الفصل 17 | من 28 فصل

رواية القصه واللي كان الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحاب القاضي

المشاهدات
18
كلمة
13,625
وقت القراءة
69 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

يا مش هتحضري خطوبتي وكتب كتابي يا سالي؟ ده أنا أجّلتها مخصوص لحد ما تخلصي امتحاناتك، وفي الآخر تروحي المنيا وما تبقيش معايا في اليوم المنيل ده؟ سالي بضحكة هادية: مين قال لك مش هحضرها؟ إحنا هنروح يوم أو اتنين بالكتير، وإنتي خطوبتك الأسبوع الجاي. سعاد بجمود: والنبي أنا معرفش خطوبة إيه دي اللي لا العريس بيكلم العروسة ولا بيخرجوا ولا أي حاجة من اللي بيعملوها المخطوبين دي. نور بضيق:

أنا لما بخرج معاه أو نتكلم بنتخانق، فقولت بلاش منها أحسن لبعد الخطوبة. سالي بهدوء: طيب ما إنتوا مش متفقين أهو، يبقى بلاش منها الخطوبة. نهرتها سعاد بغضب: فال الله ولا فالك إنتي كمان. تابعت بنفس نبرتها وهي تنظر لنور:

هو الراجل مفيش منه ناحيته حاجة، هي اللي كل ما ييجي أو تخرج معاه تبقى قالبة خلقتها وترد له الكلمة بعشرة، ولا وشها بتبقى عاملة زي اللي مات لها ميت، وعاملة زي إيه ده آخر حاجة على موضوع الخطوبة، أنا راضية بزمّتك يا سالي، توني ميت له ٤٠ يوم، أمه وأميرة جم وقالوا لها تفرح وتعمل خطوبة والدنيا عادي، الهانم مرضيتش وقالت هتبقى خطوبة على الضيق في البيت، ولا حتى زغرودة ولا أغنية تشتغل. نور بغيظ:

ماما أنا داخلة أتخمد عشان لو فضلت قاعدة في وشك إنتي مش هتبطلي كلام في الموضوع ده وأنا دماغي بتلف لوحدها. سالي بهدوء بعد أن ذهبت نور: براحة عليها يا مرات خالي، مش كده؟ وسيبها براحتها. سعاد بضيق: سيبك إنتي من نور دلوقتي، إزاي يا بنتي هتسافري وإنتي في بداية حملك كده؟ سالي بصوت هامس: وطّي صوتك يا مرات خالي، أنا مش عايزة حد يعرف بعدك غير يحيي. أجابتها سعاد: طيب ومقولتلوش ليه دلوقتي؟ سالي بابتسامة هادئة:

عشان لو قولتلُه هيأجل السفر، وأنا مصدقت وافق. سعاد بهدوء: طيب يا حبيبتي ربنا يقومك بالسلامة يا رب، وخلي بالك من نفسك وتخليه يسوق بالراحة. سالي بإيماء: حاضر يا مرات خالي. *** وفي المكان الخاص بمقابلات خالد ويحيي وسليم، كانوا يجلسون سوياً وتحدث يحيي قائلاً بحدة: البضاعة جت من يجي شهر يا خالد وإنت قولت هتعرف تجيب عدنان ومجاش. خالد بهدوء: اهدّي طيب، عدنان هيجي، أنا كل ده كنت بحاول أخلي جيدا متسافرش وتفضل هنا، وهي قعدت.

سليم بجدية: وهي جيدا اللي هتجيبه يعني؟ خالد بجمود: أيوه، جيدا أكتر حد عدنان بيثق فيه، يمكن أكتر من أبوه اللي هو مندور نفسه، وهي الطريق الوحيد اللي هتساعدنا نوصل لعدنان. يحيي بنفاذ صبر: مهو كل ده ماشي، هنجيبه إزاي ده المهم. خالد بابتسامة هادئة: لو خالي تعب وحالته بقت صعبة جداً، عدنان هينزل لأبوه. يحيي بتفكير: استنى، مندور مش هيسمح له ينزل. سليم بابتسامة ماكرة: هي دي مهمة البنت اللي اسمها جيدا صح يا خالد؟

أجابه خالد بهدوء: بالظبط كده، بس المشكلة في هنخلي مندور يتعب إزاي. نهض يحيي من مجلسه وأجابهم بهدوء: دي مهمتي أنا. سليم بقلق: إنت هتعمل إيه؟ إحنا مش عايزين حد يشك فينا. يحيي بهدوء: اطمّن، الموضوع محلول، همشي أنا عالمنيا بقى. خالد بجدية: متتأخرش يا يحيي عشان بعد أسبوع أول عملية هتم في مصر. يحيي بابتسامة مرحة وهو يذهب للخارج: ده لو تمت بس. ***

وبعد قليل في منزل سليم، وضعت حجابها وقامت بفتح الباب الذي كان يُطرق، لتجد فارس يقف أمامها وتلك النظرات المليئة بالحزن واللوم مصوبة باتجاهها. الهام بهدوء: إزيك يا فارس؟ أجابها بجمود: كويس، سليم هنا؟ الهام بتعجب: لأ، مش هنا، هو طلع من شوية وقال رايح الجامعة عشان يشوف حل في رسالة الدكتوراه بتاعته، افتكرك معاه هناك. فارس بقلق: جامعة إيه؟

سليم اتطرد من الجامعة من لما اتقبض عليه ومجاش تاني خالص، وأنا مشوفتوش من لما خرج، وقولت أسأل عليه. أتت لتجيبه ولكن قطع حديثهم صوت سليم الذي جاء للتو. سليم بحدة لفارس: إيه اللي جابك وعايز إيه؟ الهام بتوتر: سليم، فارس كان ديما معانا وقت ما كنت مقبوض عليك، الراجل كتر خيره. سليم بغضب: فعلاً كتر خيره، بيريح ضميره بقى الراجل. فارس بهدوء: يا سليم بلاش الكلام ده ليا أنا، كله كان قدامك وكان غصب عني، كنت هخرج معاك. سليم بحدة:

في ستين داهية أنا كمان. الهام بقلق: في إيه؟ حد يفهمني، وتعالوا ادخلوا جوه بدل الوقفة اللي على الباب دي. سليم بغضب: مش هيدخل جوه عشان اللي كان سبب في دخولي السجن واعترف عليا زور وكذب ميستاهلش يكون صاحبي. الهام بصدمة وعدم تصديق: ده بجد إنت عملت كده يا فارس؟ فارس بحزن: والله غصب عني، أنا ما كان بإيدي حاجة تاني أعملها، وكله كان قدامك يا سليم. أجابه بحدة: ماشي يا فارس ومتورينيش وشك تاني.

دلف سليم داخل المنزل ومعه شقيقته مغلقاً الباب بوجه فارس. *** وفي ذلك الوقت كان يحيي يقود السيارة بهدوء وهو ينظر أمامه بشرود شديد، أما هي كانت تجلس بجواره وهي تنظر من النافذة بابتسامة هادئة، وما إن نظرت له حتى لاحظت ملامحه الغاضبة فأردفت بجمود: لو المشوار هدايقك نرجع، يحيي خلاص. أجابها بهدوء: مش مضايقني يا سالي، بس في كام مشكلة في الشغل شاغلين بالي بس. أجابته بهدوء: خير إن شاء الله. يحيي بجدية:

بصي عشان نبقى متفقين، ماما وياسين وعائشة حاجة، والأسطي عادل حاجة تانية خالص. سالي بتوتر: إنت هتخوفني ليه؟ عائشة قالت لي إنه طيب جداً. أجابها بسخرية لازعة: هي دي المشكلة، إنه طيب جداً وبزيادة. عادت به ذاكرته للخلف، لذلك اليوم الذي خرج فيه من السجن. كان يجلس بجوار والدته وشقيقه وشقيقته الذين لم يراهم طيلة السنوات التي ظل بها وحيداً في ذلك السجن. قمر بدموع وابتسامة حزينة: حمد لله على سلامتك يا حبيبي، نورت بيتك.

أجابها بهدوء: ده نورك يا ماما. أردف ياسين بمرح: بس قول لي يا يحيي، هما في السجن كانوا بيشيلوا لك حديد ولا إيه؟ ده إنت بقيت ولا الشحات مبروك. يحيي بضحكة هادئة: إيه ده، اللطافة اللي بقيت فيها دي. عائشة بابتسامة واسعة: هو آه بقي شبهك أوي في الشكل، بس مش واخد خفة دمك خالص، ده واخد رخامة الدنيا كلها. ابتسم يحيي على حديثها ولم يجيب عليها بشيء. فأردفت هي بحزن: لأ بقى، هو في إيه؟ ياسين: في إيه؟ إنتي حد كلمك يا بت إنتي.

أجابته بدموع: عمّك أخوك من لما دخل واخدك إنت بالحضن وماما وقمر، وعندي أنا بالعافية مد إيده يسلم عليا، ودلوقتي مش راضي حتى يكلمني كويس. أردف بدموع متحجرة: هتصدقيني لو قولت لك مش قادر أبص في عينك، أو خايف أكلمك أصلاً. أمسكت يده وأجابته بابتسامة هادئة من وسط دموعها: ولي كل ده؟ إنت مكنش ليك ذنب، بالعكس إنت دمرت حياتك كلها وإنت بتدافع عني، ولو حد لازم يكون حاسس بالذنب فهي أنا مش إنت. مسحت قمر دموعها وأردفت بهدوء:

إيه اللي فتح السيرة دي تاني؟ الموضوع خلص خلاص، واللي عدي ننساه، واللي عملوه فينا كده مالهمش وجود في حياتنا. تابعت وهي تشير لعائشة: مرزوعة عندك لي؟ قومي جهزي معايا الأكل يلا. دلف للداخل في ذلك الوقت والده الذي كان ينظر أمامه بحزن شديد. ياسين بمرح: بابا تعال، يحيي خرج من السجن. نظر له عادل بدموع متحجرة، فحين بادله يحيي النظرات بأخرى مبتسمة ومليئة بالاشتياق. قمر بابتسامة هادئة:

إيه يا عادل مش هتاخد ابنك في حضنك وتقول له حمد لله على سلامة؟ أجابها عادل بدموعه: أخده في حضني، بس بعدها هطرده من هنا. نظر له الجميع بقلق، فحين اختفت ابتسامة يحيي وهو ينظر لوالده بعدم تصديق. قمر بقلق: قصدك إيه؟ هو ده وقت هزار يا عادل؟ عادل بدموع وجدية: بهزرش، خليل قالي مش هينفع يقعد هنا وإلا هيرجعه السجن تاني وهيأذينا، فلازم أمشيه من هنا.

أنهى حديثه ثم تقدم من يحيي وجذبه من ملابسه بقوة وذهب به للخارج المنزل، وقام بدفعه بقوة أمام الجميع. وصاح فيه بقوة وهو لا ينظر له: امشي من هنا، أنا مش هقعد في بيتي واحد رد سجون. أتت ضحكات عالية من جوارهم وما كان هذا إلا خليل الذي يقف خارج سيارته يرمقه بشماتة وأردف ببرود: جدع يا أسطى عادل، إحنا مش عايزين الحتة تتوسخ بالأشكال دي. نظر هو لوالده بدموع هبطت بالفعل على وجنتيه وأردف لوالده:

همشي حاضر يا حج عادل، مكنتش أتوقع أبداً إن يوم ملجأ ليك وأنا مكسور إنك تكمل عليا بالشكل ده عشان ترضي الباشا، أنا همشي ومش هرجع تاني يا بابا اطمن. نظر له والده وهو يغادر ويمسح دموعه بطرف يده، وكتم غصته فهو خائف بقوة على عائلته من بطش وقوة ذلك اللعين خليل. ياسين وهو يذهب خلف يحيي: استنى يا يحيي أنا هاجي معاك. صاح به والده بقوة: لو اتحركت وراه خطوة واحدة هكسرلك رجليك، خد أمك واختك واطلع فوق يلا.

نظرت له قمر بحزن شديد ولوم أكبر وذهبت للأعلى ودموعها لا تكف عن الهطول، والآن ذهب ابنها ولا تعلم ماذا سيحل به. فاق من شروده على صوتها وأصبحت دموعه تلمع في عينيه بقوة. سالي بقلق: إيه السرحان ده كله؟ روحت مني فين؟ أجابها بتنهيدة طويلة: آخر مرة روحت فيها بيتنا وإزاي أبويا طردني بأبشع الطرق في أكتر وقت كنت محتاج أهلي جنبي فيه. سالي بعدم تصديق: هو عمل كده؟ ليه طيب؟ أجابها بدموع هبطت بالفعل:

عشان أنا بقيت رد سجون، أو بمعنى أصح عشان اللي كان السبب في سجني هو اللي طلب منه يعمل كده، والحج عادل طيب أوي وبيخاف على عيلته أوي، فنفذ له طلبه. سالي بفضول: وإنت عملت إيه بعد كده؟ جيت لخالك صح؟ يحيي بجمود:

اختيار إني أجي لخالك آخر حاجة لجأت لها، أنا حاولت أشتغل في المنيا أي حاجة، أي حاجة بجد حتى في قهوة روحت أشتغل، لقيت كله خايف مني وكأني فعلاً مجرم وقتّال قتلة، وفي الآخر افتكرت عرض خالك اللي عرضه عليا في السجن وأنا كنت على تواصل مع خالد، حتى هو الوحيد اللي كان بيجي يزورني في السجن، بعد ما خرج، فكلمته وجيت عندكم. أجابته بابتسامة هادئة وهي تحتضن يده بكفها الصغير: كويس وملقتش شغل عشان جيت وشفتك وبقيت في حياتي. قبل يدها

بهدوء وأجابها بنفس نبرتها: لو هدور في اللي حصل من أول ما دخلت السجن لحد دلوقتي على حاجة حلوة، فمش هلاقي غيرك ولا أحلى منك. توردت وجنتيها بخجل وابتسمت بهدوء وهي تنظر ليديها الممسكة بيده بصمت، ابتسم هو أيضاً على خجلها الذي يزيدها جمالاً فوق جمالها، ثم أوقف سيارته أمام أحد الأماكن التجارية البسيطة وأردف بهدوء: هينزل أجيب سجاير، أجيب لك حاجة معايا؟ أجابته بابتسامة واسعة:

أيوه هات لي عصير وآيس كريم وحاجة آكلها عشان جعانة أوي وشوكولاتة. يحيي بمرح: تعالي كُليني يا سالي بالمرة. لكمته بخفة في كتفه وهي تضحك بهدوء وأجابته: رخيم، بطل بخِل. أجابها وهو يذهب من السيارة: حاضر يا قلبي هبطل بخل. ذهب هو إلى ذلك المحل التجاري تحت متابعتها له من السيارة وابتسامتها الواسعة التي لم تفارقها، ثم وضعت يديها على بطنها. وأردفت بابتسامة سعيدة وعينان لامعتان بفرحة كبيرة:

بابا هيفرح أوي لما هيعرف إنك هنا يا حبيب ماما، أو حبيبة ماما. أكبر يلا عشان أعرف أكلمك كويس. لاحظت مجيئه فصمتت وهي تحاول إخفاء ابتسامتها. *** وفي شركة عمر عزام، يجلس أمامه شوقي ويتحدث بابتسامة صفراء مثله، ورد عليه عمر قائلاً بخبث: اممم، يعني إنت جاي يا شوقي وعايزني أجبر سليم إنه يديك ابنك؟ شوقي بتوتر:

ده من عشمي فيك والله يا عمر بيه، وبعدين إحنا بقينا نسايب وقولت إنك مش هتبخل تساعدني، خصوصاً إن الواد سليم بقى تحت أمرك دلوقتي. عمر بجمود: والمقابل؟ شوقي بتوتر أكبر: أنا يعني... قاطعه ببرود: بص يا حبيبي، مانا مش بتاع أعمل الخير وأرميه البحر، عمر عزام مش كده يا شوقي، أنا كل حاجة بعملها لو مش مستفيد منها مش هعملها. شوقي بقلق: اللي تطلبه يا عمر بيه، المهم ابني يرجع لي. عمر بحقد شديد: خالد أخوك... شوقي بخوف: ماله خالد؟

عمر بنفس نبرته الحاقدة: يبعد عن نور وخطوبتي تتم، لا جوازي كله يتم من غير ما أخوك يعمل حاجة، عشان هدوءه ده مقلقني وأنا مش عايز أدخل بينا دم وإحنا نسايب. شوقي بخوف شديد: دم؟! أجابه عمر بحقد: آه دم، عشان اللي هيفكر يبعدها عني هدبحه يا شوقي. عندما ذكر أمامه تلك الكلمات بدون قصد جعل شوقي يرتعش خوفاً وأخذت تظهر أمامه صور لأشخاص مذبوحين ودمائهم تغرق يديه، فأنتفض بقوة. عمر بتعجب:

متخافش، أنا قلت لك مش عايز دم في الموضوع، عشان كده مقابل أرجع لك ابنك تبعد أخوك تماماً عن حياتي أنا ونور. شوقي بتوتر وهو يقوم بتجفيف جبهته بيده: اللي تشوفه، خالد مش هيقرب منها تاني لا بزين ولا بوحش، حتى أنا مخلّي مراتي تدور له على عروسة أهو يتشغل فيها. عمر بابتسامة واسعة: حلوة الفكرة دي، جوّزوه واخلصوا منه. شوقي بقلق: وابني؟ عمر بهدوء:

دقيقة هجيب سليم وهخليه يجيب لك ابنك لحد عندك، ولو عايز مراتك ترجع كمان أخليه يجيبها. شوقي بغضب: لأ، خليها، أنا عايزها ترجع لوحدها، المهم آخد تبني منها وبس. يوجد حولنا الكثير من عينة عمر وشوقي يستغلون ضعف الآخرين ويتمتعون بتعذيبهم كي يفتخرون بقوتهم، ولم تكن هذه قوة بل قمة الضعف الذي يحاولون إنكاره بهذه الأفعال، ولكن هل سيدوم ظلمهم أم للقدر رأي آخر؟ ***

وفي منزل مندور، كانت تقف نور على السطح الخاص بمنزلهم وهي تعقد ساعديها أمام صدرها وتنظر أمامها بشرود ودموع متحجرة، وكل ما يمر بخيالها ولا تستطيع طرده هو وذكرياتهم سوياً منذ الطفولة حتى الآن، اللعب سوياً والركض بجميع أنحاء الحي، وهو يمسك بيدها ويصلها إلى مدرستها وأيضاً تعنيفه لها عندما كانت تلعب مع أحد غيره، وعندما كبرا وهما يذهبان للخارج سوياً بمفردهم وهداياه والأعياد وتلك العيدية التي تأخذها منه قبل أن تأخذ من والدها، حتى ملابسهم التي كانوا ينتقوها سوياً حتى يظهران مميزين عن الجميع، هبطت دموعها بقوة وهي تتذكر تلك الأشياء.

انتفضت بفزع ما إن استمعت لخطوات خلفها، فمسحت دموعها واستدارت لتجد من، وما كان إلا هو يدلف خارج تلك الغرفة التي توجد على السطح وهو يرتدي قميص بدون أكمام أبرز عضلاته بشكل جيد وملامحه يبدو عليها النوم وشعره ينزل على جبينه ليعطيه شكل جميل للغاية. أردفت بجمود وهي تشيح بنظرها للجهة الأخرى: معلش، مكنتش أعرف إنك هنا. أجابها بجدية: بتعيطي لي؟ نور بحدة: ملكش دعوة. أتت لتغادر ولكنها استدارت له وأخذت تنظر له بغيظ وأردفت:

هو إنت هتحضر خطوبتي أنا وعمر ولا مش هتبقى فاضي وهتبقى مع الهانم اللبنانية؟ ابتسم بهدوء وهو يمسح على وجهه بيده وأجابه: لأ طبعاً، ده أنا أفضل لك مخصوص يا نور. تابع وهو يقترب منها بقوة: وكمان لو عايزني أنزل أختار معاكي فستان الخطوبة موافق. ابتعدت عنه بغيظ وأردفت: لأ شكراً، مستغنية عن خدماتك.

أتت لتغادر فجذبها من ذراعها بقوة له فارتطمت به وهي تستند بكفيها على صدره وحاوط خصرها بيده الأخرى وأصبح وجهها أحمر بخجل شديد، أردفت بتوتر شديد وهي تحاول الإفلات منه: نور، إنت بتعمل إيه؟ أوعى كده خليني أنزل. أجابها بصوت هامس وهو يقرب وجهها منه: مالك بتتنفضي لي؟ اهدي، ده أنا خالد يا نور. حاولت دفعه عنها بقوة ولكن الآخر كان محكم قبضته عليها فاجابته بغضب: نور، إنت اتجننت؟

إحنا على السطوح، وبعدين إنت من امتى بتتصرف كده معايا. أردف بابتسامة واسعة: من النهارده، أنا حر وبراحتي. أنهى جملته ثم قام بتقبيل وجنتها، لتتسع مقلتيها بصدمة من فعلته الجريئة هذه، فدفعته بقوة فحين ابتعد هو عنها وهو يضحك بهدوء. صاحت به بغضب: إنت فاكر نفسك إيه، وعايز توصل لإيه بطريقتك دي؟ إنت بجد كل يوم بتنزل من نظري أكتر من اللي قبله. أجابها بنفس هدوءه:

أنا عمري ما نزلت من نظرك، ولا عمرك هتقدري تبطلي تحبيني، بلاش تكذبي على نفسك. نور بحدة: إنت عايز إيه؟ ارحمني بقى وسيبني في حالي. أجابها هذه المرة بغضب: مش هسيبك يا نور، أنا سايبك تغلطي دلوقتي براحتك عشان لما أديكي على دماغك محدش يلومني، ولولا إني واثق إنك مش مديه للزفت اللي بتقولي خطيبك ده ريق حلو، أنا كنت دفنتك قبل ما تفكري تتخطبي له، بس أنا عارف إنك مع أي راجل غير خالد بتبقي عسكري. أردفت هذه المرة بغيظ وغضب:

لأ غلطان، بس على فكرة أنا ظلمت عمر لأن القلم اللي اديته لعمر لما باسني في عربيته كان لازم إنت تاخده، بس معلش أنا هقول له على اللي حصل وهو بقي يديه لك راجل لراجل. خالد بابتسامة ساخرة: دوري على غيرها يا نور، مش هتغاظي كده أنا، لأني عارف إنك بتكذبي. نور بنبرة واثقة: مش محتاجة أكذب وأقول لك ضربته لأنه باسني، كنت هقول باسني بس مثلاً، وبعدين هو خطيبي وقدام الناس كلها أنا وهو لبعض وبنبقى في العربية لوحدنا أغلب الوقت و...

صاح بها بغضب: غوري من وشي يا نور، انزلي عشان مرمطيش من فوق يلا. انتفضت بخوف من نظراته التي اشتعلت بغضب شديد، وركضت لأسفل، فحين دفع هو المقعد الخشبي الموجود على السطح بقدمه. وأردف بغضب شديد: ماشي يا نور، وحياة أمك لأربيكي يا بت الجزمة وأربي الو*** التاني على اليوم اللي فكر يقرب منك فيه. ***

وبمكان آخر، تقف فرح بالمطبخ الخاص بمنزلها وهي تعد وجبة الغداء، فجاء هو ووقف خلفها وهو ينظر لها بهدوء، استدارت هي كي تجلب بعض الأشياء وما إن رأته يقف خلفها شهقت بفزع وأردفت بأنفاس متسارعة: فرح: إيه واقف كده ليه يا محمد؟ أجابها بهدوء وهو يدلف للداخل: لأ مش واقف، أنا كنت داخل أشرب مش أكتر. فرح بقلق: مكنتش ناديتبي طيب وأنا هجيب لك. أجابها بابتسامة هادئة:

إنتي مش فاضية فقولت أقوم أجيب أنا، وبعدين أنا متشلتش يعني عشان مقدرش أقوم أجيب كوباية ميه. فرح بسخرية وهي تعود لما كانت تفعله: مجدا، الأساس إنك الأول كنت مشلول يعني. ضحك بهدوء وأجابه: أنا قولت هحاول أتغير فتخليكي جدعة وتعدي اللي عدي، اللي حصل زمان. نظرت له بجمود ونظرات تحمل الكثير من اللوم فاردف هو بهدوء: عشان كريم يستاهل تضحي صح؟ أجابته وهي تترك ما تفعله:

معاك حق، اتفضل بقى ضحي ياعم المتغير، وبما إنك فاضي جهز باقي الغدا، عارفة إنك بتعرف تطبخ. نظر لها بغيظ وحاجب مرفوع وهو يرمقها بجمود، فبادلته بابتسامة ساخرة وعادت لعملها. محمد وهو يقترب منها بهدوء: بصي أنا طبعي رخيم عارف، بس هتّنازل عنه وأساعدك نجهز الغدا تمام. أجابته بهدوء: اللي يريحك. أخذ يقطع بجوارها بعض الخضروات وأردف بجدية: ماما عايزانا نتغدى عندها بكرة، إيه رأيك؟ أجابته بتنهيدة ضيق:

ممكن ناجّلها ليوم تاني لأن بكرة الصبح كريم عنده تدريب في النادي و... قاطعها بهدوء: أنا بقول غدا مش فطار. فرح بضيقة: وهو مش اليوم اللي هنتغدى فيه عند طنط أنا بروح من الصبح أجهز الأكل؟ محمد بجمود: لأ إنتي معزومة هناك وبس، ولو عايزة تعملي حاجة فبراحتك، إنما ماما أنا جبت لها طباخة ومساعدة. أجابته بابتسامة رقيقة: لأ واضح إنك اتغيرت، على العموم تمام نروح. محمد بهدوء: ع فكرة ضحكتك حلوة أوي يا فرح. أجابته بغيظ:

من له اللي كان حارمني منها. محمد بضحكة هادئة: ماشي، لحّقي عليا براحتك. بادلته هي الضحك بهدوء، ثم بدأ يجهزان الطعام سوياً وكان هناك صغيرهم يراقبهم من الخارج وهو سعيد للغاية بهدوء والديه. *** دلف سليم لمنزله ليجد شقيقته تجلس بجوار صغيرها بهدوء، فأغمض عينيه يكبت دموعه وهو يتذكر ما حدث منذ قليل. فلاش باك. سليم بجمود: لو سمحت يا عمر بيه، أنا مش عايز أدخل الأمور الشخصية في الشغل و... عمر بهدوء وهو يجلس أمامه

على مكتبه بشموخه المعتاد: مين قال لك إننا بنتكلم في الشغل؟ أنا دلوقتي بكلمك كأني بكلم أخويا الصغير. سليم بنظرات جامدة: ده شرف ليا يا أفندم. عمر بخبث: يبقى تسمع الكلام، ادي الولد لأبوه كام يوم وبعدين ابقى روح خده منه. سليم بغضب مكتوم: وهو شوقي هيرضى يرجعه؟ وبعدين أختي إزاي آخد ابنها منها و... عمر بحدة: جرى إيه يا سليم؟

الولد هيروح عند أبوه، مش هنخطفه، وبعدين هو جه قاصدني ياخد ابنه وأنا مبحبش أكسف حد من حبايبي، وده بقى أبو نسب، يرضيك أكسفه؟ عيب ميصحش. سليم بجمود وحدة: وأنا آسف، مش هقدر أكسر أختي وآخد ابنها منها حتى لو كان هيروح عند أبوه. عمر بغضب: ماشي، بس من اللحظة دي اعتبر نفسك مطرود من هنا، ولا أي حد هيرضى يشغلك، وابن شوقي ورحمة أبويا لأخليه ياخده واختك مش هتشوفه تاني.

رمقه سليم بحقد شديد ولمعت الدموع في عينيه من هذا الذول الذي يتعرض له من هؤلاء المرضى. تابع عمر بهدوء: يا بني افهم، هو هيروح كام يوم وشوقي هيزهق منه وهيرجع لأختك، والقرار ليك برضه يا ابن زينهم. فاق من شروده على صوت شقيقته التي أردفت بابتسامة واسعة: واقف كده ليه يا سليم؟ تعالي اقعد لحد ما أجهز لك الغدا. أجابها بهدوء حاول إظهاره رغم انهياره داخلياً: لأ مش جعان، تعالي بس جوه عايزك في كلمتين. الهام بقلق: في إيه؟ مالك؟

حصل حاجة ولا إيه؟ سليم وهو يتجه لغرفته: تعالي بس ورايا هقول لك. الهام وهي تغلق باب الغرفة عليهم وأردفت بقلق: في إيه يا سليم؟ قلقتني؟ أجابها بدموع لمعت في عينيه: شوقي عايز ياخد يوسف كام يوم عنده. الهام بحدة: نعم! ياخد مين يا سليم؟ شوقي لو أخد يوسف مش هيرجعه، مستحيل آخده مني، قوله لأ، ولو عايز يشوفه ييجي يشوفه هنا ويمشي بس. سليم بحزن شديد: بس هو عايزه كام يوم عنده وأنا دلوقتي مقدرش أمنعه من إنه ياخده.

أجابته بنبرة خائفة: يعني إيه يا سليم؟ هتديله ابني؟ هتحرق قلبي وتديه له؟ هتحرمني من ابني يا سليم. احتضن وجهها الباكي بين يديه وأجابه ببكاء أيضاً: ورحمة أمي هرجعه لك وهندم كل كلب فيهم على اللي عملوه فينا ده. الهام ببكاء مرير: مش هقدر أسيب يوسف والله، هموت لو غاب عني شوية، عشان خاطري يا سليم. مسح لها دموعها وأجابها وهو يحاول الثبات أمامه: ممكن تهدي عشان خاطري؟

أنا هطلع أنزله تحت وهو هيكون مع أبوه وأنا والله مجرد وقت وهرجعه لك منه تاني، خليكي واثقة في أخوكي. تركها تبكي بقوة وذهب للخارج وأخذ الصغير وقام بتوصيله إلى تلك السيارة التي يجلس بها شوقي وأردف بهدوء وابتسامة هادئة وهو يجلس أرضاً ليكون بمستوى الصغير: يوسف، إنت هتروح تقعد مع بابا وماما لبنى كام يوم عشان ماما تعبت شوية، وهي هتيجي تاخدك لما تخف. أجابه الصغير بدموع: بس أنا مش عايز أسيب ماما. أغمض سليم عينيه بألم وأجابه

بابتسامة جاهد لإخراجها: مش إنت قولت لي إنك بتحب ماما لبنى؟ روح اقعد عندها كام يوم وأنا وماما هنيجي ناخدك يا حبيبي اطمن. أومأ له الصغير وذهب للسيارة بجوار والده وهو يمسح دموعه بحزن شديد، ذهب سليم لمنزله مجدداً فوجد شقيقته ترتدي ملابسها وتهم بالدلوف للخارج. سليم بقلق: رايحة فين يا إلهام؟ أجابته ببكاء وحدة: هروح لابني أنا مش هسيبه لوحده. صاح فيها بحدة: هتروحي فين إنتي؟ اتهبلتي؟ اقعدي وأنا قولت لك هرجعه لك.

أجابته ببكاء وحدة: وأنا مش هستناك ترجعه، أنا مش هخلي ابني يتحرم مني وأنا عايشة هنا أبكي عليه، أنا هرجع لشوقي واللي عايز يعمله فيا يعمله بس أكون مع ابني. أتت لتذهب للخارج، ولكن جذبها سليم بقوة لأحضانه لتنهار هي بالبكاء فأحضان شقيقها وهي تخفي وجهها بأحضانة وتشهق بقوة. أردف هو ببكاء أيضاً: ورحمة أمي متعمليش كده، أنا قلبي مش ناقص وجع. أبعدها عنه وأردف بنظرات ثابتة وعيون غارقة بالدموع:

والله هرجعه وهندمهم على كل اللي عملوه ده والله. *** وقف يحيي بسيارته أمام منزل أهله بالمنيا، فنظر لها ليجدها تنظر من النافذة حولها بابتسامة واسعة، أردف بابتسامة هادئة: نورتي المنيا يا لالي. نظرت له بابتسامة واسعة واجابتها: ول مرة تقولي لالي. أردف بابتسامة مشاكسة: عجبتك مني صح؟ أجابته بتهرب: طيب هننزل ولا هنقعد هنا؟ ضحك بهدوء وأردف: لأ طبعاً انزلي.

هبطت من السيارة وذهبت ووقفت بجواره، فحين أخذ هو ينظر للشوارع بتنهيدة طويلة، فمنذ شهور طرد من هذا المكان بأبشع الطرق والآن هو يعود وهو من أثرياء المنطقة والجميع حولهم يرمقهم بانبهار. سالي بضيق: وهو فين بيتها؟ أجابها بهدوء: مين تقصدي أمي؟ سالي بغيظ: لأ فرح اللي بنام وأصحى على اسمها اللي مكتوب على قلبك يا حنين. يحيي بهدوء شديد: اممم، روح البومة اللي جواكي طلعت. سالي بغيظ: إنت بتقول إيه؟ يحيي ببرود:

بصي آخر الشارع ده على إيدك اليمين كده هتلاقي بيتها، روحي ولو لقيتيها سلمي لي عليها. سالي بغيظ: وأنا إيه اللي هيوديني عندها إن شاء الله؟ ولا إنت بتتلكك عشان نروح هناك. أجابها وهو يضرب كفاً بالآخر: لأ حول ولا قوة إلا بالله يا رب، مش إنتي اللي بتسألي. صمتت وهي تنظر للجهة الأخرى بغضب، فتنهد هو بضيق ثم حاوطها بذراعه وأخذ يسير معها باتجاه منزل عائلته وأردف بهدوء:

يا غبية هانم بدل متسأليني كنت بلعب فين وأنا صغير، فين مدرستي بتاعت ابتدائي مثلاً، فين الورشة اللي كنت بشتغل فيها مع الحاج؟ بتسأليني عن بيت الاكس بتاعتي؟ يعنى خلاص بطلتي تحشري مناخيرك في حياتي، هتحشريها في مناخير الاكسات بتوعي؟ سالي بحدة: نعم، هو في كام اكس إن شاء الله عشان تقول اكسات؟ كاد أن يجيبها، ولكن دلف ياسين خارج مكان عمل والده وأردف بابتسامة واسعة وهو يحتضن شقيقه: لأ والله بالغالين نورتوا المنيا.

يحيي بصوت هامس وهو يبادل شقيقه العناق: كويس وطلعت قبل ما كنت هاجي تلاقينا ماسكين في شعر بعض. ياسين بخبث: إيه الخوف ده كله؟ اخص على الرجالة. لكمه يحيي في قدمه بقوة، فأنّ الآخر بألم فاردفت هي بقلق: مالك يا ياسين؟ في إيه؟ أجابها وهو يكتم ضحكاته: مفيش حاجة، ده شد عضلة رخم جه في رجلي، ما علينا، حلوة المفاجأة دي والله. يحيي بغيظ: متحوّر يالا، الهانم قالت لي إنها قالت لك إننا جايين. ياسين بهدوء:

ماما متعرفش ولا بابا، أنا وعائشة بس اللي نعرف. يحيي بجمود: أبوك فوق؟ ياسين وهو يتقدم باتجاه المنزل: لأ، هو راح التوكيل بيسلم حاجات هناك وجاي، تعالوا بقى نطلع فوق. يحيي وهو يمسك يد سالي ويذهب خلفه: إنت يالا مش عمال تبكي كل ما أكلمك وأقول لي أبويا ممرمطني في الشغل، أنا اتطّلع عيني، ده أنا افتكرت هاجي ألاقيك مفك أو دبرياش. ياسين بمرح وهو يصعد الدرج أمامهم:

لأ ما أنا استحميت الصبح ولبست الطقم اللي على الحبل وظبط حالي بدل ما الدكتورة تيجي تلاقيني مشحم ومزيّت، عيب يعني. سالي بابتسامة هادئة: إنت زي القمر في كل حالاتك يا ياسو. يحيي بغيظ: اخرسي ياما بدل ما أسفّحك بالقلم على وشك. ياسين وهو يكتم ضحكاته على غيرة شقيقه: عمّي بتجاملني، سيبها، اهو حد ناصفني في أم العيلة دي. وقف أمام الباب وطرقه بهدوء، وما هي إلا لحظات حتى فتحت شقيقته الباب وتبدو عليها اللهفة والاشتياق.

نظرت له بابتسامة واسعة ودموع املأت عيناها وركضت لاحضانه بقوة وأردفت بنبرة باكية: لأ والله زعلانة منك، بس وحشتني. بادلها العناق بهدوء وهو يحاول كبت دموعه وتجاهل كل ما مر كي لا يحزن شقيقته منه أكثر وأجابها وهو يبعدها بهدوء عنه: وأنا مقدرش على زعلك يا حبيبتي. ابتسمت له بهدوء، ثم مسحت دموعها ونظرت لسالي، ثم عادت النظر ليحيي وأردفت بابتسامة مرحة: دي طلعت أحلى من الصور ومش فلتر زي ما ياسين قالي. ياسين وهو يتصنع الخوف:

والله مقولتلها حاجة. سالي بقلق: إيه ده؟ هو قال لك إيه؟ عائشة وهي تحتضنها بقوة: سيبك مني وخش في لحم أخوك يا فواز. بادلته سالي العناق أيضاً بقوة وهي تضحك بسعادة تحت نظرات يحيي الفرحة بها وبعلاقتها بأشقائه، ثم دلف جميعهم للداخل. ياسين: خلاص يا حاجة خلينا ندخل ولا ما صدقتي شفتي بنات حلوة يا عم صلاح.

لكمته هي في كتفه بغيظ تحت ضحكات سالي ويحيي عليهم، وفي ذلك الوقت دلفت قمر خارج المطبخ وهي تصيح بعائشة وياسين غير ملتفتة لمن معهم. قمر بحدة: كفاكم مناكفة في بعض بقى فضحتونا في الشارع. صمتت وتجمعت الدموع في عينيها سريعاً وهي ترى من تحطمت روحها لاشتياقه يقف أمامها وهو بأبهى حالاته وينظر لها بابتسامة هادئة. قمر بابتسامة واسعة ودموعها تنهمر على وجهها: يحيي.

ذهب لها سريعاً ودون تردد أخذها لاحضانه بقوة وهذه المرة لن يستطيع كبت دموعه وكذلك هي التي ضمته لها بقوة وهي تقبل كتفه بهدوء وتربت على ظهره بحنان. ابتعد عنها ومسح دموعه وأردف بابتسامة هادئة: وحشتيني يا قمر. أجابته بلوم وهي تلكمه بكتفه بهدوء: هان عليك كل ده متسمعنيش صوتك؟ مش كفاية حرماني منك سنين و... يحيي بهدوء: خلاص بقى وغلاوتي عندك متزعليش. أجابته بابتسامة حنونة: عمري ما هازعل منك يا نور عيني.

اتجهت بنظراتها خلفه لتنظر لسالي التي تنظر لهم بابتسامة رقيقة للغاية مثلها، ابتسمت لها قمر واتجهت لها، وقبل أن تتحدث بأي شيء أخذتها في عناق طويل وبادلتها سالي العناق بقوة وهي تغمض عينيها بهدوء وقد شعرت بكم حنان هذه المرأة. ابتعدت عنها قمر وأردفت بابتسامة واسعة: نورتي بيتك يا مرات الغالي. أجابته سالي بنبرة رقيقة: منور بأهله يا طنط. قمر بسعادة كبيرة تظهر عليها: إنت جبت الحلاوة دي كلها منين يا يحيي؟

أخذ يحيي والدته من يدها بهدوء وجلس على أحد الأرائك وبجوارهم جلست زوجته بجوار أشقائه. وأجابها بمرح: بصي يا ست الكل، هي تبان رقيقة وكانت كده في البداية لحد ما دبستني في الجواز وبعد كده بقيت تنادي عليا الشارع كله يسمعها. سالي بإنكار: لأ على فكرة هو بيهزر والله. قمر بضحكة هادئة: عارفة والله، هو والزفت اللي جنبك ده مش معاهم غير المسخرة وبس. ياسين بمرح: قولي لي بقى يا سالي إيه رأيك في حماتك؟ إيه أكتر حاجة عجبتك فيها.

قمر بثقة: مرات ابني حبّتني كلي على بعضي صح يا سالي؟ أجابته سالي بابتسامة واسعة: طبعاً يا طنط، حضرتك فعلاً تتحبي جداً، بس أكتر حاجة حبيتها أوي حضنك، يعني حضتيني بعشم كده مكنتش عايزة أسيبك بصراحة. يحيي بغمزة خبيثة: طيب ما أنا بحضن بعشم برضه بس بتهربي مني. ضحك جميعهم بقوة فحين توردت وجنتيها بخجل شديد من وقاحته تلك أمام أهله، وفي ذلك الوقت دلف والده للداخل، وما إن وجدهم حتى تهجمت ملامحه بغضب شديد. ياسين بمرح:

أهو الحاج عادل وصل، كده اكتملت العيلة. نظر له يحيي بهدوء وكاد أن يتحدث ويذهب لوالده كي يصافحه ولكن توقف مكانه عندما صاح والده بحدة: جاي ليه؟ ابتسم يحيي بسخرية تحت نظرات القلق من الجميع وبالأخص سالي وأجابه بهدوء: مكنتش أعرف وجودي هيزعجك أوي كده يا حج عادل. عادل بغضب شديد: يزعجني إيه؟ أيوه، من لما روحت ووسخت نفسك بالحرام اللي بتشتغل فيه، بقي وجودك يزعجني واللي مدايقني أكتر إنك جايب بنت المجرم اللي مشغلك معاه.

صاح به يحيي بغضب: لو سمحت، أنا هعدي أي حاجة إلا إنك تهين مراتي، أنا عديت كسرتك ليا زمان وعديت برضه إنك مصدق الوسخ خليل دلوقتي، لكن تهين مراتي وتتوقع إني هفضل ساكت مش هيحصل. عادل بحدة: لأ تعالي اديني قلمين يلا، مستني إيه؟ أمسك يحيي يدها بقوة وجذبها لتقف وأجابه بغضب: متربتش على كده منك يا حج عادل، بس اتعلمت منك إن المكان اللي متتقدرش فيه يبقى مقعدش فيه دقيقة واحدة. قمر بحدة ودموع:

مش هتمشي يا يحيي والله، لو مشيت لهمشي معاك ومش هدخل البيت تاني. عادل بحدة: إنتي بتهدديني يعني؟ طيب اتفضلي معاه يا قمر، أنا حياتي مش هتقف على حد. ياسين بحزن: بابا ارجوك كفاية بقى، هو من امتى خليل بيحبنا ولا يهمه مصلحتنا؟ هو بيكره يحيي وعايزك إنت كمان تكرهه وتطفشه في عيشته. عائشة بتأييد: أيوه والله، وكمان هو حاول يعمل كده مع ياسين بس ياسين طرده من الورشة، إنت ليه تصدقه وتكذبنا إحنا؟

نظر لهم عادل ببعض الاقتناع من كلامهم، ثم نظر لسالي. وأردف بهدوء: انتي أبوكي بيشتغل إيه؟ يحيي بغيظ: هي مش هت... قاطعته سالي بهدوء وهي تجيب على عادل: أنا بابا متوفي من وأنا عمري شهور، وماما ماتت وأنا عندي ١٢ سنة، وخالي ومراته هما اللي ربوني، خالي بيشتغل تاجر خشب كبير عنده كذا مصنع ويحي بيشتغل معاه. تابع ياسين بخبث:

ع فكرة يا بابا سالي دكتورة جراحة في آخر سنة في طب وبنت محترمة وجدعة جداً، أنا روحت حضرت الفرح واتعرفت على أهلها، هما فعلاً ناس كويسة ومحترمين جداً. نظرت له سالي بابتسامة هادئة على حديثها عنها وعن أهلها بهذا الشكل، فحين رمقها عادل برضا، فملابسها المحتشمة ووجهها البريء يوحي له بعكس ما توقعه وأوهمه به ذلك اللعين خليل، أردف بهدوء لها: متأخذنبش يا بنتي على الكلام اللي قولته، أنا بعتذر منك و... سالي بابتسامة واسعة:

لأ متعتذرش، حضرتك في مقام والدي، وأكيد طبعاً مش هزعل من حضرتك، الموضوع كله سوء تفاهم وحصل خير. نظر لها عادل بابتسامة هادئة، فحين ربتت قمر على يدها بهدوء. وأردفت لها: بنت أصول يا بنتي. ابتسم يحيي لها وهو يرمقها بفخر، فهي الآن أثبتت وجودها بين أهله دون أي مجهود منه. أردف هو بجمود: معلش يا جماعة بس إحنا لازم نمشي دلوقتي و... عادل بجدية:

مش هتمشوا، عيب تجيب البنت وتاخدها وتمشي على طول من بيت أهل جوزها، ولا نسيت الأصول كمان. تنهد يحيي بضيق وأجابه: لأ منستش بس مش حابب أدايقك بوجودنا. عادل بهدوء: وجود مراتك اللي واضح جداً إنها الحسنة الوحيدة في اللي إنت بتعمله مش هدايقني، وقولت مش هتمشوا النهارده يعني مش هتمشوا. قمر بابتسامة واسعة: خلاص بقى يا يحيي خليني أشبع منك ومن مراتك بقى. عادل بهدوء لسالي:

البيت بيتك يا بنتي، إنتي بقيتي منا دلوقتي، أنا هدخل أرتاح شوية. تابع وهو ينظر ليحيي بجمود: أنا لسه ليا كلام معاك يا أستاذ يحيي. ذهب عادل باتجاه غرفته، فحين أغمض يحيي عينيه يحاول تمالك أعصابه. همست له سالي بهدوء: ممكن تهدي وبلاش عصبية عشان محسش بالذنب إني خليتك تيجي. أجابها بابتسامة واسعة: هو أنا بقالي قد إيه مقولتلش إن بحبك. ابتسمت بخجل غير منتبهين لنظرات عائشة وياسين لهم وهم يكتمان ضحكاتهما. ياسين بصوت شبه باكي:

وعدني يا رب حتى بنعزة تحبني. عائشة وهي تجذب سالي من يدها باتجاه المطبخ: سيبك من النحنحة دي يا لالي وتعالي نجهز باقي الأكل مع ماما جوه. جلس يحيي مع ياسين وأخذ يتحدثان حول عمل ياسين بالورشة الحي وأشياء من هذه، حتى أتمت والدته وشقيقته وزوجته تجهيز مائدة الغداء، وجلس جميعهم عليها وكان يترأس الطاولة عادل وهو يتناول طعامه بهدوء، وكذلك الجميع. قمر بابتسامة واسعة: إيه رأيك في الأكل يا سالي؟ كادت أن تجيبها

ولكن أردف يحيي بمشاكسة: لأ دي آخر واحدة تاخدي رأيها في الأكل، دي بهدلة معدة ابنك يا قمر والله. سالي بدفاع: طنط أنا والله قولتل له إني مبعرفش أطبخ لأني كنت ديما مشغولة في المذاكرة، وقولت له ناجّل الفرح لحد ما أكون جاهزة أعمل كل حاجة في البيت، هو اللي مرضيش. قمر بهدوء: فداكي يا حبيبتي، وبعدين وقت ما تغلب كلميني وأنا هعلمك من الفون، مفيش أسهل من الطبيخ.

أومأت لها سالي بابتسامة هادئة، ثم لاحظت نظرات عادل لها فتوترت كثيراً وأخذت تتناول الطعام بخجل. عادل بهدوء: إنتي بتصلي يا بنتي؟ أجابته بهدوء: أيوه الحمد لله، وكمان أنا حافظة القرآن من قبل ما أدخل الجامعة، ومرات خالي عوّدتني أنا ونور بنتها على إننا نصلي الفجر من وإحنا صغيرين. عادل بابتسامة هادئة: بسم الله ما شاء الله، ربنا يزيدك يا بنتي. تابع وهو يرمق يحيي بحدة: والبيه جوزك لسه بيصلي ولا بطلها دي كمان؟

أصله زمان كان بيصلي بالناس في الجامع. توترت هي كثيراً وتعلثمت بالرد، فاجاب هو على والده بهدوء مستفزلاً: يا حج، بطلت أصلي من زمان كمان. ألقى عادل بملعقة طعامه على الطاولة بقوة وأردف بغيظ: إيه بجاحتك يا أخي ده إنت بقيت تقرف. قمر بابتسامة حزينة وهي تربت على كتف يحيي: متزعلش يا حبيبي وكمل أكلك. يحيي بابتسامة هادئة وكان لم يحدث شيء: والله باكل أهو، متشغليش بالك إنتي. عائشة بحدة لصغيرتها:

والله يا قمر لو ما أكلتي لخلي أبو رجل مسلوخة يطلع لك وإنتي نايمة. ياسين بمرح: شايفة يا سالي؟ مش عارف لي عائشة بتحب التنمر ديما. نظرت له سالي والجميع باهتمام فتابع وهو يكتم ضحكاته: واحد رجله اتسلخت عادي جداً تخوّف به البنت لي؟ وإيه اللي يخوّف في رجل رجله مسلوخة يعني. ضحكت سالي بقوة فحين رمقه الجميع بغيظ. ياسين بمرح: مش قولت لك محدش ناصفني في العيلة دي غيرك، تسلم ياصاحبي، يترد لك في الأفراح. يحيي بهدوء لتلك الصغيرة

التي لا تريد الطعام: قمر، تيجي نتمشى شوية بره؟ أجابته الصغيرة بحماس: أيوه موافقة، يلا بينا. ياسين بهدوء: طيب استنى أخلص أكل وأنزل معاكم. يحيي وهو يأخذ الصغيرة ويذهب للخارج: لأ خليك، أنا هروح أنا وقمر لوحدنا. *** دلف إلى ذلك المكان المظلم الذي يلتقي به مع يحي وسليم، ليجد ذلك الشاب يجلس على أحد المقاعد ويداه وأقدامه مقيدة وعيناه مغلقتين بشريط أسود.

جلس خالد أمامه بعد أن أزال ذلك الشيء الذي يحجب الرؤية عن الآخر، فحين انزعج الآخر من الضوء وهو يغمض عينيه، ثم فتحهما بهدوء ونظر لذلك الذي يجلس أمامه وانتفض بخوف شديد. خالد بابتسامة هادئة: لأ، اجمد كده يا باسم، هو أنا عملت حاجة؟ ده أنا يدوب جبتك من البار لحد هنا، لسه الحساب مبدأش. أجابه باسم بخوف وغضب:

أنا مكنش قصدي أقتله، أنا كنت قاصد أضربك في كتفك عشان إنت استفزتني، والله مكان قصدي أقتله ولا كنت ناوي أقتلك، طيب اعقلها إنت، إحنا من امتى بندخل الدم بينا؟ إحنا بس بنتخانق و... خالد بحدة: بس قتلته، وأبوك بدم بارد جه وحط عينه في عينيا وعزاني في أخويا اللي إنت قتلته، وقفلوا المحضر وإنت عايش حياتك وهو مات وأمه ومراته مقهورين عليه. جذبه خالد شعره بقوة ليتألم الآخر فتابع خالد بغضب:

والنار اللي جوايا دي أنا هعرف أخلصها منك ومن أبوك. باسم ببكاء شديد وخوف: متقتلنيش ي خالد، اعمل أي حاجة بس متقتلنيش. خالد بغضب دفين: لأ أقتلك إيه؟ الموت راحة ليك، بس اللي هيحصل فيك الموت ليه راحة، أنا كل ما أفتكر توني وقلبي يوجعني عليه، هجيبك هنا وهطفي ناري فيك إنت. أنهى حديثه وهو يلكمه في وجهه بقوة، قام بفك قيده وأخذ يبرحه ضرباً ولا يرى أمامه سوى لحظة موت توني ودموع والدته التي تقتله بقوة.

انتهى منه بعد أن فقد الآخر وعيه من شدة الألم وأصبح وجهه ملئ بالدماء، فحمله على كتفه بهدوء ووضعه بالسيارة وذهب إلى ذلك البار وألقاه أمامه وغادر قبل أن يلاحظ أحد وجوده أو معرفة من هو، وأخذ سيارته وذهب إلى تلك المقابر، وجلس أمام مقبرة هناك وهو يخبئ وجهه بين يديه وأخذ يبكي بقوة مثل طفل صغير وأردف بصوت باكي:

خالد، محتاج لك يا أمي أوي، ومحتاج لك يا بابا، يا ريتكم جنبي، ابنكم تعب وبيموت كل يوم من التعب ده، أنا بوجع كل اللي حواليا وبتوجع معاهم ومش عارف أرتاح، لي ما أخدتنيش معاكم؟ لي سبتوني لمندور يخليني بالشكل ده؟ لي؟ تابع وهو يبتسم بالألم: اللي أصعب من كل ده إني بحب بنت مندور، أنا بعشقها والحاجة الوحيدة اللي مخلياني أعافر كده هي، مليش غيرها بعدكم، بس هي مش هتسامحني وأنا مقدرش أسيبها.

صرخ بقوة وهو يبكي ويستند برأسه على ذلك القبر، ظل هكذا كثيراً لا يعلم كم مر من الوقت ولكن هذا المكان الوحيد الذي يستطيع أن يخرج به ما يكتمه داخل صدره ويعاني منه. نهض وذهب من ذلك المكان، ثم إلى منزل تلك الفتاة التي تدعي جيدا. فتحت له الباب، وشهقت بفزع ما إن رأت حالته تلك. جيدا بقلق وهي تجذبه للداخل: شو صار، ليش حالتك كده؟ خالد وهو يجلس على الأريكة الموجودة بمنتصف منزلها: كنت مدايق شوية. جلست جواره واحتضنت يده

بيدها وأردفت بنبرة صادقة: شو بدك يااه، مستعدة أعمل أي شئ بدك إياه بس متكون بهالحالة، بترجاك. أجابها بتنهيدة حزينة على حاله وحالها أيضاً: جيدا، مش عايزك تفهمي اللي هقوله غلط، بس إنتي لازم تعرفي ده وتساعديني فيه. جيدا بهدوء: معك بأي شئ، لو بتقلي هلأ روحي موتي حالك بقولك إنت تؤمر وجيدا بتنفذ. خالد بتوتر: أنا هتجوز نور بنت خالي.

تركت يده ونظرت له بدموع، وكسرة حقيقية ظهرت على وجهها، فحين أغمض عينيه بغيظ من تصرفاته المخادعة مع هذه الفتاة التي يعلم جيداً أنها تحبه وبصدق. *** وبداخل محل ملابس راقٍ جداً، كانت تقف هناك مي مع ميار صديقتها ووالدتها وتحدثت بهدوء لهم قائلة: طنط والله مهقصر في الجامعة خالص، أنا بس محتاجة الشغل هنا، وإنتوا محتاجين عمال هنا، فلي مبقاش أنا. أجابتها تلك المرأة بهدوء:

عشان أنا بعتبرك زي ميار بنتي وإنتوا في هندسة يا مي، ولازم تخلو بالكم من المذاكرة. مي بنبرة حزينة: بس أنا محتاجة الشغل ده، وهعرف أوفق بين الدراسة والشغل، ولو قصرت في حاجة هنا أو هنا مشيني. ميار بهدوء: خلاص بقى يا ماما وافقي وأنا أوعدك لو لقيتها مش مركزة في الجامعة هقول لك. أجابتهم والدة ميار بهدوء: ماشي يا مي، من بكرة هتبدأي شغل هنا في المعرض، تمام كده. وهي تحتضنها بقوة وسعادة: تمام يا أحلى طنط كاميليا في الدنيا.

ابتعدت عنها مي وأخذت ميار صديقتها وذهبت للخارج، فحين رمقتهم كاميليا بابتسامة حنونة ثم أخذت تتابع عملها. ميار بقلق: وهو محمد مش بيكلمك يا مي؟ أجابته مي بجمود وهي تسير بجواره: لأ مكلمنيش، ولو سمحتي يا ميار انسي موضوعه خالص ومتجيبيش سيرته تاني. ميار بضيق: ع فكرة محمد حبك بجد يا مي، بس معرفش ليه كذب عليكي. مي بدموع:

اللي بيكدب مش بيحب، وهو محبنيش وكان بيتسلى وأنا خلاص رميته من ورا ضهري وهكمل حياتي بالشكل اللي أنا عايزاه، هشتغل وأكمل جامعة ومش هتبقى في حاجة في حياتي غير ماما ودراستي. ميار بحزن: إنتي متأكدة من كلامك ده؟ مي بتنهيدة: معرفش، بس هفضل أقوله لنفسي كده لحد ما بجد أنساه كأنه مظهرش في حياتي، المهم بس دلوقتي أخلص من الراجل الغتت اللي اسمه مندور ده، أنا بجد مش طايقة تدخله في حياتي أنا وماما وإنه فاكر نفسه كبيرنا بجد.

ميار بمرح: طيب مش يمكن بيحبك وبيعمل كده عشان في الآخر يتجوزك؟ بغيظ وهي تضربها بحقيبتها: يخربيت خيالك يا شيخة، إيه ده. ميار بخبث: يا بت زي الأفلام والمسلسلات، وفي الآخر ييجي محمد يقبض عليه ويتجوزك و... مي وهي تأخذ أحد الأحجار من الأرض وتلقيه عليها بغضب: يا بت إنتي مش قولتي لي متجيبيش سيرته تاني. ميار بضحك شديد: إنتي عملتي إيه يا غبية؟ أكبري بقى، إحنا خلاص دخلنا الجامعة وبقينا إنسات كبار. مي بإحراج وهي تنظر للناس حولهم

الذين ينظرون لهم بتهكم: يالهوي على الكسفة اللي إنت فيها يا حازم. نظر الاثنين لبعضهم بهدوء، ثم انفلت ضاحكين بقوة غير منتبهين لذلك الذي يجلس بسيارته على مسافة بعيدة منهم ويرمق مي بابتسامة حزينة ودموع هبطت على وجنتيه بقوة. مسح دموعه وأردف بحزن: مكنتش متخيل إني حبيتك بالشكل ده يا مجنونة، نفسي تفهمي تصدقي إني حبيتك وإن محمد كويس مش وحش يا مي. ***

وفي المنيا، صعد خليل سيارته بعد أن انتهى عمله وكاد أن يقودها كي يذهب لمنزله، ولكنه صعق بقوة ما إن صعد بجواره يحيي وهو يرمقه بجمود. خليل بثبات خارجي رغم توتره الشديد بالداخل: أهلا أهلا، وأنا أقول المنيا نورت لي... يحيي بجمود وهو ينظر أمامه: عايز إيه تاني؟ اديني جيت لك بنفسي، عايز إيه يا خليل؟ أجابه الآخر بابتسامة هادئة: مصلحتك، عايزك ترجع عن الطريق اللي إنت ماشي فيه، أصله مش شبهك. نظر له يحيي بغموض وأجابهم:

معاك حق، الطريق ده شبهكم إنتو، فعشان كده أنا دخلته. خليل بقلق: قصدك إيه؟ يحيي بابتسامة ساخرة: لأ متخافش كده، ده إحنا لسه بنبدأ القصة الجديدة اللي بطلها أنا، وإنتوا مش هيكون ليكم وجود يا خليل. خليل بسخرية: اللي إنت متعرفوش إننا مربوطين ببعض، يعني لو حصل واحنا اختفينا إنت هتبقى معانا يا ابن الأسطى عادل. يحيي بضحكة هادئة:

بلاش نسبق الأحداث، ودلوقتي هحذرك بالكلام بس يا خليل عشان بجد مش فاضيلك وعندي الأهم ومستني أفضالك إنت والوسخ التاني وحقي هجيبه. تابع بنبرة مليئة بالظلام والغضب: ابعد عن أهلي يا خليل عشان مستعجلش حسابك. خليل بابتسامة مستفزة: للأسف مش هقدر، عارف لي؟ عشان أنا روحي فيهم ومقدرش أستغنى عنهم. ما إن أنهى جملته حتى أخرج يحيي سكين صغير الذي كان يتناول به الطعام بمنزل والده وغرزه بيد خليل الذي صرخ بقوة وألم.

يحيي وهو يحاوط عنقه بيده: فكر بس تقرب من قدام البيت تاني، ورحمة أبوك اللي كان أنضف من إنه يخلف عيل زيك، هقتلك يا خليل، واعرف كويس إنت بتكلم مين دلوقتي. دفعه يحيي بقوة للخلف وهبط من السيارة وذهب لسيارته التي كان يصفها بجانب سيارة خليل وغادر، فحين أمسك الآخر يده بألم شديد وهو ينظر لأثر يحيي بغضب شديد. وأردف بحقد من بين أسنانه: نشوف مين هيقتل مين يا ابن الميكانيكي.

بعد قليل دلف يحيي لمنزل والده مجدداً وهو يحمل ابنة شقيقته التي غفت على كتفه ويحمل أيضاً بيديه عدد كبير من الحقائب. ذهبت له عائشة التي كانت تشاهد التلفاز: كل ده بره يا يحيي؟ قلقتوني عليكم، وياسين خرج وكلمته عشان يشوفك فين مردش عليا. تململت الصغيره فأردف يحيي بهدوء: راحت يا ستي الملاهي تلعب ومكنتش عايزة تيجي أصلاً، ده أنا جبتها بالعافية. أردفت الصغيرة وهي تعانق يحيي بقوة:

خالو سابني ألعب كتير وراح جاب لي اللعب دي كلها، وادي الناس اللي بيشتغلوا هناك كلهم فلوس عشان يخلوا بالهم مني. عائشة وهي تحمل الصغيرة منه: لّي كلفت نفسك يا يحيي، عندها لعب كتير. يحيي وهو يضع الحقائب أرضاً: بس مكنش عندها حاجة من خالها، المهم فين سالي؟ عائشة بقلق:

بصي اللي حصل، ماما قالت لي أدخل أروّق أوضتك عشان تباتوا فيها، وأنا فعلاً عملت كده بس نسيت والله أشيل صورك إنت وفرح اللي على الحيطة، وسالي أول ما دخلت وشافتهم اتغيرت وشكلها زعلت أوي. يحيي بهدوء: لأ متقلقيش، أنا وهي مخلصين الموضوع ده وهي دماغها أكبر من كده. دَلفت فذلك الوقت سالي خارج الغرفة وأردفت بجمود وهي تتجاهل النظر له: معلش يا عائشة لو مش هدايقك أنا ممكن أبات عندك النهارده عشان مش مرتاحة في الأوضة جوه.

يحيي بضحكة هادئة لشقيقته: مش بقول لك دماغها أكبر من كده بكتير. عائشة وهي تكتم ضحكاتها: آه طبعاً يا سالي تعالي. يحيي بجمود: مفيش الكلام ده، لما أنا هدخل معاها هترتاح. سالي بملامح غاضبة: لأ معلش، أنا هبات عند عائشة. جذبها يحيي من يدها بقوة واتجه لغرفتهم تحت غيظها الشديد منه وأردف لشقيقته بجمود: تصبحِ على خير يا عائشة، الهانم بتحب تدلع عليا بس.

دلف داخل الغرفة وأغلق الباب خلفهم بهدوء، ثم ترك يدها ووقف أمامها وهو يرمقها بغضب. وصاح فيها بحدة: هو في إيه؟ حتى قدام أهلي لازم تعاندي وخلاص؟ أجابته بنفس نبرتها: مفيش حاجة، بس مرتحتش هنا، فيها إيه دي بقى؟ ذهب من أمامها وأمسك بتلك الصور المعلقة على الحائط وأزالها ووضعها بأحد الأدراج وأردف بحدة: ارتاحتِ كده؟ مش هما دول اللي كانوا مضايقينك؟ أجابته بدموع متحجرة في عينيها: مكنوش مضايقني، مفيش حاجة. تنهد بضيق

وأردف وهو يحاول الهدوء: كبري دماغك بقى من الموضوع ده، هي دلوقتي في صورة في الدرج ومقفول عليها، إنما إنتي هنا معايا وقدامي وفحضني. أنهى حديثه ثم جذبها لاحضانه بهدوء، فمسحت هي دموعها وهي تبتسم بهدوء، فهو قادر على تغيير حالتها في لحظات دائماً. أردفت وهي تبتعد عنه قليلاً: مش هطول في الزعل المرة دي عشان في حاجة عايزة أقول لك عليها. أجابها بهدوء: اممم، هي إيه؟ وربنا يستر. ابتسمت باتساع وأردفت: أنا حامل في شهر ونص.

اختفت ابتسامته سريعاً وابتعد عنها، وتهجمت ملامحه بقوة. تابعت هي بنفس ابتسامتها: عرفت أول امبارح لما قولت لك رايحة للدكتور عشان مرات خالي، أنا كنت اللي رايحة ومرضتش أقول لك وقتها عشان كنا جايين هنا وك... قاطعها بتهكم قائلاً: إنتي معملتيش حسابك قبل ميحصل ده؟ أجابته بعدم فهم: أعمل حسابي لأيه؟ أنا بقول لك أنا حامل يا يحيي. صاح بها مجدداً بغضب: فهمت إنك متنيلة، بس معملتيش حسابك، ده مش وقته خالص وأنا مش عايز عيال دلوقتي.

امتلأت عيناها بالدموع وأجابته بغضب: هو إنت ليه محسسني إنك بتكلم واحدة غلطانة معاها أو واحدة من الشارع؟ أنا مراتك يا يحيي وبقول لك أنا حامل، أي اللي كنت هعمل حسابي عليه بالظبط. أردف بنبرة شبه هادئة: حاسبي على كلامك يا سالي، وبعدين اللي أقصدُه إن لا أنا جاهز ولا إنتي كمان جاهزة إننا نجيب طفل دلوقتي. سالي بدموع: ليه؟ لي مش جاهزين؟ أجابها بغيظ: عشان مستقبلك إنتي لسه بتبتدي في الطب. سالي بهدوء وهي تمسح دموعها:

أنا خلاص خلصت امتحانات والنتيجة هتظهر وبعدها هاخد التكليف وده همشي في الإجراءات بتاعته على مهلي لحد ما أولد. صاح مجدداً بحدة: أنا مش عايز ي ستي، مش عايز أخلف عيل وأنا حياتي على كف عفريت. أجابته بألم ودموع: ودام حياتك على كف عفريت اتجوزتني لي؟ هو أنا ناقصة وجع عشان تيجي تعلقني بيك وإنت مش ضامن وجودك معايا. تنهد بضيق وأردف بنبرة صارمة:

خلصنا يا سالي، بكرة هنرجع القاهرة وبعد بكرة هنروح أي وقت تنزليه، ومش هقبل نقاش في الموضوع ده تاني. نظرت له بحزن شديد وخزلان، فهي توقعت رد فعله عكس ذلك إطلاقاً ولكنه صدمها برده هذا، تركته دون أن تجيبه واتجهت للفراش ودثرت نفسها أسفله وهي تحتضن بطنها بيدها وأغمضت عينيها التي لا تكف عن البكاء وصمتت لم تتحدث معه بأي شيء آخر، تابع هو حركتها وبكاءها هذا بغضب

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...