خرجت بتول من المكتب تكتم دموعها. لقد أقسمت مائة مرة أن لا تتحدث إلى تيمور، وها هي تنال العقاب. إن التحدث إلى بعض البشر أكبر خطأ يمكنك أن ترتكبه في حياتك. تعرف بتول أنها فتاة عادية، وليست مثل بعض الفتيات الذين يعتقدون أنهم مختلفون. رغم ذلك، تعرف أن من حقها أن تتلقى معاملة حسنة تشعرها أن العالم لازال بخير. يتيمة ووحيدة، ليس لها أصدقاء. أي شيء تقدر تعمله أكثر من كده عشان تتلاشى ظلم الناس؟
في الحمام، غسلت وجهها ثم عادت إلى مكتبها. لن تطلب شفقة أي إنسان، ولن تحلم بشخص يطبطب عليها ويمنحها الأمان والحب. أمام جهازها، تثمرت مثل قطعة خشب. مضى الوقت حتى رحل كل الموظفين، ورحل تيمور نفسه. كانت بتول آخر موظف يخرج من الشركة. ليست مرة واحدة، بل كل يوم. كانت تظل بعد رحيل الموظفين تدرس وتدرس حتى تتعب، ثم ترحل تجاه القصر، ثم إلى غرفتها. اختارت أن تعيش حياة هزلية من غرفة النوم إلى العمل والعكس كل يوم.
وتيمور يراقبها بفضول وحماس، متوقعًا أن تلين، أن ترضخ، أن تخضع. يكفيه كلمة واحدة منها ليتغير معها، لكن بتول أثبتت أنها صلبة مثل الحجر. في يوم تأخر فيه تيمور في المكتب، وعندما خرج لمح بتول في مكتبها. سأل حارس الأمن عنها، فأخبره أنها تتأخر باستمرار، أن الآنسة بتول آخر موظفة تغادر الشركة كل يوم على مدار أكثر من شهر.
لا يعرف أحد ماذا تفعل بتول داخل مكتبها. وسرت إشاعة أنها ضعيفة في العمل وتحتاج وقتًا طويلاً لتنهي مهماتها، أو أنها تلتقي عاشقًا سريًا بعيدًا عن عيون الناس. خوفًا من صقر بيه، الناس سوف تخترع لك عيبًا. ماذا تنتظر من مجتمع يقول، عندما يصف شخص أنه محترم جدًا ومؤدب، لكن عيبه أنه طيب؟ فعليك أن تعرف، إذا لم يكن لك عيب، وهذا مستحيل، فأنت تعرف وأنا أعرف أننا نمتلك عيوبًا، سيخلقون لك عيوبًا.
وكانت بتول ممتنة لأنها مجرد همسات، فهم بذلك يرفعون عنها الحرج في الرد عليهم. بتول ما كانتش عايزة مشاكل خالص أو وجع دماغ. وكانت تلك الهمسات تصل إلى أذن بتول، وكان عذاؤها أن الجميع جبناء وأوغاد يتحدثون خلف ظهرها. ظلت بتول صامتة كما عاهدت نفسها. نجحت في الترم الأول في المدرسة، ولم يجد أحد خطأ واحدًا في شعبها. وأصبحت تتحدث الإنجليزية بلكنة أمريكية مثل أهل بلدها، فقد كانت تشاهد أفلامًا غير مترجمة، وتقوم بترجمتها بنفسها.
مضى أكثر من شهرين حتى أوقف بتول شاب يعمل في قسم الحسابات بدرجة سوبر فايزر. "آنسة بتول، عايز أتكلم معاكي لو سمحتي." وبتول حادة مثل السكين. فهمست: "مش بتكلم مع حد." ربت الشاب على لحيته، لأنه بتول منتقبة، وهو ملتحٍ، وهذا يمنحهم كيمياء ويسهل مأموريته، فهو يلمح لها أنه من نوعيتها المفضلة. نعم، سمعت مرة شيخ سلفي يحذر الفتيات السلفيات من الزواج من العامة أمثالي يعني،
ويقول لهم: "ستخسرين دنياك وآخرتك إذا تزوجتي من شخص من العامة". ولم أسمعه يقول: "تزوجيه وأدخليه الجنة" إطلاقًا. وهذا ليس بأمر حصري، فهناك أيضًا المنحلين والمنفتحين الذين لا يقبلون بأحد من خارج محيطهم. المهم أن الشاب ربت على لحيته. وبتول أصرت: "أنا مش بتكلم مع حد. ابعد عن طريقي من فضلك."
ولازم أوضح أن بتول ما كانتش تقصد أن تجرحه أو تهينه. بتول فعلًا ما كانش عندها رغبة تتكلم مع أي مخلوق بشري. يعني الأمر غير منوط بالشاب ده إطلاقًا. وأحست بتول بده، فوضحت: "من فضلك، أنا لا أقصدك تحديدًا، لكن أنا مش بتكلم مع حد."
ثم ابتعدت بعيدًا عن الشاب وتركته مثل مخدة ملقية على الأرض صفع بها زوج وجه زوجته الحسناء. ابتعدت وهي تدعو الله أن لا يقول الشاب كلمات تضطرها أن تنزل لمستواه وترفع صوتها. وتمنت أن يغلق ذلك الوغد فمه اللعين. مهما كان، هذه شركة، وسمع وشوشرة. وأعود وأكرر أن بتول فقيرة جدًا وطيبة جدًا ومش عايزة مشاكل خالص. قال الشاب آخر كلماته: "هي فاكرة نفسها إيه؟ بنت معفنة."
سمعت بتول الكلمة، فهي ليست صماء. وأنا وأنت نعرف أنها تسمع جيدًا. فما كان منها إلا أن تنهدت بغضب، وأرادت أن تعود إليه وتعرفه من تكون تلك المعفنة. والدته؟ أم أخته؟ لكنها اختارت أن تكون سلبية. فقصدت مكتبها وجلست مثل قطعة خشب بلا حركة.
ولأن يومها لا يمكن أن يمر دون مفاجآت، فقد مر تيمور بيه من أمامها يرتدي بذلة إيطالية وساعة روليكس وحذاء من زارا. وعطره يفوح في كل المكان. وتيمور بيه لا يعرف ما تمر به بتول، ولا ما تشعر به، ولا حجم الإهانة التي تعيش فيها. إنه من نوعية الأشخاص الأوغاد الذين لا يعنيهم كيف نعيش. المهم أن تكون مبتسمًا حتى لو كان قلبك يتقطع. "بتول؟ "نعم، تيمور بيه؟ "حضرتك بتدور على آنسة صوفيا لو مدام هدى؟ غير مهتم،
قال تيمور: "أنتِ بتتأخري ليه جامد في الشركة؟ نهضت بتول. "تيمور بيه، لو أنت مش خايف على مظهرك الاجتماعي قدام الموظفين، نظرتهم ليك لما تقف مع الخدامة اللي بتمسحلك القصر؟ لو أنت مش خايف، لازم أنا أخاف على صورتك ومكانتك." حاول تيمور أن يلمح السخرية في نبرة بتول، لكن دون فائدة. وهذا ما أزعجه. تيمور عرف أن بتول غاضبة جدًا، فأخذ بعضه من سكات بعد ما أمرها أن تبعت له صوفيا على المكتب.
لا أرى أي مانع أن لا يحب شخص أن يتحدث إلى الناس، ولا حتى رؤيتهم. أن يفضل وحدته على الصخب. ويبجل فنجان قهوة أكثر من صديق. أو أن يحترم كتابًا ويحبه ويحتضنه أثناء نومه. عندما تأخر الوقت، فكرت بتول: هل ترضخ للإشاعات وتترك العمل مبكرًا؟ أم تستمر في عملها وتركيزها، غير عابئة بنظرة العالم والمجتمع؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!