قعدت بتول قدام شاشة الكمبيوتر بثبات تقفل شغلها المتأخر. الشغل اللي صوفيا أمرتها تشتغل عليه. همست صوفيا: "أنا مكنتش متخيلة إن واحدة زيك ممكن تتكلم كوري؟ بتول: "ليه يعني؟ صوفيا: "لأنك مش متعلمة تعليم جامعي. أعتقد إنك آخر حاجة وصلتي ليها الشهادة الإعدادية؟ أردفت صوفيا بسخرية: "وبعدين شغلك كان بعيد عن السكرتارية وفي مجال الخدمة، وده ملوش علاقة بشغلنا." بتول: "وملفتش نظرك يا آنسة صوفيا درجاتي في الشهادة الإعدادية؟ صوفيا:
"بصراحة لا." وضحكت جامد: "دي شهادة إعدادية يا بتول مش شهادة جامعة عشان أركز فيها. وبعدين إيه الشيء المميز في شهادتك؟ بتول: "ملوش لازمة خلاص." صوفيا: "لا بجد قوللي." بتول: "أنا كنت واخدة ترتيب على المحافظة." صوفيا: "ما شاء الله واضح جدا. طيب ليه وقفتي تعليم واشتغلت خدامة؟ بتول: "النصيب بقى." صوفيا: "النصيب ده هو اللي جابك هنا، لأنك خدامة تيمور. اشكري النصيب يا بتول."
وكانت بتول تعرف إن صوفيا بتسخر منها. وكل ما شعرت بالإهانة صممت إنها تثبت للجميع إنها تستحق أفضل من ذلك، وإنها مش أقل منهم. وشعرت بالحزن لأن الجميع يعرف إنها كانت خادمة في قصر تيمور، ولا تعرف مين اللي نشر أخبارها داخل الشركة. حتى إن الجميع ينظر إليها الآن نظرة مختلفة. تحولت نظرة الاحترام إلى نظرة سخرية في عيون الموظفين. حتى النادل اللي بيجيب لها الشاي بقى بيبص لها بسخرية.
نهضت صوفيا وقربت من كمبيوتر بتول، ثم انحنت خلف ضهرها ماسكة جيبتها حتى لا يظهر بدنها تحت القميص الأبيض. وهمست: "إيه خصّلتي ولا محتاجة مساعدة؟ خلصت. همست بتول بضيق: "أنا خلصت كل المهمات." ضرب تيمور جرّس داخل المكتب. وعندما يضرب تيمور جرّس تذهب له واحدة من السكرتارية حسب الترتيب: صوفيا، ثم هدى. بينما بتول، كما وضحت صوفيا، لا تذهب للمكتب مطلقًا. منح تيمور الأوامر لصوفيا إلى خرجت بسرعة ناحية مكتب الحسابات.
وبعدها بدقيقة ضرب الجرّس. هدى مكنتش موجودة، وصوفيا راحت مكتب الحسابات. بصت بتول حواليها، وبعد كده مكنتش عارفة تعمل إيه. والجرّس فضل يضرب. وقررت تفضل في مكانها لحد ما تيمور خرج من مكتبه ناحية مكتب السكرتارية. وصرخ: "إيه طرشتي؟ مش سامعة الجرس؟ بتول: "أنا ممنوعة أدخل المكتب حضرتك. آنسة صوفيا محرجة عليا أدخل مكتبك." تيمور: "من إمتى بتحرمي الأوامر يا بتول؟ لو كنتي بتحرمي الأوامر كان زمانك لسه في القصر."
صمتت بتول، مفتحتش بقها وهي تسمع الإهانات تتكرر. قال تيمور: "على العموم أفضل إنها ما سمحتش ليكي تدخلي مكتبي. أول ما صوفيا توصل خليها تدخل المكتب عندي." "حاضر." وبعدما رحل تيمور، كادت بتول تبكي مرة ثانية. ده حتى مفكرش يشكرها على اللي عملته وترجمة الاجتماع. يا ريتها رفضت تترجم والصفقة كلها تبوظ. وزاد من حنقها وغيظها إن تيمور صرف لكل الموظفين في الشركة شهر، ما عدا بتول لأنها رفضت تدخل مكتبه تاخد الشهر علاوة.
وكان في البداية يحترمها الموظفين لأنها من طرف تيمور، لكن بعد أن وصلت الإشاعات الخاصة بعملها كخادمة في قصر تيمور، وإنه عطف عليها وأحضرها هنا لأنها فقيرة، بأفكار احتقارية خبيثة. وبدأت تسمع الهمسات في كل مكان تذهب إليه. الكل يتحدث خلفها ويأتي بسيرتها، حتى شعرت بتول إنها مش هتقدر تكمل اليوم في الشركة. فأخذت إذن وتركت الشركة ورحلت. في الشارع بكت بتول كتير جدًا لحد ما قلبها تبلل بالدموع.
ولأول مرة شعرت إنها وحيدة فعلاً، وإنها تحتاج حضن والدتها. الجميع يناصبها العداء وهي لم تفعل أي شيء سيء. مسحت بتول دموعها وأكلت في مطعم في الشارع، ثم ذهبت إلى مدرستها القديمة وسحبت أوراقها من المدرسة. وفي اليوم التالي طلبت إجازة من شؤون العاملين وحصلت عليها. ومع شروق الشمس كانت لابسة وجاهزة وخارجة من القصر. تيمور شافها: "رايحة فين؟ بتول: "رايحة مشوار بعد إذنك." تيمور: "وبالنسبة للشركة؟ انتي فاكرة نفسك شغالة في القصر؟
كل ما تت تعبي تروحي غرفتك؟ بتول: "أنا أخدت إجازة رسمية من الشركة يا تيمور بيه." تيمور: "إجازة؟ معقول؟ همس تيمور بقلق وكاد يسألها: "مالك فيه حاجة؟ لكن بتول استأذنت ومشيت ببطء تجاه الشارع. أخدت تاكسي وغابت عن عينه.
قدمت بتول أوراقها في المدرسة الثانوية، ورغم كبر سنها إلا مدير المدرسة سمح بذلك لأنه رأى فيها شخص يحاول أن يحقق حلمه، وكان قد حُرم من حلمه زمان عندما أجبره والده على الزواج من بنت عمه. وقال إن مكتبه مفتوح لها في أي وقت وإنه سيزلل العقبات لها. تركت بتول المدرسة بلمحة فرح، ثم قررت أن تبتاع فستان قبل أن ترجع إلى القصر. ثم قضت بقية يومها داخل غرفتها.
وكان الوفد الكوري زار الشركة وأتم الصفقة وسأل مديرها عن بتول، تلك الفتاة الصغيرة التي تتحدث الكوري بلكنة محببة. اعتذر تيمور أن بتول غير موجودة وأنه أحضر مترجم رسمي من أجل الصفقة. وشعر تيمور بالغضب والغيرة، فهو لا يعرف كيف أثرت بتول في الوفد بتلك السرعة، وكيف يقول كبير الوفد إن بتول كانت سبب في إتمام الصفقة؟ وعندما نظر إلى مكتب السكرتارية ورأى مقعد بتول شاغر، شعر بالفراغ.
فقد كان يستمتع بمراقبتها من خلف الزجاج دون أن تشعر، ويستمتع بمضايقتها. ولا يعرف أين هي الآن؟ يا ترى ماذا تفعل الآن وكيف تقضي وقتها. ولام نفسه أنه لا يعرف تفاصيل كتير عنها وأنه كان يعتبرها مجرد خادمة. فأخرج هاتفه وأجرى اتصال صغير عرف منه أن بتول عادت إلى القصر تحمل حقيبة بلاستيكية فيها فستان ومعها أوراق وكتب كثيرة. غادر تيمور مكتبه باكراً وأمر صوفيا وهدى أن تؤجل الاجتماعات، ثم قاد سيارته تجاه القصر.
لما دخل بعربيته القصر شاف مشهد غير مألوف. بتول تركض في الحديقة لابسة ترينج رياضي بوجه مخفي تسابق نفسها. وقف تيمور عربيته وخرج منها وقعد يتفرج عليها لحظة وهو يهمس: "البت دي اتجننت ولا إيه." ثم دلف إلى الرواق يدخن سيجارة وظل جالس حتى انتهت بتول ودخلت متعرقة إلى الرواق. وكانت عنايات تشتكي لـ تيمور كثرة الشغل وأن الخادمات غير قادرات على القيام بكل العمل.
رحيل بتول شكل أزمة وفراغ، وأن عليه أن يعين خادمة جديدة أو يطلب من بتول أن تساعد في شغل القصر. مرت بتول بلا اهتمام، لكن تيمور أوقفها. تيمور: "استنى عندك." بتول: "خير يا تيمور بيه؟ تيمور: "كنتي بتعملي إيه؟ بتول: "زي ما حضرتك كنت شايف، كنت بجري." تيمور: "بتجري ليه؟ بتول: "بمارس رياضة. فيه مشكلة؟ تيمور: "لا مفيش." همس تيمور: "لكن أصلها غريبة يعني." بتول:
"لا مش غريبة ولا حاجة. أنا هركض وألعب بوكسينج وأعمل كل الحاجات اللي بحبها." تيمور: "تلعبي بوكسينج؟ بتول: "آه." ردت بتول بثقة. تيمور: "بقى انتي تلعبي بوكسينج بجسمك ده؟ شدت بتول قامتها: "أيوه هلعب. ممكن بعد إذنك أمشي دلوقتي؟ بتردد همس تيمور: "ممكن أعرف كنتي بتعملي إيه بره؟ وليه خدتي يوم إجازة؟ صمتت بتول، ثم باحراج قالت: "دي حاجات خاصة، أفضل ما أتكلمش عنها." ثم غادرت المكان وقصدت غرفتها. فكر تيمور بسخرية:
"بقى دي تلعب بوكسينج؟ هي فيه جسم تلعب بوكسينج دي رفيعة أوي." ثم راح يتخيل مظهرها وهي تلكم كيس الملاكمة ووجد داخله فضول أن يتفرج عليها وهي تضرب أي شيء، حتى لو كان كيس ملاكمة. ثم نظر إلى جسده وهيئته وكيف أنه لا يهتم بنفسه ولا يركض في الحديقة ولا يمارس رياضة. وانتظر بتول أن تخرج، لكنها ظلت في غرفتها تذاكر في الكتب. فذهب إلى غرفته وهناك وقف أمام المرآة يعاين جسده.
وأدرك أنه يحتاج أن يمارس الرياضة، لكن دون أن تعرف بتول أو أي شخص آخر. ثم هاتفته نرجس تسأله عن المسألة التي كانت تشغله، وكان جوارها صوت شاب. يعرف تيمور أن مغامرات نرجس لا تنتهي، لكنه كان يعرف الصوت اللي جنبها. شكرها تيمور: "كل حاجة بقت تمام، متشغليش بالك. ركزي في اللي في إيدك. ده فهد صح؟ لاذت نرجس بالصمت، ثم أطلقت ضحكة كبيرة وأغلقت الخط. في الشغل تعمدت بتول أنها ما تكلمش مع أي شخص. تقعد قدام الجهاز بتاعها وتخلص شغلها.
وقت البريك تاخده مع نفسها وتأكل لوحدها. مبتعدة عن تيمور وموظفي الشركة إلى أبعد حد. وكان شغلها نضيف بلا أخطاء رغم تعليمها الذي لم تكمله. بتول؟ نعم آنسة صوفيا. تيمور بيه عايزك في المكتب. لما سمعت بتول اسم تيمور مزاجها اتعكر. هو عايز إيه دلوقتي؟ هي صوفيا وهدى مش كفاية عليها؟ قعدي. أمرها تيمور بلا اهتمام. قعدت بتول بصمت. "أحنا كملنا الصفقة الحمد لله ومضينا العقود." "ألف مبروك." همست بتول من غير نفس.
"على فكرة كبير الوفد سأل عنك. هو ليه بيسأل عنك؟ "اشمعنى انتي بالذات؟ تنهدت بتول بضيق: "لأنه رجل محترم." "إزاي يعني؟ سأل تيمور بقلق. "لما عرف إني كنت خدامة بمسح وأكنس في بيوت الناس، وتعلمي اللغات بنفسي من غير مساعدة حد، وشغل هنا وكفاحي قدر ده. وقالي حاجة خلتني أضحك." "قالك إيه؟ سألها تيمور بشك.
"قال إن سبب إتمامه للصفقة إنه بيبص للمستقبل، وإنه شايفني في المكان ده بعد كام سنة، وده يخليه يطمح في شراكات كتير قادمة لما أبقى مديرة الشركة، وخلاني أوعده إني لما أبقى مديرة الشركة هواصل التعامل مع شركته ولا أبرم عقود مع شركات أخرى." همس تيمور بسخرية: "بقى كبير الوفد الكوري قال كده؟ بتول بثبات: "أيوه." تيمور: "تعرفي إنك مؤلفة قصص جامدة؟ بطلي كدب بقى! انتي كذابة جدا. امشي اخرجى من مكتبي ومش عايز أشوف وشك مرة تانية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!