نهضت بسرعة من السرير وجلست لتنظر لنفسها نائمة بثيابها مجففة. ارتعبت قليلا لتجيب: -سيدي مالذي حصل؟ اقترب أكثر ليجلسها على حافة السرير، لا يكف عن ابتلاع ريقه بفعل مشاعر تتضارب مع بعضها. -هل أنتِ بخير؟ أطرقت رأسها لتهمس: -أجل. فجأة نهضت من الغرفة لتركض خارجاً وتتركه في دوامته مع تلك المشاعر العنيفة التي تصارع للخروج والإمساك بها. لم تشعر بالوقت يمضي لتمر ثلاثة أيام بدون أن تلتقي ولو لمرة به.
لقد اشتاقت لتلك المعاملة الخاصة التي يميزها بها والتي لا تعرف سببها. لم تسأل نوال عن شيء، لكن علمت أنه مسافر لمدة قصيرة وسيأتي. استرجعت ذكرياتها الجميلة برفقته وكل ما حصل لها معه لتجد نفسها أمام باب الحديقة وأمامها سيارة سوداء طويلة، وبعدها انعدمت الرؤية. لقد ابتعد فقط لكي ينساها ولو قليلاً. فهو يعتبر ذلك عاراً أن يقع في حب امرأة متزوجة لا تحل له بأي طريقة من الطرق.
لكن القلب هوى واستقوى ليعود بعد ثلاثة أيام مضت عليه كالثلاث سنين وهو يهمس باسمها كل ليلة متمنياً حضورها. نزع ربطة عنقه ليتوجه مباشرة للمطبخ بحثاً عنها، لكن لم يجدها. وجد فقط نوال التي رحبت به بشكل غريب بتلك الملامح المذعورة. -سيدي لقد ظننت أن سما ذهبت مع سائقك بناءً على طلبك، لكني سألت وعلمت أنك لم تعد. ولكن ها أنت ظننت أني أُهلوس. اتسعت عيناه بشكل مفجع ليتوقف الوقت قليلاً وهو ينظر لنوال. صرخ بكل قوته: -ماااااااذا؟
ارتجفت نوال لتطرق رأسها وتجيب بخفوت: -كنت أظنه أنت سيدي، أقسم لك، كنت أظنه أنت. ضرب سطح المطبخ بيده ليوقع كل محتوياته وهو يصرخ: -كيف حصل ذلك في قعر بيتي؟ ولمن بالخصوص؟ كيف تجرأوا بمجرد التفكير لفعل ذلك؟ لم تستطع نوال الإجابة لأنها أحست بقنبلة تمر بجانبها على وشك الانفجار. لا ترى شيئاً سوى الظلام. تشعر فقط بكرسي سيارة وسرعة السيارة المفرطة. ترطب فمها من شدة الخوف لتسأل المجهول الذي يسوق بذعر ملحوظ: -من أنت؟
مالذي تريده مني؟ لا مجيب، فقط سرعة خيالية، لصق على معصميها وقدميها يشل حركتها، وعرق يتصبب من جبهتها، وخرقة سوداء تغطي عينيها لا تمكنها من رؤية شيء. لم تيأس، أعادت السؤال مرة أخرى: -ما الذي تريده مني؟ من أنتم؟ أظن أنكم مخطئون سيدي. ما الذي تريدنه مني؟ أرجوكم أجيبوني؟ لا مجيب أيضاً، وذلك جعلها تحرك نفسها قليلاً لتصرخ عالياً بكل قوتها.
لكن السيارة توقفت عند صراخها، ليفتح ويغلق الباب الأمامي للسيارة، وفجأة يفتح الباب بجانبها لتشعر بيدين خشنتين تضعان لصقاً رائحته كريهة على فمها، وبذلك كتم صوتها رغم صراخها الذي يسمع كأنين فقط. تعود السيارة للتحرك وبسرعة أكثر من قبل، ليذب الخوف في قلب سما وهي تجهل ما الذي أصابها. عدة رجال تدوور بالغرفة. الكل ينظر للآخر والخوف بادٍ عليهم. فجأة فتح الباب وظهر آسر في أقصى حالاته جنوناً، مشعث الشعر، قميص مفتوح يتصبب عرقاً،
ليصرخ بقوة: -إن لم تعثروا عليها وتحضروها سالمة غانمة في غضون 24 ساعة سأقتلكم جميعاً ولكم قسمي على ذلك. تكلم رجل من هؤلاء لم يتخلص من خوفه رغم تظاهره بالعكس: -سيدي في من تشك؟ يجب أن نبدأ بأي شخص له علاقة بالأمر. لم يسمعه آسر، كان يكلم نفسه ولا يعير انتباهاً للرجال. -لا تعرف أحد. ليس من العدل فعل ذلك بها. شخص مثلها لن يؤذي بعوضة. كيف تجرأوا على خطفها؟ كيف تجرأوا عليها هي بالذات؟ على سما.
فجأة توقفت السيارة لتسمع صوتاً سمعته مؤخراً ولم تنسه بعد. -لقد وجدتك أيتها الحلوة. حركت سما رأسها نفياً وهي تصرخ بداخلها: -ليس رجل البحر. ماذا يريد مني؟ ما الذي فعلته له؟ يا إلهي سيدي آسر كله بسببك لقد ضربته والآن ينتقم مني. لم تشعر بتلك الذراع التي رفعتها لتجد نفسها بعد دقائق ترمى فوق سرير ما، ليزيل عنها القماش الأسود ويتضح لها أنه فعلاً رجل البحر. -ها نحن ذا، نلتقي مجدداً يا حلوة.
نهضت بسرعة وهي تنظر للباب وللرجل أمامها، وقد استنتجت أنه يريد الانتقام من آسر عن طريقها لضربه إياه. لكن الرجل تركها بسرعة ليغلق الباب وراءه وهو يحدث الحارس أمام الغرفة بحدة: -حياتك متوقفة على حراستها. ابتعد عن الباب ليخاطب نفسه: "ستكونين لي يا حلوة ولنرى ما الذي سيفعله. ستكونين لي والليلة بالتحديد." تنظر للنافذة الكبيرة وللحرس من وراء زجاج النافذة. تعيد نظرها لأرض الحديقة الخضراء. لتنهض بسرعة وهي تكرر شيئاً واحداً:
-سأبتعد عنكم. ليس لي دخل بكل هذا. سأبتعد. سأبتعد. بعد عدة ساعات أحضر رجال آسر ذاك الرجل مكبل اليدين ليضعوه على ركبتيه أمام آسر الذي أخذ منه الخوف والذعر على سما كل قوته، لينهض بسرعة وينقض على الرجل كالأسد ليبرحه ضرباً يفجر فيه خوفه مما حصل للمسكينة. -أين هي اللعنة عليك؟ يترنح في دمائه والدموع على وشك السقوط من الرجل الذي كان يستعرض عضلاته قبل قليل، ليجيب بسرعة:
-أقسم لقد هربت من الغرفة. كنت سأعيدها عندما علمت بمكانتك. أقسم لك، أقسم لك. دفعه آسر على الحائط ليخنقه ويصرخ: -أرني الغرفة الآن. أين تلك الغرفة اللعينة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!