كل ألم يعطي درسًا، وكل درس يغير شخصًا.
يقف مندور وبجواره شوقي وخالد أمام مقدمة عزاء توني. جاء يحي لهم وكاد أن يذهب ويقف بجوار خالد، فجذبه مندور وأوقفه بجواره وجعل شوقي يذهب للجهة الأخرى. فتنهد شوقي بغضب وهو يرمق يحي بحقد دفين. تقدم منهم عمر عزام وبجواره الشيمي وصافح مندور ويحي وشوقي وقام بتعزيتهم. عندما جاء الدور ليصافح خالد، مد يده له، ولكن نظر له خالد الذي لم يقف له حتى، ورمقه بحدة، ونهض تاركاً العزاء بأكمله. فحين أخذ شوقي عمر للداخل، نظر عمر لخالد بحقد شديد من تلك الإهانة.
بعد مدة ليست بالقليلة، دلف مندور ويحي وشوقي إلى داخل منزل توني ليجدوا أميرة تجلس بجوار والدتها ودموعها لا تكف عن الهطول. ووالدة توني تجلس على إحدى الأرائك ودموعها متحجرة في عينيها، وبجوارها خالد يمسك يدها ويربت عليها بصمت. كان الحزن يغيم على المنزل، وجدرانه التي كانت تضحك بالأمس وتمرح معه، اليوم تنزف دمًا على فراقه المفاجئ. "البقاء لله يا أم توني." "حق ابني مين هيجيبه يا مندور؟
"هيجي ورحمة الغالي هيجي. اللي راح ده مش ابنك بس، انزلي الحتة هتلاقي الكل بيبكي وزعلان عليه. ابنك بجدعنته وشهامته كان ابن وأخ وصاحب كل واحد في الحتة. وقبل ما دمه ينشف في تربته، هيكون اللي عمل كده مش موجود على وش الأرض." وقف خالد وأردف بنبرة حادة: "العزا ده واللي اتدفن النهاردة المفروض كان أنا."
"ابن سعيد كان قاصد يموتني أنا والرصاصة جات في توني، فحقه في رقبتي أنا. وأقسم بالله محد هيجيب حقه غيري. وسيبك من كلام الحاج مندور، هو معاهوش غير الكلام، إنما السبب الحقيقي في كل اللي بيحصل ده هو... نظر له خالد بدموع غاضبة، فحين بادله الآخر بحقد. ذهب خالد للأسفل وذهب خلفه يحي. جذبه يحي من ذراعه بقوة قبل أن يصعد السيارة وأردف بحدة: "أنت مش ناوي تعقل؟ مش كفاية اللي حصل ده؟
"اللي حصل ده فوقني أكتر. مندور هو السبب. اسأله بس إيه اللي خلى توني يدخل شغلنا ده بعد ما كان شاب زي الفل بيصلي وحافظ القرآن وخريج كلية محترمة. روح اسأله وفكر كويس لو لمرة قبل ما الوقت يعدي. فوق يا يحي قبل ما يجي عليك الدور وأنت في الضلمة دي. فوق واعرف إن مندور ده تعبان مليان سم."
أردف كلماته وأخذ سيارته مغادرًا الحي بأكمله. فحين ظل يحي يعيد كلمات خالد في عقله مجددًا، ولكنه بررها بأنه غاضب، لذلك أردف بهذا الحديث. تنهد بضيق ونظر إلى منزل توني ولمعت الدموع في عينه وأردف بابتسامة حزينة. "يُرحمك يا توني."
كتم غصته وألمه على ذلك الفقيد بداخله. فهو لن يتعرف عليه منذ زمن، ولكن استطاع بطيبته ومرحه كسب محبته في ذلك الوقت. ولكنه فعل ذلك كي يؤلمه هو الآخر برحيله. وصل أمام منزل مندور، فصعد للأعلى لشهقته ومنه إلى غرفته ليجدها تجلس على الفراش وهي ممسكة بكتبها الدراسية وعيناها ذابلتان بقوة. "أميرة بقت كويسة يا يحي؟ أنا كنت عايزة أبقى أنا ونور معاها بس هي مرضيتش." "ربنا يهون عليها." "يارب، ويرحمه ويغفر له." "أنت خلصت مذاكرة؟
"لا لسه، بس أنت نام وأنا هطلع أكمل بره." "لا خليكي متطلعيش. أنا هنام وأنتِ كملي مذاكرة." "عشان تطفي النور وتنام براحتك." "راحتي إنك تكوني جنبي، خليكي متمشيش." اعتدلت هي وجلست أمامه وأردفت بجدية: "يحي هو أنت مش طلبت مني متخليش عنك وأسيبك وأنا وعدتك بكده صح؟ رمقها بقلق، ثم أومأ برأسه بنعم، فتابعت هي بدموع: "وعدني إنك مش هتخليني أكون في يوم مكان أميرة. والله مهستحمل وجع زي ده أبدًا."
لمعت الدموع في عينيه أيضًا واحتضنها بهدوء وهو يغمض عينيه بالم. وأردف بنبرة يكسوها الحزن: "مقدرش أوعدك بحاجة مش هقدر أنفذها." ابتعدت عنه وصاحت فيه بغضب: "يعني إيه؟ أنت... "هدي، أنا قصدي إن ده قضاء وقدر. ما أنا ممكن أوعدك وأنزل الصبح شوقي مثلاً يغزني بسكينة." "بعد الشر عليك. طيب يعملها والله أشرب من دمه." "وحش، متجوز قاتل قتلة يا ناس."
ابتسمت باتساع على ما تفوه به، فحين تمدد هو على الفراش، وذهبت هي لإتمام دراستها التي انتهت منها بعد ما يقرب من الساعتين. ثم لملمت كتبها ووضعتها على الطاولة وذهبت وتمددت جواره بعد أن أغلقت ضوء الغرفة. وما أن تمددت حتى وجدته يحتضنها بقوة وهو يدفن رأسها داخل أحضانها. "يعني منمتش؟ قولتلك اطلع إذاكر بره." "أنا راضي كده يا ستي. هو أنا اشتكيت."
ابتسمت بهدوء ثم احتضنته هي أيضًا. أخذت تدعو بقلب راجٍ أن يبعد عنها السوء. وحاولت تجاهل تلك الغصة المريرة التي بداخلها وخوفها الغير مبرر لديها وهي تغمض عينيها بقوة وتجاهد لتنام وتترك تلك الأفكار السوداء. *** وفي المنيا في منزل أهل فرح. "يا فرح أنتِ بقالك أكتر من أسبوعين هنا، كفاية وارجعي بيتك." "أرجع بيتي؟ قول بجد متتكسفش. هي الست مامتك محتاجاني أنضفلها الشقة؟
ولا أنت تعبت من خدمة نفسك، فقولت تيجي تجيب الخدامة بتاعتكم بقي؟ "لا أنا بقولك ارجعي بيتك. ولو خدمتك ليا تقيلة عليكي، براحتك مش عايز منك حاجة. وأطمني مش هتروحي لماما تاني غير واحنا مع بعض هنزورها وكده يعني." نظرت له فرح باستنكار لحديثه الهادئ، فهذه ليست عادته. أقنعت نفسها بأنه يخطط لشيء ما. "عداك العيب يبني، وبعدين يعني المشكلة مش في مامتك دي فرح بتعتبرها زيي بالظبط. بس أنت افهمها وبالراحة معاها وبلاش تمد إيدك."
"أنا أوعدها قدامك أهو إني مش همد إيدي عليها تاني وهسيبها براحتها في أي حاجة." "وأيه التغيير ده؟ لا استنى أنت متقولش. أنا من كام سنة سبت البيت وجيت هنا زعلانة وأنت جيت ومعاك خليل وقلت نفس الكلمتين وطلعت لعبة منكم ضحكتوا بيها عليا." "خلاص بقى يا فرح زمان كان حاجة ودلوقتي حاجة تانية." نظر لها محمد بضيق وهو يحاول التحكم بأعصابه وعدم فعل ما مضى. فهو أقسم ألا يكون سيئًا، سيتعامل مثلما تعامل مع مي في البداية وما يحدث يحدث.
"جاية يا محمد، هجيب حاجتي وأصحي كريم وجاية." "عشان تقلنا على ماما وهي مش ناقصة." "طيب ولي تمشوا بالليل كده؟ باتوا النهارده وامشوا بكرة." "معلش يا مرات عمي بس عندي شغل مهم ولازم أمشي." نهضت وأحضرت صغيرها وأشياءها وذهبت معه. وبعد وقت ليس بالقليل، وكانت الساعة تقرب من الثالثة بعد منتصف الليل، كانوا قد وصلوا القاهرة. "أعدي على المطعم أجيب عشا لينا عشان البيت مفهوش حاجة ولا إيه رأيك؟
"لا مش عايزة، هنام. لو أنت عايز هات لنفسك." "لا ملوش لزوم خلاص." ظل صامتون حتى وصلا إلى منزلهم، فأخذت هي صغيرها واتجهت إلى غرفته وأغلقت الباب دون أن تتحدث له. فحين تنهد هو بضيق وذهب لغرفته دون أن يزعجها بشيء مثلما كان يفعل سابقًا. *** وبعد عدة أيام استيقظت نور على رنين هاتفها الذي يصدح منذ وقت ليس بالقليل. التقطته من جوارها دون أن تنظر لمن الذي يدق لها. وأجابت بصوت نائم: "أيوه مين؟
"اللي أمه دعت له قبل ما تموت عشان يصطبح بصوتك كده." "طيب اقفل يا أه بدل ما أخليك تحصل أمك." قهقه الآخر عاليًا، ففتحت هي عيناها بفزع وهبت جالسة وأردفت وهي تنظر لاسم الذي يحدثها. "الصوت ده أنا عارفاه كويس." وضعت الهاتف على أذنها وأجابته بغيظ: "يخربيتك ده أنا لسه شايلة رقمك من البلوك امبارح، فبتبدأها بإزعاج وقلة أدب كده." "قلة أدب إيه؟ أنتِ بتسمي الكلمتين دول قلة أدب؟ لا طمنتيني الحاج عرف يربي."
"استغفر الله العظيم على الصبح. عايز إيه يا اللي اسمك إيه أنت؟ "بصي يا ستي أنا النهاردة بالليل عندي افتتاح مطعم جديد ليا، فقولت أول واحدة هتدخله أنتِ. وهاخدك ونفطر هناك." "مكنش يتعزم. أنا صايمة." "صايمة ليه؟ إحنا مش في رمضان؟ "هو أنا لازم أصوم في رمضان بس؟ أنا كنت نادرة نذر واتحقق وأنا هصوم بس كده." "وإيه النذر ده؟ أخذت نور تفكر بتوتر بماذا تجيبه، ولكنها أجابته: "حاجة بناتي عيب أقولك."
"كلام الحج مندور يا نور وهجيلك كمان نص ساعة. اتفقنا." "طيب أنا عاملة دايت مش هينفع." "أجهزي لحد ما أجيلك. سلام يا نور." أغلق معها، فأخذت هي تُلكم الوسادة بغيظ، ثم هرولت للخارج سريعًا لتجد مندور يدلف خارج المرحاض فركضت له بسرعة. "إيه يا بت المجانين؟ "أبوس إيدك قول له لا والنبي قول له لا." "أقول لمين يا بت الكلب أنتِ؟ اتعدلي وكلميني كويس وبالراحة."
"عمر عايزني أروح أفطر معاه وأنا مش طايقة وشه، فهو هيكلمك ياخد إذنك، قول له لا والنبي اللهي ربنا ميزنقلك ولا إيه." تنهد مندور بضيق، ثم ألقى عليها تلك المنشفة بغيظ وذهب إلى هاتفه الذي كان يطرق قبل أن تأتي هي له. وأجاب بهدوء: "ألو يا عمر، صباح الخير." "صباح النور يا حج. معلش بزعجك على الصبح، بس أنا كنت بستأذنك آخد نور نفطر سوا في المطعم الجديد بتاعي." "ماشي يا عمر، بس متخليهاش تتأخر عشان امتحاناتها قربت ولازم تذاكر."
"لا متقلقش يا حج، هي كلها ساعة وهرجعها لحد البيت." "ماشي يا عمر معنديش مانع." أغلق معه ليجدها تقف أمامه وترمقه بغضب. "إيه؟ هو مش المفروض تتعرفوا على بعض كويس في الشهر ده عشان لو هنعمل خطوبة رسمية تبقى واخدة القرار كويس." "بس أنا مش عايزة أقابله ولا أفطر مع حد." "نور اللي بتعملي عشانه كل ده بايت بقاله كام يوم من وقت وفاة توني تقريبًا في بيت بيت جدة عدنان، فاعقلي ومتضيعيش حياتك على حد ميستهلش ضفرك."
"أنت بتقول كده عشان أنساه صح؟ قول صح والنبي متقولش إنك بتتكلم جد." تنهد مندور بحزن وتركها ودلف لغرفته، فحين دلفت هي لغرفتها وهي تبكي بقوة وهناك نيران اشتعلت بداخلها كادت أن تجعل قلبها يتوقف عن النبض من شدة الغضب. "ماشي يا خالد، كأنك كنت مستني أبعد عشان تروحلها. والله لأنّدمك على كل اللي فيا ده. ماشي." ***
دلفت جيدا داخل غرفة نومها بمنزلها الذي استأجرته مؤخرًا لتجده يرتدي ملابسه وهو يقف أمام المرآة وملامحه جامدة كالعادة. "لأ وين بكير هيك؟ أنا جهزتلك الإفطار بره و... "لا مليش نفس. افطري أنتِ. أنا لازم أرجع البيت بقى أشوف الأحوال هناك إيه، أنا بقالي أسبوع عندك معرفش حاجة عن الحتة." "خالد أنا ماجلة سفري لهلأ كرمالك. أنا كنت راح أسافر بس أنت جيت ورميت حالك بحضني و... "والمطلوب؟ "بتيجي معي وتطلبني من أمي وأخي عدنان."
"مش وقته يا جيدا." "يعني شو مو وقته؟ بدي أفهم؟ "صوتك ما يعلاش عليّ. ومش وقته عشان صاحب عمري لسه مكملش حاجة متوفي وأنا مش قليل أصل عشان أسيب أهله في الظروف دي وأروح أتجوز. على الأقل بعد العملية الجاية." "حبيبي العملية الجاية مطولة شوي لأن منذر أبوه توفي وحالته النفسية مانا منيحة بهالوقت." "وإيه علاقة منذر بالعملية دي بالذات؟ ماي حد غيره يعدي الشحنة."
"ما بيصير. منذر هو الوحيد اللي بيقدر يعدي الشحنات، غير هيك بتكون البضاعة معرضة للخطر، أو لازم عدنان يجي مع البضاعة والحج مندور مو بيرضي بهالشي أنت بتعرف." "عارف يا جيدا، بس هو لي عدنان ما يجي يمسك الشغل معانا هنا أو يحول الذغل كله هنا." "مم ما بعرف. اتركك من هالشي تعال افطر معي كرمال خاطري ما تخجلني." "ماشي مش هخجلك يسطا." *** وفي شقة سالي ويحيي. "فين باقي الفطار يا سالي؟
"مهو أنا متأخرة على الجامعة وملحقتش أجهز غير دول." "تجهزي إيه؟ لا بجد تعبتي نفسك إنك طلعتي الجبنة من التلاجة وجبتي العيش." "والخيار والطماطم وعملت شاي." "متستفزنيش يا بت أنتِ أنا على آخري." "يحي مانا قولتلك مش جاهزة أنت زعلت. وبعدين أنا مش فاضية أتعلم الطبخ ولا فاضية أهو حتى أجهز الفطار." "مكنتش أعرف إنك مبتعرفيش تطبخي يختي." امتلأت عيناها بالدموع، فتنهد هو بهدوء. وأردف بابتسامة واسعة وهو يتناول الإفطار.
"بس حلوة الجبنة." "إحنا ممكن ننزل نفطر تحت و... "لا طبعًا. إحنا هنا براحتنا. بيت خالك على عيني وعلى راسي بس أنا مبحبش أكون تقيل على حد." "ثواني كده أنتِ إزاي مبتعرفيش تطبخي وإحنا كل يوم بنتعشى فراخ أو حاجات ا... "مرات خالي بتجيبلي الأكل ده عشان عارفة إني بذاكر و... "قصدك عشان عارفة إنك مبتعرفيش تطبخي يا خايبة. متتكررش تاني." "طيب خلاص نجيب أكل جاهز بقى لحد ما أتعلم." "ماشي بس تتعلمي مش تطنشي."
رمقته بغيظ وأخذت تتناول إفطارها وهي تنظر لهاتفها. ثم تحدثت وهي ترسل لأحد أصدقائها رسالة صوتية. "السلام عليكم يا ماجد. هتعبك بس تبعتلي الورق اللي نزله الدكتور أيمن." أغلقت الريكورد وأرسلته، ثم لاحظت نظرات يحي الجامدة لها. "إيه؟ في إيه؟ افتكرت إيه كمان؟ هتنكد عليا بيه الصبح؟ نهض يحي وصاح بها بنبرة عالية وغاضبة وللغاية: "ده أنتِ يوم اللي جابك أسود. مين ده اللي بتكلميه وكمان قدامي؟ شايفاني بقرون قدامك؟
"ده ماجد زميلي في الكلية." "بتتزفتي بتكلميه ليه؟ "عشان محتاجة الورق وهو الوحيد اللي بيعرف يجيب الورق من الدكتور، وسهي قالتلي أكلمه أقوله يجيبهم معايا عشان ناخدهم منه النهاردة." "أنتِ بتستهبلي يا سالي؟ تقابلي مين؟ طيب مفيش زفت جامعة ولا خروج من البيت والواد ده يتعمله بلوك دلوقتي." "حاضر هعمله بلوك والله. بس أنا لازم أروح الجامعة." "عشان تروحي تجيبي الورق مش كده؟ "لا طبعًا هخلي سهي تجيبه." "ادينيلي أعمله بلوك."
"عملت. بس على فكرة محصلش حاجة وأنا لو بعمل حاجة غلط مش هعملها قدامك يعني." "ده أنيل. أنتِ شايفاني إيه عشان تكلمي زفت راجل قدامي؟ "وأنا اتكلمت في إيه؟ أنا بكلمه بكل أدب واحترام بطلب منه حاجة وهو محترم جداً ومفيش تعامل بينا أصلاً غير على الدراسة، وبعدين أنا هبقى دكتورة ومتعرضة أتعامل مع رجالة طول الوقت." "متعصبنيش يا سالي وإلا هقعدك من أم الجامعة. على الأقل يختي تتعلميلي الطبخ." "يحي الا مستقبلِي أنت فاهم."
تنهدت بهدوء ثم تقدمت منه وقبلته من وجنته وتابعت بابتسامة خجولة. "وبعدين متزعلش خلاص مش هعمل حاجة تزعلك وهتعلم شغل المطبخ كله." "بقولك إيه؟ هي أول محاضرة دي مهمة أوي يعني؟ "آه مهمة. واتلم وتعالى عشان توصلني يلا." "والله البت نور صدقت لما قالت عليكي بووومة. قدامي." *** هبطت إلهام من السيارة أمام مدرسة صغيرها، لتجده يقف أمام المدرسة بجوار سيارته ويرمقها بحدة. تقدم منهم. وأردف بجمود وهو يجثو أمام صغيره: "إزيك يا يوسف؟
وحشني يا حبيب بابا." "وأنت كمان يا بابي وحشتني أكتر وعايز أرجع عندك البيت تاني ووحشتني أوي ماما لبنى." "هترجع لحضن أبوك يا حبيبي متقلقش." "ادخل يا يوسف يلا المدرسة عشان متتأخرش." ركض الصغير باتجاه المدرسة، وبقي هما الاثنان ينظران لبعضهما بحدة. "مش هتعقلي بقى وترجعي بيتك؟ "أنا في بيتي يا شوقي، إنما اللي أنت عايزني أرجعله ده بيتك أنت اللي مستني ست الحسن والجمال فيه وبتقف في بلكونته تبص عليها."
"لمي لسانك يا بت أنتِ عشان مقلبش عليكي. ولآخر مرة بقولك ارجعي بدل ما ورحمة أمي آخد ابني وأسيبك زي البيت الواقف." "أنت بجد إيه؟ ليه بقيت كده ليه يا شوقي؟ ويكون في علمك ابني في حضانتي وأنا مش عايزة منك حاجة لأني خلاص زهقت وقرفت من قلة القيمة اللي بشوفها معاك." "ماشي يا بنت زينهم شوفتي نفسك عليا أكمل أخوكي بقى شغال مع عمر عزام دلوقتي." "إيه؟ سليم اشتغل مع عمر عزام؟
"استهبلي استهبلي. بس حطيها حلقة في ودنك ابني مش هيتربي بعيد عني لو السما اطبقت على الأرض. سلام يا إلهام." وقفت هي تنظر لأثره بدموع متحجرة. هل أخاها أصبح يعمل مع ذاك الفاسق؟ أخاها الذي يُعرف بأخلاقه واحترامه. *** أمام منزل مندور نزل من سيارته، ليجد سيارات عمر عزام واقفة أمام المنزل، فتنهد بضيق ودلف للداخل ليجدها تهم بالخروج وهي بكامل أناقتها. فرمقها بحزن شديد وأردف بسخرية: "براحتك أوي، كله هيجي على دماغك في الآخر."
"خليك في حالك لو سمحت." "حالنا واحد يا نور." "كان زمان. أنت دلوقتي آخر واحد في الدنيا يهمني." "كدابة يا نور، أنا لحد دلوقتي أكتر حد بيهمك." أتت لتتحدث باعتراض فاقطعها وهو يقترب منها مردفًا بخبث: "تفضلي ديمًا مكشوفة قدامي وهفضل أنا الحب الوحيد في حياتك وعمرك لا هتحبي ولا بتحبي غيري. وأوعي تنكري عشان اللي ربى خير من اللي اشترى. وأمك وأبوكي نفسهم ما يعرفوكيش قد ما خالد يعرفك." امتلأت عيناها بالدموع وأردفت بحزن:
"أنت كنت فين؟ "بغلط كنت بغلط زي مانتي بتغلطي يا بنت خالي." صمت عندما لاحظ دلوف عمر عزام للداخل وهو يرمقهم بحقد وغيظ شديد. "عريس الغفلة بيستعجلِك روحي اغلطي يلا عشان حسابك يتقل أكتر عندي. ولما أربيكي ما حدش يلومني."
أردف كلماته وذهب للأعلى تحت نظراته الغاضبة من ذلك الغموض الذي أصبح يتحدث به معها، فحين تقدم منها عمر وجذبها من يدها بقوة للخارج، فحين فتح لهم سليم باب السيارة وجعلها تدلف للداخل رغماً عنها وذهب هو للجهة الأخرى تحت نظراتها الغاضبة على فعله هذا. "إيه الطريقة دي؟ أنت ساحب بهيمة وراك." "كنتي واقفة معاه ليه؟ وإزاي يا آنسة يا محترمة تسمحي له يمسك إيدك بالمنظر ده؟
"أولاً لو على مسكة إيدي فهو فاجأني أنا مكنتش أتوقع كده وده مش هيتكرر تاني، إنما فـ أنا بكلمه ليه فـ ده ابن عمتي وساكن معانا في نفس البيت وطبيعي يبقى بينا كلام." "لو اتكرر تاني اللي حصل قدامي أو كلمتيه يا نور هخليكي تكلميه بس وهو في تربته. فاهمة ولا لأ؟ "أنت إيه اللي بتقوله ده؟ إياك تقرب له أو تعمله حاجة وملكش دعوة بيه أصلًا وإلا كل واحد يروح لحاله من دلوقتي."
"ده لو اطبقت السما على الأرض مش هسيبك يا نور واللي قولته هيتنفذ. ولو خايفة على ابن عمتك أوي، روحُمك تخليه بعيد عنك عشان اللي يخص عمر عزام، متحرم على غيره." "لا أنت فعلًا بني آدم مش طبيعي. وقف العربية أنا مش هروح معاك أي مكان." "براحتك." ثم أردف لسليم الذي يقود السيارة بصمت وملامح جامدة: "ارجع بيت الحاج مندور." "حاضر."
عادت سيارة عمر إلى أمام منزل مندور، فـ أتت لتهبط منها وهي غاضبة، ولكن انتفضت بخوف ما إن جذبها عمر له بقوة واقترب منها كثيرًا. وأردف بصوت هامس ولكنه يحمل الكثير من الحدة والغضبة: "سيبك تمشي دلوقتي بس اللي قولته هيتنفذ يا بنت مندور. وخليكي متأكدة إن لو الدنيا كلها اتجمعت ضدي عشان يبعدوكي عني مش هيحصل."
ترك ذراعها وابتعد عنها وهو ينظر من النافذة بغضب شديد، فهبطت هي من السيارة وصفعت الباب خلفها بقوة ودلفت داخل المنزل ومنه إلى السطح الخاص بمنزلهم. امتلأت عيناها بالدموع وامتلكها خوف لا تعلم مصدره جعل جسدها ينتفض بعض الشيء. فأحتضنت نفسها وجلست في أحد الزوايا وأخذت تبكي بكاء مرير. مسحت دموعها وهبت واقفة ما إن رأته يقف أمامها يرمقها بنظرات جامدة. "جاي تشمت فيا صح؟ جاي تشمت فيا يا خالد عشان مش عارفة أعيش من غيرك؟
"وأنا إمتى شمت فيكي قبل كده عشان أشمت فيكي دلوقتي." "بلاش والنبي الطريقة دي. متجيش تعمل فيها الضحية بعد كل اللي عملته فيا." أتت لتذهب من أمامه فجذبها من ذراعها بقوة لتعود مجددًا واقفة أمامه. وأردف بنبرة مليئة بالغضب: "وإيه اللي عملته؟ إحنا ديمًا بنتخانق ونزعل وبناخد شهور منتكلمش وبنرجع. بس المرة دي العريس مالي عينك أوي خلاكي مصدقتي حاجة تحصل بينا وجريتي وافقتي عليه ورميتي كل اللي بينا وقلبي تحت رجلك يا نور."
"معاك حق أنت ديمًا بتزعلني وأنت برضه اللي كنت بتقعد شهور مش بتكلمني بمزاجك عشان بتكون مدايق من أي حاجة. واعلم واستحملت فوق طاقتي وجيت في الآخر أهنتني بزيادة. هاتلي حد يستحمل اللي أنت عملته إلا لو كانت نفسه رخيصة عنده. وأنا مش رخيصة عشان أفضل أجري وراك ديمًا وأنت راكني على جنب حسب مزاجك تقرب وحسب مزاجك تبعد." جذبت يدها منه وهبطت لأسفل لمنزلهم. ***
وبعد عدة أيام في منزل توني كان يجلس معها هي وأميرة خالد ويحيي الذي تحدث قائلًا. "خير يا أم توني بعتيلنا ليه؟ "أنا بعتلك أنت والواد خالد عشان حاجتين وهتنفذوهم ورجلكم فوق رقبتكم." "أنتِ أؤمري وأنا أنفذ." "الأول قبل أي حاجة اللي راح ده كان بيعتبرك يا خالد أخوه وأكتر. وفي آخر أيامه مكنش على لسانه غير سيرتك أنت والصايع اللي جنبك ده اللي بيتخانق مع دبان وشه."
نظر لها يحي بحاجب مرفوع وكاد أن يتحدث فهمس له خالد بابتسامة هادئة. "والنبي لتهدي هي دي طريقتها ده كده هي بتعزك." تابع وهو ينظر لها بهدوء: "خير يا غالية قلقتيني." "البت أميرة عايزكم تخلوها ترجع بيت أبوها. ولو جالها حد كويس ترضى بيه وتدي نفسها فرصة. هي مش هتموت ورا اللي مات ده نصيب." "تاني يا خالتي هنحكي في الكلام ده تاني." "مش وقته الكلام ده يا حاجة ابنك لسه مكملش شهر ميت وأنتِ بتقولي لمراته تروح تتجوز." "تفرق يعني؟
كده كده هو مات. أقعد البت دي جنبي ليه وهي صغيرة وحلوة حرام عليا. بيتها أبوها أولى بيها وحياتها لسه فيها كتير وابني هيكون مرتاح كده. ويتسمع الكلام ي يحي يـ هخبطك بصنية الشاي دي في وشك." "أقسم بالله هقوم أخنقها. اسكتيها." "مش همشي يا خالتي وبيتي هو بيت جوزي. وابنك مات بس مسابنيش ولا هيسيبني عشان أنا حامل. كنت لسه عاملة الاختبار واستنيت أشوفك عايزة خالد ويحي في إيه وكنت هقولك."
نظرت لها أم توني بدموع هبطت على وجنتيها، فحين نهض خالد وجلس جوارها وأردف بهدوء: "الكلام اللي بتتكلمي فيه مش وقته ولا ينفع. أميرة هتفضل عايشة هنا مرات توني وبراحتها محدش هيجبرها على حاجة. وابنه أو بنته اللي هيجي هيكون في عينينا كلنا. توني كان صاحب عمري وأخويا." "وأنت نفس غلاوته ويعلم ربنا. وعشان كده بقولك مش عايزة حقه." "يعني إيه مش عايزة حقه؟
"يعني ابني عند صاحب الحق هو يجيب له حقه بمعرفته بقى. بس أنا مش عايزة أخسرك أنت كمان. مش عايزة أخسر ابني اللي في الدنيا يا خالد." احتضنها خالد بدموع وهو يقبل يدها بحزن شديد. "أنا جبت الواد الصايع ده عشان أشهدك عليك، إنك مش هتعمل حاجة لابن سعيد. وغلاوة توني عندكم." "وبعيد عن إنك وليه حر... "صمت وهو يرمقها بغيظ وتابع: "اطمن يا أم توني حق ابنك مش هيروح ع الفاضي وخالد مش هيجراله حاجة."
"ده اللي هو إزاي تتكلم دغري يا واد يا صايع أنت." "خالد أنا رايح عشان مرميش الولية دي من فوق." مالت هي أرضًا وهي تخلع حذاءها وصاحت به وهي تلقيه عليهم: "مين دي اللي ولية يا ولولو عليك بدري." "أنتِ بترمي مين يا ولية أنتِ؟ "اهدوا يا يحي دي قد أمك وهي طريقتها كده." "عن نفسي يعم مش عليااا." "عليك وع اللي يتشددلك يا صايع يا اللي معرفين لك أهل ولا حد. غور برا بيتي." "متأخذنيش يا بني اتفضل اقعد."
"لا أقعد ولا غيره. أنا لولا عامل حساب لتوني الله يرحمه كان هيبقى في كلام تاني بينا." تابع وهو ينظر لخالد: "أنا هروح وأنت خلص وبات في البيت مش برا عشان خالك على آخره منك." ذهب يحي للخارج، فحين تنهد خالد وجلس بجوار أم توني وأردف بهدوء لأميرة. "توني قبل ما يتوفى كان ماشي في إجراءات إنه هيفتح صيدلية لأميرة." "توني عمل كده بجد؟ "أيوة يا أميرة وأنا هخلص لك كل حاجة وهتبقى باسمك أنتِ والحجة تمام."
"ربنا يرحمك يا بني ويعجل في معادي عشان أجلك يا حبيبي." *** في شركة عمر عزام. "يعني إيه متعرفش؟ أومال النسب اللي بينا ده إيه؟ "النسب ملوش دعوة بالشغل، ونور بعيد عن أي شغل يا شيمي." "مكنش ده كلامك قبل ما نروح. ده افتكرت إن العملية الجاية هتكون كلها لينا وتيجي تصدمني دلوقتي وتقولي متعرفش حاجة عن البضاعة ولا حتى هتيجي امتى."
"شيمي أنا هشوف هجيب البضاعة إزاي. وأنت قول لمندور زي الأول عايز جزء من البضاعة، شوف هيرضى ولا لأ. بس من غير ما تدخل موضوعي أنا ونور في الشغل." "أمّاً حتت عيلة جابتك على وشك وخلتك لا عارف إيديك من رجليك و... "شيمي لم لسانك عشان أفضل أعتبرك أخويا الكبير وأحترمك. ونور وجوازى منها يتحطوا على جنب عندك أنت ومراتك. وقريب أوي نور هتيجي وهتبقى زيها زي مراتك وأكتر." "يعني إيه؟
"يعني دي مش صفية دي نور وتحط تحتها مليون خط. دي اللي تؤمر بيه في البيت هيتعمل. ماشي يا شيمي." "ماشي يا عمر اللي تشوفه. أما نشوف آخرتها معاك ومع بنت مندور دي." ذهب مندور للخارج وبقي عمر ينظر من النافذة الزجاجية خلفه بغضب شديد. وأردف لنفسه بسخرية غاضبة: "اللي أنا عايزه هو اللي هيكون يا نور." *** "خلاص بقى يا خالتي والله يحي جايب أكل كتير من بره ولو أخدت ده من هنا هيقعد ومش هيتاكل."
"أي أكل بره ده مش حلو يا بنتي خدي بس دول وأكل بره نزّليه اديه لمرزوقة. ده حتى عشان جوزك اللي طول النهار في الشغل يلاقي له لقمة كويسة يسند بيها طوله." "خلاص يا ماما سيبيهم براحتهم. هو لما يقع من طوله هيقعدها في البيت ويخليها غصب عنها تتعلم الطبخ." "أنا ماشية يا خالتي بدل ما أخنق لك بنتك وأريحك منها." "أنا أصلاً والله هختصرك ومش هتكلم معاكي تاني. من لما اتجوزتي ومبقتيش تتكلمي معايا خالص."
"كذابة ده أنتِ طول الليل بتكلميني على الواتس وبنحكي على الرواية. وبعدين أنا كام مرة أقولك اطلعي اقعدي معايا فوق مش بترضي؟ "أطلع فين؟ أنا في وش جوزك اللي كل ما يشوف خلقتي يفضل يانبني على خطوبتي من عمر." "مش حجة دي. ابقي تعالي وهو في الشغل." "طيب." فتحت سالي باب منزل خالها كي تذهب لشقتها هي ويحي، ولكنها تفاجأت بشوقي يقف أمامها. انتفضت بخوف ولكنها حاولت إظهار العكس وهي تتخطاه لتذهب للأعلى بتجاهل، فـ أمسك يدها بهدوء.
"احترم نفسك إيه قلة الأدب دي." "وأنا عملت إيه؟ أصل لقيتك مطنشاني فقولت أسلم أنا بطريقتي." تراجعت خطوتين للخلف بخوف وأردفت بقوة خارجية: "لو إيدك اتمدت عليا تاني هقطعهالك." "علمك تردي عليا كمان." تجاهلته وكادت أن تذهب، ولكنه ذهب خلفها وجذب يدها بقوة ووضع الأخرى على الحائط ليحاوطها ويقيد حركتها متجاهلاً خوفها الشديد منه وأردف بغضب:
"متفرحيش بيه أوي عشان اللي قتل زمان عشانك ودبح أربعة بدم بارد عشانك مش صعب عليه يقتل واحد بس دلوقتي." تركها ودلف إلى منزل مندور وأغلق الباب خلفه، فذهبت هي للأعلى ودموعها هبطت بخوف شديد من تهديده. دلفت داخل منزلها ومسحت عينيها من الدموع وجلست بجوار يحي الذي يتابع إحدى المباريات الرياضية باندماج شديد. "كويس وجيتي أنا فكرتك هتباتي وكنت هنزل أجيبك من شعرك يا حبيبتي." "لا مش هبات من غير ما أقولك متقلقش."
نظر لها واردف بقلق: "في إيه مالك؟ حصل حاجة تحت؟ استدارت له وأجابته بدموع هبطت على وجنتيها: "امتى نيجي نمشي من هنا يا يحي؟ أنا بقيت أخاف من المكان ده. مش أنا اتربيت فيه وكبرت فيه بس دلوقتي بقى بيخنقني. تعالي نمشي نروح المنيا عند أهلك أو أي حتة بعيد عن هنا و... "في إيه؟ وإيه الخوف ده مالك؟ أجابته بنبرة باكية: "خايفة عليك. والله ما أقدر أعيش لحظة واحدة من غيرك وهو ممكن يأذيك."
"هدي أنا هنا أهو ومفيش حاجة هتحصل. بس هو مين اللي هياذيني؟ أخذت نفس عميق ومسحت دموعها التي تهبط باستمرار وأجابته: "شوقي. هو مش هيسيبني في حالي و... "قولت أهدي وقوليلي مين اللي قالك كده." رفعت يدها ومسحت دموعها وأجابته بتهرب: "مفيش حد ده مجرد إحساس جوايا." أمسك يدها ونظر إلى ذلك الاحمرار الذي يحاوط معصمها، واحتدت عيناه بغضب دفين وأردف لها من بين أسنانه: "هو اللي مسك إيدك كده؟
لم تجب عليه بل صمتت وهي ترمقه بخوف من غضبه الذي ظهر عليه. صاح بها بقوة: "والله لو مقولتي إيه اللي اتنيل حصل ماهيبقي في طلوع تاني بره باب الشقة. وهنزل أطربقها فوق دماغ اللي جابوه." "محصلش حاجة والله أنا كنت طالعة على السلم وهو كان جاي لخالي وشافني وجه يسلم عليا وأنا مرضتش وطلعت بس خوفت منه زي العادة أنت عارف إني بخاف منه يعني، وأيدي دي نور كانت بتهزر معايا." "أكدبي براحتك ويوم اللي جابه مش معدي على خير."
"يحي والنبي عشان خاطري استنى." طرق يحي باب منزل مندور ففتحت له نور، فدفعها بقوة ودلف للداخل وخلفه سالي تحاول تهدئته. "الله ييجي تتشل فايدك كنت هتوقعني. هو في إيه منك ليها؟ دلف يحي للداخل فوجد شوقي يجلس بجوار مندور ويتناقشون في العمل. تجاهل وجود مندور وأمسك شوقي من ملابسه ولكمه بقوة فسقط الآخر على الأريكة خلفه بألم. صاح يحي فيه بحدة: "لما تبقى عايز تقول حاجة تعالي قولها راجل لراجل يلااا." "إيه يا يحي فهمني؟
"الزبالة ده اتعرض لمراتي ومد إيده عليها." "نووور مسمعش صوت واحدة فيكم." "محصلش أنا شوفت سالي وهي طالعة ومكلمتهاش أصلًا دي بتكدب." لكمه يحي مجددًا وهو يصيح فيه بغضب: "مين دي اللي بتكدب يا... دلف في ذلك الوقت خالد الذي جاء على صوت الصياح الذي يصدر بقوة، ووقف بين يحي وشوقي. وأردف بغضب ليحي: "إيه يا عم يحي مهدي علينا شوية." "خليك براها أنت يا خالد عشان منخسرش بعض. أنا عملت لك حساب أكتر من مرة والـ...
ده مش هيحرم ومش سايبها في حالها." "لا سيبتها ومليش دعوة بيها بس شكل أنت مش مالي عينها وهي عمالة تلف وتدور عشان تلفت نظري وترجعني ليها تاني." أمسك يحي بإناء الماء الزجاجي ودفعه به على رأسه ليسقط الآخر مجددًا بألم شديد وهو ينظر الدماء بفزع وخوف مبالغ به. "أنت اتجننت يا يحي؟ هتموته في إيدك." "والله العظيم لو سيرتها جات على لسانه تاني ما هيكفيني فيها عمرك يا شوقي."
أنهى حديثه وأخذ سالي للخارج ثم للأسفل وذهب الاثنان إلى أحد الأماكن المطلة على النيل وجلسوا سوياً على سور قصير دون أن يتحدث كلاهما بشيء. "وبعدين جبتني هنا ليه؟ "بعيد عن دوشة البيت واللي حصل عشان تهدي ومتخافيش." "أهدي ومخافش إزاي وأنت قالب خلقتك عليا كده؟ "أه زعلان عشان المفروض لما حاجة تحصل وي كده تقوليلي عشان أنا أتصرف وأجيبلك حقك، مش أقعد زي خيبتها معرفش مراتي معاها إيه." أمسكت يده وأجابته بهدوء:
"ي يحي والله خايفة عليك ومش عايزك تدخل في أي مشكلة." "ستي متخفيش ياما دقت على الراس طبول واهو بصحتنا وعافيتنا." "خلاص بعد كده هقولك على كل حاجة بس تاخدني المنيا بقى عائشة عمالة تزن عليا وأنا اتحرجت منها ومن طنط." "والله هنروح بس أخلص كام حاجة في الشغل وأفضي ونروح." "أنت قولتلي هنروح الأسبوع اللي عدى ومرحناش، عارف لو ضحكت عليا تاني؟ "هتعمل إيه يا سطا؟ "لم إحنا في الشارع." "طيب متيجي نروح ونبقى براحتنا."
"لا خلينا هنا الجو حلو أوي." احتضنها هو الآخر بهدوء، وأخذا ينظران للماء أمامهما وكلاً منهم شارداً فيما يشغل تفكيره، حتى قطع شرودهم صوت حاد من خلفهم. "انزلولي يا حلو منك ليها فاكرين نفسكم عبد الحليم وشادية." انتفضت هي بخوف وكادت أن تبتعد ولكنه جذبها مجددًا لأحضانه. وأردف بصوت هادئ: "عشان إحنا مع بعضينا ولاول مرة لوحدينا ولا حد بيبص علينا غير فرحة قلبنا وعنينا. حاجة غريبة."
"هي فعلاً حاجة غريبة. إيه الصوت اللي ورانا ده؟ استدار يحي للخلف وأبعدها عنه قليلاً ووقف الاثنان أمام الشرطي. "لا حنين بطايقكم وقدامي على البوكس." "والله يا باشا أنا قولتلها تروح البيت قالتلي الشارع أحسن." "أنت بتقول يا يحي؟ "أنت شكلك مبرشم يا واد منك ليها. قدامي." "والله إحنا متجوزين ده جوزي." "متجوزين يا باشا والقسيمة أهي مطلعتش من المحفظة من يوم الفرح غير ليك." "بداية مبشرة."
"طيب يا عم احضن جوه بيتك بلاش تسمع كلامها عشان محدش يفهمك غلط." "معاك حق يا باشا." "قدامي يا هانم على العربية ده أنتِ ليلتك سودا." "هو أنا اللي قولتك تجيبني هنا." "اتخانقوا في بيتكم يلا من هنا." ذهب يحي وسالي إلى سيارتهم وهم يضحكان بهدوء على ما حدث وما يحدث لهم دائمًا عندما يذهبان للخارج. *** وفي منزل فرح. "بتعملي إيه يا فرح؟ "مفيش كنت بذاكر لكريم وهو خلص وبيلعب شوية وهينام. أجهزلك العشا."
"لا روحي اجهزي وجهزي كريم هنخرج نتعشى بره." "لي في إيه؟ "مفيش حاجة هنروح نتعشى في المطعم بتاعي بقالنا كتير مروحناش هناك." "آه مروحناش من زمان. إحنا كنا بنروح أنا وأنت لما كنت بتعزم صحابك هناك وبترجع تقلبها نكد عليا. وبقالنا أكتر من سنتين مروحناش هناك فـ خلينا هنا أحسن." "مش هنخرج مع حد أنا وأنت وكريم وبس. وأوعدك يا ستي مفيش أي خناق ولا نكد خالص." "هو في إيه بالظبط؟ إيه التغيير المفاجئ ده؟
أرجوك لو في حاجة قولي أو ناوي على حاجة برضه قولي عشان حرفيًا مبقتش مستحملة أي صدمات." "ناوي ندي فرصة نبقى كويسين يا فرح." "نبقى كويسين؟! ودلوقتي؟ إيه اللي حصل عشان تاخد القرار ده."
"مش هكذب عليكي وأقول عشان بحبك. أصل أنا ي فرح من يوم ما رفضتيني بدل المرة اتنين وتلاتة وأنا دفنت حبك ده بس اتجوزتك واللي حصل حصل. أنا عايز نعيش زي أي عيلة عشان كريم. قدامنا فرصة ونشوف مش هقولك عشاني وعشان حياتنا والبيت، بس فكري في كريم يستاهل ندي بعض فرصة عشانه." نظرت له مطولاً بصمت وتعجب شديد. "مالك في إيه؟ "مستحيل يكون محمد جوزي اللي بيتكلم ده. مستحيل." ضحك بهدوء وأجابها:
"طيب ممكن تجهزي بسرعة وتجهزي كريم، لأني محتاج أرجع بدري عشان الشغل." "حاضر هنجهز." ذهبت هي للغرفة، فابتسم هو بشرود وهو يتذكر تلك الفتاة التي جعلت لقلبه أن يشعر بغيره ويتغير كثيرًا. حولته لشخص آخر دون أن تقصد ولكنها للأسف تركته. فهل سيبقى شخصًا جيدًا أم الطبع يغلب التطبع وسيعود لسابقه. *** وفي اليوم الثاني في ورشة مندور. "البيه فين؟ بقالي ساعة مستنيه." "قال جاي بالراحة بس عشان خاطري."
دلف لهم خالد وجلس على الأريكة بملامحه الغاضبة وأردف بجمود: "عايزين إيه؟ "شايف قلة أدبه؟ "ده اللي بقى عندي عايز إيه يا مندور؟ "اتلم يا خالد بقى ومتزودهاش." "سيبه يا يحي، هو نسي كمان مين اللي رباه وكبره." "ونعم التربية بصراحة أحيك عليها طلعت مجرم وتاجر هروين قد الدنيا." "اكتم يا خالد ومتخليش صبري عليك ينفذ عشان وقتها مش هرحمك." "خلينا في الشغل يا جماعة."
"عدنان بيقول أسبوعين والبضاعة هتيجي. بضاعة هتقعد هنا في مصر ٦ شهور يعني كمية كبيرة أوي." "أنا مش معاكم. مع نفسكم." "مش بمزاجك. واسمع حق توني اللي أنت عايز تجيبه قصاد شغلك معايا." "حق توني عندك يا مندور أنت السبب. لو هاخد تاره من حد يبقى أنت." "أنت هتتخرف يا خالد ولا إيه؟ متشوف نفسك بتتكلم إزاي ومع مين؟
"أنا عارف كويس أنا بتعامل مع مين. مندور العشري اللي استغل موت أبويا وأمي ودبسني في الشغل معاه. ولما رفضت اشتغل معاه حبسني من غير لا أكل ولا شرب وضرب وإهانة وطرد في الشارع في عز البرد. واستغل جريمة أخويا اللي دافع بيها عن شرفه وأجبره يشتغل معاه لا وحببه في الشغلانة كمان. وتوني... تابع وهو يرمق مندور بسخرية لازعة: "فاكر عملت إيه في توني يا حاج؟
فاكر لما أبوه مات جيت وخليت صاحب البيت يطرده هو وأمه في الشارع وأنت تدخل تشتري البيت وعشان توني يسد الدين اللي عليه يشتغل معاك. وغيره وغيره كل اللي شغالين هنا فران أنت صايدهم وبتلاعبهم بمزاجك واللي يروح فداهيه أو يموت ولا يفرق معاك. حتى يحي جرجرته للطريق هنا بنفس طريقتك الوسخة واستغليت اللي حصله زمان. وسليم اللي سبت عمر يأذيه ويسجنه وأنت تدخل وتخرجه وتعمل فيها الشريف الغلبان عشان تجيبه هنا. بس عمر أخده منك. إنتوا مش بس بتتاجروا في سم بيموت الناس. انتوا بتتاجروا بالبشر وبتأذوهم أكتر ما بتأذوهم بالمخدرات."
"لو مغورتش من وشي يا خالد، لو ممشيتش من وشي هقتلك مكانك." ذهب خالد للخارج ووقف يحي شارداً بتلك الحقائق التي استمع إليها. "تصدق كلامه ده؟ "لو مصدق مكنتش قعدت هنا يا حج. المهم خلينا نخلص العملية دي من غير خالد لحد ما يهدي عشان خاطري أنا." تنهد مندور بضيق ثم بدأ يتناقشون في العمل. *** وبالمساء صعد يحي بجوار خالد في سيارته وملامحه جامدة للغاية. "عايز إيه يا يحي؟
"أنا معاك يا خالد. معاك وعايز أخلص من القرف اللي دخلت فيه ده وآخد مراتي وأعيش مرتاح." "عاش يا صاحبي، بس أنا مش لوحدي." "إزاي يعني مش لوحدك؟ "يعني في واحد اتكوى بنارهم وداق الظلم زيك ليه حق عندي معاهم وهدفه زي هدفنا." "مين ده أعرفه؟ "مظنش إنك تعرفه كويس." وقف خالد بسيارته أمام أحد المنازل شبه الخالية من الأشخاص، وهبط من السيارة ومعه يحي ودلف إلى داخل المنزل الملئ بالتراب. "إيه يا عم أنت متعاون مع هولاكو ولا إيه؟
"أعرفك سليم زينهم." "أنت؟ "أهدي يا سليم يحي جدع وابن حلال بس اتظلم زيك وأنيل كمان ودلوقتي عايز يبعد عن القرف ده وهدفه هدفنا." "طيب كويس كده حاجات كتير هتبقى أسهل." "عشان نوقع الشيمي وأخوه مندور يقع قبلهم وعشان نوقع مندور يبقى عدنان يقع قبلهم." "وبكده لازم عدنان يحي مصر." "ساهلة. عدنان أبوه في مصر ونخليه يجيله في أي وقت عايزينه." "أول مرة أعرف إن عدنان أبوه في مصر."
"اسمعوا بقى اللي أنتوا الاتنين متعرفوش عنه حاجة. سعاد مرات خالي مكنتش بتخلف زمان. في الوقت ده كان مندور بيروح عند راجل كبير في لبنان هو اللي بدأ يعمل البذرة ويبعتها لمصر. المهم مندور اتجوز بنته ومحدش هنا في مصر يعرف حاجة وخلف منها ولد بس مخليه في لبنان وباعده عن مصر خالص. ومرات خالي عملت حقن مجهري وخلفت نور. بس مندور مش بيجيب ابنه مصر ولا معترف بيه ولا حتى متسجل باسمه ده اسمه على اسم أمه لحد الآن ليه معرفش."
نظر له الاثنين بشك، فتابع هو بابتسامة بلهاء: "عدنان هو ابن مندور." "ييييييي؟؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!