لم تكن بتول تعرف عنوان شركة تيمور، ولم تخرج للشارع منذ مدة طويلة. ظنت أنه دعوة مبطنة من تيمور، حيث كبرياؤه منعه من دعوتها لزيارة الشركة التي كان يملكها والده. فرغم كل شيء، كان تيمور صديقها في الطفولة. طلبت إذنًا من عنايات، ففي قصر صقر لابد أن تسير الأمور بشكل رسمي. تخاطب عنايات، عنايات تخاطب صقر، ثم تحصل على الموافقة. ولأن عنايات لا تطيق بتول، فعندما سمعت الطلب ركضت إلى تيمور.
"منذ أكثر من عامين، ومنذ وصول عنايات، لم تخرج بتول من القصر. ما الذي أخرجها يا ترى؟ "تيمور بيه، بتول قدمت طلب إجازة." "إجازة؟ " همس تيمور بانزعاج. "هي تعبانة، ولا إيه؟ "معرفش حضرتك، بتقول وراها مشوار مهم." سمع تيمور كلمة "مشوار" وشعر بالتعاسة، لكن لابد أن يكون صارمًا أمام عنايات، فقال: "ما فيش مانع." لكنه
بينه وبين نفسه فكر في سره: "أكيد رايحة تقابل حبيب القلب، الولد اللي بتكلمه ليل نهار على الفيس ويخليها تغلق على نفسها غرفتها وتكتفي به عن العالم." لم تتأخر بتول. خرجت مرتدية ملابس محتشمة تشق الطريق وسط الحديقة. سحب تيمور نفسه وتسلل خلفها. ركب سيارته وراقب التاكسي الذي وقف أمام شركة أعدائه، مراد السلحدار. "هو فيه إيه؟ " سأل تيمور نفسه بقلق. "بتول جاية تعمل إيه هنا؟
أوقف تيمور سيارته ودخل مقر الشركة خلف بتول، متحججًا بلقاء مراد السلحدار. وفي طريقه، كان يبحث عن بتول في كل ركن، لكنه لم يجدها. دخل مكتب مراد السلحدار وتحدث معه عن صفقة شائكة بينه وبين شركته، ثم غادر المكتب. وفي طريق خروجه، لمح بتول تجلس في مكتب نائب الشركة، فهد مراد السلحدار. شعر تيمور أن قلبه توقف. "بتول قاعدة مع فهد، وقدامها كوباية قهوة، وفهد بيتكلم معاها بكل ارتياحيه." ولم يتمكن من كبح جماح نفسه، فاقتحم
المكتب وصرخ في بتول: "إنتي بتعملي إيه هنا؟ نهض فهد: "إنت متعصب ليه يا تيمور بيه؟ "اسكت إنت! " صرخ تيمور. "أنا بكلم بتول." كدت بتول أن تبكي. راحت تحاول أن تشرح لتيمور الحكاية كلها، لكن لسانها توقف. "إنت بتصرخ فيها ليه كده؟ هي عبدة عندك؟ "بتول إنسانة كبيرة وراشد وتقدر تدافع وتقرر مصيرها بنفسها. ومتنساش إنك في شركتنا." شعرت بتول بالإهانة والإحراج. وصرخ تيمور وهو يجذب بيدها: "يلا قدامي على القصر!
وقف فهد بينه وبين بتول: "أنا مسمحلكش تجبرها على أي حاجة. إحنا قاعدين بناقش عقد عمل. لو عندك مشكلة شخصية مع الآنسة بتول، تقدر تحلها في القصر عندك." "يلا يا بتول! " صرخ تيمور. همست بتول: "أنا مش هروح، وبلاش تصرخ في بالطريقة المهينة دي." "بقى كده! صرخ تيمور بكل غضبه وهمس: "ماشي." ثم غادر الشركة.
"على فكرة، ملوش أي حق يعاملك كده. مش معنى إنك شغالة عنده في القصر إنه اشتراك بفلوسه. لو دي معاملته ليكِ قدام الناس، فأنا مش قادر أتخيل بيعاملك إزاي داخل القصر." تذكرت بتول كل الإهانات التي وجهها تيمور لها وتعمده إذلالها في كل أسبوع. وكان فهد عرض عليها تشتغل في القصر عنده بمرتب مرتفع، لكنه قال: "شوفِ يا آنسة بتول، بعد اللي شوفته بعيني، أنا بقدم لك فرصة عمل تانية. لو عايزة تشتغلي سكرتيرة هنا في الشركة، أنا موافق."
"سكرتيرة منقبة؟ "وإيه المشكلة؟ آنسة بتول، إحنا على فكرة مسلمين زيك. وبعدين إنتي قولتي إنك بتعرفي تتكلمي إنجليزي." همست بتول: "وبكتب كويس كمان." "طيب خلاص، بصي يا ستي، إنتي هتروحي تقابلي شؤون العاملين وهيختبروكي. لو نجحتي، منصب السكرتيرة بتاعك، وبكده تبقى كل حاجة بمجهودك من غير واسطة ولا يحزنون." راحت بتول الاختبار، وهناك تفاجأ الموظف أن بتول تتكلم إنجليزي زي الأجانب، وتكتب بخط جميل وحروف صحيحة.
لدرجة إنه سألها: "إنتي خريجة جامعة أمريكية؟ لأول مرة تشعر بتول بالفخر. الدروس اللي كانت بتاخدها على اليوتيوب جابت فايدة. منحها فهد حرية الاختيار والتفكير. وانصرفت بتول من الشركة بعقل مضطرب وقلب حالم. وصل تيمور الفيلا. ودون سابق كلام، هشّم فنجان القهوة وضم قبضته وضرب الحائط حتى جرحت يده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!