تحميل رواية «القرية» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، تم تعييني في مكتب بريد بإحدى القرى النائية، والتي يمنع علي ذكر اسمها لأسباب ستظهر لاحقًا. كان ذلك عام 1981. حينها كانت أغلب القرى ريفية بسيطة، لكن تلك ، منذ أول يوم حططت فيها قدمي، شعرت بالغرابة. فهي ليست منعزلة عن العمران، ويلزمني السير أكثر من ساعتين بعد النزول من أقرب محطة قطار فقط. لكن أيضًا، عادات أهلها غريبة. بعد أذان المغرب، وحين يهبط الليل، يغلق الأهالي بيوتهم المتفرقة، ولا ترى أي أثر للحركة في طرقاتها البدائية. الهم، إلا من قهوة في آخر تظل ساهرة لوقت متأخر....
رواية القرية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
لما اتأكدت إنها بشرية، بلعت ريقي.
"انتي مين وإيه اللي جابك هنا؟"
ردت بسرعة: "أنا البنت اللي عم ناصر قالك هبعتهالك تساعدك في نضافة البيت."
"ياه... ده الكلام ده عدى عليه مدة كبيرة أوي لحد ما أنا نفسي نسيت!"
قلت: "أنا افتكرت ناصر نسى."
"عم ناصر منسيش ولا حاجة، أنا بس كنت مشغولة وملقتش وقت. بص أنا عملت اللي ربنا قدرني عليه، نضفت الصالة والدور اللي فوق والقبو."
كنت عارف إن أهل القرية مفيش حد منهم بيخرج بعد المغرب من بيته، عشان كده سألتها:
"انتي وصلتي هنا امتى؟"
"بعد المغرب بشوية، انت مكنتش موجود والباب اتفتح لوحده."
قعدت على الكنبة وأنا بقول: "غريبة. اللي أعرفه إن مفيش حد من أهل القرية بيشتغل بعد العصر ولا بيطلع من بيته بعد المغرب."
"أنا مش من أهل القرية يا بيه، أنا غجرية."
"هو الغريب عن المكان هنا مش بتسري عليه قوانين القرية ولا إيه؟"
همست: "معرفش يا بيه، وبعد إذنك أنا مضطرة أبَات هنا الليلة لو مكنش يضايقك والصبح هروح بيتنا."
"انتي بيتك فين؟"
"بيتنا محذوف شوية، معتقدش إنك تعرفه، قرب الجبل الغربي."
"أنا هنام في الأوضة اللي هناك يا بيه، تصبح على خير."
قلتلها: "استني، خدي أجرتك أحسن ما نقابلش بعض الصبح."
أديتها أجرتها ودخلت البنت الغرفة وقفلت الباب. ودماغي عمالة تفكر.
"طيب ما فيه ناس بتعيش عادي أهو داخل القرية؟ مش خايفة من العفاريت والأشباح والمخلوقات اللي بتتجول في القرية بالليل زي ما بيقولوا؟"
وكانت جلستي أمام اللوحة ذاتها، اللوحة الغريبة التي بنظرة خاطفة أدركت اختفاء فتاة منها.
وللصدفة، على ما أتذكر، كانت تشبه البنت اللي نضفت البيت ودخلت تنام.
"هو أنا هفضل أدور على الأشخاص المفقودين من داخل اللوحة ولا إيه! وهل هي مجرد صدفة إن البنت اللي بتختفي من اللوحة بتكون تشبه واحدة أقابلها في نفس ذات الليلة؟"
مرت الليلة هادية، مفيش أشباح ظهرت ولا حد خبط على الباب. وده خلاني أنام لحد الضهر.
كان لازم أتبضع من البقالة قبل ما تقفل. اشتريت احتياجاتي من البقالة. وأنا راجع قابلني ناصر، الشخص اللي أجرلي البيت.
رميت عليه السلام وقلت أشكر على البنت.
قلتله: "ازيك يا ناصر، عامل إيه؟"
"بخير يا أستاذ عوني، إن شاء الله تكون مرتاح في البيت؟"
قلتله: "كل حاجة تمام وشكراً يا سيدي، البنت وصلت امبارح ونضفت البيت كله."
"بنت مين؟" سألني ناصر.
قلتله: "البنت اللي انت بعتها."
قال: "أنا مبعتش حد، كل البيوت اللي روحتلها رفضوا يخلو بناتهم يشتغلوا في البيت ده، بيقولوا مسكون بالأشباح. شغل جهل بق."
قلتله: "امال البنت دي جات من فين؟"
صمت ناصر ثم قال: "تلاقيها بنت غجرية أو فقيرة سمعت عن الموضوع وقالت آخدلي قرشين يساعدوني."
قلتله: "هي فعلاً غجرية."
صمت ناصر مرة تانية وقال وهو بيمشي: "هما ظهروا تاني؟"
سبت ناصر اللي مشي من غير ما يودعني. وأنا راجع كان فيه ناس كتير مجمعة قرب بيت في الصف التاني خلف البيوت.
قلت أروح أشوف حصل إيه.
كان فيه كلام إن اللعنة رجعت القرية، وإن امبارح فيه راجل ومراته ماتوا جوه البيت. أجسادهم اقطعت. وده حصل لما ابنهم وبنتهم خبطوا عليهم في نص الليل، فأضطروا يفتحوا الباب معتقدين إنهم في خطر أو جرالهم حاجة. مع إنهم كانوا عارفين إن ابنهم وبنتهم الليلة نايمين عند عمتهم.
مكنتش مصدق ولا كلمة. مفيش شرطة، مفيش مباحث ولا عمدة ولا شيخ بلد.
لكن لما الجثث طلعت وشفتها بعيني صدقت، خاصة إن حكماء وكبار البلد كانوا بيدعوا لاجتماع تحضره كل الناس عند الجبل الغربي وبيأكدوا إن مفيش شخص يفتح باب بيته بعد المغرب مهما سمع أو شاف.
وقررت أحضر معاهم الاجتماع حتى لو من بعيد. كان لازم أتأكد عن قرب وأسمع من الناس.
خاصة إن دي كانت فرصة كويسة أختلط بأهل القرية اللي بيرفضوا يتكلموا مع أي غريب.
عند الجبل الغربي اتجمع معظم أهل القرية. ولاحظت غياب مسعد عبد الدايم، رغم إن بيته محذوف وده المفروض يخليه أكتر شخص يخاف.
بعد ما الناس ما اتجمعت، استغربت إن فيه أطفال كتير حاضرة معاهم.
بعدها طلعوا الجبل. دخلوا كهف أول مرة أشوف كهف بمثل حجمه. كهف واسع جداً في وسط الجبل.
داخل الكهف مليان تمائم نحاسية ومرسوم على الجدران نقوش بلغة غريبة ورسومات لمخلوقات بشرية مفيش حاجة مختلفة بينا وبينهم إلا ألوان عيونهم المتعددة بين الأسود والأخضر والأزرق.
وقف أكبر شيخ في القرية وقعد يفكر الناس بالعهد القديم اللي بينهم وبين المخلوقات دي دون أن يذكر اسمهم. ونبه على ضرورة إن مفيش حد يفتح باب بيته مهما حصل، وإنهم هيجددوا العهد معاهم مرة تانية.
بعدها طلع وعاء فخاري ضخم وطلب من كل كبير عائلة يحط فيه الورقة بتاعته، وإن اللعنة ستلحق بكل غشاش كاذب.
بدأ الرجال يمشون واحد ورا التاني ويضعوا قطع ورق صغيرة مكرمشة داخل الوعاء الفخاري.
ولما انتهوا، الشيخ الكبير أمر أن تشعل نار تحت القدر. وارتفعت أصوات ترنيمة غريبة.
بعد شوية، الدخان طلع من القدر وبدأ يخرج من فتحات في سقف الكهف.
عديتهم لقيتهم ٢٨ فتحة في سقف الكهف. الناس راحت تبص على الدخان وهو بيخرج من الفتحات.
بعدها الدخان بدأ يتشكل بكمية أكبر عن فتحة معينة. وصرخ بعض كبار السن.
"جاطفوا النار." أمرهم كبير القرية وطلب من شخص معاه قفاز يطلع الورق من داخل القدَر.
فيه أوراق كان بيقطعها ووراق تانية كان بيحطها على جنب.
ومع كل حركة كنت بسمع أصوات ستات بتبكي وبتحضن عيالها.
مشى الشيخ الكبير ومسك الأوراق اللي اتحطت على جنب وقعد يذكر أسماء كلها بتبدأ بحرف الجيم.
ومع كل اسم كان فيه طفل أو طفلة بيسيب إيد أبوه أو أمه ويتحرك على جنب.
بعد ما خلص، بعض الناس بدأت تمشي من الكهف.
والراجل الكبير وبضعة أشخاص معاه أخدوا الأطفال ونزلوا بيهم من الجبل.
الناس اتفرقت، لكن أنا مشيت وراهم. كنت عايز أعرف هيحصل إيه.
أخدوا الأطفال بين الحقول لحد ما وصلوا البير الملعون اللي سمعت عنده أصوات مرعبة وشفت الشبح المرعب هناك.
رواية القرية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
على البئر وقف الأطفال فى دائرة حوله.
اخرج الشيخ العجوز خنجر ملطخ بالدم من خرقه خضراء ورفعه تجاه الشمس حتى انعكست عليه أشعة الشمس.
ثم حضر رجال ونساء يرتدون أقنعة فزاعة الحقل يحملون فى أيديهم أفرع شجر.
راحوا يدورون حول البئر ويصرخون.
ثم تقدم كل واحد منهم نحو طفل ونحره بسكين قبل أن يلقى بجسده داخل البئر.
الجمتني الصدمة حتى كدت أفقد النطق.
تغير الأشخاص حول البئر وحضر رجال ونساء غيرهم بنفس الهيئة.
ركضت تجاههم وأنا أصرخ: توقفوا.
أوقفني رجل ضخم أسقطني على الأرض بالقوة وأنا أصرخ وأبكي، بينما راحت أجساد الأطفال القتلى تتساقط داخل البئر.
ثم حضر مجذوم.
مجزوم يصرخ: ظهر الحارس، ظهر الحارس، ظهر الحارس.
ومضى كل شيء كما كان حتى انفض الناس وبقيت وحدي جوار البئر أبكي.
وبعد، أظلمت القرية وأنا في هذيانى.
انتفض البئر، ارتج كأن زلزال بداخله.
ثم فار الدم مثل نافورة فأغرق كل جسدي.
ثم خبأ مرة أخرى، اختفى كل شيء.
وسمعت صرخة، لم أسمع قبلها في حياتي.
صرخة تشبه صرخة الموت الأخيرة.
كان الصوت كفيل أنه يخليني أمشي، أهرب بسرعة من المكان إلى بيتي.
من سرعتي وأنا ماشي بين أشجار الحديقة اليابسة، شجرة جهنمية شرخت كفة إيدي وسال منها الدم.
قعدت أمسح الدم لحد ما دخلت البيت.
ولما وقفت قدام المراية، كنت كتلة حمراء من الدم.
وشي وعيوني كلي متغرق بالدم.
مسحت الدم من على وشي بأيدي المجروحة واختلط دم البئر بدمي.
كان عقلي في حالة هذيان، ولولا أني شفت الدم مغرقني كنت فكرت إن اللي شفته مجرد قصة قديمة مرعبة.
لكن كل حاجة بتحصل في الحياة حتى لو كانت مرعبة.
دخلت الحمام تحت ضوء المصباح الذي عاد يرتعش.
غسلت جسدي وأنا أكاد أفقد وعي.
بعد أن نظفت نفسي خرجت ورميت جسمي على الكنبة.
القرية دي ملعونة ودي طقوس جاهلية، طقوس قرابين وعبادة شيطان.
عشان كده مش مستغرب إن الشياطين والأشباح بتتجول داخلها بحرية.
ونمت وصورة الأطفال المدبوحين بتترمى جوه البير.
كانت مبتسمة، طفلة في الثالثة عشر من عمرها تنظر إلي بتمعن.
لما فتحت عيني لقيتها واقفة جنبي.
رفعت جسمي بسرعة وأنا أهش بأيدي أبعد الطيف.
لكن إيدي ارتطمت بجسد الطفلة.
قلت بسرعة وخوف: انتي مين؟
أنا مليكة.
مليكة مين ودخلتي هنا إزاي؟
الليل نزل على القرية ومكنش فيه بيت قدامي غير بيتك.
لقيته مفتوح ومش هينفع أروح غير الصبح.
أشعلت سيجارة ولما بصيت على الصورة على الجدار، كانت ناقصة شخص.
أصغر شخص في الصورة.
الطفلة اللي واقفة جنبي.
حتى انتي شبح؟ همست في سري دون أن ألحظ اختلاف الملامح.
عقلي مكنش واعي ولا قادر يفكر.
عندك أكل أنا جعانة؟
قلتلها: هو اللي زيك بياكل طعامنا البشري؟
البنت استغربت، فكرت كلامي هذيان.
قلت: فيه جبن وعيش في المطبخ، بس مفيش عضم.
وانا هاكل العضم ليه؟
جابت الطفلة طبق جبن وعيش وقعدت تاكل جنبي.
هو انت مش هتلبس حاجة؟
لما مليكة قالت كده لاحظت لأول مرة أني نمت بجسد شبه عاري.
شعرت بالحرج وقمت ألبس هدومي ومليكة بتسألني وهي بتشاور: ايه ده يا عمو؟
مردتش.
لبست هدومي ورجعت قعدت مكاني.
انتي من أهل القرية ولا الغجر؟
همست مليكة: احنا بيتنا عند الجبل الغربي.
تبقي غجرية صح؟
قليلي يا مليكة هو انتو بتقفلو بيوتكم بعد المغرب؟
ضحكت مليكة: امال ان جيت على بيتك ليه؟
خفت منهم.
دول ممكن يظهروا في أي مكان، ممكن يجوا عشان ياخدوني.
وكأن هناك شخص يراقبنا، يسمع كلام مليكة.
لأني سمعت صوت حركة خارج باب البيت بعد كلامها.
مليكة خافت، سابت الأكل وقالت: وصلوا هنا.
قمت بلا مبالاة مشيت ناحية الباب ومليكة بتهمس برعب: متفتحش الباب هياكلوني.
بس أنا كنت في حالة مش فارقة معايا أي حاجة.
فتحت الباب ولقيت قدامه بنتين في عمر الثلاثين بملابس غريبة.
وعرفت أنهم هما من أنيابهم الطويلة.
لكن الغريب أنهم لما بصوا ناحيتي، استداروا ومشوا بعيد بسرعة.
قفلت الباب ودخلت لقيت مليكة قافلة عينيها بقماشة.
بتهمس: بلاش تاكلوني، بلاش تقطعوا جسمي.
ولما سمعت صوتي شالت الوشاح وجريت رمت نفسها في حضني وهي تتأمل وشي بمهابة وقدسية كأنني شيء هام جدا.
انت الحارس.
حارس إيه؟ مش فاهم.
مش هيقدروا يقربوا منك، اللي هيقرب منك هيموت.
فيه إيه يا مليكة بتقولي إيه؟
وتذكرت كلام المجذوم قرب البئر: الحارس ظهر، الحارس ظهر.
رواية القرية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
استيقظت القرية في صباح اليوم التالي على فاجعة، موت أربع عائلات مرة واحدة، وجدت أجسادهم ممزقة داخل بيوتهم رغم وجود التميمة على كل باب.
سار الرعب بين الأهالي وارتفعت أصوات الصراخ في كل مكان، ركض الفلاحون بمواشيهم نحو بيوتهم وخلت الطرقات من المارة وأغلق البقال دكانه والحانات لم تفتح أبوابها وأغلق مدير مكتب البريد مكتب البريد لحين إشعار آخر.
حتى خرج الرجل المسن إلى الطريق وقد علق فوق صدره مجموعة تمائم الموتى التي نزعها من على بيوتهم يبكي وينوح، طائفاً على الأبواب المغلقة أن القربان لم يقبل وأننا إذا لم نقدم قربان آخر سيغضبون علينا ويقتلوننا جميعاً.
رفض بعض أهل القرية كلام الرجل العجوز، لماذا يقدمون أطفالهم قربان بلا فائدة؟
جلس الرجل على الأرض يندب، أنهم جائعون، إنه جائع لقد زارني في الحلم، إذا لم نقدم قربان آخر سيقتلونا جميعاً.
وصل إلى كلام الرجل العجوز عن طريق مليكة، لم أتمالك نفسي خرجت غاضباً، صارخاً فيه:
"أنت مجنون؟ عايز تمارس طقوس الجهل مرة ثانية؟ مفيش حاجة اسمها هما وهو مفيش وحوش ولا أشباح ولا أي حاجة تانية، أنت إنسان جاهل متخلف!"
وكأن ما قلته كان خروج عن النص أو هرطقة لأن الناس خافت وسمعت همسات: "ده بيتكلم عليهم وبيذكر اسمهم عادي ودا محرم، سوف تحل عليه لعنته".
لكن بعض الناس سمعوا كلامي ورفضوا يقدموا أطفالهم أضحية.
والرجل العجوز حذرهم أن سماع كلام الغريب مش هيجرى عليهم غير الموت والفناء، وأن كل بيت مش هيكون مطيع ليهم هيموت الليلة قبل ما الشمس تطلع.
تسارعت السحب فوق القرية تقذفها رياح شمالية عنيفة وبعد نصف ساعة أغرقت القرية بغيمات رمادية منذرة بالمطر.
"مش قولتلكم؟" صرخ الرجل العجوز وهو يشير تجاه الضباب.
"هذا بيتهم المتنقل."
قلت بتحدي: "ده مجرد مطر."
صلى الرجل بغيظ وكره:
"بتصدقوا راجل غريب وتكذبوا أكبر شخص فيكم؟ أنا الوحيد اللي شاهدت المذبحة الأولى، أنا اللي حفظت الأسرار وكتبتها في كتاب العهد، أنا أدرى شخص بشؤونكم."
خرج بعض الأهالي يجرون أطفالهم، صرخ الشيخ:
"معدش ينفع، كل واحد يلزم بيته وابقوا خلوا الغريب ينفعكم."
رحل الرجل العجوز يضرب بعصاه الأرض واغلقت أبواب بيوت القرية رغم أن الوقت عصر.
رجعت على بيتي لقيت مليكة مشيت ورغم شعوري بالوحدة إلا أني فرحت لأنها كانت بتسأل أسئلة كتير محرجة.
قطعت شجرة يابسة وولعت الحطب في المدفأة، كنت عارف إنها ليلة طويلة.
لما المطر بدأ ينزل من السما كانت مطر كثيف حباته ضخمة يضرب الشرفات مثل الحصى.
أغرق أسطح المنازل والحقول وحديقة بيتي.
بعد العشاء حسيت أن من واجبي أن أخرج أتفقد بيوت القرية.
كانت البيوت مغلقة ومفيش أي أثر لهجوم، ولعت سيجارة وأنا ماشي في طرقات القرية زي غفير الدرك في أحياء القاهرة.
مفيش حاجة، همست في سري، الراجل العجوز كان بيهزي.
لما حسيت بالبرد قلت أرجع البيت أنام.
وأنا راجع سمعت صرخة في آخر بيت في القرية، جريت بكل سرعتي تجاه صوت الصراخ وقبل ما أوصل سمعت صرخة في بيت تاني ومفيش دقايق إلا وصوت الصراخ كان طالع من معظم البيوت.
كنت بحاول أوصل البيوت لكن الأبواب كانت مغلقة وكل ما المس باب وأخبط الصراخ كان بيتوقف.
وقضيت معظم الليلة أجري من بيت لبيت وأنا حاسس بالضياع وقلة الحيلة.
لما الشمس طلعت والضباب انقشر اكتشفت حجم الدمار اللي حل بأهل القرية.
معظم البيوت فقدت شخص أو اتنين، في كل بيت كان فيه جنازة إلا بعض البيوت القليلة جداً.
انتشرت الناس في الطرقات مفزوعين ومواسين، بس أنا مقدرتش أبص في وش أي شخص في القرية.
انعزلت في بيتي وقفلت على نفسي الباب، مقدرتش أنفي عن نفسي أني كنت السبب في كل اللي حصل الليلة اللي فاتت.
ناس كتير ماتت بسببي، لكن جوايا كان فيه حاجة أكبر بتقول: "يعني كنت عايزهم يقتلوا أطفال تانية؟"
وسمعت صوت تجمهر خارج بيتي في الحديقة، الراجل العجوز ومعاه كام شخص بيتهموني إني السبب في قتل عائلتهم وبينادوا بالقصاص.
"قصاص إيه؟" سألتهم أول ما خرجت من البيت.
بص الراجل العجوز ناحيتي وقال:
"أنت كنت سبب في قتل عائلتهم ولازم تموت. إحنا هنرميك في البير تكفر عن دم الناس اللي اتقتلت ظلم بسببك."
"امشي يا راجل يا مجنون أنت!" صرخت بغل وتحدي.
"اللي هيقرب مني هوديه في داهية."
بإشارة من إيده ركضوا تجاهي، كانو أكتر من شخص ومقدرتش أهرب منهم.
كتفوني بالحبال وجروني من بيتي وسط فرحة الأهالي وتصفيقهم، جروني عند البير الملعون واتفقوا يضحوا بيا أول ما يسمعوا صوت النحيب داخل البير أو قبل غروب الشمس.
رواية القرية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
لم يخرج أي صوت من البئر رغم انتظارهم لأكثر من ساعة.
"ما الذي يحدث يا عم صبحي؟ لماذا لا يكلمك البئر؟" سأل رجال القرية صبحي، الرجل العجوز.
قال صبحي بارتباك: "هذه أول مرة تحدث منذ أيام أجدادنا. معقول البئر ليس جائعاً؟"
حل الليل السرمدي ليكسو حقول القرية ويصبغ طرقاتها بظلام حالك. الحشرات ناشطة في مجاري المياه وعند الساقية، ونباح الكلاب عند نخلات أم مدكور يصل مسامعي.
"أنتم مجموعة من المهابيل. بير إيه الذي سيكلمكم؟ كفاية جنان، واحقنوا دم أطفالكم وبلغوا السلطات تتدخل إن كان هناك شيء غريب يحدث هنا."
"سلطات؟ سلطات إيه؟ وشرطة إيه؟ أنت فاكر أن هناك أناساً في البلد كلها يعرفون أن قريتنا موجودة أصلاً؟"
"هو أنت يا غريب لا تعرف أن قريتنا لا يدخلها أحد إلا عندما تناديه؟ أنت وغيرك وصلتم هنا لأنهم يريدون ذلك. وبعدين، هم سمعوا كلامك، وإيه اللي جرى؟ أخذوا أرواح كل من طاوعك ومشى وراك. أنت لازم تموت، وغداً يأتي غيرك ويموت. لا أحد خرج من هنا غير مسعد عبد الدايم، والله أعلم حصل معه إيه، أو هما كانوا يريدون منه إيه."
هبت ريح من الجبل ضربت رؤوسنا، ريح باردة.
"ونحن..."
"الريح تحملهم. بعد قليل سيكونون هنا."
"يعني البئر تكلم؟"
استدار العجوز تجاه الجبل وهمس: "لا، مش البئر. دول التانيين."
"لازم نهرب قبل وصولهم. دول مالهمش عهد ولا ذمة."
"والراجل ده هنعمل معاه إيه يا شيخ؟"
همس الشيخ: "سبوه. لو البئر ما بلعهوش، هما هيقطعوه. إحنا عملنا اللي علينا، وهم اللي يقرروا مصيره."
ظلت الريح الباردة تعصف بجسدي بعد رحيلهم حتى توقفت فجأة. ظهرت مجموعة من الناس كانوا يحملون في أيديهم قناديل زيتية، يرتدون معاطف سوداء غطت كل أجسادهم.
قربوا مني، كانوا مجموعة من سبعة أشخاص، رجال ونساء. تخيلت أني لمحت شخصاً فيهم أعرفه، لكن ملامحه كانت مختلفة.
التفوا حول البئر. قربت مني واحدة منهم. شعرها أحمر ووجهها أبيض وعيناها قططية.
"مشكلة الإنسان أنه يتبع فضوله حتى لو أوصله إلى حتفه." همست الفتاة الشابة وهي تدور من حولي.
"قالوا لك لا تخرج من البيت، لا تفتح الباب، لكن أنت عامل نفسك بطل. خرجت من البيت، تتجول داخل القرية كأنه عزبة السيد الوالد. كسرت كل القواعد وتسببت في موت اثنين منا."
قربت مني البنت، وصفعتني رائحة الجوري والتوليب المنبثقة من جسدها.
"أنتِ مليكة؟" قلت وأنا أتذكر ملامح الطفلة التي لجأت إلى بيتي.
"مليكة، انقذيني؟" همست مليكة. "كنت لازم أعرف الشخص الحارس عن قرب، لكن الصراحة انصدمت. كنت مفكراك أذكى من كده."
"مليكة، أنتِ واحدة منهم؟"
رفعت مليكة يدها. انحنى الستة أشخاص على الأرض في خضوع تام.
"أنا أميرتهم يا عوني. والليللة الحارس سيختفي، والقرية ستبقى ملكي كما كانت ملك والدي وأجدادي قبلي."
"أنت تعرف يا عوني أن كل مدة من الزمن يظهر حارس؟ يصل هنا، مهمته أنه يخلص القرية من الظلام. يجلبوه الأطهار عن طريق ترانيمهم وتعويذاتهم، لكنه يفشل، كما فشلت. لكن المرة دي أنت ستكون آخر حارس يصل هنا، لأن مكان الأطهار خلاص قربت أعرفه. أنا سأكون الأميرة."
"بددت آخر شعاع نور داخل القرية."
"مسعد عبد الدايم لم يفشل." همست في إحباط.
استدارت مليكة في غضب. "مسعد عبد الدايم أسطورة أنا اخترعتها عشان أمنح الناس بعض الأمل. والجواب اللي بيوصل أول كل شهر من خارج القرية أنا اللي ببعته عشان أحسسهم إن فيه اتصال بالعالم الخارجي. لكن مسعد عبد الدايم الحقيقي مدفون تحتك، ولو حفرت بإيديك هتلاقي هيكله العظمي. أنا اللي أقنعت الناس إنه لسه موجود، بشخص مهجن أسكنته بيته. عجبتك صح؟ أصل أنا بحب الإخراج زي أفلام هوليوود بالضبط، لازم تقنع المشاهد عشان يصدقك."
شدت مليكة معطفها الجلدي الأحمر حول جسدها، فأصدر صوت عواء. أمالت رأسها على جنب ومنحتني ابتسامة لطيفة.
"بس كان فيه مشكلة صغيرة يا عوني، إننا مش هنقدر نقتل الحارس مباشرة. وده خلاني أفكر في حيلة جديدة."
نظرت مليكة نحو حراسها.
"نيموه على الأرض." أمرتهم مليكة.
مددوني على الأرض ورصوا حولي سبعة شمعات ورسموا ست نجمات شمسية كتب فيها تعاويذ بلغة لا أعرفها.
"أنا مش عايزة أقتلك يا عوني، لأني مسلية. أنا مليت الوجوه الباردة اللي حواليه، مشتاقة لشيء جديد، صنف مغاير يكسر الملل."
"أنتم مين؟ أعتقد من حقي أعرف قبل موتي."
"تؤ تؤ، مش هتموت يا عوني، لأني مش عايزة كده. أنت ممكن تكون جنبي وتعيش سنين طويلة، رفيق وخادم مطيع."
"إحنا هجين لم يعرفه التاريخ من قبل، خليط بين Vampires and the Undead، وحاجة جديدة كمان أنا بجربها."
"العالم ده كله ملكي يا عوني، ملكي وحدي." دارت مليكة حول نفسها ترقص برشاقة فتاة باليه مستندة على أطراف أصابع قدميها.
"ما فيش مخرج من هنا إلا بأمري."
"أنا عندي سؤال محيرني يا مليكة."
"قول يا عوني." همست مليكة وهي لا تزال ترقص.
"أنتِ إزاي دخلتي بيتي من غير إذني؟ المفروض اللي يدخل منكم بيت الحارس زي السباك مثلاً يستأذن وأسمح له بالدخول."
ضحكت مليكة. "مبهر يا عوني، مبهر! أنت عرفت إن السباك واحد منا!؟"
"أنا مختلفة يا عوني، قوتي أكبر بتسمح لي أدخل أي مكان، حتى بيت الحارس، طالما مش ناوي غدر. أنت كنت في بيتك محصن يا عوني، لكنك خرجت خلاص."
أشعلت الشمعات وانبعث دخان أزرق حولي. قربت مليكة خنجراً من يدي، ثم صدر صوت من داخل البئر.
صوت غريب جعل مليكة تجفل. ونظرت إلى الحراس.
"البئر بيتكلم ليه؟"
وفي نفس اللحظة سمعنا صوتاً قادماً من الحقول.
صرخت مليكة: "مين اتجرأ وخرج من بيته وقت الحظر؟"
رواية القرية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
دول بنات أوزو، همسة وفاطيما. مرافقة مليكة، رغم أنها لم تتحرك.
"إزاي عرفتي؟"
"من رائحتهم، متنسيش إني أخضعت كل حاجة تخص عائلة أوزو للدراسة الدقيقة، يا مليكة، بأمر منك."
"ليه يظهروا دلوقتي؟" صرخت مليكة بغضب، "ليه؟ وليه وهما عارفين إنها هتكون نهايتهم؟"
همست فاطيما، "يمكن لأنهم عارفين إن التضحية تستاهل. بيراهنوا على الحارس يا مليكة."
طوت مليكة معطفها الأحمر وحركت شعر رأسها الجديلة بيدها. أطلقت ابتسامة ساخرة في وجه عوني، أوقعت قلبه.
"لنرحل... علينا أن نحترم القوانين اللي وضعناها بأنفسنا يا أميرة." همست مليكة.
"لنرحل. اتركوا بنات أوزو وشاهدوا نهايتهم من بعيد. ألم أعدكم إن كل القوة هتكون في إيدي؟"
وبعد لحظات من اختفاء مليكة ورفاقها، ظهرت بنات أوزو. أربع فتيات فاتنات كن يسكنن اللوحة داخل منزل عوني. مرتدين فساتين من الستان المزخرف، تكاد تشعر إنهن ذاهبات لحفلة.
فكوا قيود عوني المذهول.
همس عوني، "أنا عارفكم. إنتوا إنتوا البنات اللي في اللوحة صح؟"
قالت أجملهم، "أيوه، إحنا بنات أوزو. مضطرين نتركك بمفردك يا عوني. الأسطورة كانت بتقول إنك هتتجوز واحدة مننا، لكن الأوضاع خرجت عن السيطرة. دي آخر مرة هتشوفنا فيها يا عوني."
همست الوسطى، "لكن قبل رحيلنا، جاوب على السؤال ده يا عوني، لأننا تراهنا عليه كتير. كنت هتختار مين فينا؟"
تردد عوني، ثم أشار تجاه الصغيرة، "فقط لأنها بتذكرني بمليكة لما حضرت لزيارته داخل بيته."
"الوداع يا عوني. احرص إن تعيش وتجد السعادة في حياتك."
"احترق بنات أوزو." سمع عوني صراخهم عندما انبثق ضوء يشبه شعاع الشمس من الفضاء الخارجي. أصبحت جثثهم مجرد رماد.
بعد أن استعاد رشده، نهض عوني. جمع الرماد في سترته الجينز وأخذ طريق القرية.
قرر عوني أن يدفنهم داخل الحديقة، كما عاشوا معظم حياتهم.
لما وصل الحديقة، أخرج معول وجاروف وحفر قبر. وضع فيه الرماد وقام بدفنه.
جلس قرب قبرهم وأشعل سيجارة، ثم استخدم مهارته لصنع شاهد قبر من الخشب، كتب عليه "بنات أوزو".
وحين دلف إلى بيته، كان يفكر، "هما دول مين وحكايتهم إيه؟"
بنات أوزو.
قبل أكثر من ثلاثمئة عام، كانت هناك قرية تُدعى وادي السكر، تقع بين جبال رمادية لا يراها الغريب إلا إذا سمح له بالدخول. كانت القرية مشهورة بامرأة تُدعى أوزو، امرأة ذات جمال خرافي، عيناها كالعقيق الأسود، وشعرها ينساب كالدخان، لكنها كانت مختلفة عن باقي نساء القرية.
كانت أوزو ساحرة، لكن ليس كما في القصص المعتادة. كانت تصنع الجمال من الحزن، وتُعيد الحياة للذبول، وتحوّل الدموع إلى أغانٍ.
ذات مساء، وقبل اكتمال القمر بيوم واحد، خرجت أوزو إلى الجبل وهي تحمل قربانًا من الزهور البيضاء، تريد أن تُعيد روح زوجها الراحل الذي مات في الحرب. لكن الأرواح لا تُمنح مجانًا، فالعهد الذي عقدته مع الظل الأزرق، كيان غامض يسكن خليطًا من الأجناس، اشترط شيئًا لا يُقدّر بثمن: "أمنحك أربع بنات يولدن من دمك، لكن كل واحدة منهن تُفقد جزءًا من روحك، وحين يكتملن، لن تكوني موجودة."
وافقت أوزو.
ثم أنجبت أربع فتيات، كل واحدة منهن كانت تجسيدًا لجانب من قلبها:
همسة – كبرى البنات، كانت تحمل عقل أمها وحكمتها. صوتها كنسيم الغابة. لكن، لا تعرف أنها بهذا الاتفاق سوف تطلق اللعنة التي كانت حبيسة الكهوف لقرون عديدة، حيث تنشط مخلوقات لا هم لها إلا التلاعب بعقول أهل القرية والقضاء عليهم.
فاطيما – كانت تمثل الإيمان القديم. عيناها تريان ما لا يُرى.
سما – الفتاة التي تغني للأموات. صوتها يجذب الطيور لتبكي معها.
نارينا – أصغرهن، كانت تشبه البشر أكثر من الأخريات، في قلبها رغبة في الحياة والضحك والحب.
لكن لعنة الظل الأزرق لم تتأخر. في عامهن السابع عشر، بدأت أجسادهن تفقد ثقلها في العالم، وأصبحن يظهرن فقط في المرايا والماء الساكن واللوحات. كانت القرية تراهن على من سيراها أولًا عند منتصف الليل، لأن من تراها تُصاب بلعنة العشق السرمدي، حب لا يُشفى ولا يُنسى.
هربت أوزو ذات ليلة بعدما أدركت أن بناتها محكومات بالاختفاء الأبدي. ويُقال إنها حبست أرواحهن داخل لوحةٍ زيتية ورسمت حولهن بوابة من رماد القمر حتى لا يتعذبن أكثر. وبعد أن أبرمت اتفاقًا مع كائن الظل أن كل بيت يضع على بيته تميمة نحاسية يكون معصومًا من شرهم.
ومنذ ذلك اليوم، ظلت اللوحة تنتقل بين البيوت، لا أحد يعلم أصلها، حتى انتهت في بيت عوني، الرجل الغريب الذي دخل القرية قسرًا.
ويُقال إن بنات أوزو لا يظهرن إلا لرجلٍ واحد في كل جيل، رجلٌ يحمل ملامح من الماضي، روحًا تشبه ظل أوزو نفسها، ويُعرف هذا الرجل باسم: الحارس.
لكن الأسطورة تنتهي بعبارة محفورة على خلف اللوحة، بلغةٍ لا يعرفها سوى من اقترب من النار:
"حين يختار الحارس واحدة منّا، نحترق جميعًا… ونُولد من جديد في وجهٍ جديد عندما يحبنا معًا ويتزوجنا معًا."
دلف عوني داخل بيته منهكًا، مهزومًا. كل ما جلبه على أهل القرية حتى الآن صراع ودم ودمار.
المنزل أصبح صامتًا بعد رحيل بنات أوزو الذين كانوا يحمونه من المتطفلين حتى ظهور الحارس.
نام عوني على الأريكة لا يعرف ما عليه فعله. كل الخيوط تقطعت. حتى مسعد عبد الدايم اتضح أنه من صنع مليكة.
"يا مليكة، لو تعرفين كيف يدق قلبي كلما أراك؟"
لكنه تذكر شيئًا هامًا. الشبح الذي ظهر له عند البئر وقال إنه مسعد عبد الدايم الحقيقي، وأن الآخر الذي يسكن الدار مزيف.
"أعيش في قرية نصفها أشباح والنصف الآخر مصاصو دماء وموتى أحياء. يا ويلّي. كيف أوقعت نفسي في هذه الورطة؟ ما الجرم الذي ارتكبته في حياتي يستحق هذا العقاب المؤلم؟"
في نصف الليل، على غير العادة، طرق باب عوني باستمرار.
شتم عوني وسب، "ماذا يريدون مني أكثر من ذلك؟ أريد أن أترك كل شيء وأرحل، لكن هل يسمحون بذلك أيضًا؟"
فتح عوني الباب ووجد فتاة في السابعة عشرة من عمرها. دخلت بلا استئذان.
همس عوني، "أنتِ عفريتة؟ أم واحدة منهم؟"
جلست الفتاة على الأريكة في خجل وارتباك.
"كنت لسه ما متتش دي؟ ما توقعت؟ لسه حي؟ كنت متأكدة."
"إنتي مين؟"
"أنا رافا يا يا أستاذ عوني، بنت من أهل القرية اللي قضوا على كل عائلتي."
"ليه دخلتي بيتي يا رافا؟"
"لأنك الوحيد اللي تقدر تنقذني منهم. أنا سمعت كلامك في طرقات القرية ومصدقاك. اللعنة من صنع إديك."
تردد عوني. كيف يخبرها أن اللعنة حقيقية وأنهم ينتظرون في الخارج؟
"كيف وصلتي هنا؟ وقت الحظر؟"
همست رافا، "مفيش حاجة قابلتني في الطريق."
قال عوني، "لأنهم رحلوا الليلة، لكن من بكرة هيبدأوا تاني بعد ما ينتهي عهدهم مع بنات أوزو. وأنا هفضل معاك هنا أخدمك يا عوني. مليش مكان تاني."
رواية القرية الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
متخبط فى أفكارى، لا أعرف ما معنى أن أكون حارسًا، وكيف تم اختياري رغم ضعفي. قبل أسبوع كنت أعتقد أن كل القصص والحكايات عن اللعنة هراء، لكن بعد ما رأيته اليومين اللي فاتوا، أحس أني في مصيبة كبيرة. أنا ممكن أعيش زي أي شخص هنا، أقفل على نفسي الباب قبل المغرب.
لكن المشكلة إن فيه بعض الناس بدأت تصدق وتؤمن بكلامي، ناس ملهاش أي ذنب غير إنها سمعتني بتكلم وقررت توافقني الرأي.
كنت تعبان جدًا، لكن ظهور رافا اداني فكرة جديدة. الليلة مفيش وجود لمليكة ومرافقيها، يعني أقدر أمشي في القرية براحتي وأنا عارف لازم أروح فين.
قلت لرافا: "أنا هخرج شوية وراجع، مش هتأخر، اعتبري البيت بيتك."
مشيت ناحية بيت مسعد عبد الدايم. لو كان واحد منهم زي ما مليكة قالت، دا الوقت المناسب إني أعرف الحقيقة. مسعد مكنش موجود داخل بيته، والفلوكة بتاعته مكنتش موجودة، يعني خرج للصيد. فتحت باب بيته وانتظرته في الداخل. قبل الفجر رجع مسعد عبد الدايم.
البيت كان ضلمة، لما فتح النور شافني قاعد على الحصيرة.
"انت تاني؟ مين سمحلك تدخل هنا؟"
"مش محتاج إذن حد عشان أعرف الحقيقة يا شبيه مسعد عبد الدايم."
"ايه الكلام المجنون اللي بتقوله ده؟ اخرج بره من فضلك، أنا مش عايز مشاكل."
قربت من مسعد وأنا أعرف عدم قدرته على أذيتي. في حركة فجائية قبضت على تلابيبه. صرخ مسعد.
"سيبني، انت عايز إيه؟"
"عايز أعرف الحقيقة، إيه البديل اللعين؟"
شعرت بأثر قوتي على جسد مسعد عبد الدايم، الزرقة على وجهه، والإصرار في جلده.
"مش هتقدر تصمد يا مسعد، انت عارف إني الحارس ولو فضل فيه تلامس بيني وبينك هتتحرق."
"ابعد عني،" صرخ مسعد عبد الدايم، "انت مجنون!"
"ماشي،" همست بملل، "خلينا كده يا مسعد لحد ما تولع."
وبعد دقيقة بالفعل بدأ جلد مسعد عبد الدايم يحترق ويصرخ من الألم.
"قولي انت مين؟"
ظهر وجه مسعد عبد الدايم الحقيقي، وجه أصفر باهت، أنياب طويلة.
صرخ: "انت مش قد انتقامهم! مليكة مش هتسيبك."
"عايز أعرف كل حاجة بدأت إزاي؟"
"مش قايل حاجة،" صرخ مسعد في وجهي.
ضيقت قبضتي على مسعد عبد الدايم حتى صرخ: "من الجبل، كل حاجة مكتوبة هناك."
همست: "أنهي اللعنة إزاي؟"
كان جسد البديل يترنح بين يدي، وقبل أن ينطق، انطلقت رصاصة على دماغ بديل مسعد عبد الدايم. سقط على الأرض ثم احترق جسده.
طلعت أجري بره البيت أبحث عن القاتل، وسمعت حركة داخل الحقل لرجل يركض. جريت وراه بين الحقول، وبعد مطاردة طويلة وقع في إيدي.
"معقول يكون انت؟ المفروض إنك حامي القرية؟"
"انت مش عارف حاجة يا أستاذ، كان لازم أسدد ديني."
"انت إنسان قذر،" صرخت وأنا أضرب الرجل العجوز على وجهه. "كنت سبب في موت أطفال كتير بلا ذنب، سبب في إن قرية كاملة تعيش في الظلام."
"مش أنا حليفهم الوحيد يا عوني داخل القرية، لكن كل واحد له دوره ويظهر لما يحتاجوه. خلص اللي مفروض يحصل، أنا خلاص مبقتش مفيد ليهم."
قلت: "مش هقتلك، الموت حرام فيك."
"اقتلني بقلك،" ترك الرجل العجوز وراء ظهري، وبعد خطوات ببص لقيته دبح نفسه.
"الجبل؟ يا ترى هقدر أوصل الجبل دلوقتي؟"
قررت أمشي تجاه الجبل، مفيش حاجة ممكن أخسرها.
الصبح وصلت الجبل. بديل مسعد عبد الدايم قال القصة مكتوبة على الصخر. دخلت كل الكهوف، كان فيه نقوش كتيرة محفورة بأيادي بشرية، لكن مكنش فيه حاجة مفيدة.
"معقول كان بيكدب؟ مفيش شخص على وشك الموت ممكن يكذب."
قعدت على الأرض أدخن سيجارة في يأس، ولاحظت قرية الغجر القريبة مني. هو قال القصة محفورة داخل كهف، وأنا فتشت كل الكهوف. ليه ميكونش كهف مستور، باب مخفي؟ مليكة أكيد تقدر تعمل كده.
مشيت تاني وسط الكهوف بتركيز، قبل منتصف منطقة الكهوف لمعت صخرة أمامي. قربت من الصخرة وحركتها بإيدي، خلف الصخرة كان فيه درج نازل نحو كهف أرضي يشبه القبو.
رواية القرية الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
نزلت درج الكهف بحذر، الهواء كان مخنوق وفيه ريحة عطونة، كان واضح إن الكهف مقفول من زمن طويل جداً، من النقوش والرسومات البدائية اللي كانت محفورة على الصخور.
ضوء الشمس كان واصل داخل الكهف بصعوبة، قربت من الرسوم اللي كانت لأطفال صغار، بيركضوا وسط العشب بسعادة، بعدها رسمة تانية لبئر داخل الأرض، بعدها دم سايح على الأرض بين الأطفال والبئر، ورسمة تانية للبئر فقط والأطفال مفيش.
مفيش جديد، الأطفال تم التضحية بيهم داخل البئر زي ما شفت بعيني.
ركزت أكتر في الرسوم، وبعد مدة طويلة لما عيني خدت على الظلام، شفته. طيف لمخلوق إنساني بيتكرر في كل الرسومات، لكن بعيد في خلفية الصورة. مكنش فيه أي فرصة أقرأ النقوش لأنها بلغة غريبة عني.
طلعت من الكهف حاسس باليأس، مفيش جديد، كل حاجة بتتكرر. نزلت على قرية الغجر، يمكن ألاقي هناك شخص يقدر يقرأ النقوش.
تفاجأت إن كل ما أكلم شخص عن الكهف يبعد عني ويرفض الكلام معايا. مشيت وسط بيوت الغجر بشرود لحد ما لقيت بنت بتنادي عليّ. عرفتها لما قربت منها، البنت الغجرية اللي زارت بيتي.
كلمتها عن الكهف، بصتلي باستغراب.
"انت دخلت الكهف؟"
"آيوة."
قالت بحزن: "يبقى هتموت، كل اللي بيدخل الكهف بيموت في نفس الليلة، حتى لو كان الحارس."
سبت كل كلامها الغير منطقي، وسألتها عن شخص يقدر يقرأ النقوش على جدران الكهف.
قالت: "فيه عرافة القرية."
ولما وصلتني عندها، سابتني ومشيت كأني جرثومة معدية.
دخلت بيت العرافة بعد ما خبطت على الباب، لقيت ست عجوزة فاقدة البصر.
قعدت قدامها وقلتلها: "عايز مساعدتك."
الست قالت: "هتفيد بإيه الإجابات شخص ميت؟"
"لكن أنا حي."
"حي الآن، لكن هتموت قبل صباح اليوم التالي."
سألتها عن شخص يقدر يقرأ النقوش.
الست سكتت وقالت: "النقوش هتفيدك بإيه؟"
"إذا كنت هموت، من حقي أعرف الحقيقة على الأقل."
"هقولك على النقوش، ولو إنها مش هتغير مصيرك. النقوش بتحكي عن مصاص الدماء الأول، وكيف أهل القرية أبرموا معاه اتفاق نظير إنه يسيب أهل القرية في حالها. وعلى مر السنين استمرت المعاهدة اللي بتضمن للمخلوق محزونة من الدم اللي بيوصل باستمرار. لكن المخلوق لم يكتف بكل ده، كان عايز حاجة أقوى من الخلود. بحث خلال الأرض لحد ما عثر على ساحرة، ساحرة قدرت بسحرها الأسود تفصل القرية عن العالم الخارجي، اللي يدخل ميقدرش يطلع. وكجائزة ليها، تزوجت الساحرة المخلوق الأول وأنجبوا عشيرة كاملة، خليط بين الدم والسحر وطقوس مظلمة."
"مليكة واحدة منهم؟"
بصت العرافة ناحيتي، رغم عماها، إلا كأنها كانت بتبص جوايا.
"مليكة ابنة المخلوق المميزة، رغم عن كل أخواتها. عشان كده لما احتاج المخلوق لفترة خمول هو وزوجته الساحرة داخل قبو قصره، ترأست مليكة قيادة العشيرة وسنت قوانين جديدة تضمن للعشيرة التزود بكميات كبيرة من الدم والطاعة. ابتكرت مليكة خدعة التميمة المزيفة، واللي مش بتحمي غير بيوت أتباعها من البشر، الخاضعين لسلطتها. أما الآخرين المعاندين اللي حاولوا يفكروا ويفهموا، فكان عقابهم الموت."
"ارحل يا غريب، مش عايزة ذنب دمك يقع على عاتقي."
قلت قبل ما أرحل: "عندي سؤال؟ ليه مليكة أو أي كان المسؤول ساب قرية الغجر في حالها؟ ليه انتوا بعاد عن الخطر؟"
"ملكش دعوة يا غريب، أنت خدت اللي احتجته، ودلوقتي ارحل من هنا."
أغلقت العرافة كل شيء في وجهي ورفضت إن ترد على أي سؤال آخر.
رجعت على القرية منتظر موتي في كل خطوة. لما وصلت بيتي، قفلت عليه الباب. رافا كانت في البيت، طلبت منها ترحل لبيتها، لكنها رفضت.
حاولت أحذرها، أشرحلها إنها في خطر، وإني مش هقدر أحميها، وإني أنا كمان هموت قبل شروق الشمس.
رافا مصدقتش. حكيت ليها كل اللي حصل معايا، ورافا رافضة تصدق. كنت عارف إن عندها حلم، واللي عنده حلم صعب يتخلى عنه.
"مش هقدر أنقذ القرية، أو أنقذ نفسي يا رافا، من فضلك ارجعي بيتك، مش لازم تموتي إنتي كمان."
"لو كان الحارس هيموت، يبقى إيه لازمة إني أفضل حية؟ أنا كمان عايزة أموت وأرتاح."
قعدت أنا ورافا داخل البيت متكورين على نفسنا، لحد ما الظلام ما نزل وكل أهل القرية أغلقوا أبواب بيوتهم.
ومع انتصاف الليل سمعنا صوت حضورهم خارج البيت ووجودهم داخل الحديقة.
رواية القرية الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
حان الوقت يا رافا.
يمكن دي الأوقات اللي لازم أقول فيها "سعدت بمعرفتك".
اطلعي الغرفة في الطابق العلوي، اقفلي على نفسك الباب.
هما وصلوا هنا عشاني، وإنتي هتكوني في أمان.
هفضل معاكِ هنا يا عوني.
لو كنت هتموت، فأعتقد إني كمان مش هكمل في حياة من غير أمل.
الأمل دايماً موجود يا رافا.
محدش يعرف المستقبل بيحمل لينا إيه.
يمكن يظهر شخص تاني يقدر يغير الأوضاع هنا.
معتقدش إني هعيش لحد ما أقابل الشخص ده يا عوني.
اقتربت مني رافا، وبلا مقدمات طبعت قبلة على شفتي.
بادلتها بقبلة أخرى.
وعندما انفتح الباب، كانت رافا في حضني.
آسفة إني قطعت لحظاتك الحميمية يا عوني، لكن للأسف معنديش وقت.
مش هتقدري تعملي للحارس حاجة.
في سرعة البرق تحركت مليكة.
قبضت على عنق رافا ورفعتها قرب الجدار وقامت بخنقها بأستمتاع.
سيبيهـا.
صرخت بغضب: وإلا هتعملي إيه يعني؟
همس مرافقي راما بسخرية.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أتحرك تجاه مليكة.
أرفع يدها عن رافا وأدفعها بقوة جعلتها تتدحرج لبعيد.
شهقت رافا، سعلت مختنقة.
بينما برقت عين مليكة بالغضب.
ثبتوه، خلينا نخلص.
همست لكن بشك.
طوقني مرافقي مليكة من كل اتجاه.
شلوا حركتي.
ومشت مليكة بغرور تجاهي.
إنت ارتبكت جُرم كبير يا عوني، جُرم عقابه الموت.
دخولك الكهف المحرم.
تركتك قوى الحارس.
نزعت منك.
كنت مجرد شخص تافه.
بصيت على رافا، إلى كانت بتبص عليه.
وفي عينيها نظرة ثقة لا أعرف من أين أتت.
رفعت يدي أقاوِم.
شعرت بشيء غريب.
أن قوتهم ليست أكبر مني.
ثم أطلقت صرخة ومعها تدحرج كل من طوقني في اتجاه مختلف.
نظر مرافقي مليكة نحوها بأرتياب.
متقلقوش.
همست مليكة بنرجسية.
دا مجرد بشري حقير.
ثم بسرعة كبيرة التحمت بي ودفعتني إلى الجدار.
أحكمت قبضة يدها على عنقي.
فوجدتني أرفع يدها بسهولة.
التقت عيني بعين مليكة.
ولمحت فيها الرعب لأول مرة.
مستحيل.
صرخت مليكة.
أمسكت بعنق مليكة.
رفعتها عن الأرض بسهولة.
قوة لم أشعر بها من قبل.
حاولت مليكة أن تهرب من يدي.
رفعت نفسي إلى أعلى.
فوجدتني أرتفع عن الأرض مثلها.
كنا في الهواء في مواجهة بعضنا.
عندما التحمنا.
قضمتني مليكة في عنقي.
وقضمتها في عنقها.
شربت من دمائها مثلما شربت من دمائي.
ثم سقطنا على الأرض.
لازم نمشي من هنا.
همست العرافة الشابة مرافقة مليكة.
ساعدوا مليكة على النهوض.
التي كانت تصرخ.
اقتلوه، اقتلوه الآن.
لكن العرافة رفعت يدها.
وأطاعها الحراس.
رحلوا من المنزل وأنا لا زلت ساقط على الأرض.
عوني إنت مش معقول.
إنت واحد منهم.
إنت أقوى منهم.
صرخت رافا بسعادة وهي بتساعدني أقف.
كان جسدي متشنج.
عنقي يؤلمني.
طلبت من رافا أن تتركني.
ابعدي يا رافا بسرعة.
بخوف ركضت رافا بعيد عني.
ارتعش جسدي بقوة.
تشنج.
ثم فجأة فار الدم من عنقي.
اندفع دم أسود خارج عنقي.
نزل على الأرض وتشكل ديدان سوداء.
بعدها شهقت وفقدت الوعي.
لما فتحت عينيه كنت في السرير عاري الصدر.
ورافا قاعدة جنبي.
ياه يا عوني أنا افتكرتك مش هتفوق تاني.
شوفت اللي حصل يا عوني؟
إنت انتصرت عليهم.
وإنتصرت عليهم يا عوني.
أهل القرية لازم يعرفوا كده.
لازم يعرفوا إن الحارس ظهر.
الشخص اللي يقدر يدافع عنهم موجود بينا.
مش لازم أي شخص يعرف اللي حصل هنا.
غير لما أفهم إيه اللي حصل إزاي يا رافا.
لازم أعرف سر القوة دي إيه.
وهل هي مستمرة ولا مجرد لحظة عابرة.
ناولني المية يا رافا.
شاورت بإيدي على كأس المياه.
التي تحركت من مكانها ووصلت إيدي من غير ما أتحرك.
رافا قفزت مرعوبة.
كأس الميه في إيدي وأنا جسمي كله بيرتعش.
سبت الكأس يقع من إيدي على الأرض.
مش قادر أفهم إيه اللي بيحصل معايا.
لا لا دا مستحيل.
أنا في حلم.
وإنتي مش حقيقية يا رافا.
إنتي مجرد خيال عابث.
حقيقية يا عوني.
حقيقية والله.
منحتني لمسة رافا شعور بالأمان وهي تقترب مني.
رواية القرية الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
عادت إلى قوتي بعد ساعات من الإنهاك والتقلصات غير المفهومة. انتابني شعور بالقوة وأنا أتحرك لأول مرة بمثل هذه الخفة.
في الخارج، كانت عصافير الشروق والسلابين تشقشق على أغصان الأشجار التي يراقصها نسيم الريح. أسفلها، كانت شجرة كف مريم غطت مساحة كبيرة مربعة لتلتصق بزهرة الأزاغير القرمزية وزهرة أسطنبول الاستوائية ذات اللون الأحمر.
وقفت أدخن سيجارة ونظري نحو الأفق. أمس كنت أتخيل أنها آخر ليلة في حياتي، لكن الله وهبني حياة جديدة.
في حقول الذرة والقصب والشامي والجراو والفول السوداني، تبعثر فلاحو القرية قبل نهاية يومهم في الرابعة عصر مثل كل يوم. شعرت بخفة دفعتني لأترك البيت وأتجول داخل الحقول وعند الساقية وقرب البئر. كان هناك شيء داخلي يتشكل، شيء لا أعرف كنهه ولا متى حدث. إلا أنني شعرت بعطش بشع دفعني لأن أنحني على قناة المياه وأشرب منها بفمي، لكن عطشي لم يرتو.
كنت أشتم أشياء غريبة مثل اللحم المطبوخ في بيت بقال القرية البعيد عني، وأسمع همسات ووشوشات خافتة قرب النهر وخرير مياهه.
كيف يعقل ذلك؟
ثم داهمني صداع بغيض جعلني أقصد المنزل بسرعة فائقة.
"مالك؟" سألتني رافا.
"همست: مجرد صداع."
دون شعور مني، توجهت ناحية الأدراج. فتحتها بسرعة، ثم أخذت قطعة لحم طازجة ومصصت الدماء منها. راح عطشي يرتوي، لكن ليس بشكل كامل.
قلت لرافا: "أنا مصيت الدم من اللحمة اللي كنت بقرف منها. مش عارف إزاي دا حصل، لكن أنا لسه حاسس بالعطش."
وراح جسد رافا يتمختر أمامي، وشعرت برغبة قوية في قضمها. كانت الدماء في عروقها تناديني.
"لا لا،" همست، "أنا لازم أخرج من هنا."
كنت محتاج أفهم حصلي إيه، وما كانش قدامي غير عارفة قرية الفجر.
وصلت هناك في وقت قصير جداً. عندما دخلت على العرافة، همست: "مش معقول، إنت لسه حي؟ مستحيل، مستحيل. كل من دخل الكهف قدر به الموت."
قلت: "لكن أنا لسه حي. إزاي دا حصل يا حارس؟"
قلت: "معرفش، لكن أنا محتاج أفهم اللي حصلي. أنا عطشان جداً ومفيش حاجة بترويني غير الدم."
"قرب مني!"
قربت من العرافة، حطت إيدها على عروق رقبتي وهمست: "إنت بقيت واحد منهم، لكن فيه شيء غريب، إنت مختلف عنهم."
قلت: "أنا عايز أفهم، مش طالبة ألغاز؟"
"هم مين واصلهم إيه؟"
همست العرافة: "قلتلك قبل كده، دا فصيل عايش على الدم، من غير الدم يموت. بس أنا شايفه حاجة غريبة فيك، رغم إنك واحد منهم، إلا أن رغبة القتل جواك مش موجودة."
إختفت العرافة داخل الكوخ ثم عادت بأرنب وطلبت مني أن أشرب دمه.
قلت: "مستحيل، أنا بقرف."
لكن وجدت نفسي أشم الدم داخل جسم الأرنب، وبسرعة جذبت الأرنب منها وشربت كل دمه. بعدها حسيت بالارتواء وقوتي رجعت لي والصداع اختفى.
"لازم تشرب دم باستمرار، اعتمد على حيوانات القرية، لأنك لو شربت دم بشري مش هتقدر تتوقف."
"دم بشر؟" همست بصدمة.
"اخرج من فضلك!" صرخت العرافة، "اخرج، ارحل من هنا."
سبت العرافة وأنا عندي نص الإجابة، لكن تحذيرها كان لسه في دماغي: "إنت خطر على كل اللي حواليك."
بعدها، لما وصلت الخلاء، سمعت همسات بعيدة، أصوات شعرت إنها بتناديني رغم إنها مش جوه القرية. مشيت ورا الوشوشات لحد ما وصلت قصر ناهض وسط الأدغال، قصر كبير فاخر.
رواية القرية الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
امتدت مساحة مسطحة من العشب أمام مداخل القصر وأبوابه، ورغم فخامة القصر تكاد تشعر أنه قصر مهجور.
مضيت في ممر مفروش بالحصى محاط بالأشجار بين تماثيل من الجص لرجال ونساء في أوضاع مختلفة، حتى توقفت أمام بوابة القصر المغلقة.
لم أجد حراسًا ولم يوقفني أحد.
"القصر ده؟ ومين اللي عايش فيه؟ وإزاي أهل القرية مش عارفين مكان القصر ده؟ ولا ظهر لي وحدي؟"
فتحت الباب بسهولة. رواق شاسع جدًا مذهل الأثاث، كل قطعة فيه تم انتقاؤها بعناية، من الملعقة على الطاولة مرورًا بالسجاد والتحف المعلقة على الجدران.
أول ما رأيت كانت فتاة شابة في زي خادمة، أنثى مغرية أنيقة ليست من بلادنا على الإطلاق.
خاطبتني بأدب: "من أنت؟ كيف يمكنني خدمتك؟"
ثم سرعان ما ظهرت خادمة أخرى أكثر أناقة، ولم تمضِ لحظات حتى رأيت أكثر من خادمة تعمل داخل القصر غير مبالين بوجودي.
"ده قصر مين؟ أقدر أقابل صاحبه؟"
"للأسف صاحب القصر مش موجود، لكن لو حضرت بعد غروب الشمس سوف تجده."
شكرت الخادمة وغادرت القصر وأنا أسمع همس الخادمات.
"كيف تجرأ وحضر هنا؟ يا ترى ماذا سيكون عقابه عندما تعرف؟"
في طريقي عودتي طاردت غزالًا بريًا، ركضت بمثل سرعته ثم شربت دمائه حتى ارتويت قبل أن أعود إلى رافا لأجد عددًا من أهل القرية يجلسون في حديقة المنزل، بينهم تقف رافا تحكي ما رأته بعينها، عن محاربتي للمخلوقات وانتصاري عليها.
البعض كان متحمسًا، البعض الآخر صرخ بانفجار: "الآن يمكننا أن نستمتع بالليل ونجلس تحت السماء الصافية بلا خوف."
بينما من بعيد كان هناك من يحذر: "هذا الشاب سيجلب على القرية البلاء والموت."
ثم شعرت حضورهم بعد هبة ريح باردة قدمت من الخلاء.
كانوا موجودين في الحقول وعند النهر وعند البئر. لم يكونوا مجموعة، بل جيش كامل تتقدمه مليكة.
صرخت في المجتمعين: "إلى داخل المنزل بسرعة."
ظنوا أنني أمزح، لكن صرختي التالية المرعبة جعلتهم يركضون داخل المنزل.
ثم بكل سرعتي حذرت كل البيوت المفتوحة الاحتماء بمنازلهم.
لم يتأخر ظهورهم، جيش كبير تقوده مليكة خلفها حارسان يحملان علم أحمر، إلى جوارها عرفتها فاطيما.
وقفت في مواجهتهم، سددت الطريق عليهما.
"من نظر من ظهر؟" صرخت مليكة ساخرة، "عونى عونى؟ الرجل الذي سيكون سببًا في إعدام قرية كاملة."
قلت: "تركوا أهل القرية، حربك معي، انتقامك معي."
رفعت مليكة يدها: "ستعرف يا عوني ماذا يحدث عندما يحشر بشري وضيع أنفه في شؤون أسياده."
أطلقت فاطيما ضحكة ساخرة مناصرة لأميرتها مليكة. ضحكة مستفزة جدًا.
طالما كرهت فاطيما من أول مرة عند البئر، فتاة متعجرفة في مشيتها في كلامها في حركتها، متسلحة بأنوثة طاغية وعيون واسعة متمردة.
"اقتلوهم جميعًا." رفعت مليكة يدها غير مبالية بصراخي المعترض.
انطلقت الأجساد الباردة بكل سرعة ولم تمضِ دقائق حتى وصلتني صرخات واستغاثات أهل القرية.
قاتلت بعضهم، ركضت خلف البعض، لكن الأعداد كانت كثيفة وخبرتي خانتني.
ثم تذكرت نصيحة العرافة: "عندما يحين الموعد إذا لم تتمكن من إنقاذهم، اقتلهم جميعًا."
تركت الطريق واندفعت نحو منزلي وأنا أسمع ضحكات فاطيما ومليكة.
"انظروا إلى الحارس الجبان الذي هرب ليحتمي بمنزله؟"
كانت رافا أول شخص قضمتُه، شربت جزءًا كبيرًا من دمائها وسط صرخات المحتمين بمنزلي ومحاولة هربهم، لكنني كنت أسرع.
انتقلت من شخص لآخر حتى قضمت كل المحتمين بمنزلي.
قبل أن أخرج للطرقات، عندما لمحت فاطيما الدماء التي تلطخ فمي وعنقي وشعر لحيتي، صرخت في مليكة: "أوقفوه، أوقفوا الحارس."
ركضت بكل سرعتي بعد قفزة هائلة، انتقل من منزل لمنزل. قضمت كل شخص تبقى حي وقتلت كل جسد بارد من جيش مليكة يعترض طريقي.
ثم سبقتهم إلى بقية البيوت وقضمت كل من تبقى، وكلما قضمت شخصًا ازدادت قوتي وسرعتي وصلابتي.
امتلأت المنازل بالأجساد المرمية على الأرض، في الطرقات وفوق أسطح المنازل وداخل الحقول.
تحت سماء مظلمة امتلأت الأرض بأجساد لا تتحرك.
وقفت عند نهاية القرية عاري الصدر، الدماء تلطخ كل جسدي من شعر رأسي وحتى قدمي. أشعر بقوة غريبة تسري داخل عروقي، قوة لا نهاية لها.
أطلقت صرخة غضب ومعها قفزت. قفزة هائلة جعلتني أتعدى ارتفاع منازل القرية وأمسح المكان بعيني. داخل أذني كنت أسمع أنفاس أهل القرية الفاقدين للوعي، أسمع صوت الحشرات والأشجار والنهر.
اندفعت بتلك القوة الهائلة تجاه جيش مليكة.
قالت فاطيما: "مهمتنا انتهت هنا يا أميرة، علينا العودة إلى القصر. أشعر به قادم نحونا."
قالت مليكة: "دعيه يأتي لننهي ذلك الآن."
"همست فاطيما: "ليس الآن، نحن نحتاج السيد."
صمتت الوجوه عند سماع كلمة السيد وصهلت الأحصنة.
ثم تحركوا نحو الظلام مبتعدين عن القرية.
حواسي ساعدتني في تعقبهم رغم تخفيهم، وصلت إلى العربة التي تقل فاطيما ومليكة.
اعترضني محاربين أقوياء، لكني لم أتوقف رغم الضرب والمحاصرة. وصلت إلى شباك العربة.
وفعلت أكثر شيء رغبت به في حياتي، انتزعت فاطيما من مقعدها، حملتها في حضني وهي تصرخ، ثم قفزت وأطلقت صرخة جعلت أعناق الأشجار تنحني والحقول ترتعش.
راحت مليكة تصرخ: "اتركيني، اتركيني يا هجين يا قذر."
مقاومتها كانت شيء لا أشعر به. "ابتعدي بجسدك القذر عني يا حيوان."
لم أكن أنا، كنت شيئًا آخر، شخصًا آخر، كنت مجرد مصاص دماء لا يعرف الرحمة.
عند النهر أرقدتها على الأرض وصرخت: "قبّلي قدم سيدك."
صرخت فاطيما: "مستحيل، فاطيما لا تخضع لهجين متوحش."
اشتعلت عيني بالقوة وثارت داخلي رغبات لا نهاية لها.
"ستخضعين لسيدك، ستقبلين قدمه، ستكونين رفيقتي أو عبدتي كما تشائين."
وقبل أن تعترض فاطيما، ضممتها نحوي، ضمة قوية جعلتها تخمد.
ثم لعقت عنقها وغرست أنيابي داخل رقبتها وشربت من دمائها حتى ارتويت.
تكورت فاطيما على نفسها مرتعشة تنظر إلي نظرة شارده.
"لقد قضمت من قبل، أنا لن أدين بالولاء لك بل لسيدي الأول، يعود ولاء ضحايا مصاصي الدماء للشخص الأقوى."
بعدها سعلت فاطيما وترنح جسدها ثم ارتجف وهي تصرخ: "مستحيل، غير معقول."
ثم أغمضت عينيها لدقيقة وانفتحت.
انفتحت وصورتي معكوسة فيها.
وقفت بقوة نرجسية في هواء الليل البارد وصرخت: "قبّلي قدم سيدك أيتها الرفيقة العبدة."
رغم المقاومة زحفت فاطيما على أربع انحنت أمامي ولعقت قدمي وأنا أمرر يدي في شعرها الغجري الطويل.