفها يواسيها وهتف:
"طيب.. روحي البسي يلا."
ذهبت زهرة حتى ترتدي ملابسها. كان ناير ينظر في أثرها بخوف من القادم.
بالأسبوع الماضي تخلص من ذلك الرابط الذي يربطه بندي. لكنها أقسمت على تخريب حياته ومن وقتها وهو يصر على زهرة أن تقص عليه تفاصيل يومها كاملا حتى يتأكد من صدقها.
***
بقصر النوساني...
تجلس السيدة نجاة أمام زوجها. فقد أن عاد إلى المنزل حتى يستقبل خطيب ابنته وأهله حتى يتقدم لها. لا يريد تصغير حجمها أمامه.
بالأمس تم كل شئ... والاتفاق على موعد الخطبة بوجود والدتها وأخيها وعمها وابنتيه. كانوا فرحين لها كثيرا.
بعد أن تم الاتفاق احتضنتها والدتها بقوة ودمعت عيناها بفرح. أما أخيها فقد قدم لها هدية قيمة وقام باحتضانها بفرحة عارمة.
واليوم التالي جمع قدري أغراضه واستعد الذهاب إلى شقة المعادي مرة أخرى. لكن السيدة نجاة لها رأي آخر.
فقد دخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها وجلست أمامه حتى يصلا إلى حل وسط.
"خير؟... عاوزة إيه يا نجاة؟"
نجاة بجدية:
"عاوزاك ما تمشيش ولا تبعد بنتي عني... عاوزاك تسامحني عشان وقاص وسيلين يسامحوني."
"ما فيش في إيدي حاجة يا نجاة... عيالك عندك ورغم اللي عملتيه إلا إني مقدرتش أبعدك عن حياتهم لما جالها عريس كان لازم انت تبقي في الصورة لأنك أمها وحد مهم في حياتها طبعا... ووقاص كمان عندك وتقدري ترجعيه ليكي... بكرة إن شاء الله يلاقي واحدة تستاهله ويستاهلها وتفرحي بيه بجد المرادي."
دمعت عيني نجاة بضعف لأول مرة.
"ليه مصر تطلعني وحشة!!... ليه بتحسسني إني مراتك وخلاص؟... ليه مبتاخدنيش تفسحني... ليه دايما بتوجعني على حاجة مليش ذنب فيها."
تفاجأ قدري من ضعفها الجديد عليه أمامه وتوتر اجتاحه. طريقه كلامها غير مطمئنة بالمرة.
"اا... إيه اللي انتي بتقوليه ده؟... أنا بحب..."
قاطعته بعنف شديد:
"كذاب.... كذاب يا قدري متكملهاش... عمرك ما حبتني... مش هنبش في القديم ولا هطلب الطلاق عشان عيالي... بس انت السبب في كرهي لزمزم... ببساطة لأنها نسخة منها... وانت بتحبها... بتدافع عنها... بتقعد قدامها بالساعات تتغزل في جمال أمها فيها لأنها نسخة منها... مديتنيش فرصة أخليك تحبني... حرمتني إني أخلف تاني عشان كنت بحس معاك إننا بنرتكب زنا... مش عاوزاك تمشي يا قدري لأني بحبك... بحبك مع الأسف..."
وخرجت من الغرفة كما دخلت... بهدوء شديد.
دَلفت إلى غرفتها سابقا والتي انفصل عنها قدري وأكملت بكاءها.
لم تكره مادلين يوما كانت بالنسبة لها سلفتها فقط. لكن عندما بدأت ترى نظرات الحب بعيني زوجها تجاه مادلين كرهتها تلقائيا. حزنت عليها بعد موتها خاصة وأنها تركت ثلاثة بنات لزوجها الذي لا يهتم بشئ سوي عمله.
تجدد كرها لزمزم عندما بدأت تكبر وتصبح شابة. وشاهدت الشبه الواضح بينها وبين والدتها. عيناها الزرقاء شعرها البرتقالي الغريب... بياض بشرتها... رقتها ونعومتها... كل شئ.
وبعدها إصرار زوجها على وقاص بضرورة زواجه من ابنة عمه بعد ما حدث لها... لم يكن من الصعب عليها معرفة السبب الحقيقي وراء ضغطه على وقاص للزواج منها. باختصار يريد مادلين الصغيرة ببيته.
***
بمنزل ناصر النوساني...
دَلفت زهرة برفقة زوجها إلى المنزل تبحث عن تمارا حتى تخبرها بقرارها في إخبار والدها بتواصل زمزم معهم حتى يستطيعوا تحديد مكانها ويأتوا بها.
صعدت إلى غرفة تمارا مباشرة وفتحت الباب دون أن تستأذن بالدخول أولا. وبالطبع لم يكن الوضع الذي وجدت عليه أختها وزوجها لائق.
"تمارا.. انت قررت أقول لبابا إن.."
هييييشهقت بعنف وخرجت من الغرفة مسرعة بعد أن تضرجت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تراهم في ذلك الوضع.
بالداخل تسمرت تمارا مكانها وخجلت عندما وجدت شقيقتها تدخل عليها الغرفة.
بالطبع لم يخبرها أحد بوجود عابد وإلا كانت استأذنت قبل الدخول بالاعصار هكذا.
تفاجأ عابد أيضا وتوقف عن تقبيل تمارا التي أغمضت عيناها بقوة فهتف بصوت متحشرج:
"افتحي عنيكي... هي مشيت خلاص... كان المفروض تخبطي أصلا."
فتحت تمارا عيناها وهتفت:
"أكيد محدش قالها إنك هنا... لغاية أول امبارح جت ودخلت عليا بنفس الطريقة كده... هي مش قصدها أكيد."
"طيب... حصل خير... قومي يلا خدي شاور كده وننزل تحت... هنقعد مع أبوكي النهارده وهتروحي معايا بالليل."
"مش هر..."
قاطعه بصرامة وقوة:
"قلت هتروحي... كفاية دلع بقي... يلا... ولا أقولك تعالي ناخد الشاور مع بعض."
انطلقت ضحكة تمارا الفرحة وهي تراه يستعد لحملها إلى المرحاض.
***
بالأسفل...
ركضت زهرة إلى مكان جلوس أبيها وزوجها بتوتر ووجنتيها محمران مما شاهدته بالأعلى.
ذهبت إلى أبيها وأمسكت بيده تقبلها ثم احتضنته.
"عامل إيه يا بابا؟"
ربت ناصر على رأسها بحنان أبوي:
"الحمد لله يا حبيبة بابا... انتي عاملة إيه والواد اللي جوة ده عامل إيه؟"
زهرة بابتسامة:
"الحمد لله يا حبيبي... وجلست بجانبه زوجها الذي استطاع رؤية توترها بوضوح. انشغل ناصر وقام بنداء الخادمة حتى تبعث بأحد لعابد وزوجته في الأعلي.
اقترب ناير من أذن زهرة قائلا بتساؤل:
"مالك... متوترة ومحمرة كده ليه؟"
"مم.. مفيش."
"لا فيه... قوليلي فيه إيه يلا؟"
زهرة بخجل وصوت منخفض:
"مفيش أصل أنا طلعت لتمارا للأوضة وفتحت الباب مرة واحدة زي ما بعمل عادي يعني... للل..لاقيتها هي و.. عابد يعني ااا..."
ضمها ناير إلى صدره وضحك بقوة حتى أدمعت عيناه.
"عشان تتعلمي بعد كده تخبطي الأول متبقيش زي المدب كده وتفتحي الباب على طول."
ضربته زهرة بصدره حتى يتوقف عن الضحك وهي تنظر له بغضب شديد.
بعد مرور دقائق... جاءت تمارا برفقة زوجها وهي تخفض رأسها غير قادرة على وضع عيناها بعينيهم جميعًا تشعر وكأنهم جميعًا رأوا ما كانوا يفعلونه.
كان أول من تحدث بهذه الجلسة ناصر قائلا:
"يلا يا ولاد الأكل على السفرة عند البيسين... قلت ناكل برة النهارده الجو حلو."
ساروا جميعًا باتجاه طاولة الطعام وجلسوا عليها يتناولوا طعامهم.
بعد أن انتهوا من تناول الطعام أخذت زهرة نفسًا عميقًا والتفتت إلى والدها قائلة بعزم:
"بابا... زمزم بتتصل بيا أنا وتمارا... هي طبعًا قالت لنا منقولش لحد إنها بتكلمنا... ولما أنا قولتلها مينفعش ولازم ترجع مقالتليش على مكانها.... بس بتتصل بيا وبتقعد بالساعات تكلمني أنا وتمارا... أنا قولت لحضرتك عشان زمزم لازم ترجع... أنا معرفش حصل بينها وبين ياسر إيه بس الظاهر إنها سابته... واتخلت عننا كلنا... حاولت إني أشوفها أكتر من مرة بس هي كانت بترفض."
هبطت دموع ناصر وهو يسمع عن ابنته الغائبة ما يطمئنه على وجودها وأنها سالمة. لكن ترفض وجوده بحياتها. ترفضه وترفض رؤية شقيقتيها.
"اتصلي بيها يا زهرة... اتصلي بيها وأنا أحدد مكانها دلوقتي."
فعلت زهرة ما قاله والدها واتصلت بها تسألها عن مكانها وبالطبع جاء ردها بالرفض وانتهى الأمر بها إلى أن أغلقت الهاتف بوجهها.
وجملت ناصر التي شقت السكون:
"حددت مكانها خلاص."
رواية القديمة تحلى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نرمين
منذ رحيلها من منزله بذلك اليوم وهو يبحث عنها أملاً في إيجادها.
حزنت والدته كثيراً بعد أن علمت أصل الحكاية كاملة من ابنها.
أشفقت على زمزم كثيراً، لكن ليس بيدها شيء، فبالنهاية هي تريد حياة زوجية مريحة لابنها.
تلك الفتاة جارتهم "ميرنا" تحب ياسر، لكن هو لا يراها أبداً.
فكرت "آمال" والدته أن تساعدها في جذب انتباهه إليها حتى يخرج من حالة الحزن التي خيمت عليه.
تمنت لو عاد بها الزمن إلى كم شهر مضى وترفض ذلك الاتفاق اللعين بأكمله.
دقت ميرنا على غرفة ياسر برقة، فسمعت صوته يسمح لها بالدخول ظناً منه أنها والدته.
- أنت!!
نعم يا ميرنا، عاوزة إيه؟
- اتفضل... ده جواب جه امبارح، البنت اللي كانت عايشة معاكم وادتهوني. بلغتي إنها أوصلهولك ضروري.
قاطعها ياسر بغضب وصوت مرتفع:
- وإيه؟! وحضرتك بقيت مجبتيهوش من امبارح ليه؟ كنت عاوزة ترميه ولا كأنها جابت حاجة أصلاً مش كده؟ طبعاً ما انت لازقالنا هنا عشان أبصلك وأتجوزك. بس انسي يا ميرنا، أنا لا عمري هحبك ولا أي حاجة من اللي في دماغك دي نهائي. أنا بحب واحدة بس... بحب زمزم وبس.
وضعت ميرنا الورقة المطوية بيدها على الكومود وخرجت من المنزل تبكي بقوة. لم تظهر له حبها أبداً. كانت تعلم أنه لا يراها، لكنها تعتبر والدته بمثابة أمها لذلك تودها وتسأل عنها. دفنت حبها له بأعماق روحها ومضت بحياتها. كانت ترى نظراته لزمزم عندما تدعوها والدته لتناول الطعام معهم. لم تضع نفسها يوماً في مقارنة معها، تعلم جيداً أنها الخاسرة الوحيدة باللعبة.
***
بغرفة زمزم.
جلس وقاص على الفراش وأمامه قطع ملابسها، يشتمها من حين لآخر حتى يشعر بوجودها حوله حتى وإن كانت لحظات. وبيده ألبوم صورها وهي طفلة، صورها مع والدتها وشقيقتيها ووالدها. تحب والدها كثيراً لذلك لم تستطع التقليل من شأنه أمام منزل عمها وأن تصرح لهم بإجبارها على الزواج من وقاص.
نامت ذقنه كثيراً، فقد شهيته لكل شيء. صباحاً يذهب إلى عمله ويعود يتناول طعامه معهم دون أن يتحدث مع أي منهم ويصعد إلى غرفتها يتفقد كل جزء بها. ينثر عطرها بالغرفة حتى يستطيع النوم دون كوابيس تركها له.
دَلفت نجاة إلى الغرفة حتى تتحدث معه، يكفي ما يفعله بنفسه إلى هذا الحد.
- نعم يا أمي؟
اقتربت منه نجاة وجلست بجانبه تضع يدها على ظهر كفه قائلة بشفقة:
- لسه بردوا يا حبيبي بتدخل أوضتها؟ يا ابني كفاية كده حرام عليك نفسك.
تنهد بمرارة وهتف بتهكم:
- كفاية إيه يا أمي! بهدلتها ودمرتها. روحت دورت على مزاجي ووقفت في وش أبويا عشان شيماء وعشان بحبها وحرمت على زمزم تحب حد تاني. رغم إني كنت سايبها زي بيت الوقف.
حاولت نجاة التخفيف عنه قائلة بمواساة:
- كان غصب عنك يا حبيبي، أنت كمان مكنتش عاوزها.
هتف وقاص بصوت مهتز:
- غصب عني! أنا سبتهالكوا هنا ورميت طوبتها. سبتها هنا رغم إني عارف إنني من قبل ما أتجوزها إنك مبتحبيهاش ومستنياها تيجي تحت إيدك بس. عاقبتها بأبشع الطرق إنها حبت غيري. شكيت فيها وفي تربيتها وحبيت أتأكد بنفسي. دبحتها أنا وأبوها. دبحتها. بس والله ما كان قصدي. أنا فكرت إنها خانتني بجد. فكرت إنها سلمته نفسها بجد.
وبكى بصمت وهو يتحسس صورتها التي تجتمع فيها مع شقيقتيها وتمسك ببالون رقم 19، من الواضح أنها كانت تحتفل بعيد ميلادها معهم.
بكت نجاة هي الأخرى على حال ابنها وما فعلته بزمزم دون ذنب. بكت أكثر عندما تذكرت مادلين وهي توصيها على بناتها وأن تكون لهم صديقة وأم ثانية إذا ما احتاجوها يجدوها.
***
بعد حديثها مع زهرة وبعد أن أغلقت الهاتف بوجهها، رمته أرضاً بقوة أدت إلى تحطيمه شر تحطيم وهي تبكي بقوة. لم يفارق ذاكرتها ما ارتكبته جميع عائلتها بحقها، ولم تسامحهم ولن تفعل. دمرّوها.
نهضت من مكانها بغضب شديد وأصبحت تحطم كل شيء بالمنزل دون وعي. فقط تريد إخراج غضبها بدلاً من إيذاء نفسها بكتمانه أكثر. يكفي تورم وجهها وانتفاخه الذي لا يفارقها بسبب بكائها المستمر.
دق باب المنزل، فنهضت من مكانها بتثاقل حتى تفتح الباب ظناً منها أنها جارتها "سعاد"، تلك المرأة الخمسينية ذات العيون الخضراء والشعر الأحمر. تعتبرها ابنتها منذ أن جاءت إلى هنا وهي تتولاها وتتولى رعايتها كاملة.
لكنها تفاجأت بأبيها وشقيقتيها وأزواجهم. دهش والدها من التغيير الذي طرأ عليها وحزن أيضاً. وجهها ورقبتها وعظمتي الترقوة تغطيها الندوب والخربشات. قصت شعرها الطويل إلى نهاية نحرها. نحفت كثيراً. وجهها المنتفخ وعيناها المدمعة أثارت شفقته ناحيتها.
كانت أول من فاقت من ذهولها هي تمارا، فاندفعت إليها تحتضنها بقوة وهي تبكي على حالها. حولت تمارا بصرها بالشقة، فشهقت بعنف وهي ترى ما بها محطم. دفعت زمزم تمارا بعنف بعض الشيء وصرخت بوجههم بغضب ودموع:
- عاوزين مني إيه تاني؟ امشوا بقى مش عاوزة حد فيكم. كفاية كده.
وقالت مشيرة إلى والدها:
- وانت عاوز إيه تاني مني؟ مش اتأكدت إني محطتش راسك في الطين؟ سبني في حالي بقى. أنا مش مسامحاك ولا انت ولا عمي ولا ياسر ولا الحيوان اللي اتحسب جوزي. أنا بروّح لماما كل يوم وبقولها انت بتعمل فينا إيه. قولت لها كمان انت عملت فيا إيه. امبارح جاتلي في الحلم وقالتلي هاخدلي حقي منك وأنا مستنياها تاخدهولي. هقف قدام ربنا وأقوله إني مش مسامحاك. سبني في حالي بقى. دمرتوني بهدلتوني كتير. روحت وجيت ولفيت على شغلك هنا وهناك وسبتنا ولما رجعت عاوز تجوزنا عشان تخلص. جوزتنا كلنا غصب. جوزتني واحد ميستاهلنيش وبهدلني. عملتني خاينة. واحدة خانت جوزها اللي هي أصلاً مبتشوفهوش. جوزها اللي رماها. اتفقت مع جوز بنتك على بنتك. امشي امشي بقى اطلع من حياتي.
جلست على الأرض أمامهم وهي تبكي وتشهق بعنف وتضم قدميها إلى صدرها بقوة ونشيجها يتعالى. جلس ناصر على الأرض أمامها يجذبها إلى أحضانه يشاركها البكاء. لم تمانع احتضانه لها. كانت تحتاج إلى ذلك العناق الذي يحتويها كثيراً، لذلك لم تمنعه. ثوان وكان جسدها يتراخى تماماً بين ذراعي والدها.
بعد مرور يومان، دلف ناصر إلى غرفة زمزم بالفيلا وقام بفتح الشرفة حتى تدخل الشمس إلى الغرفة. أما هي فكانت تجلس على الفراش بملامح عادية غير متأثرة بشيء، لا فرح ولا غضب.
بعد ثوان، دقت الخادمة على الباب فأذن لها ناصر بالدخول. حمل ناصر الصينية من الخادمة وصرفها والتفت عائداً إلى زمزم ووضع الصينية على قدميها وبدأ بإطعامها.
- اهو عملتلك بيض زي ما بتحبيه. مش عارف بصراحة بتاكليه كاوتش كده إزاي؟ بس مش مهم. خدي.
قالها وهو يمد يده أمام وجهها بلقمة طعام، ففتحت فمها وأكلتها دون أن تتحدث.
بذلك اليوم أخذها من المنزل الذي تقطن به وعاد بها إلى الفيلا وأصبح يعتني بها فقط حتى تتحدث معه. رفض اعتناء أي من شقيقتيها بها. ظل معها حتى منتصف النهار يتحدث إليها، يخبرها كم يحبها. يخبرها بمقصده عندما زوجها وقاص، كان يعتقد أنها من دمه ولن يؤذيها مطلقاً، لكن ما حدث كان العكس. يخبرها كم تشبه والدتها رحمها الله. كان يريدها أن تتحدث معه ولو بكلمة حتى. تركته يتحدث كما يريد دون أن يظهر على وجهها أي تعبير، فقط عندما جاء بسيرة والدتها دمعت عيناها.
بعد قليل انتهى ناصر من الحديث، أو مل منه فلم يجد من يشاركه الكلام.
- أنا هروح أطمن على أخواتك وأتصل بيهم يا حبيبتي وهجيلك تاني.
وأمسك بمقبض الباب لكنه تجمد مكانه عندما هتفت زمزم بكلمتين فقط جعلت الدموع تأخذ مجراها على وجنته.
- انت بتحبني؟
بمنزل زهرة النوساني.
كانت تعبث بالهاتف عندما دق باب المنزل، نهضت من مكانها حتى تفتح الباب ظناً منها أنه ناير، لكنها لم تجد أحد. وقع الهاتف منها أمام الباب فانحنت حتى تجلب الهاتف فرأت ذلك الظرف. أخذته ودلفت إلى الشقة. جلست على الأريكة وفتحتها، أخرجت الورقة الموجودة به ولم تشعر بدموعها التي هبطت على وجنتها وهي ترى نسخة من قسيمة طلاق الدعوى "ناير نصار" و"ندي فوزي" بتاريخ ذلك الشهر وتحديداً منذ أسبوع فقط.
دلف ناير إلى المنزل يبحث عنها بابتسامة، فوجدها تجلس على الأريكة وبيدها تلك الورقة. قطب جبينه باستغراب وهزها برفق.
- زهرة.. زهرة مالك فيه إيه؟
التفتت له ووضعت الورقة أمام وجهه وقالت بصوت جامد وعينين مدمعة:
- طلقني.
رواية القديمة تحلى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نرمين
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وأشار إلى الورقة بيدها قائلاً:
"انت جبتي الورقة دي منين؟"
قذفتها زهرة أرضاً وهي تصرخ بوجهه:
"ملكش دعوة جبتها منين، الكلام اللي فيها صح، دي امضتك والتاريخ من أسبوع، يعني كل ده عايشة مع واحد كذاب."
بلل شفتيه بلسانه قائلاً بصوت متوتر:
"زهرة اسمعيني، والله العظيم اتجوزتها غصب عني، صدقيني ملمستهاش أصلاً."
"كل كلامك ده ما يهميش في أي حاجة، أنا عايزة أعرف حاجة واحدة بس، اتجوزتها امتى؟ إزاي أصلاً وأنا كنت نايمة على وداني إزاي؟"
"اتأكدت إن حياتهم هتتدمر تماماً لو أخبرها بتاريخ زواجه بتلك الخبيثة، وبالطبع لن يكون هناك فرصة لرجوعهم مرة أخرى."
"اتجوزتها قبل ما يحصل اللي حصل بيوم، بس غصب عني والله."
ابتسمت بسخرية قائلة:
"متفرقش عندي، كلها واحد في النهاية اتجوزت، طلقني يا ناير لأني مش هقعد على ذمتك ولا هقعد في بيتك دقيقة كمان."
"مش هطلقك يا زهرة، مش هطلقك، اتجوزتها غصب عني بقولك."
"غصب عنك إزاي؟ شربوك حاجة صفرا يعني؟"
ناير بصوت حاد:
"بلاش الطريقة دي يا زهرة، بقولك اتجوزتها غصب عني وملمستهاش لحد ما طلقتها، متظلمنيش."
نظرت إليه باحتقار قائلة:
"أنا قرفانة منك، قرفانة ويضرب نفسي مليون جزمة إني صدقتك وسامحتك."
وذهبت إلى الغرفة حتى تلملم أغراضها، ووراءها ناير يحاول منعها مما تريد فعله.
التفت ناصر إلى ابنته ينظر إليها بحزن شديد:
"إلى تلك الدرجة لا تصدقينه؟ تشكك بحبه لها؟ كيف لأب أن يكره أطفاله؟ وكيف يكره أي شيء من مادلين رحمها الله؟ كيف يكره نسختها الأخرى بكل شيء والتي عوضه الله بها؟"
"أيوة طبعاً بحبك يا زمزم، إيه السؤال ده يا بنتي بس؟ مفيش أب بيكره عياله."
ردت عليه بصوت متحشرج:
"بس أنت كرهتني، لما... لما أنا كنت بناديلك عشان تطلعني من الأوضة مردتش عليا، كدبت عليا وقلتلي إنك تعبان، وأنا جيتلك عشان أنقذك لأني بحبك ومش عاوزاك تموت، بس أنت اتفقت معايا عليا."
هلكت روحه وأجهدت عيناه من كثرة البكاء عليها.
تزيد شعوره بالذنب تجاهها، واتجاه الوعد الذي قطعه على نفسه أمام مادلين وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
"كنت خايف تكوني عملتي حاجة غلط، مكانش قدامي إلا جوزك يطمني عليكي."
"بس أنت مستنتش تطمن عليا لما جوزتني ليه ومشيت على طول على شغلك."
هتف ناصر بصوت معذب:
"يا زمزم كفاية، كفاية بقى يا بنتي، والله ما قادر أتحمل حاجة تاني، كفاية بقى متوجعيش قلبي عليكي أكتر من كده، مكانش قصدي إني أأذيكوا، كنت شايفهم رجالة وهيحافظوا عليكوا."
لم تتأثر بكلامه، أو أنها لم تستمع له أصلاً، وأكملت حديثها:
"أنا قلتلك متجوزنيش لوقاص، قلتلك إني بخاف منه وإنه هيعاملني وحش، بس أنت غصبت عليا، أنا كنت بحبك بس دلوقتي لا، سيبني أنام وامشي بقى، ومتجبليش أكل تاني مش عايزة حاجة منك."
وتسطحت على الفراش وأعطته ظهرها.
نظر إليها ناصر بحزن شديد ووجع عليها وخرج من الغرفة وتركها كما طلبت حتى تخلد للنوم، لكنه بالطبع لن يتركها إلا بعد أن يرمم علاقتهما من جديد.
***
بقصر النوساني الصغير.
دلفت سيلين إلى غرفة والدها حتى تخبره برجوع زمزم إلى المنزل بعد أن وجدها والدها.
"بابا... يا بابا... بابا..."
"إيه إيه يا سيلين، استني يا بنت أما أخرج أنا باخد شاور."
قالها قدري لسيلين من داخل المرحاض.
بعد قليل خرج قدري من المرحاض ووقف أمام ابنته قائلاً:
"إيه فيه إيه؟"
اتسعت ابتسامة سيلين وهتفت بصوت فرح:
"زمزم رجعت البيت، تمارا لسه متصلة بيا دلوقتي وطمنتني عليها، رجعت من يومين وكانت تعبانة فمكانتش فاضية تكلمني بس كلمتني دلوقتي وقالتلي، أنا عايزة أروح لها يا بابا عشان خاطري، وحشتني أوي بقالي فوق الشهرين مشوفتهاش."
ابتسم قدري بشوق وحنين إلى زمزم قائلاً بصوت ملهوف:
"هنروح، هنروح دلوقتي، روحي البسي يلا يا حبيبتي."
أومأت برأسها بسعادة غامرة وذهبت حتى ترتدي ملابسها لتذهب إلى منزل عمها لرؤية زمزم، غافلة عن شقيقها الذي استمع إلى حديثهم كاملاً وعزم على الذهاب إليها وأخذها حتى تعيش معه، ببيته، بيت زوجها!!!
***
بمنزل عابد سلمي.
كانت تمارا تجلس على الأريكة تشاهد التلفاز وبيدها وعاء كبير به بعض حبات الكوسة، وأمامها يجلس عابد ينظر لها باستغراب شديد من صمتها وتجاهلها إياه بهذه الطريقة.
"إيه يا تمارا مالك؟"
لم ترد عليه وتعمدت تجاهله.
فزجرها عابد بضيق:
"قلت مالك فيه إيه؟ ما كنا كويسين ولا إنت يصعب عليكي ف لازم تقعدينا في نكد طول الوقت."
دبت السكين بالطبق بقوة محدثة صوتاً مزعجاً والتفتت له قائلة بصوت حاد:
"أنا مش قولتلك إني مش هروح معاك؟ بس برضه جبتني البيت هنا."
"وسيادة البرنسيسة مش عايزة تروح ليه بطفي السجاير في كعب رجليها؟"
نظرت إليه بحدة وصوت غاضب:
"أنا قولتلك إني مسامحتكش على جوازك عليا، وانت برضه روحتني معاك."
امتدت يده إلى الوعاء الموضوع على قدمها ووضعه على الطاولة وأمسك بيدها وأجلسها على قدمه.
"عارفة يا تمارا لما اتجوزت زينب، ملمستهاش إلا بعد جوازي منها بشهر، ولما هي بدأت تشتكي، اتجوزتها أصلاً عشان أقولك وأأكد لك وتغيري عليا بس اللي حصل العكس، ومن ساعتها وأنا ملمستهاش، طلقتها عشان مش قادر يبقى فيه في حياتي ست غيرك، مش عارف أعدل بينكم."
"بس أنت كنت بتروح لها، وكمان كنت بتقولها إنك بكرة تخلص مني وتطلقني وهي بس اللي تفضل على ذمتك."
نفى عابد بقوة:
"لا، محصلش، عمري ما جبت سيرة إني هطلقك معاها أصلاً، ده هي اللي كانت بتتخانق مني لما أت لخبط في اسمها وأقول اسمك، عشان كده ضغط عليكي ورفضت قعادك عند أبوكي، لأنها مكانتش جوازة أصلاً."
عانقته تمارا بمفاجأة وهي تقبل وجنته وتصرح بحبها له وولعها به.
بادلها عابد العناق بقوة أكبر حتى كاد أن يحطم عظامها.
"بحبك، بحبك أوي يا تمارا، بعشق التراب اللي بتمشي عليه."
***
بڤيلا ناصر النوساني.
دلفت سيلين إلى غرفة زمزم بالأعلى ووراءها والدها يحفر الألم والحزن لوحة على وجهه عندما استمع إلى حالتها من شقيقه الأكبر.
"إزيك يا زمزم، وحشتيني."
قالتها سيلين لزمزم بشوق جارف ومالت عليها تحتضنها بقوة.
لم تتأثر زمزم بعناقها ولم ترفع يديها حتى.
ابتعدت عنها سيلين باستغراب وهتفت:
"إيه يا زمزم مكنتيش عايزة تشوفيني ولا إيه؟ أنا سيلين، سيلين بنت عمك يا حبيبتي."
حولت زمزم بصرها إلى حيث أشارت سيلين على والدها وتوهجت عيناها بدموع ساخنة متذكرة ياسر وبداية دخوله إلى حياتها، خداعه لها والذي كان السبب فيما هي عليه الآن.
عادت تضم قدميها إلى صدرها وتدفن وجهها بين كفيها وتبكي بقوة وصوت مختنق.
جذب ناصر شقيقه من ذراعه وأخرجه من الغرفة.
"فعلت ما فعلته الآن عندما ذهب إليها حتى يأتي بها لتعيش معه، إذ أنه السبب فيما حدث لها على يدي وقاص، والآن فعلت نفس الشيء مع عمها بالتأكيد تذكرت ياسر، فقد أخبرته تمارا بالأمس أنها قصت عليها ما فعله ياسر بها وكيف خدعها."
"إيه يا ناصر طلعتني ليه عاوز أطمن عليها."
"ابعد عنها دلوقتي يا قدري، زمزم عرفت بحكاية الدكتور من أولها لآخرها ومش طايقاك، زمزم بتشك في حبي ليها، أنا شوفت لها دكتورة نفسية كويسة، هتجيلها النهارده، وابنك لازم يطلق بنتي، كفاية أوي اللي جرالها من تحت راسي أنا وهو."
أومأ قدري بأسف على حالتها.
كانت نيته الخير والله يعلم لكن ما حدث العكس بسبب تصرفات ابنه الهوجاء وقسوته معها.
في تلك اللحظة كان وقاص يدلف إلى الڤيلا واستمع إلى حديث ناصر فهتف بصوت قوي:
"مش هطلقها يا عمي، هي مراتي وهتفضل لحد آخر يوم في عمري وعمرها، أنا جاي النهاردة عشان آخدها عندي، آخدها بيتها."
احتدمت عينا ناصر بغضب شديد وهتف:
"إنسي، مش هتروح معاك يا وقاص، كفاية أوي كده عليها، أنا واقف عاجز قدامها ومش عارف أعملها حاجة، بتقعد تعيط قدامي بالساعات ومبقدرش أسكتها، بتفصل مني خالص، مبتفتكرش إلا اليوم الزفت ده، بتفضل تعيط لحد ما تنام يا أما يغمى عليها، مش هديهالك تاني، انساها."
اهتزت حدقتا وقاص بحزن شديد عليها فتح فمه ينوي الحديث لكن قاطعه صوت الخادمة تقول:
"ناصر بيه، الدكتورة يارا اللي حضرتك طلبتها برة مستنية إذن الدخول."
"دخليها، دخليها بسرعة يا ميرفت."
دلفت الطبيبة إلى البهو الكبير بالڤيلا ابتسمت وتوجهت إلى ناصر قائلة:
"السلام عليكم، أنا يارا عويس الدكتورة اللي حضرتك طلبتها يا أستاذ ناصر."
ناصر بشبح ابتسامة:
"وعليكم السلام يا بنتي، أهلاً وسهلاً، اتفضلي، أنا عايز أتكلم معاكي شوية."
أومأت برأسها إيجاباً واتبعته حتى جلسا بغرفة الصالون.
"إنت جاية هنا عشان بنتي، هي تعبانة شوية، يعني حصل حاجات بينها وبين جوزها، وأنا كمان كملت عليها، التفاصيل هي تحكيهالك لو قدرتي تخليها تتكلم، أنا عايز أقولك الأعراض اللي ظهرت عليها، وشها دايماً منفوخ ووارم من العياط، وأحياناً بتنام وتصحى ويبقى ورم جداً، دايماً بضم رجليها لصدرها وتدفن وشها بين أيديها وتعيط، بتكتم صوت عياطها، بتفضل تعيط لحد ما تنام أو يغمى عليها، أحياناً بتعيش في حاجة عدت ده تفسيري، لأني بفضل أناديها كتير وأهديها عشان متعيطش بس هي مبتستجبش خالص."
أومأت الطبيبة برأسها بنصف ابتسامة ثم هتفت:
"أوكي، أنا قدرت أجمع شوية عن حالتها، أنا عايزة أشوفها، هشوفها بصفتي الحقيقية عادي."
سار ناصر مع الطبيبة حتى غرفة ابنته مد يده إلى المقبض ليفتح الباب لكنه تفاجأ بسيلين تفتح الباب بذعر قائلة:
"عمي زمزم، زمزم أغمي عليها، قعدت تعيط كتير ومعرفتش أهديها."
"طيب... طيب يا حبيبتي اهدي، أهي الدكتورة يارا هي هتساعدها، اهدي انت وروحي اغسلي وشك كده."
التفت ناصر إلى الطبيبة ينظر إليها بنظرة معناها "مش قولتلك".
أومأت الطبيبة برأسها ودلفت إلى الغرفة حتى تبدأ معها أولى مراحل العلاج.
رواية القديمة تحلى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نرمين
نهضت من مكانها حتى تفتح الباب.
كانت تجلس وحدها بالمنزل كالعادة، ظنت أنها السيدة آمال فقد تواعدا أن تزورها اليوم مساءً.
لذلك قامت بتوضيب المنزل بأكمله.
تفاجأت ميرنا بياسر أمامها ينظر لها بأسف شديد.
تجاهلت ميرنا معنى نظراته رغم أنها تعرف ماهيتها جيدًا وهتفت بصوت جامد:
_ أفندم يا دكتور ياسر، أقدر أساعد حضرتك في إيه؟
حاول ياسر الخروج من ذلك الجو البارد قائلاً:
_ طب مش هتقوليلي اتفضل؟
_ آسفة، بس زي ما حضرتك عارف أنا لوحدي في البيت، ومليش إلا سمعتي، فمقدرش أدخل حضرتك. حضرتك عاوز إيه؟
زفر ياسر بتعب قائلاً:
_ جاي أعتذر لك.
_ عن؟
ثباتها وجمودها ترهقه، فهتف بصوت مهتز:
_ عن اللي قولته من كام يوم كده.
ابتسمت ميرنا بسخرية قائلة:
_ عن إني لازقة عندكم عشان تبص لي وتتجوزني مثلاً! ولا عن إني كنت مخبية رسالة زمزم عشان عاوزة أمحيها من حياتك وتتجوزني برضو! عن إيه بالظبط يا دكتور؟
وضع كفه على جبينه يضغط عليه قائلاً:
_ عن كل كلمة قولتها لك يا ميرنا، عن كل كلمة قولتها لك في ساعة غضب وأنتِ اللي جيتي قدامي من غير ترتيب لكده.
_ آسفة لتاني مرة يا دكتور، بس أنا مش من أهلك عشان أستحمل إنك تفش غضبك فيا وتسمعني الكلام ده.
_ عمومًا أنا بكرر أسفي تاني وتالت وعاشر كمان. ماما عاوزة تشوفك.
_ أهلاً وسهلاً تنور، بيتي هو بيتها، هي اللي ربتني واهتمت بيا بعد موت أهلي.
ياسر بضيق:
_ ميرنا ماما متعرفش حاجة عن اللي أنا قولته لك، وأنا نزلت اعتذرت لك من نفسي لأني غلطت في حقك. أتمنى إن اللي أنا قولته لك اليوم ده ميغيرش معاملتك مع ماما. واسف كمان مرة على أي كلمة أسأت لك بيها. عن إذنك.
وذهب من أمامها.
أما هي فأغلقت الباب واستندت إلى ظهره تتنهد بتعب وحيرة، ماذا عليها أن تفعل؟ هل عليها أن تقبل اعتذاره؟ أم تتمسك بعدم الصعود إلى والدته مجددًا؟
***
بغرفة زمزم.
تمكنت الطبيبة من إفاقتها من إغمائها.
كانت زمزم توقفت عن البكاء وعادت إلى طبيعتها الساكنة من جديد.
اقتربت منها يارا وجلست على طرف الفراش أمامها هاتفية بابتسامة ودودة:
_ أنا يارا، وأنتِ؟
تجاهلت زمزم حديثها التافه ذاك وهتفت بجدية:
_ أنتِ مين؟ وعاوزة مني إيه؟
_ أنا دكتورة، دكتورة يارا عويس، وأنتِ اسمك إيه؟
تجاهلت زمزم حديثها للمرة الثانية وهتفت:
_ دكتورة إيه؟
ردت يارا بابتسامة:
_ نفسية، دكتورة نفسية.
_ وجاية ليه؟
_ جاية عشان أساعدك أكيد.
_ بس أنا مش محتاجة مساعدة من حد، شكراً برضو إنك جيتي، بس للأسف أنا مش مريضة عشان تعالجيني أو تساعديني.
اتسعت ابتسامة يارا أكثر فقد وجدت طرف الحديث حتى تبدأ معها:
_ أوكي، خلينا أصحاب، تحكي لي، أحكيلك، يعني، إيه رأيك؟
احتدمت عينا زمزم بغضب وهتفت بصوت حاد:
_ قولت لأ، قولت لك شكراً، اتفضلي امشي بقى.
_ بس أنا عاوزة أتعرف عليكي.
ربعت زمزم يديها واستندت بظهرها إلى الفراش قائلة ببرود:
_ عاوزة تقعدي تحكي اقعدي براحتك، لا هقولك اطلعي برة ولا هعمل حاجة، عشان مش بيتي أصلًا، تمام كده؟
بالخارج.
كان وقاص يحاول مع عمه حتى يسمح له بالدخول إليها ورؤيتها.
_ لا يا وقاص، لا مش هتدخلها، كفاياها كده أوي.
وقاص بعناد:
_ وأنا عاوز أشوفها، بقالها كتير هربانة، ودي مراتي.
ناصر بصوت جهوري:
_ هطلقها منك يا وقاص، هطلقها ومش هيبقى فيه رابط بينكوا غير القرابة، أنا مش مستغني عن بنتي. وإذا كنت زمان جوزتهالك فكنت مفكرك راجل وهتحافظ عليها.
لم يعبأ وقاص بكلام عمه واستدار حتى يصعد إلى غرفتها، ووراءه والده وناصر يحاولان منعه.
دلف وقاص إلى الغرفة ونظر إليها ببهوت.
لم تكن هي نفس الفتاة التي عاشت معه، تلك شخصًا آخر.
اقترب منها بخطوات بطيئة وهتف بصوت متحشرج:
_ زمزم.
لم تكن لتخطئ صوته أبدًا.
انطلقت رأسها كالقذيفة باتجاه الصوت، وبلحظة كانت تعاود البكاء من جديد، ولكن دون صوت هذه المرة.
تابعت يارا تعبيراتها بتركيز شديد.
من الواضح أنه زوجها الذي أخبرها به ناصر منذ قليل.
ظل وقاص يقترب منها ببطء حتى لا ترتعب أكثر، لكنه كان مخطئًا.
كل خطوة يخطيها وقاص كانت هي تزحف إلى الوراء مثلها، إلى أن التصقت بالجدار، وكان هو يتابع السير نحوها.
هنا صرخت زمزم بقوة قائلة:
_ طلعيه، طلعيه برة والنبي، وأنا هعمل لك اللي أنت عاوزه. طلعيه.
هنا تحدثت يارا بقوة:
_ لو سمحت اطلع برة، مينفعش كده.
استطاع ناصر وقدري إخراج وقاص من الغرفة بالقوة رغم ممانعته.
بعد خروجهم، أغلقت يارا الباب والتفتت عائدة إلى زمزم تحاول تهدئتها.
_ اهدي، خلاص هو خرج.
بعد قليل هدأت زمزم وتوقفت عن البكاء.
_ الحمد لله هديتي؟
زمزم بصوت باكي:
_ أيوة هديت، بس أنا مش عاوزة أتكلم عليه.
ابتسمت يارا ثم رفعت منكبيها قائلة:
_ مقولتش اتكلمي عليه، أي حاجة، قولي أي حاجة تانية اللي ييجي في بالك تتكلمي عليه اتكلمي، حتى لو عاوزة تخرجي من هنا.
لمعت عينا زمزم وهتفت بلهفة:
_ بجد، ممكن تخرجيني من هنا؟
_ اممم، طبعًا ممكن أخرجك، مش شرط نقعد هنا.
نهضت زمزم من مكانها بسرعة وهتفت:
_ طيب، أنا، أنا هلبس وننزل، ماشي.
أومأت برأسها وخرجت من الغرفة تنتظرها بالخارج.
***
لم يستطع ناير السيطرة عليها، فقد خشي أن يأذيها هي وطفله، فتركها على راحتها.
وبالتأكيد لن يتركها.
خرجت زهرة من الغرفة وبيدها حقيبتها.
وقف ناير أمامها يحاول تهدئتها، وأثناءها عن رأسها:
_ يا زهرة مش كده، بقول لك اتجوزتها غصب عني، اقعدي ونحل مشاكلنا مع بعض.
_ دي مش مشكلة يا أستاذ، ده طلاق، طلاق ومن غير رجعة، أنا هروح لبابا وهو بقي يتصرف معاك ويطلقني.
_ مش هطلق، والله ما هطلق يا زهرة.
_ هخلعك يا ناير، مش هعيش معاك.
وخرجت من المنزل بأكمله تاركة إياه وراءها يحطم كل شيء بالمنزل بغضب أعمى.
بڤيلا ناصر النوساني.
دلف إلى غرفة المكتب بعد أن شاهد رحيل زمزم وتلك الطبيبة.
تنهد براحة بعض الشيء، فها هي زمزم تبدأ أولى مراحل العلاج النفسي.
قطع سيل أفكاره دخول زهرة كالإعصار من الباب.
_ طلقني من ناير يا بابا، مش عاوزة أعيش معاه تاني.
أغمض عينيه بتعب.
إنجاب البنات متعب حقًا، قصفوا ظهره إلى نصفين.
عندما يتخلص من واحدة تظهر الأخرى بمشكلة جديدة.
_ إيه اللي حصل يا زهرة؟ عاوزة تطلقي ليه يا ماما؟
زهرة بحدة:
_ عشان خاين، كان متجوز عليا بس ربنا كشفه وحد بعت لي الزفت على راسه صورة قسيمة الطلاق.
_ طب وهو برر موقفه إزاي؟
_ هيقول إيه يعني! قال إيه اتجوزها غصب عنه.
أمسك ناصر بهاتفه وأشعله وهو يقول:
_ طيب، أنا هتصل بيه دلوقتي عشان يوضح لنا الموضوع كله، واللي أنتِ عاوزاه أنا هعمله لك.
بعد مرور ثلاثة أشهر.
تجلس زمزم على طاولة الطعام أمام شقيقتها الوسطى، ويترأس الطاولة والدها.
وبجانبهم يجلس عابد وزوجته وأطفاله الاثنان.
_ ناوية ترجعي البيت امتى يا زهرة؟
قالها عابد بقوة لزهرة، فهو يعتبرها شقيقته الصغرى هي وزمزم، ولذلك يتحدث معهم بأريحية.
_ لما يطلقني إن شاء الله هروح عشان آخد حاجتي من البيت.
أفلتت ضحكة عالية من تمارا جعلته ينظر إليها بغضب.
تذكرت ملازمته لها عندما يدعوها والدها إلى منزله، يلازمها عند جلوسها مع زهرة تحديدًا، خائفًا من استماعها إليه بعقابه بشأن زواجه من أخرى.
_ آسفة.
رمقها عابد بحدة والتفت إلى زهرة مكملاً حديثه:
_ حضرتك منعتيه يشوفك، سيادتك منعاه يروح معاكي للدكتورة يطمن على ابنه. ثم إنه اتجوزها غصب عنه، أمه اشتغلت له في الأزرق وتعبانة وهتغضب عليك، يعمل إيه يعني؟
_ يقول لي اللي حصل يا عابد، وبعدين أنا مش هرجع له وهطلق منه كمان.
ابتسم عابد بسخرية قائلاً:
_ يا صلاة النبي، وأنتِ مفكرة بقى إنه هيزهق ويطلقك كده عادي صح؟
امتدت يد زهرة إلى كف والدها الذي يحاول قدر استطاعته كتمان ضحكته وهتفت:
_ بابا حبيبي هيطلقني منه، ولو مرديش هيخلعه، صح يا بابا؟
أفلتت الضحكة العالية هذه المرة من زمزم، وشاركها جميعًا الضحك بما فيهم عابد والصغيران.
_ يا بت، يا بت بطلي كذب، ده أنتِ بتتصلي بيه من خط جديد تسمعي صوته. احترمي نفسك بقى. وبعدين هو جه هنا حكى كل حاجة، اتجوزها عشان زن أمه وأنتِ عارفة إنها مبطقكيش أساسًا، وبعدين اللي كان بإيده عمله وأنتِ فاهماني كويس.
أمسكت زهرة بالشوكة توجهها ناحية زمزم هاتفة بغيظ:
_ أنتِ سوسة أصلاً، أنا مش عارفة إيه اللي بيخليني أنام معاكي في الأوضة، مبتناميش أصلاً.
_ ربنا حب يوقعك في شر أعمالك وكشفك قدامي. كفاية كده، 3 شهور مش عارف يشوفك. غيره كان طلبك في بيت الطاعة وخلص.
تحدث ناصر أخيرًا يحاول خلق حديث معها.
تحسنت حالتها النفسية كثيرًا وأصبحت تتقبله بحياتها.
سامحته على شيء تقريبًا، لكن ذلك اليوم اللعين لا يزال محفورًا بذاكرتها يأبى النسيان.
_ زمزم بتتكلم صح يا زهرة، سامحي بقى، ده جوزك وأبو اللي في بطنك إن شاء الله.
لم تلتفت زمزم إليه وتابعت تناول طعامها بصمت تام وشردت بفكرها بعيدًا إلى تلك الرسائل النصية التي يبعث بها وقاص إليها، يعتذر عما اقترفه بحقها، يبعث لها بالورود كل صباح، يأتي إلى المنزل يوميًا حتى يراها، لكنها تختفي من أمامه كالزئبق.
لكن اليوم لم يأتِ.
تساءلت في نفسها لم؟ هل مل من الاعتذار لها؟
تنهدت بحيرة يتخللها الحزن، واستمعت إلى والدها يقول:
_ بكرة خطوبة سيلين يا بنات ولازم هنروح لها.
رواية القديمة تحلى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نرمين
منزل ياسر.
يجلس على الطاولة أمام زوجته "ميرنا"، يحاول إقناعها بتقديم موعد زواجهما، لكنها ترفض.
"يا ميرنا، أنا بحبك والله بحبك، وعاوزك في بيتي النهاردة قبل بكرة."
ميرنا بإصرار:
"يا ياسر، أنت أصرّيت نكتب الكتاب رغم إني قلت لأ. كنت عاوزة نبقى على البر كده لحد ما نشوف هنتفق مع بعض ولا لأ."
أمسك بيدها يقلبها وهتف بابتسامة:
"يا ميرنا، أنا ما أخذتش خطوة كتب الكتاب دي إلا لما اتأكدت فعلاً إني بحبك."
زفرت ميرنا بتعب وقررت مصارحته بما يخيفها.
"يا ياسر، أنا خايفة بصراحة."
قطّب جبينه قليلاً وهتف بتساؤل:
"خايفة؟ خايفة من إيه يا ميرنا؟ مني؟"
"مش منك أنت لشخصك، بس خايفة تكون بتنسى حد بيا. وأنا مليش إلا طنط أمال، مش عاوزة علاقتنا ببعض تبوظ علاقتي بيها."
نظر إليها ياسر ببهوت قائلاً بصوت متفاجئ:
"أنت تظني فيا كده يا ميرنا؟!"
"ده أنا رفضت أي واحدة ماما حبّت تجوّزها لي بعد موضوع زمزم."
"يا ياسر، اسمعني، أنا..."
أشار لها بيده حتى تصمت قائلاً:
"بس بس، مش عاوز أسمع حاجة تاني. براحتك يا ميرنا، وقت ما تحبي تتجوزيني فأنا مستعد."
"قبل ما أمشي هقولك حاجة صغيرة: من ساعة ما قعدت ألف على زمزم عشان تسامحني وسامحتني فعلاً، وأنا بقيت بعتبرها أخت ليا مش أكتر. وبحاول أبعد عنها على قد ما أقدر لأني عارف إن مهما مر وقت هيبقى فيه حساسية بينا. أنا رايح شغلي."
وغادر المنزل تاركاً إياها وراءه تعض على أصابعها من الندم.
باليوم التالي، ذهبوا البنات جميعهم إلى سيلين بالمنزل. رفضت إحداهن تركها، بما فيهم زمزم. منذ أزمتها تلك وهي لم تخطِ عتبة هذا المنزل، لكنها لم تنسَ وقفة سيلين معها منذ أن تزوجت بأخيها وحتى أزمتها الأخيرة وسؤالها الدائم عليها. لذلك لم تستطع تركها بهذا اليوم.
دلفا جميعهم إلى المنزل فقابلتهم السيدة نجاة. صافحت تمارا وزهرة وعانقتهم وقبلتهم بحب. أما زمزم فقد تظاهرت بالانشغال بالهاتف، تتحدث به حتى لا تراها. جاءت إلى هنا في مهمة محددة ولن تفعل أكثر من ذلك.
"اتفضلوا يا بنات، ادخلوا البيت بيتكم."
مالت تمارا على أذن زمزم قائلة:
"اتعاملي عدل مع الولية يا حبيبة اختك، بلاش كده، ده انتِ سامحتي جوزها."
"والله جوزها كان قصده خير، مش من ساعة ما جيت هنا وهو بيمرمط اللي جابوني. روحي اقعدي وسيبك مني خالص."
بعد قليل، كانت سيلين تقف أمام زمزم وتحتضنها بقوة، وزمزم تبادلها العناق بقوة أكبر.
"مبروك يا لولو، عقبال الفرح بجد بقى."
"الله يبارك فيكي يا قلبي، عقبالك."
وضعت سيلين يدها على فمها. لم تقصد أن تقول لها ما قالته. حاولت بصرها ناحية الموجودين فوجدت والدتها تنظر لها بغضب، وشقيقتيها يحاولان تلطيف الأجواء بابتساماتهم. لكن ما صدمهم حقاً هو رد زمزم عليهم.
ابتسمت زمزم باتساع وهتفت:
"إن شاء الله قريب يا سيلا."
تحطم الكأس بيده عندما اخترقت جملتها أذنه. ماذا تقصد بـ "قريباً" تلك؟ هل وقعت بالحب مرة أخرى؟ ماذا عليه أن يفعل الآن؟ هذه المرة عمه يقف بصفها. لم يخطُ خطوة بموضوع الطلاق إلى الآن لأنها لم تطلب. لكن عمه أخبره بصريح العبارة أن ما تريده زمزم سيكون، مهما طلبت.
التفتت نجاة إلى مصدر الصوت فوجدت ابنها يقف أمام المطبخ وبيده الكوب الذي تحطم للتو.
"إيه يا حبيبي، فيه إيه؟ أنت كويس؟ اتعورت طيب؟"
قالتها نجاة بنفس واحد وهي تركض نحو ابنها.
"مفيش حاجة يا ماما، أنا كويس. وأنت.." قالها مشيراً إلى زمزم.
"الحاجة الوحيدة اللي قريبة فعلاً هي رجوعك البيت هنا، غير كده مفيش."
ابتسمت زمزم باستفزاز والتفتت إلى سيلين قائلة:
"ها يا سيلا، هنعمل إيه دلوقتي؟ مين اللي هيزوقك بقى؟"
هتفت سيلين بصوت مهتز:
"الميكب أرتيست جاية دلوقتي يا حببتي."
أومأت زمزم برأسها إيجاباً وجلست معهم إلى أن جاءت المزينة وصعدا إلى الغرفة.
***
مساءً بالحفل.
لم تترك زمزم سيلين أبداً، كانت تتابعها بالحفل جيداً إذا ما احتاجت شيئاً.
على طاولة ما، تجلس تمارا أمام زوجها تبتسم بسعادة قائلة:
"فاكر اليوم ده يا عابد؟"
ابتسم عابد بحب قائلاً:
"طبعاً، وده يوم يتنسي. قال إيه خرجتي من الحفلة عشان اللعب اللي في السما، كان هاين عليا أضربك ساعتها وقدام أبوكي كمان."
ضحكت تمارا بقوة هاتفة من بين ضحكتها:
"ومن ساعتها وأنا لبست فيك، بس أحلى لبسة في حياتي يا بودي."
"لا لا، استني كده، براحة عليا، أنا مش قد الدلع ده كله، قلبي يقف منك."
"بعد الشر عن قلبك يا قلب قلبي أنت من جوة."
اقترب منها عابد يهمس بجانب أذنها بصوت مغرٍ:
"تيجي أخطفك من الحفلة دي؟ مش جينا وعملنا الواجب خلاص."
التفتت تمارا له فأصبح وجهها أمام وجهه مباشرة، لا يفصلهما إنش واحد حتى، وقالت بهمس:
"وإيه اللي مانعك؟ أنا عن نفسي موافقة جداً إني أتخطف."
أمسك عابد بيدها يجرها وراءه نحو السيارة، منطلقاً إلى مكان هادئ يستطيع فيه بث أشواقه إليها دون مقاطعة من أحد، ودون مقاطعتها هي شخصياً.
جاء موعد رقصة العروسين ومن يريد من الأصدقاء. سار ناصر باتجاه ابنته الصغيرة ومد يده إليها قائلاً:
"أميرتي، تسمحي لي بالرقصة دي؟"
نظرت زمزم إليه ونقلت بصرها إلى يده الممدودة، وببطء شديد رفعت يدها تضعها بكف والدها الضخم قائلة:
"أيوة، اسمح طبعاً."
جذبها ناصر من يدها إلى ساحة الرقص وظل يتمايل معها وهي تنظر له وتبتسم.
بعد انتهاء الموسيقى، تعلقت زمزم فجأة بأحضان والدها وهي تضمه إليها بكل قوتها وتبكي. تفاجأ ناصر من فعلتها كثيراً، لكنه سعد كثيراً منها، فبادلها العناق بقوة أكبر وهو يبكي.
كانت العائلة جميعها تتابع ما يحدث أمامهم بملامح متأثرة ودموع، بما فيهم العروس التي سعدت كثيراً بإذابة الجليد بين عمها وابنته.
"هو فيه إيه يا سيلا؟" قالها عمرو خطيبها بتساؤل.
أمسكت سيلين بيده قائلة بفرح ودموع عالقة بعينيها:
"ده عمو ناصر ودي بنته اللي كانت تعبانة، اتصالحوا أهم."
هناك أمام البار الموجود به العصائر، وقفت زهرة أمام النادل.
"عاوزة عصير خوخ."
أومأ النادل برأسه وذهب حتى يجلب لها طلبها، عندما سمعت صوته خلفها يهتف:
"أنا مش قلت خوخ لأ عشان الحساسية؟"
"وأنت مالك أنت؟ روح للست ندي قولها ده غلط وده ممنوع. أنا في بيت أبويا يا بابا وقريب هطلقني."
أمسك ذراعها بقوة قائلاً بصوت غاضب:
"مفيش زفت على راسك، اتهدي بقى. فيه عيل جاي في الطريق، هتفضلي بالتصرفات بتاعت العيال دي لحد إمتى؟"
ردت ببرود:
"لحد ما تطلقني."
صرخ بها بغضب:
"قلت مفيش زفت، ويلا عشان هتروحي معايا، أنا واخد الإذن من أبوكي."
فتحت فمها تنوي الحديث، فهتف هو يحذرها:
"كلمة كمان وهفرقعلك سداغك، اتعدلي ويلا قدامي."
سارت زهرة أمامه تدب بقدميها في الأرض بنزق، ووراءها هو يحاول كتم ضحكته، ويتفحص جسدها المتفجر الأنوثة بفعل الحمل. بالتأكيد سيتعرف إلى كل شيء ظهر جديداً بجسدها بمنزلهم، بأحضانه.
رواية القديمة تحلى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نرمين
التفت حول نفسها تنظر إلى المكان بانبهار شديد.
شاليه صغير بمكان لا تعلم ما هو، فقد عابد أن يعصب عينيها حتى يصل إلى المكان ويريها مفاجأته.
اقترب منها عابد وحاوط خصرها بذراعيه من الخلف، دافناً رقبته بتجويف عنقها.
"عجبك المكان؟"
رفعت تمارا كفها ووضعت على وجنته تتحسسها بنعومة.
"المكان جميل جميل جميل... وأنا بحبك."
أدارها عابد إليه وهو يتفحص كل شبر بوجهها.
"إنتِ إزاي بقيتي كده؟ إزاي بين يوم وليلة بقيتي بتحبيني كده؟ أوْعي تكوني حاسة بالذنب ناحيتي عشان كده مطلقتيش زي ما أبوكي سألك."
"تفتكر يعني إني هعيش معاك وأنا مش مرتاحة بعد ما الفرصة جتلي على طبق من دهب هرفصها كده وأقعد معاك عشان بس حاسة بالذنب؟"
عابد بحيرة.
"بس بردوا أنا مش فاهم إزاي اتغيرتي معايا كده؟"
تخللت أصابعها خصلاته برقة وصوتها يقول:
"أول ما اتجوزتك كان الغلط من بابا لأنه غصبني عليك. وانت يوم فرحنا طمنتني وصبرت عليا. ساعتها أعجبت بيك جداً فوق ما تتخيل. حتى إني بيني وبين نفسي قولت إني هديك فرصة، بس انت بعد أسبوع جيت وأصرت تاخد حقك. طلبت مني استحمل. قولتلي مش هتموتي يعني. ساعتها خفت منك جداً. شفت فيك بابا وقراراته اللي مقدرتش أعارضها حتى لو كانت متعلقة بحياتي أنا بس وأنا اللي من حقي أقرر. وساعتها بردوا مقدرتش أعترض فسكت وكتمت نفسي عشان معيطش. مش عارفة بس من ساعة ما شوفتك أول مرة وأنا عندي إحساس إنك هتضربني."
ضحك عابد بقوة على كلامها بشأن ضربه إياها ومد يده يقرص وجنتها بخفة.
"إضرب إيه بس؟ مقدرش أمد إيدي عليكي. ده انتِ تروحي خالص لو ضربتك قلم بس."
تمارا بغضب مصطنع.
"وانت مفكر إني هسكتلك يا أستاذ لو مديت إيدك عليا؟ هضربك بردوا زي ما ضربتني طبعاً."
عابد بعبث.
"كفاية كلام كده بقي. اتفضلي روحي الأوضة الصغيرة دي وبسّي اللي هتلاقيه جوة. ومن غير كلام ومعاكي 10 دقايق بس."
أومأت برأسها واقتربت منه تقبله على وجنته ثم ذهبت إلى الغرفة.
بالداخل، كانت تمارا تقف أمام اللباس الموضوع أمامها وتنظر له بخجل. كيف سترتديه؟ طوال فترة زواجها لم تكن تحب تلك اللحظات التي ينفرد فيها بها، لذلك لم تعش معه ليلة واحدة وهي تتجهز له أو تتأكد من إغراء الثوب له. فقط الارتعاش والخوف الذي يظهر بمحجريها. الآن يطلب منها ارتداء قميص بيتي أسود قصير به فتحات من كل جهة. الثوب عبارة عن قطع قماش موصولة ببعضها البعض لا تغطي شيئاً.
دق عابد على الباب يستعجلها قائلاً:
"فاضل خمس دقايق. خمسة كمان وهدخل وهتبقي من غير حاجة خالص قدامي. يلا البسيه."
أخذت نفساً عميقاً وامتدت يدها إلى الثوب عازمة على ارتدائه، فهو زوجها ورؤية مفاتنها من حقه. ارتدت الثوب بأقل من دقيقتين وفكت عقدة شعرها وأسدلته بطول ظهرها حتى يخفي ولو شيئاً طفيفاً من جسدها. فتحت الباب وخرجت أمامه.
نظر إليها بانبهار غير مصدق لما يراه. لأول مرة ترتدي أمامه ملابس خاصة بالمتزوجين. كانت فاتنة فيها بحق. بشرتها البيضاء وعيناها الخضراوان، شعرها الأسود كسواد الليل. هذا كله ملكه.
"على فكرة يا عابد انت قليل الأدب. عشان تخليني ألبس كده. إحنا كبرنا على فكرة عشان تخليني ألبسلك الكلام ده."
اقترب منها يجذبها من خصرها إليه ويده ترسم خطوطاً على جسدها بمهارة جعلتها ترتعش من الرقة بها.
"على فكرة بقي أنا كنت غبي وحمار كمان. لأني مكنتش عارف إن فيه ملكة جمال عايشة معايا في البيت. أنا بحبك أوي تمارا أوي."
"وأنا كمان بحبك."
كان ذلك آخر ما استطاعت تمارا أن تقوله، فقد انقض عليها عابد يقبل شفتيها بقوة وشوق جارف ويده الحرة تعبث بمنحنيات جسدها بخطوات خبيرة ومهارة عالية أفقدتها عقلها وأصبحت تطالبه بالمزيد.
***
بمنزل ناير نصار.
دلف ناير إلى المنزل وأمامه زهرة تتبعه بملامح متجهمة وغاضبة، أما هو فكان منشغلاً بالتغييرات التي طرأت على أهم مناطق من جسدها والمرضية بالنسبة له بالتأكيد.
التفتت زهرة إليه تقول بغضب وحدة:
"ماتحترم نفسك بقي. عمال تبص على إيه من ساعة ما أخدتني معاك غصب عني. إيه شغل المراهقين ده؟"
نظر لها ببرود قائلاً:
"والله انتِ مراتي وأنا مبتحاسبش إني أبص عليكي كده أصلاً. يعني ممكن أقعدك قدامي بلبس..."
صرخت زهرة بغضب شديد.
"إتلم واحترم نفسك بقي."
كتم ضحكته بصعوبة وهتف ببرود مصطنع.
"والله كان حقي أتزوج تاني عليكي. على الأقل ندى كانت تتمنالي الرضا أرضي. مش انتِ اللي مشيتي تلات شهور ومشفتش طلتك البهية كل ده."
لم يتوقع أن تنفجر بالبكاء أمامه من بضعة كلمات بسيطة تعلم جيداً أنه يستفزها بها لا أكثر. اقترب منها بسرعة يحاول تهدأتها فدفعته بكل قوتها، لكنه لم يستسلم واقترب منها مجدداً واستطاع السيطرة عليها.
"طب اهدي. خلاص أنا آسف. والله ما كان قصدي أنا كنت بدايقك بس."
زهرة بغضب.
"لأ انت كداب. حبيتها طبعاً. تلاقيّك كنت بتبات في حضنها وأنا في المستشفى."
ضربها ناير على رأسها بخفة قائلاً بصوت معتاد.
"يا بنتي انتِ بتجيبي التفسيرات دي منين بس!!! أنا كنت بغيظك وبصراحة لسه مفشتش غلي مني عشان التلت شهور دول. ثم أكمل بغموض. بس هاخده دلوقتي حالا شكلي كده."
اقترب من وجهها بسرعة ومال عليها. اعتقدت أنه سيقبلها، لكنها صرخت بألم عندما عض أرنبة فمها. ضربته بصدره بغضب هاتفة.
"انت لطخ على فكرة. ابعد عني بقي."
ابتسم ناير وهو يحاول الإمساك بها حتى لا تخرج من بين ذراعيه.
"طب أعمل إيه طيب؟ ما انتِ وشك الأبيض المحمر ده مغري جداً الصراحة. ومناخيرك دي بتغريني وهي حمرا كده وفشيت غلي مني فيها. طب إيه؟"
زهرة باستغراب.
"طب إيه إيه؟ عاوز إيه انت دلوقتي؟"
مال عليها ببطء حتى تسطحت على الأرض وهو يشرف عليها ويهتف بصوت تشتعل به الرغبة.
"عاوزك أكيد."
رفعت إصبعها أمام وجهه تحذره.
"إحترم نفسك يا سافل. وابعد عني كده."
هبط بوجهه وشفتاه تعرف طريقهما جيداً. شفتاها قبلها برقة أذابتها.
"تعالي أوريكي السفالة بجد بقي."
وبذلك انطوت صفحة خلافاتهم ربما للحظات أو... للأبد.
***
بقصر النوساني الصغير.
كان ناصر يبحث عن ابنتيه بعد انتهاء الحفل لا يعلم إلى أين ذهبوا. تمارا أخبرته أنها ستقضي الليلة معه ولن تذهب لبيتها. وزهرة منذ آخر خلاف بينها وبين زوجها وهي تجلس معه بالمنزل.
ذهب ناصر إلى زمزم قائلاً بلهفة.
"زمزم... أخواتك فين؟"
ابتسمت زمزم على لهفته عليهم بسعادة وهتفت تطمئنه.
"إخواتي مشيوا. كل واحدة راحت مع جوزها أسبوع ولا أسبوعين دلع كده."
ثم علقت يدها بيده قائلة بمرح.
"مبقاش فاضل إلا أنا وانت يا ناصر في القصر الكبير بتاعك ده. إيه رأيك تاخدلنا أسبوع دلع كده زي بتاعهم؟"
طوال فترة حديثها كان ينظر لها غير مصدق لنفسه. زمزم نفسها. ابنته الصغرى أمامه تتحدث معه بهذه الأريحية. يأس من مسامحتها له. قربها ناصر منه وقبل وجنتها بحب شديد قائلاً.
"عيوني يا حبيبتي. اللي تأمري بيه أميرتي هيكون تحت رجليها."
احتضنته زمزم مرة أخرى بقوة. فرحة بصلاح علاقتها مع والدها. فرحة بوجود سند لها بهذه الحياة. ما حدث لها بالماضي لا يمكنها نسيانه لكنها ستحاول التعايش معه. عمها لم يكن يقصد شيئاً سوى إصلاح حياتها مع ابنه. كان يريده أن يقع بعشقها. لكن شاء القدر وتحركت مشاعرها ناحية ياسر وفعل هو المثل. والدها أخطأ بتركهم وتزويجهم بالإجبار، لكنه كان يريد الاطمئنان عليهم حتى لو كانت الطريقة خاطئة، لكن نيته بتوفير الراحة لهم موجودة وهي من تسيطر على قراراته بشأن حياتهم. وقاص ووالدته. كلاهما يكرهانها منذ دخولها إلى المنزل ودون سبب. لذلك تجد صعوبة شديدة في التماس العذر لهم.
رواية القديمة تحلى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نرمين
بعد مرور أربعة أشهر ...
تقف العائلة جميعًا أمام غرفة العمليات للاطمئنان على صحة زهرة، حان موعد ولادتها.
كان يقف ناير أمام باب الغرفة كمن يتقلب على صفيح ساخن، يريد الاطمئنان عليها.
بعد مرور نصف ساعة ...
خرجت الممرضة من الغرفة وهي تحمل الطفل بين يديها.
"طمنيني هي عاملة إيه؟ كويسة؟" قالها ناير بصوت ملهوف.
ردت عليه الممرضة: "البيبي كويس الحمد لله."
"أنا مسألتش عليه... هي، هي أهم حاجة. كويسة؟"
"أيوه يا أستاذ، هي كويسة جدًا وصحتها تمام كمان. كلها دقايق وتتنقل أوضتها وتقدر تشوفها. جابتلك بنوتة زي القمر ما شاء الله."
مطت والدته شفتيها وهتفت بسخرية:
"بت... المحروسة معرفتش تجيب واد؟ واد من صلبك يشيل اسمك. راحة تجيب بت... بنات آخر زمن."
التفت ناير إلى والدته بملامح متجهمة قائلاً بضيق:
"ماما لو سمحتي بلاش الكلام ده. واد زي بت، ده من صلبي وده من صلبي برضه. ثم إن موضوع الولد والبنت ده مني أنا، هي ملهاش علاقة أصلًا."
أدارت والدته رأسها للجهة الأخرى.
فيما عادت الابتسامة تشق طريقها إلى ثغر ناير، فقد أخبره صديقه بالصباح أنهم وجدوا جثة ذلك الرجل المدعو بـ "شهمي العابدين" مقتولًا بمنزله، والتقرير المبدئي للطب الشرعي يقول إنها جرعة مخدرات زائدة. كان على وشك أن يبشرها بذلك الخبر، لكن ألم المخاض فاجأه.
في الغرفة التي انتقلت إليها زهرة...
كان والدها أول من اقترب منها ويقبلها في جبينها قائلاً:
"حمد الله على سلامتك يا قلب بابا."
"الله يسلمك يا حبيبي."
حولت بصرها إلى شقيقتها الكبرى وبطنها المنتفخ أمامها قائلة:
"إنتِ إزاي عملتيها مرتين ومكملة وبتعمليها التالتة!!! ده أنا بعد اللي شوفته ده مش هعملها تاني. هو العيل ده وبس."
ضحك عابد وهو يربت على بطن زوجته قائلاً:
"أسد يلا، فيه إيه؟ مراتي مش جبانة زيك."
مصمصت والدته بشفتيها قائلة:
"قال العيل ده وبس قال... ده إنتِ جبتي بت يا حبيبتي. هتعمليها تاني طبعًا حتى لو مش عاوزة. أنا معنديش إلا هو ده وعاوزة عياله يملوا عليا البيت."
عم السكون في الغرفة إلا من صوت تنفسهم الذي يعكس شعورهم الآن.
ابتسم ناصر ببرود قائلاً بهدوء تام:
"والله يا أم ناير، الموضوع ده ميخصناش في حاجة. هما الاتنين أهم اللي بيكونوا حياتهم. شايفين إنهم عاوزين أطفال تاني، فإحنا مش هنقدر نمنعهم. ولو مش عاوزين، فإحنا مش هنخليهم يخلفوا غصب. إحنا ملناش إلا إننا نبارك لهم ونحمد ربنا على سلامتهم. لأنهم في النهاية، واد أو بت، فهم حتة من ابنك وبنتي."
قطع ذلك الجو المشحون بالتوتر دخول قدري وزوجته وابنته ووقاص.
تقدمت السيدة نجاة من زهرة ومالت تقبلها قائلة:
"حمد الله على سلامتك يا حبيبتي."
"الله يسلمك يا طنط."
فعلت سيلين كما فعلت والدتها وعادت تقف بجوار زمزم تقص عليها ما حدث بينها وبين خطيبها عندما خرجا بالبارحة.
تقدمت نجاة نحو زمزم بخطوات بسيطة وابتسامة مهتزة. كانت مرتاعبة من رفضها لمصافحتها أمام الجميع، لكنها تشجعت ومدت يدها.
نظرت زمزم إلى يدها الممدودة لثوانٍ ثم صافحتها.
تنفست نجاة الصعداء براحة وجذبت زمزم إليها تحتضنها بقوة. ورغمًا عنها بكت بندم على ما اقترفته بحقها.
ربتت زمزم على ظهرها وهي تتبادل الابتسامة مع والدها، فقد تحدث معها منذ أسبوع تقريبًا بشأن حياتها مع وقاص، يجب عليها أخذ القرار الحاسم، تريده أو لا تريده.
أعطاها ناصر علبة معدن قديمة كانت والدتها تحتفظ فيها بالصور الأقرب إلى قلبها. معظم الصور كانت مع السيدة نجاة. يضحكان سويًا. حتى أنهما حملا أطفالهما بنفس الوقت، لكن بالولادة كان بينهما يوم فقط. بين سيلين وزهرة يوم واحد فرق، فقد ولدت زهرة قبل سيلين بيوم فقط.
باليوم السابع لولادة الطفلة التي أطلقت والدتها عليها اسم "كايلا"، رغم رفض حماتها، لكن ناير وضع حدًا لهذا الحوار العقيم وأصر على كتابة اسمها بشهادة الميلاد "كايلا" وليطلقوا عليها الاسم الذي يريدونه في المستقبل.
لم تعرف أيًا من الفتيات الثلاث طريقة عمل حفلة للطفلة بمناسبة مرور أسبوع كامل على ولادتها بصحة جيدة، وصرفوا النظر عن فعلها.
لكن السيدة نجاة أصرت على عمل الحفل تحت إشرافها، فلم يعترضوا مطلقًا.
"يلا عشان هتخطي عليها يا زهرة."
زهرة باستغراب:
"ليه يا طنط؟ إيه الفايدة يعني إني أفضل أخطي عليها كده، أنا مش فاهمة."
نجاة بغضب مصطنع:
"بت إنتِ بقولك إيه، بلاش غلبة. من امبارح وإنتِ مش مبطلة أسئلة. نعمل حفلة البنت الأول وبعدين نفوق لأسئلتك ديه."
وقفوا جميعًا يتابعون مراسم الحفل بسعادة غامرة، عدا والده ناير بالطبع.
على بعد خطوات منهم تقف تمارا وتمسك بيدها شمعة موقدة وتدندن معهم.
عندما اقترب منها عابد وقبلها على وجنتها بحنان وحب:
"تعالي اقعدي شوية يا حبيبتي، كفاية وقفة كده تتعبي."
تحسست تمارا وجنته بحب قائلة بابتسامة تزين ثغرها:
"لا يا حبيبي، أنا مش تعبانة والله. بالعكس، أنا فرحانة جدًا بالجو ده."
وضع يده على بطنها المنتفخ قائلاً:
"كلها كام شهر ونعمل للأساتذة دول حفلة زي دي بالظبط وتحت إشراف مرات عمك برضه."
ذهبت تمارا بخفة قائلة:
"إنت عاوزني أطلع الاتنين قدام الناس كده عادي وأخطي عليهم!!! دول يجيبوا أجلهم وأجلي. لا طبعًا."
تظاهر عابد بالتفكير ثم هتف بخبث وابتسامة لعوب:
"صح، عندك حق. لا ينشفوني عين يجبوني أرض وأبقى منفعتش لا طبلة ولا طار. رايح ع الأربعينات ولسه شباب برضه."
ضحكت تمارا بقوة وشاركها هو الضحك، وانتهى باحتضانه لها وتقبيل رأسها بعشق خالص.
بعد انتهاء الحفل وانصراف المدعوين، أصر وقاص على الحديث أمامهم جميعًا بشأن رجوع زمزم إلى منزل زوجها، خاصة وأن العلاقة بينهم تحسنت كثيرًا. تسأله عن أحواله إذا وجدته في المنزل، لا تتحمل الحديث معه أو عنه كسابق. تجلس بالمكان الذي يوجد به دون أن تذهب منه.
تحدث وقاص بجدية:
"دلوقتي يا عمي، أنا عاوز أتكلم مع حضرتك بخصوص مراتي اللي قاعدة عندك وداخلالها في سنة تقريبًا كمان تلت شهور ولا حاجة، وسايبة بيتها. زمزم مطلبتش الطلاق يعني هي لحد دلوقتي على ذمتي لسه. وأنا سايبها براحتها لأني عارف كل حاجة أنا غلطت فيها في حقها، وكمان عارف إنه مكانش سهل عليها. دلوقتي أنا عاوز قرار نهائي. عندها نية تسامحني وتديني فرصة تانية، ولا عاوزة تحل نفسها من ارتباطها بيا؟"
حول ناصر بصره إلى ابنته التي أصبح وجهها كثمرة الطماطم قائلاً:
"زمزم كبيرة كفاية عشان تقدر تحدد هي عاوزة إيه ومش عاوزة إيه يا وقاص. أنا سند ليها مش همشي كلامي عليها غصب. لو هي عاوزة ترجعلك تقول، لا هو حرام ولا عيب، إنت جوزها. ولو عاوزة تطلق منك، لا هو حرام ولا عيب برضه. في النهاية كل واحد فيكوا يعمل الحاجة اللي تريحه."
التزم الجميع الصمت ولم يتفوه أحدهم بحرف واحد معها.
إلى أن تحدث وقاص بنبرة جادة لم يخفِ عليها نبرة الضعف بها:
"أنا سامعك يا زمزم. أيًا كان قرارك، ف أنا هنفذهولك دلوقتي."
أخذت نفساً عميقاً ورفعت بصرها إليهم وهتفت بقوة جديدة عليها:
"أنا موافقة أرجعلك."
انطلقت رؤوس من بالصالون جميعًا نحوها ينظرون إليها غير مصدقين لما قالته. هل وافقت للتو على الرجوع لزوجها؟ لم يصدقوا آذانهم وبدأوا يسألون بعضهم عن جوابها.
تحدث وقاص ببهوت ودهشة:
"قولتي إيه؟"
أعادت زمزم جوابها مرة أخرى بقوة أكبر:
"قلت موافقة... بس عندي شروط."
وقاص بسرعة:
"موافق على شروطك كلها."
"برضه لازم تسمعهم. أولًا أنا هعيش مع بابا هنا لأني مش هقدر أسيبه لوحده. يتعملي فرح كبير، ومتغصبنيش على أي حاجة أنا مش عاوزاها، ولازم تثق فيا ثقة عمياء، وهتسبني اشتغل. موافق؟"
وقف وقاص من مكانه وهتف بسعادة غامرة ظهرت بصوته:
"موافق... موافق... موافق..."
وانطلق نحوها يحتضنها ويدور بها أمامهم بسعادة وضحكاتهم تملأ المكان بأكمله.
وراءهم ناصر ينظر لها ولشقيقاتها مدمع العينين بفرح وحنين إلى تلك الغائبة تحت الرمال يناجيها بصحوته ونومه، حققت ما طلبته، أوفيت بوعدي تجاهك.
ونجاة تنظر إليهم بدموع فرح، فرح من أجل ابنها الذي وجد السعادة أخيرًا، وفرح بإتمامها الأمانة المتعلقة برقبتها بشأن بنات مادلين وأن تكون لهم صديقة قبل أن تكون أمًا ثانية لهم.
وعبد القادر الذي نظر إلى سعادة ابنه بفرحة ظاهرة بعينيه له ولأحب بنات شقيقه إلى قلبه. حول بصره تجاه نجاة ينظر لها نظرة غريبة عليه، نظرة إعجاب وربما حب دون علمه بعد ثلاثة وثلاثين عامًا زواج، يجد الحب الحقيقي وبجانبه ونصب عينيه طوال الوقت. ترى ما تخبئه الحياة من مفاجآت بعد؟
رواية القديمة تحلى الفصل الثلاثون 30 - بقلم نرمين
بعد مرور خمس سنوات...
تجمعوا جميعهم في منزل النوساني الكبير. كبير العائلة الآن. اليوم عيد ميلاد "دليلة" والصغير "يحيي". عمها! سيكملان عامهما الرابع.
دلفَت زهرة إلى المنزل وبيدها ابنتها الكبرى "كايلا" وبطنها منتفخ قليلاً أمامها. ووراءها ناير ينظر في أثرها بنفاذ صبر ويطلق تنهيدة متعبة.
سارت زهرة باتجاه والدها تحتضنه بقوة فبادلها العناق قائلاً بحنان.
- عاملة إيه يا حبيبتي؟ وحبيبة جدو ديه عاملة إيه؟
تصنعت زهرة الابتسامة قائلة.
- الحمد لله يا حبيبي. آهه لسه بحاول فيها عشان تنزل عدلة بدل ما تبقي برص.
ضحك ناصر بقوة قائلاً.
- طب روحي اقعدي مع باقي الثلاثي المرح بتاعك. هما كمان بطنهم صغيرة وبيحاولوا.
ابتسمت زهرة له ثم التفتت ذاهبة إلى شقيقتيها. عندما شاهدت ناير يسير باتجاه والدها حتى يصافحه.
صافح ناصر ناير وهتف مشيراً إلى ابنته بعينيه.
- إيه فيه؟ إيه الخناقة الجديدة؟
زفر ناير بتعب وهتف بضيق.
- مبقتش عارف أتعامل معاها. على طول القمص والعياط، وهروح عند أبويا. بايت برة البيت بقالي يومين ورا بعض عشان شغلي. ويوم رجوعي كنت هلكان وأمي طلبتني فروحت لها ونمت هناك وأنا مش حاسس ولسه راجع الصبح. بإيدي إيه أنا؟ ده شغلي مش عاوزة تفهم. أو رافضة تفهم. مبقتش فاهمها.
ربت ناصر على كتفه قائلاً يواسيه.
- معلش يا ابني هما عندهم فوبيا من الشغل عموماً. استحملها.
- مستحملها والله. بس بقت بتهددني إنها تسيبني كتير.
ضحك ناصر بمرح قائلاً بخبث.
- استعمل مهاراتك كرجل. وأوعي تسمحلها تقولها تاني. أنا عايش لها لحد ما ربنا يأذن. غير كده لا.
ابتسم ناير بخفة لناصر. ذلك الرجل الذي يحبه كحبه لأبيه الراحل. يذكره به في كافة تصرفاته.
على بعد خطوات منهم. تجلس نجاة وبيدها صغيرها ذو الأربع سنوات. عينان رماديتان لا تعلم من أين جاءت بهما تحديداً. سمار بشرته الذي أخذه من أخيه. تتذكر عندما علمت بحملها الآن بهذا السن. ثارت وغضبت رغم أنها انتهت من موضوع الحمل والولادة منذ زمن. وقررت إجهاضه. كانت تظن أن المسافات بينها وبين زوجها ستتباعد بعد أن عادت علاقتهما أشبه بعلاقة حبيب بمحبوبته. لم تشك للحظة في صدق مشاعره تجاهها. والغريبة عليها تماماً. لكن قدري عندما علم بما تريد فعله ثار وغضب منها. وترك المنزل وذهب إلى شقيقه حتى تتراجع عن قرارها بشأن إجهاضه. وبالفعل تراجعت.
بولادة وقاص وسيلين لم ترَ ذلك الخوف بعيني قدري كما رأته بولادة الصغير. حتى أنه أصر على الدخول معها إلى غرفة العمليات. رغم أنها كانت عملية قيصرية.
جاء قدري من وراءها ووضع يده على عينيها قائلاً بصوت مضحك.
- أنا مين؟
رد عليه الصغير قائلاً بضحكات طفولية.
- أنت بابا.
شهقت نجاة بخفة قائلة تعنفه.
- أنا مش قولت اسمه بابي. مبتسمعش الكلام ليه؟
قلب الصغير شفتيه ينذر بالبكاء.
- وقاص هو اللي قالي.
شهقت بعنف هذه المرة قائلة.
- وكمان وقاص! بس كده! أنا مش قولت أبيه.
بكى الصغير هذه المرة حقاً دافناً رأسه بين كفيه.
ابتسمت زمزم وهي تراه يفعل حركتها المعتادة عندما يعنفها وقاص. واقترب منهم وحمله تهدئه.
- ليه كده بس يا طنط؟ وقاص هو اللي قاله ميقولش أبيه ديه تاني. ماله هو بس؟ إحنا عاوزين نفرحه في عيد ميلاده.
وظلت تهتز به يميناً ويساراً تهدئه.
جاء وقاص من ورائها وضمها إليه من خصرها قائلاً بعتاب.
- مش أنا قلت متشليش حاجة نهائي. مش كفاية النزيف اللي كان عندك من كام يوم ده.
ابتسمت زمزم بحب. فقد تغير معها حقاً. تبدلت معاملته لها تماماً. كأن شخصاً آخر تلبسه. بعد زواجهم لم يطالبها بأي شيء. حتى أنه لم يسر إلى ذلك الموضوع. حتى قررت هي منحه حقه. وإن كان بقلب مرتعش خائف. لكنها أقنعت نفسها أنه لن يضرها ولن يتعامل معها كالسابق. وبالفعل كان يتعامل معها برقة وحنان شديدين. إلى أن أصبحت طيعة ومطالبة بالمزيد.
- أنا بحب يحيي وبعدين هو خفيف وزي العسل. البت روزة فين؟
- مش عارف. تلاقيها هنا ولا هناك.
هزت رأسها إيجاباً دون اهتمام. وأنزلت يحيي وذهبت إلى المطبخ للإشراف على تجهيزات الحفل التي ستبدأ بعد نصف ساعة تحديداً.
تمارا وعابد.
ترك عابد الجميع مشغولاً بزوجته وأولاده وذهب خلفها إلى المرحاض لغرض غير شريف بالمرة. فتح الباب ودلف إلى الداخل بسرعة حتى لا ينكشف أمره. شهقت تمارا بخضة. فأسرع بوضع يديه على فمها يسكتها.
- يخربيتك هتفضحينا. هشيل إيدي بس صوتك ميطلعش.
أومأت برأسها إيجاباً فنزع يده.
- إيه اللي انت عملته ده؟ مش هتبطل بقى عاداتك الزفت ديه! إحنا في بيت أبويا.
رد عليها بتهكم.
- إيه يعني في بيت أبوكي. وأنا كنت مأجرك بالليلة منه. ما انت مراتي!
قالت تمارا بحدة.
- ما تحترم نفسك بقى. ده أنت معلم على أوض العيلة كلها حمامات ومطابخ وأوض نوم. مش قادر تمسك نفسك. أحد من اللي أنا حامل فيها ديه تنزل.
تصنع عابد الحزن وهتف.
- أنا آسف يا ست تمارا. خلاص مش هعملها تاني. كنت فاكر إني وحشتك زي ما وحشتيني. بس طلعت غلطان.
والتفت حتى يغادر. فأمسكت تمارا بجذعه. فقد شعرت بتأنيب الضمير تجاهه.
- يا عابد مش قصدي والله. بس لو حد شافنا هيقول إيه؟ عموماً أنا آسفة وهصالحك كمان يا سيدي.
وأدارته نحوها واقتربت من شفتيه تقبلها. فأمسك بها عابد بين ذراعيه بغتة وتعمق بقبلته بقوة أكبر حتى كادت أنفاسها أن تزهق.
بالخارج.
دلفَت سيلين إلى المنزل وعلى يديها رضيعها "آدم" ذو الخمسة أشهر. تزوجت منذ ثلاث سنوات واكتشفت خلالهم وجود مشاكل لدى زوجها بالإنجاب. لكنها صبرت واحتسبت. إلى أن أكرمهم الله بآدم الصغير. صافحت والديها وعمها واقتربت من زمزم تحتضنها بقوة.
- زوزة وحشتيني أوي.
عانقتها زمزم بابتسامة محبة قائلة.
- وإنت كمان يا قلب زوزة. وميدو عامل إيه؟
- الحمد لله. آهه مطلع عيني ومبينامش.
- كلهم كده يا حببتي.
نظرت حولها قائلة.
- هو مال الكل عمال يختفي كده ليه! ناير وزهرة فين؟ وتمارا وعابد؟ وروزة؟
ركضت زمزم حتى وصلت إلى غرفة المكتب الخاصة بوالدها وفتحتها. فوجدت ابنتها تجلس على الأرض وحولها سجدة وسالم وسليمان أشقائها ومعهم بعض الأوراق.
- روزة. إنت بتعملي إيه هنا؟ تعالي هنا.
اقتربت الصغيرة منها بخطوات حذرة خائفة ثم هتفت بحروف متكسرة.
- معملتش حاجة.
- معملتش حاجة! صح م انت معملتش حاجة واحدة عملتي حاجات. أنا هقول لجدو عشان يخاصمك انت وسجدة وكلكم.
وخرجت من الغرفة. فاصطدمت بوقاص أمامها ينظر لها بغضب.
- ما تتلمي بقى حامل وبطنك قدامك وبرضه بتجري!
حاولت زمزم الحديث لكنه قاطعها.
- روحي يلا عشان كله جه وهنبدأ عيد الميلاد.
أومأت برأسها ثم ذهبت إلى الطاولة الموضوع عليها قوالب الكيك والحلويات.
بدأوا الاحتفال بعيد الميلاد ويغنون الأغاني المعروفة في مناسبة كهذه. ووقاص يحمل شقيقه الصغير ووالدها يحمل حفيدته الهادئة الرزينة دليلة. اسم على مسمى.
وبعيداً عنهم يقف ناير ويميل على زهرة التي احتجزها بينه وبين جدار ما يحاول إرضاءها. ابتعد عنها ناير عندما انتهوا من ترديد الأغاني.
- ها مرضية ولا أعملها قدامهم؟
ضحكت زهرة بخفوت ومالت عليه تقبله بجانب فكه قائلة بحب.
- مرضية طبعاً. وأنا أقدر أعيش من غيرك.
انتهى الحفل وذهب الجميع إلى منازلهم.
بغرفة وقاص وزمزم.
خرجت من المرحاض وذهبت حتى تتسطح بجانب وقاص الذي ذهب في سبات عميق. شهقت بخضة عندما أشرف عليها وقاص بقامته الضخمة بالنسبة لبنيتها الضعيفة قائلاً بخبث.
- زمزميتي. وحشتيني خالص مالص.
قالت زمزم بتذمر.
- بطل بقى الدلع الوحش ده. أنا اسمي جميل على فكرة. وبعدين انت مش كنت نايم؟
هبط على شفتيها يقبلها بسرعة.
- طب بزمتك حد يسيب القمر ده نايم جنبه ويمسك نفسه؟ لا طبعاً.
وبعدين أنا مش عاوزك انت.
- اومال عاوز مين يا أخويا؟
حرك حاجبيه بخبث وابتسامة لعوب قائلاً.
- أنا عاوز اللي مش عارفين له نوع ده. حته مني ووحشتني. مش واجب أسلم عليها بردوا.
ابتسمت زمزم ومدت يدها تغلل بيدها بخصلاته.
- يا سلام. وحشك! مش لما يبقى يفتح رجله الأول ويدينا وشه عشان نعرف نوعه.
طبق وقاص بجسده فوقها قائلاً بعبث.
- يا ستي المهم أنه عالي نوعه بقى ديه بتاعت ربنا. تعالي بس أمس عليه كده.
ضحكت زمزم بقوة جعلته يطبق بفمه إلى خاصتها يسكتها بطريقته الخاصة.