الثقة هي جسر الحياة الصحيح التي نمضي عليه. أن تحظى بثقة الآخرين خير لك من أن تحظى بحبهم. الكلمات دون ثقة كالصوت الأجوف لجرس خشبيّ، أمّا بوجود الثقة، فإنّ الكلمات تعني الحياة بذاته. بداخل مركز ابدا حياتي انتهى فارس من فحص وجه صافية نظر إليها قائلاً بفرحة: عال عال مع الاستمرار على العلاج وتحديد العملية الثانية نقدر نقول إن الندبة تختفي كلها من وشك.
كانت شاردة في حديثه، وددت لو قالت أنها كانت تكره ندبات وجهها وآثار الحروق التي جعلت منها فتاة مشوهه، فقد دمرت حياتها وسرقت منها أحلامها وأحلى سنين عمرها، تختبي خلف وشاحها، ولكنها اليوم أحبتها، فهي سبب معرفتي بك أيها الخلوق. لكزتها إيمان في كتفها عندما وجدتها شاردة، لتنظر لها بغضب قائلة: صافية الدكتورة بيكلمك. "هااااا في إيه؟ " نطقت بها وهي تنظر إلى إيمان بذهول. ابتسم لها قائلاً
بهدوء: في إن لو استمريتي على العلاج بانتظام أسبوع ونحدد العملية الثانية. أومأت له برأسها قائلاً: إن شاء الله يا دكتور، يلا يا إيمان. قالت هذا وانتصبت واقفة، شكرته وخرجت من المركز، تقف وبجانبها إيمان تنتظر وسيلة مواصلات تنقلها إلى الجريدة، فهي أخبرت ماجد بأن إيمان تحب وتعشق التصوير، فطلب منها المجيء لكي يرى بعض الصور التي تقوم بالتقاطها حتى يتم تشغيلها في الجريدة.
بعد قليل، أثناء خروج فارس لمح وقوف صافية وإيمان يقفان بجانب الطريق، اقترب منهم قائلاً: اتفضلوا معايا أوصلكم في طريقي. أجابته صافية قائلة بهدوء: ما تتعبش نفسك يا دكتور، اتفضل حضرتك وأحنا نركب تاكسي. أجابها بإصرار: مفيش تعب ولا حاجة، والمكان هنا صعب إنك تلاقي فيه مواصلات دلوقتي، أنتم رايحين فين؟! أجابته إيمان قائلة: رايحين الجريدة. ابتسم لهم وأردف قائلاً بسعادة: طيب كويس، يعني طريقنا واحد. نظرت له
صافية وأردفت بنبرة شاكرة: صدقني مفيش داعي شكر بجد لحضرتك. بينما اقتربت إيمان من صافية وهمست لها قائلة: واقفة، حرام عليكي رجلي وجعتني، الشوز لسه جديد وضيق. تمتعت صافية بضحكتها، لتسمع صوت فارس الذي قال بنبرة جدية: اتفضلوا معايا على العربية. *** في فيلا القيصر في غرفة أميرة
كانت جالسة على التخت تمسك بيديها ذلك المسجل، كانت تود أن تقوم بتشغيله ولكنها تراجعت، فهو أمانة. تنهدت وانتصبت واقفة متجهة إلى الباب لكي تخرج وتذهب لنوح ليعطيه له. بعد قليل، وقفت أمام غرفة نوح، وضعت المسجل في جيبها، ثم طرقت الباب لتسمع صوته الحزين يأذن لها بالدخول. بالفعل دلفت أميرة، دارت عيناها ووجدته يجلس على التخت في وضع القرفصاء، حزنت لأجله وشعرت بتلك الوخزات، لتهمس باسمه قائلة: نوح.
رفع نوح وجهه ينظر إليها بحزن، انتفض قلب أميرة من رؤيته هكذا، لقد شحب وجهه وظهرت الهالات السوداء أسفل عينيه. اقتربت منه وجلست على التخت قائلة: شد حالك يا نوح. بقلب حزين نظر إليها وأردف قائلاً بألم: الشدة على الله. نظرت له وأردفت قائلة بهدوء: وبعدين معاك يا نوح، أنت من يوم وفاة ماما سميحة وأنت قافل على نفسك، لا بتخرج ولا بتأكل حتى معنا، هتفضل لحد كدة أمتى؟
نزلت دمعة من عينيه قائلاً: مش قادر، ماما سميحة ماتت بعد ما عوضتني عن غياب أمي، كانت لي كل حاجة، صديقة وأخت وأم، عمرها ما كانت زوجة أب. نزلت دموعها أكثر، ليتذكر كلمة سميحة: "أمك عايشة يا نوح". إذا ماذا كانت تقصد؟ هل هو فقد آخر أمل في رؤية والدته؟ عليه التحدث مع والده في أمور كثيرة تحدث حوله وهو لم يعرف الإجابة. اقتربت أميرة وجلست بجانبه ترتب على ظهره بحنان قائلة: ادعي لها يا نوح، هي في مكان أحسن من ده. الرسول
صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. أجابها بقلب محمل بالهموم: عليه أفضل الصلاة والسلام. أكملت أميرة حديثها قائلة: غير إن شاء الله. مرضها هيكون شفيع لها، إلا إنك الولد الصالح اللي تدعي لها بالرحمة والمغفرة.
نظر لها وعيناه تلمعان بالدموع، وفجأة جذبها إليه وارتمى بداخل أحضانها، لتجد نفسها ترفع يديها وترتب على ظهره بحنان، وكأنه طفلها، تحاول أن تهدئه. أخذت نفساً طويلاً وكادت أن تتحدث معه وتخبره بذلك المسجل، إلا أنها شهقت وخرجت من أحضانه تنظر له بغضب حين وجدت ماهي اقتحمت الغرفة ودلفت دون استئذان، التي أردفت بمكر: أوبس، أنا آسفة يا نوح، مكنتش أعرف إنك معاك حد في الأوضة.
نطقت تلك الكلمات وهي تنظر إلى أميرة بسخرية وابتسامة ساخرة بجانب فمها. اقتربت من نوح وجلست بجانبه قائلة: أنت كويس يا نوح، تحب أقول لمنى تحضر لك حاجة تأكلها؟
نظرت أميرة بغضب في تلك اللحظة التي رأت فيها ماهي تقترب من نوح، شعرت بقلبها يتمزق أشلاء، أيقنت أنها لم تكن تحبه فقط، بل تهيم به عشقاً، يا ليتها كانت أخبرته بذلك، ولكن قد فات الأوان، وأدركت بأنها خسرته وخسرت حبه. بقلب ملتاع نظرت له نظرة زلزلت كيانه وهرولت إلى الخارج تخرج من غرفته متجهة إلى غرفتها. جلست ورمت نفسها على التخت تبكي بشدة، ماذا حدث له؟ لماذا تغير بهذا الشكل؟ لماذا تتواجد معه ماهي بهذا الشكل؟
يرفض قربها هي ويريد قرب ماهي؟ بعد خروج أميرة، أردفت ماهي قائلة بحزن: أنا آسفة والله يا نوح، غصب عني. أغمض عينيه بألم يشعر بنار في قلبه، أجابها بهدوء قائلاً: مفيش مشكلة، المهم وصلتي لحاجة. لمعت عينا ماهي بألم قائلة: لا يا نوح، لحد دلوقتي رافض يقول لي مكان ابني وجوزي فين، أنا تعبت بجد تعبت يا نوح، أنا ماعرفش خالي بيعمل كل ده ليه، بجد أنا تعبت.
قالت هذا ونزلت دموعها بغزارة. تنهد نوح قائلاً: أهدي يا ماهي، وإن شاء الله في أقرب وقت كل مشاكلنا هتتحل، ومع مراقبة عمي هنعرف كل حاجة في أقرب وقت. "بجد يا نوح؟ " هكذا نطقت ماهي بفرحها. أخذ نفساً طويلاً وأخرجه: إن شاء الله. أوعدك في أقرب وقت هتكوني مسافرة برة مصر ومعاكي فادي ونوح الصغير. ابتسمت
له قائلة بحب أخوي حقيقي: أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا نوح، بجد أنت ونعم الأخ والسند، بس أنا خايفة على أرسلان أوي لما يعرف بحقيقة عمي. تنهد نوح قائلاً: ربنا يستر وكله يعدي على خير. "طيب وهتعمل إيه مع الدكتورة؟ على فكرة هي بتحبك وبتحبك أوي كمان، زي ما أنت كمان مش بتحبها، لأ بتعشقها." نطقت بها بكل ثقة.
أجابها بهدوء: أنا مش هعرض حياة أميرة تاني للخطر يا ماهي، وأكيد هيجي اليوم اللي نخلص من كل اللي إحنا فيه، وساعتها أقدر أعترف لها بحبي. المهم خليني نشوف الخطة اللي جاية هتكون إيه؟! قال هذا وشرد. فلاش باك بعد رجوع الجميع من الزفاف، وعند دخول نوح ممسك بيد أميرة، كانت سعادته لم تسع الدنيا، هو أقسم بأنه لا يحب أميرة بل يعشقها وعليه الاعتراف، ولكن لم تكتمل سعادته على خير حين وجد ماهي ترتمي
في أحضانه تبكي قائلة: نوح، أنا محتاجة أتكلم معاك ضروري. انتفض قلبه وأخرجها من أحضانه بعنف، وكاد أن يعنفها، إلا أن وجد أميرة تنظر له بالغضب تهرول تصعد الدرج إلى الأعلى. زفر بغضب ونظر إلى ماهي نظرة أرعبتها، لتهرول هي الأخرى بصمت تصعد الدرج وتدخل إلى غرفتها تبكي بشدة. ليجد أرسلان يقترب منه قائلاً: إيه، ماهي مالها؟ أول مرة أشوفها كده. تنهد نوح قائلاً: تصدق، رغم إني مش قابل تصرفاتها، إلا إني أول مرة أشوفها بالشكل ده.
أردف أرسلان قائلاً: معلش يا نوح، اطلع اتكلم معاها، لأنها طلبت منك أنت. أومأ نوح رأسه بقله حيلة، يصعد الدرج متجهاً إلى غرفة ماهي. في ذلك الحين كانت أميرة تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً، تشعر بنار تنهمش في قلبها كلما تذكرت ماهي وهي قريبة من نوح. حسمت أمرها، عليها إخباره بمشاعرها. سارت في اتجاه الباب وقامت بفتحه، ولكنها انصعقت حين وجدت نوح يدلف إلى غرفة ماهي، التي حين رأت نوح أردفت قائلة بكسرة: أرجوك يا نوح، رجع لي ابني.
"ابن مين ونوح مين؟ " جحظت عينا نوح الذي أردف قائلاً بذهول. "أنا هقول لك على كل حاجة، بس من فضلك الموضوع ده يفضل سر بينا. أنا لما جبت آخري ولقيت مفيش فايدة، قولت لازم أقول لك يمكن تساعدني."
وبدأت بسرد قصتها، حين طلب منها هاشم الرجوع إلى مصر واستلام ورثها، وبالفعل رجعت، وحين قابلت هاشم في أحد المطاعم بطلبه، تفاجأت بأنه يريد منها أن تدخل إلى حياتك مرة أخرى والتمثيل بأنها تحبك، وأن هذا الولد من صلب نوح. ولكنها رفضت، لتتفاجئ في اليوم التالي باختفاء زوجها وابنها، وعلمت بأن سبب اختفائهم هو هاشم ليجبرها على تنفيذ كل ما طلبه منها، وهو التفريق بينه وبين أميرة. "آفاق
على حديث ماهي قائلة: تمام كده يا نوح، أعتقد إن خالي شاف أميرة وهي خارجة من أوضتك وبتعيط، اطلع أنا بقى علشان أشوف هو ناوي على إيه." تنهد نوح بألم، هو إلى الآن لم يعرف لماذا يفعل عمه كل هذا. أردف قائلاً بهدوء: تمام، وخلي بالك من نفسك. ابتسمت له قائلة: حاضر. قالت هذا وخرجت من الغرفة. *** بعد يومين ليلاً "لسه فاضل كتير يا سيف؟ " قالتها ضحى عندما شعرت بيد سيف تمسك يديها بحنان وتساعدها على الخروج من السيارة.
ابتسم لها قائلاً: خلاص وصلنا يا حبيبتي. نطق به عندما وقف خلفها يقوم بفك ذلك الشريط الستان الذي وضعه على عينيها عندما اقترب من هذا المكان. اتسعت عينا ضحى تنظر إلى المكان، يكاد قلبها يقفز من ضلوعها. تنظر بانبهار، همست بداخلها، عليها إخبار سيف بما حدث معها منذ وصول أول إشعار من ذلك الندل حتى وقوفه لها أمام الكلية، ولكنها ستنظر إلى الغد، واللّيلة ستعيش معه، له هو فقط، زوجها ومالك قلبها.
اقترب منها سيف يحاوط خصرها ووضع قبلة على وجنتيها قائلاً: عجبك المكان يا روحي؟ نظرت إلى المكان بانبهار قائلة: أوي، جميل أوي يا سيف. شاطئ خاص في الإسكندرية تم تزيينه بأروع ورود اللافندر التي تعشقها ضحى، وشموع عائمة فوق مياه البحر. أمسك سيف يديها واقترب من طاولة تم وضعها في منتصف المكان والتقط منها حقيبة كبيرة قائلاً: خدي غيري هدومك في الأوضة اللي هناك في الشاليه.
أومأت له برأسها وأخذت منه الحقيبة متجهة إلى هذه الغرفة لتقوم بتغيير ملابسها. حتى أنه دلفت إلى الشاليه متجه إلى غرفة أخرى وقام بارتداء بدلة زادته وسامة فوق وسامته.
وقفت ضحى تنظر بانبهار إلى الفستان، وضعت القليل من مساحيق التجميل التي كانت تحملها داخل حقيبتها، وتركت شعرها العنان. نظرت إلى المرآة الصغيرة المتواجدة داخل الغرفة وابتسمت ابتسامة رضا، ثم سارت إلى الباب وقامت بفتحه متجه إلى الخارج، لتجد سيف يقف أمامها. لمعت عيناها بالعشق وتعالت وتيرة أنفاسها حين وجدته يقترب منها ويعطي لها باقة من أروع الورود التي تعشقها. نظرت له قائلة: الورد ده علشاني؟
قهقه سيف قائلاً: هو في حد تاني في المكان غيرنا؟ ابتسمت له بخجل وهزت رأسها بـ "لا" وأردفت قائلة وهي تأخذ منه باقة الورود: شكراً. بعد قليل، أثناء تناول الطعام على ضوء القمر في منظر خاطف للأنظار، صدح رنين هاتفها معلناً عن وصول إشعار. جذبت هاتفها وقامت بفتحه وتفحصته، لتتسع عيناها بذهول عندما وجدت صور لهم في أوضاع مخلة وبعض كلمات ذلك
الندل التي كانت محتواها: "وحشتني أوي يا ضحى، ووحشني حضنك، أنا لسه بحبك ومش قادر أبعد أو أنساكِ، ومتعرفيش يوم ما شوفتك قدام الكلية شعوري كان عامل إزاي، كنت نفسي آخدك في حضني يا حبيبتي." كانت تنظر إلى الهاتف بعيون جاحظة وقلب ينتفض رعباً، خشية من معرفته سيف، هي فقط ترتجي انتهاء هذه الأمسية على خير، وسوف تقوم بإخباره غداً. تعجب سيف من تغير ملامح ضحى، أردف قائلاً باستفهام: ضحى مالك، أنت كويسة؟
كانت شاردة خائفة، ماذا تفعل مع هذا الندل؟ ابتلعت لعابها وحاولت أن تسيطر على نفسها وأردفت قائلة بنبرة كاذبة: آه كويسة الحمدلله، مفيش حاجة. قالت هذا وابتسمت له ابتسامة حب. بادلها ابتسامته الجذابة قائلاً: متأكدة؟ كادت أن تجيب عليه، ولكن صدح رنين هاتفها مرة أخرى بوصول رسالة أخرى. انتفض قلبها أكثر وتوترة وهي تمسك هاتفها، كان تنظر إليه وجسدها ينتفض من ضلوعها.
ضيق سيف عينيه ونظر إلى وجهها وإلى يديها التي تمسك هاتفها بشدة قائلاً: في إيه يا ضحى؟ وإيه اللي شفتيه في التليفون وخلاكِ مرعوبة أوي كده؟ ولكن لم يمهلها سيف، جذبه منها، اتسعت عيناه بغضب وانتفض جسده وتغيرت ملامح وجهه حتى أصبحت لون عينيه بلون الأحمر دليل على شدة غضبه عندما قرأ: "ضحى يا حبيبتي، أنا مش طالب غير إنك تديني فرصة واحدة بس وأقول لك قد إيه أنا بحبك، ونتكلم زي زمان وأقول لك قد إيه أنا بموت فيكِ يا ضحى."
انهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها وهي تشاهد تغير ملامح سيف، ينظر إلى الهاتف مرة ومرة إليها، والشر يتطاير من عينيه. حاولت إخراج صوتها وهي تبكي بغزارة: سيف، أنا… رماقها سيف بنظرة حارقة وأخذ يتطلع إلى الهاتف وإلى تلك الرسائل وإلى هذه الصورة، وورقة الزواج العرفي. كان تفكيرها في شيء واحد فقط، أن سيف يظن أنها لم تكن بكراً وأنها منعت نفسها منه لهذا السبب. أغمضت عينيها، هي مخطئة، كانت لابد أن تخبره بكل شيء مهما كانت النتيجة.
رفع سيف الهاتف أمام عينيها قائلاً بصوت حاد: ممكن الهانم تفهمني إيه ده؟ كانت تنظر له بجسد مرتعش ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. أردفت قائلة بصوت مرتعش: أنا كنت هقول لك على كل حاجة والله يا سيف. نظر لها بنظرات حارقة وتحدث بصوت حاد: هتقولي إيه يا هانم، ما كل حاجة وضحت قدام عينيه. كانت تظن أنه يقصد تلك الأحضان وورقة الزواج. هزت رأسها بدموع وأردفت قائلة بنبرة منكسرة: والله يا سيف، أنا لسه بنت، وممكن تتأكد بنفسك.
وجدته يقترب منها والشر يتطاير من عينيه. ظلت تنظر له بذهول وخوف كلما اقترب منها أكثر وينظر إليها بملامح لأول مرة تراه ينظر إليها برغبة، أيُعقل أن يغصبها على شيء؟ "اخرسي واتفضلي قدامي على العربية بسرعة." نطق بها وهو ينظر إليها بغضب.
انتفض جسدها من أثر كلمته وتحركت بجسد بدون روح إلى سيارته، بينما هو وقف يصك على أسنانه بعنف ويجذب خصلات شعره. هو لم يقصد هذا المعنى الذي وصل إليها، هو يعرف بتلك الصور وهذه الورقة، هو كان يقصد بأنه لم تخبره بهذا الندل الذي كان يعترض طريقها. ابتسم بسخرية، أين الثقة التي تعاهدوا عليها؟
اقترب هو الآخر من السيارة واستمع إلى صوت بكائها الحاد الذي قطع أنياط قلبه العاشق له، ولكنه مجروح منها وبشدة. زفر بغضب ودلفت إلى السيارة، يأخذ نفساً يحاول تهدئة ضربات قلبه. حاولت ضحى أن تتكلم، لكنه أوقفها بإشارة من يده، ثم قاد سيارته متجه بها إلى منزلهم. بعد الكثير من الوقت، تنهد بألم عندما نظر إليها وقام بمسح دموعها بعد أن أغلقت بسبب كثرة بكائها على كتفه، قائلاً
بهمس لا يسمع: والله يا ضحى، لأجيب حقك من الواطي ابن الكلب ده وأخليه عبرة لأي حد يفكر يلمس حاجة تخصني، بس الأول أنتِ كمان لازم تتعاملي أنك متخبيش عني حاجة تاني تخصك أو تخص حياتنا. قال هذا وتحدث بنبرة جامدة وحادة قائلاً: اصحي، وصلني. فتحت عينيها ببطء، نظرت له نظرة زلزلت كيانه، ولو أدخلها داخل أحضانه، ولكنه عليه أن يعملها الثقة. نزل هو من السيارة واتجه إليها وقام بفتح الباب لكي تنزل قائلاً بنبرة حادة: انزلي يلا.
شعرت بألم شديد في جسدها وحتى ساقيها أن تتحرك. أردفت قائلة بصوت حزين ومتعب: رجلي مش حاسة بها، بتوجعني أوي. أغمض عينيه وشعر هو بذلك الألم. تنهد ومال عليها وقام بحملها وهو ينظر إليها بنظرة غاضبة، هكذا صور لها، ولكن كان أكثر من سعيد وهي بين أحضانه. انتفض قلبه عندما وجدها تلف يديها حول عنقه تدفن وجهها في حنايا صدره، أردفت قائلة بصوت هامس: سيف، صدقني أنا مفيش حاجة بيني وبينه، أنا بحبك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ولكنه أدار وجهه ودلف بها إلى المصعد، ثم وقف إلى شقته. ضمها بيد وأخرج مفتاح شقته وقام بفتح الباب ودلف إلى الداخل متجه به إلى غرفة نومهما، ووضعها على التخت بدون أن ينطق بكلمة واحدة، وخرج مسرعاً من الغرفة بل من الشقة بسرعة البرق. *** في صباح اليوم التالي استيقظ يتمطى بتكاسل، ينظر إلى تلك الغافية بجانبه، ابتسم ثم مال عليها وقام بوضع قبلة على وجنتيها بحب. شعرت بأنفاسه لتقوم بتحريك أهدابها لتفتح عينيها
ببطء تنظر له بعشق قائلة: صباح الخير يا حبيبي. جذبها إليه يضمها داخل أحضانه قائلاً: صباح الورد على أجمل عيون في الدنيا، بقيتي أحسن أولاً، تحبي نروح نكشف؟ ابتسمت له قائلة: لا، أنا كويسة الحمدلله. تنهدت وأردفت قائلة: بقول لك يا أرسلان، في موضوع مهم أنا حابة أتكلم معاك. عدل من جلسته قائلاً: خير يا حبيبتي، مالك؟ كادت أن تتحدث، ولكن سمعه طرق على الباب. ابتسم عندما علم من صاحب هذه الطرقات.
أردفت ماريا قائلة بمرح: أكيد دي وهج، أنا هروح أفتح لها. قالت هذا وانتصبت واقفة تتجه إلى الباب، بينما أرسلان جذب ساقيه الصناعي وقام بارتدائه ونهض من على التخت ليجد وهج تهرول إليه قائلة: بابي! فتح لها أرسلان ذراعيه ليضمها في أحضانه ويرتب على ظهرها بحنان، بينما أردفت وهج قائلة: على فكرة أنا زعلانة منك يا قيصر. قهقه أرسلان قائلاً: وحبيب قلب قيصر زعلانة منه ليه؟ قال هذا وجلس بها وهي مازالت في أحضانه على إحدى الأرائك.
أجابته وهج قائلة: لأنك بطلت تخرجني معاك زي الأول ولا تجيب لي لعب زي زمان. نظر إليها بغضب وأردف قائلاً بنبرة حاسمة، هو يشير إلى هذه الأوراق: هو سؤال وعايز إجابته منك بكل صراحة، اللي مكتوب في الأوراق دي بخط إيدك؟ كانت تنظر له ودموعها تنزل بغزارة، صامتة، لم تعرف ماذا تقول. انتفض جسدها من أثر كلمته الذي أردف بها بصوت حاد: انطقي! أغمضت عينيها وأومأت رأسها بنعم. أنصعق أرسلان الذي أردف قائلاً بصوت مرتعش مذهول: مش ممكن؟!
فتحت عينيها ونظرت له بحزن تحاول إخراج صوتها قائلة: أنت فاهم غلط، الخط فعلاً خطي بس مش أنا. لم تكمل حديثها حين أكمل هو قائلاً: اخرسي، مش عايز أسمع صوتك.
تألم داخله لأجلها عندما رأى دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها، ود لو يذهب إليها يحتضنها ويحتويها، يزيل عنها دموعها، ولكن لا، خيانتها له كنصل حاد الذي مزق قلبه. نظر إليها بكبرياء وعضب ثم أعطاها ظهره وأغمض عينيه يتألم، صدره يعلو ويهبط من هذا الشعور، شعور صعب، الخيانة من أقرب الناس إليك، ومن من ماريا التي خدعته وتزوجته من أجل حديث وسبق صحفي.
أردف بصوت مكسور حزين قائلاً: اخرجي بره من الفيلا ومن حياتي يا ماريا، ومش عايز أشوف وشك تاني، ولو صدفة. انتفض قلبها من حديثه، اقتربت ونظرت إليه، حاولت أن تخرج صوتها قائلة: أرسلان، صدقني أنا مظلومة. نظر إليها بتهكم: مظلومة؟ عايزة إيه أكتر من إن الورق بخط إيديك؟ عايزة إيه إن كل اللي كان مكتوب أنا فعلاً قلته لك أنت وبس، وهنا يا هانم في أوضتنا؟ ودلوقتي ياريت تخرجي من حياتي، لأن بجد لا طايق أسمع صوتك ولا قادر أشوفك قدامك.
نظرت له بصدمة وقامت بمسح دموعها وأردفت قائلة: بكرة تندم يا أرسلان، بس ساعتها هيكون فات الأوان. بس افتكر إن دعوة المظلوم مفيش بينها وبين ربنا حجاب، وأنت ظالمتني للأسف. أنا مش هقدر أدعي عليك، بس كان نفسي تحكم ضميرك قبل فوات الأوان يا أرسلان باشا. قالت هذا وتحركت للخارج بخيبة أمل منكسرة، تشعر بألم شديد في جميع أنحاء جسدها، لتجد الجميع يقف بالخارج ينظرون إليها بنظرات اتهام، إلا أميرة أختها التي هرولت
إليها تضمها بحب قائلة: ماريا، أنت كويسة؟ هزت ماريا رأسها بحزن قائلة بضعف: لا، مش كويسة، أنا تعبانة، خديني من هنا. اقتربت منها أكثر وأكملت: وديني المشغل عند ماما كوثر. تنهدت أميرة من أجل أختها لتقوم بمساعدتها والخروج من الفيلا. بينما أرسلان وقف يحاول أن يأخذ نفساً، يشعر بنار قلبه، هو لديه شعور بأن ماريا لم ولن تفعل ذلك، ولكن كل الأدلة تثبت بأنها خيانة. صرخ قائلاً: ليه عملتي كده؟ قال هذا وأخذ يكسر محتويات الغرفة.
بعد مرور ربع ساعة، صفت أميرة سيارتها أمام المشغل، ترجلت أولاً ثم ذهبت إلى ماريا وقامت بمساعدتها في النزول، ساندتها ودلفت بها إلى الداخل وصعدت بها إلى الشقة وقامت بالطرق، لتجد صافية تقوم بفتح الباب، التي شهقت حين نظرت إلى حالة ماريا، لتجد أميرة قائلة: تعالي اسنديها معايا يا صافية من فضلك. "حاضر" هكذا نطقت صافية وهي تقترب من ماريا، التي دلفت إلى الداخل، لتنفض كوثر من جلستها عند رؤيتها هكذا قائلة بلهفة: ماريا، مالك؟
إيه اللي عمل فيا كده؟ أجابتها أميرة قائلة: نطمن عليها يا طنط كوثر وبعدين أحكيلك على كل حاجة. كانت دموعها تنزل بغزارة، وجهها أصبح شديد الاحمرار. اقتربت منها كوثر تضمها داخل أحضانها قائلة: أهدي يا بنتي وقولي إيه اللي حصل معاكي يخليكِ توصلي للحالة دي؟ كانت صامتة تبكي فقط، جسدها ينتفض بشدة. نظرت كوثر إلى أميرة وأكملت حديثها: طيب احكي لي أنت يا أميرة. تنهدت أميرة وأومأت برأسها قائلة: حاضر.
وبدأت تقص عليها ماذا حدث من أول رؤية أرسلان إلى الأوراق وتلك الأخبار التي تم نشرها في الجريدة. جحظت عينا كوثر قائلة برفض: مستحيل ماريا تعمل كده، وإزاي أرسلان يصدق كده؟ أكيد في حاجة غلط. "حول ولا قوة إلا بالله، قومي يا بنتي قومي تعالي غيري هدومك وبعد كده ربنا يحلها ونشوف هنعمل إيه." نظرت لها بكسرة وحاولت الوقوف ولكن لم يسعفها جسدها، وقعت مغشياً عليها تحت صرخات أميرة والجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!