قالت فهيمة: ماذا نفعل الآن يا خسارة؟ لقد ضاع المال. قالت مرام: ليس لي نصيب بهم، فلو جئتِ باكرًا قليلاً لاستطعتُ أخذ الورقة قبل أن تحترق، ولحصلتُ على النقود. وخصوصًا أنني احتفظتُ بالورقة شهرًا كاملاً، وتخلصتُ منها اليوم بالذات. هيا بنا لنعود لدكاني. قالت فهيمة: هيا بنا. للأسف فرحتنا لم تكتمل. عوض الله عليكِ يا مرام. ثم تعودان للمنزل وتجلس فهيمة مع مرام قليلاً. قالت مرام: أنا أعرف حظي جيدًا. فلا تصفو لي الحياة أبدًا.
في البداية جريتُ وراء حب خادع وتركتُ زوجي الذي يحبني وأولادي، ثم اختطفتُ وحدث لي ما حدث. وعندما قررتُ العيش بهدوء وبقيتُ عشرة أعوام بمفردي لا أنيس غيركِ أنتِ، ورضيتُ بوحدتي. ثم ظهر هذا المال فجأة فرسم لي أملاً كاذبًا للحياة من جديد، ولكنه اختفى فجأة أيضًا ولم تكتمل فرحتي. قالت فهيمة: يا ابنتي، هذه هي الحياة دوماً ناقصة، ولكن لكي نعيش في راحة بال يجب أن نرضي بقضاء الله. قالت مرام: أتعرفين خالتي؟
فراق أولادي يؤلمني أكثر بكثير من فقد المبلغ الضخم الذي كان بيدي، وكأنه قد كُتب عليَّ خسارة أي شيء جيد في حياتي.
قالت فهيمة: يا ابنتي، الحياة لا تمنحنا كل شيء. على الأقل أنتِ لكِ أبناء في مكان ما، ووالدهم سيرعاهم. انظري إليَّ وزوجي قد تخطينا الخمسين ولم نُنجب، ومع ذلك رضينا بقضاء الله واعتبرنا أبناء الحي كلهم أولادنا. والحمد لله الجميع يسأل عنا. وأنتِ يا مرام يا ابنتي قد أخطأتِ عندما تركتِ زوجكِ، وأخطأتِ عندما هربتِ من بيت والدكِ، وأخطأتِ عندما مشيتِ مع رجل لا تعرفينه ليرمي بكِ للهاوية.
لقد أعطانا الله العقل لنفكر به، وأنتِ ألغيتِ عقلكِ تمامًا وجريتِ وراء قلبكِ ورغباتكِ. أنا لا أقول لكِ هذا الكلام لتأنيبكِ، وإنما لتتعلمي في المستقبل أن تفكري قبل أن تقدمي على أي خطوة. فأنتِ لا تزالين صغيرة وعمركِ ثمانية وثلاثين عامًا فقط، والحياة لا تزال أمامكِ، ويجب أن تعيشي ما تبقى من حياتكِ، ولا تسجني نفسكِ هنا لتكوني وحيدة للأبد.
ابدئي من جديد: تزوجي وأنجبي أطفالاً وانسي الماضي، ولا تبقي وحيدة هكذا فالوحدة قد تقتلكِ. قالت مرام: معكِ حق خالتي. أتذكرين العام الماضي عندما أصبتُ بالحمى وظللتُ يومين في الفراش لم أجد من يعطيني كوب ماء؟ ولولا أنكِ لاحظتِ أنني لم أفتح الدكان وجئتِ للاطمئنان عليَّ وأحضرتِ لي الطبيب لكنتُ متُّ.
قالت فهيمة: هذا واجبي يا ابنتي. ولكن حبيبتي، من الغد سأبحث لكِ عن زوج مناسب وسأزوجكِ بنفسي. ولكن هذه المرة يجب أن تكوني ودودة مع زوجكِ وتصبري عليه. الزواج ليس حبًا فقط حبيبتي، الزواج مسؤولية، بمعنى لو زوجكِ غاضب فلا تتكلمي معه حتى يهدأ، وحاولي أن تمتصي غضبه وتعامليه بلطف، فالرجل بداخله طفل صغير يحتاج للتدليل والحنان من حين لآخر. ولا تعامليه الند بالند حتى لا تخسريه، في حين تستطيعين أن تأخذي كل شيء تريدينه بالكلمة الطيبة.
قالت مرام: حسنًا خالتي، ولكن أتركي أمر البحث عن زوج حتى أجد من يناسبني بنفسي. قالت فهيمة: حسنًا يا ابنتي، سأترككِ الآن. فزوجي بمفرده في البيت ولا أريده أن يمل من الجلوس وحده. قالت مرام: مع السلامة خالتي، ألقاكِ على خير. ثم انصرفت فهيمة من منزلها. وبعدها بقليل بدأت مرام تكنس دكانها وتجمع القمامة، ثم تحرك السلة فتجد الورقة خلفها. قالت مرام: يا الله!
أنا لا أصدق. الورقة لم تقع في السلة وإنما خلفها. الحمد لله أنني وجدتها، فهكذا أستطيع أن أغير حياتي وحياة أبنائي للأفضل. ولكن عليَّ أولاً أن آخذ الورقة للبنك ليفتحوا حسابًا باسمي. ولكن ماذا سأفعل بالمال؟ هل أقوم باستثماره، أو ربما أشتري بعض العقارات من أجل أبنائي؟ فلعل بعض المال يعوضهم عن بعدهم عني. أنا محتارة فعلاً.
ثم تذهب مرام لسريرها الصغير في زاوية الدكان لتنام. ولكن تسمع أحدهم يدق على باب الدكان. لعل أحدًا من أهل المنطقة يريد شيئًا ضروريًا. سأفتح الباب لأرى. وعندما تفتح تجد رجلاً بسيارة فارهة يقف أمام الباب. قالت مرام: من أنت؟ قال: أنا سراج، ادخليني أولاً كي نتكلم. قالت: أنا لا أدخل رجالاً لغرفتي، فأنا أعيش بمفردي. قال: تعالي إذاً، نجلس في سيارتي ونتفاهم. قالت: لن أجلس معكِ وأنا لا أعرفك. ماذا تريد مني؟
قال: أخفضي صوتكِ حتى لا يسمعنا أحد. أنا جئت من أجل اليانصيب الذي أعطاه لكِ أبي. فلقد تصفحتُ الجريدة وعرفتُ أنه الرابح. وعندما سألتُ أبي أخبرني أنه باعكِ إياه. وبما أنكِ حصلتِ عليه، فأنا أريد أن أطرح عليكِ فكرة سنستفيد منها سوياً، وسوف تعجبكِ. قالت مرام: الورقة من حقي، فقد اشترى والدكِ مني بعض الأشياء ودفعها كثمن للبضاعة، فلم يكن لديه نقدية. فماذا تريد مني؟
قال: أعرف أنها من حقكِ، وأنا لا أطالبكِ بإعادتها. ولكن قبل أن نتكلم عما أريد، أعرفكِ بنفسي أولاً. أنا سراج، وأنا في الخامسة والأربعين من عمري، ولدي شركة كبيرة لصناعة الهواتف. ولكنها توشك على الإفلاس بسبب دين للبنك لم نستطع سداده. فما رأيكِ؟ ستدخلين شريكة معي في الشركة بأسهم كبيرة وبسعر منخفض لم يحدث مثله في تاريخ الشركة.
بينما ندفع مال الجائزة الذي ربحتيه للبنك، لنسدد الدين الذي عليها. وبذلك أستفيد أنا بتسديد الديون، وتستفيدين أنتِ بالأسهم المنخفضة لشركتي والأرباح الضخمة. لأن المال لو بقي معكِ قد تقل قيمته بمرور الوقت. ولكن عندما تكوني شريكة في شركة كبرى، فسوف ينمو المال وتصبحين من سيدات المجتمع الراقي. قالت مرام: وما يدريني أنك تقول الحقيقة ولا تريد سرقة المال؟
سراج: لأني رجل أعمال مشهور، ولي اسمي في السوق. وسيكون هناك محامون وشهود على العقد الذي بيننا. ولا تخافي، لن نحول المال للبنك الدائن إلا عندما توقعين على العقد وتضمنين حقكِ. قالت مرام: دعني يومين كي أفكر. قال: لكِ هذا. خذي هذا الكارت فيه عنوان الشركة وأرقام هواتفي، ثم فكري جيدًا، واسألي عني، ثم ردي عليَّ بالإذن منكِ. تشاهده مرام وهو يركب سيارته ويغادر. ثم تتنفس الصعداء، وتدخل دكانها وتغلق الباب. ماذا أفعل؟
هل أقبل بعرض الرجل؟ أم أنها خدعة سيأخذ أموالي عن طريقها ثم أخرج دون أن أستفيد شيئًا؟ لن أفعل شيئًا دون تفكير كالسابق. يجب أن أسأل عن الرجل أولاً قبل أن أتعامل معه. ولكن كيف؟ تذكرت، لقد أعطاني كارت عليه رقم هاتفه وعنوان الشركة. ثم تنظر في الكارت وتقرأ: الشركة في العاصمة في مدينة...
يجب أن أجلس وأرتب أفكاري كي أتصرف بشكل صحيح. ويكفي أنني وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه بسبب السذاجة وقلة التفكير. فالآن أصبحتُ أعرف الكثير بسبب قراءة الكتب القديمة التي أبيعها بجوار محل البقالة.
وسوف أترك البقالة للحاجة فهيمة وزوجها، فهي تستحقها. لقد وقفت إلى جانبي كثيراً. وسآخذ المال الذي ادخرته وأذهب لمدينة هناك كي أسأل عن الرجل جيداً قبل أن أورط نفسي معه. وبالطبع سآخذ ورقة الحظ معي، ولكن لن أضعها في الحقيبة بل في جيب داخلي لثيابي خوفاً من السرقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!