لم يكد صوت فاطيما يخبو في الهواء حتى تحولت ملامح الوجهين الأقرب لي، فاطيما ورافا، إلى شيء آخر غير الطاعة. شيء يشبه الصيد، لكن هذه المرة لم يكن هدفه الدم، بل المكانة. منذ أن أعلنت نفسي سيدًا، لم تعد الأرض هي ما يقف تحت أقدامهما، بل أصبحت أنا. كنت أشعر بذلك دون أن تخبرني الكلمات. فكراتهما كانتا مكشوفتين أمامي كصفحتين مفتوحتين. فكونك الألفا يعني أن تقرأ أفكار قطيعك، لا شيء محجوب بالنسبة لك.
رافا تريد القرب لأنني أنقذتها يومًا، لأنها تعتبرني سيدها حتى من قبل أن أصبح الألفا. قوى مصاصي الدماء تتغلغل داخلها. أرى رغبتها المحمومة من لمعة عينيها وملامح وجهها. امتزج حبها القديم بخضوع جديد، فصار ولاؤها لي امتدادًا لنبض كان موجودًا أصلاً.
أما فاطيما، فكان ولاءً مصنوعًا بالدم قسرًا، لكنه محمّل بخبرة من عاش تحت أقدام مليكة لقرون. تعرف كيف تتسلل، كيف تصمت، وكيف تطعن. تعرف أسرار القصور الملكية، طقوسهم، وكيف يعيشون. فاطيما العرافة التي أجبرت على طاعتي. جمالها المتمرد الذي أصبح ملكي رغم عنها. أنثى متمرّدة أجبرت على طاعة الألفا. اقتربت مني فاطيما، انحنت قليلًا، وقالت بصوت خفيض: "أمرني يا سيدي."
لكن قبل أن أنطق، تقدمت رافا خطوة واحدة، خطوة لا صوت لها، كما لو أن الأرض هي التي تدفعها نحوي: "سيدي… أستطيع أن أجد لك قصرًا في الجبال الشرقية. لا أحد يصل هناك، والممرات ضيقة لن يجرؤوا على الاقتراب منها." ابتسمت فاطيما ببطء… ابتسامة تحمل معنى واحدًا: "طفلة." قالت دون أن تلتفت إليها: "القصر لا يبحث عن الحماية يا سيدي… القصر هو المكان الذي يجلب الرعب. سأجد لك واحدًا… قصرًا يليق بمن يقدر أن يجبر القطيع على الخضوع."
رافا التفتت إليها بعينيها الخاويتين في تحدٍ. رفعت يدي، فأطبق الصمت: "ستخرجان سويّة." اتسعت عينا رافا، بينما انحنت فاطيما بطاعة. "أريد قصرًا… لا منزلًا… لا مخبأً." اقتربت منهما خطوة، صدى صوتي كأن الأرض تتحدث. ثم تابعت: "فاطيما، أنت ستقودين البحث." رفا شدّت قبضتها على التراب، لكنني لم ألتفت. كنت أعلم أنها لن تعترض، لا تستطيع الاعتراض، طاعتها لي مطلقة. "رافا… ستكونين عيني. لن أرى القصر إلا بعيونك أولاً."
تبادلتا نظرة حادة… ليس فيها حقد فقط، بل اعتراف. كل واحدة منهما تعرف أن الأخرى تهدد وجودها. ثم، دون مزيد من الكلمات، ركضتا في اتجاهين مختلفين قبل أن تتحد المسارات وتختفيا بين الأشجار، كقوتين وُلدتا للصدام ولو تأخر زمنها.
في الجهة الأخرى من الغابة، حيث القصر القديم الذي زرتُه أول مرة، كانت مليكة تعرف كل ما حدث. وقفت على شرفة عالية، رأسها مرفوع، عيناها تقدحان غضبًا لا يشبه الغيرة، بل يشبه الإهانة. تحدق في الساحة، حيث بدأت جموع جديدة تتقاطر، قادمة من كل صوب. مصاصو دماء من مدن بعيدة، ذئاب بشرية بعيون محمرة، خدم يجرّون سيوفًا طويلة، وأتباعٌ يحملون رايات سوداء.
كانت تقف بينهم امرأة طويلة، شعرها ناصع البياض، تحمل كتابًا جلديًا، تتلو منه أسماء. ومع كل اسم يُقرأ، يظهر جسد من الظلمة، يفتح عينيه، يركع أمام مليكة. كل هؤلاء لم يأتوا للولاء، لقد جاءوا للثأر. فاطيما لم تعد أميرتها، وعوني، لم يكن مجرد دخيل بعد الآن، بل خطر يهدد وجودهم. وقفت مليكة أمام مقعدها الحجري، وضربت بعصا سوداء طرف الأرض: "لن أسمح له أن يصبح ألفا. ليس في هذا العالم… ولا في أي عالم." رفعت رأسها،
وصوتها اخترق سقف القصر: "استدعوا حماة الليل، أبناء الصياد الأول. قولوا لهم: من ظهر… ليس مجرد هجين، إنه حارس ومصاص دماء وداخله دماء الأطفال الأوائل." ثم ابتسمت —ابتسامة من يخطط لولادة خراب: "إنه يظن نفسه سيدًا؟ سأصنع منه عبرة… قبل أن يتعلم كيف يجلس على العرش."
وفي قلب الغابة، تقدمت رافا وفاطيما، كل واحدة تظن أنها تحمل مستقبل الألفا على كتفيها. لكن الحقيقة كانت أبسط، وأخطر. الألفا يملك الجميع. كنت أسمع وأقرأ أفكار مليكة رغم وجودها في قصره. لا أعرف من أين أتتني القوة لكل ذلك، إلا أنني كنت مستمتعًا بتحديها. لم أكن أسعى للحرب أكثر من السعي لإخضاعها. حتى لو اضطررت أن أحارب جيوشًا، أن أقتل ألفًا. مليكة ستخضع لي، ستُقبل قدمي، سوف تنحني أمامي وتزحف خاضعة. سوف أقتل غرورها بيدي العاريتين.
كانت الغابة تمتد كبحرٍ من الظلال، وكل خطوة لفاطيما ورافا كانت تُشعل نارًا صامتة بينهما. لا أحد منهما يلتفت للأخرى، لكن كل منهما تعرف أن الثانية تتنفس في صدرها غيظًا لا يُخفيه الموت ولا الولاء. لم يكن الطريق عاديًا، كانت الأرض تصعد، صخوره تسيل كأنها تتنفس، والهواء يصبح أرفع، أبرد، كلما اقتربتا من الجبل الذي لا يرى البشر قمته. وفجأة، عند نقطة يتوقف عندها الصدى نفسه عن الكلام
—ظهر أمامهما. قصر، ليس قصرًا عاديًا. قصرٌ عالق فوق قمة الجبل، كأنه طعن السماء وثبّت نفسه فيها. جدرانه حجر أسود، بابه ضخم، وأبراج تحيط به كالأسنان. لكنّ العين المدربة وحدها ترى الحقيقة، القوة ليست في القصر، القوة في من يستحقه. وفاطيما رأت ذلك فورًا وتواصلت معي عن طريق التخاطر. فاطيما استدعتني، استدعت الألفا السيد... "انظري…" قالت بصوت منخفض، عيناها تضيقان مثل ذئبة تشم الإهانة، "قصر بلا روح. سيده ضعيف. قطيعه قليل."
رافا ابتسمت، ابتسامة لا تحمل سخرية بل نشوة. هذا ليس قصرًا… بل عرش ينتظر ألفاه. اقتربتا أكثر، وبمجرد تجاوزهما البوابة، سُمعت صرخات مكتومة، خطوات غير ثابتة، وكأن سكان القصر لم يعتادوا قدوم الغرباء.
وقف أمامهما الألفا. كان ضخم الجسد، لكن ليس كعوني؛ ريحته تحمل القوة القديمة لكن بقاياها فقط… يعتمد على الهيبة أكثر من الدم، وعلى الصياح أكثر من السطوة. التفت إلى أتباعه العشرة أو أقل، قطيع هزيل، أنيابهم بارزة لكن أعينهم خائفة. قال بصوت أجش: "من تتجرأان على دخول قصري؟ فاطيما انحنت قليلًا، لكنها لم تخضع: "لسنا هنا لك. نحن هنا لسيدنا." ضحك ألفا الجبل، ضحكة قصيرة تشبه سعالًا: "سيد؟ لا سيد فوقي. وأنا لا أستقبل مهاجرين."
تقدمت رافا، نظرت إليه كأنها تتفحص شيئًا ميتًا: "قريبًا، لن يكون فوقك شيء… سوى التراب." لم يكتمل التهديد، فقد انشق الهواء خلفهما كما لو أن الليل نفسه انقسم. ثم ظهر عوني. لم يعد التحول جزءًا منه —بل كان هو التحول ذاته. خطاه وحدها جعلت الحجارة تحت قدميه تتشقق. رفع الألفا رأسه، وارتجف صوته رغم خشونته: "من أنت؟ أجاب عوني دون أن يرفع صوته: "سيد المكان الذي تقف فيه."
لم يمنحه ألفا الجبل فرصة التفكير. انقض بضراوة، مخالبه تهبط كصخرة تريد شق صدر عوني. لكن عوني… لم يتحرك. كأنه يسمح له بالهجوم فقط ليعرف حجمه. قبض على عنقه بيد واحدة، بسهولة غير بشرية. بهدوء لا يليق بمعركة، رفع الألفا عن الأرض، قدماه تتأرجحان في الهواء كالدمى. أتباعه شهقوا. رافا ابتسمت ابتسامة كاملة الولاء. أما فاطيما فكانت تنظر للّحظة التي كانت تنتظرها منذ خضوعها. قال عوني بصوت كمن يعلن حقيقة لا تحتاج لشاهد:
"كل ألفا… يولد ليموت أمام من يستحق." ثم حطّم عنقه بعد أن شرب دماءه. انطفأت عيون الألفا في لحظة، ثم ألقاه أرضًا كأن جسده لا يزن شيئًا. ساد الصمت… ثم وقع شيء أعظم من الموت. القطيع كله —الضعيف، الجبان، المرتعش —ركع، كلهم، ركوعًا لا يحمله تهديد… بل يحمل اعترافًا: "سيدي…" قالوها واحدًا تلو الآخر، كأنهم يفرغون قلوبهم عند قدميه. رفع عوني رأسه، نظر إلى الأفق من أعلى الجبل، وكأنه يرى العالم بكامله لأول مرة.
"هذا القصر،" قال، "لن يكون حصنًا بل بداية." ازدادت الريح قوة. النوافذ اهتزت، والليل، لأول مرة، بدا وكأنه ينحني. فاطيما اقتربت من جانبه، انحنت حتى تلامس الأرض: "العرش وجد ألفاه…" رافا وقفت خلفه، يدها على صدرها، وملامحها لا تحمل سوى يقين واحد: "ونحن وجدنا سيدنا." وعلى قمة الجبل، بين قصرٍ انتقل ولاؤه في لحظة، وألفا لم يولد من الدم بل من العطش للسيادة —فجأه ارتفع صوت أنثوي، "كي تكون لك السيادة عليك أن تتخطاني."
استدار عوني ورفع وجهه، وجد فتاة شابة عمرها لم يتعدى السابعة عشر. عينيها خضر بلون الحقول، جسدها أكبر من عمرها وشعرها الأصفر جديلة خلف ظهرها. ترتدي درعًا من جلد الذئاب وفي يدها سيف وسوط، تتبختر في الساحة بغرور وثقة. "من أنت؟ " صرخ عوني بصوت مرعب. "أنا صوفيا… أجابت الفتاة وهي تلوح بسيفها." "اتركه لي،" همست فاطيما بنبرة واثقة، "الألفا لا يقاتل بيتًا أو فردًا ضعيفًا من القطيع."
بينما رفعت رافا يدها، "أستطيع أن أقضي عليها بضربة واحدة." تأملت الفتاة بطرف عيني. كل فتاة تستحق فرصة لإثبات نفسها وهذه الصغيرة تستحق واحدة. جلست على المقعد الذي أحضره خادم لي. "اركعي أمام سيدك يا صوفيا، قبّلي قدمه وانعمي بالأمان." خرج صوتي حادًا، رخيمًا، مهيبًا، كما جعل سيف صوفيا يرتعش. "اخضعي لسيدك وربما أعفو عنك." "لقد قتلت والدي! " صرخت صوفيا، "لا سلام بيننا يا قاتل. سوف أمزق جسدك."
فاطيما المتحمسة لمعت عينيها بالغضب، قالت لي داخل عقلي: "لما تسمح لتلك الصغيرة أن تؤدي المسرحية أمامك؟ من أجل التسلية؟ قلت لفاطيما: "ليس هي، ولكن انظري بين الأشجار هناك، هناك أخرى... "تعرفين يا فتاة أن من يهزم أمام الألفا يصبح عبده، يخضع له مدى الحياة؟ صرخت صوفيا: "لكن أنا لا أنوي أن أهزم يا قاتل." "أنا لست قاتلًا يا صوفيا، أنا الحارس... صرخت صوفيا: "درسنا في الكتب الملكية أن الحارس عدونا، وأنت عدونا يا همجي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!