في مبنى وزارة الداخلية. بداخل مكتب الرائد سيف، كان يجلس على مكتبه ينظر بتمعن إلى ذلك الملف بذهول. فمنذ حوالي شهر، تم القبض على أحد الأشخاص بعد أن قامت الشرطة بإحباط أكبر عملية لتهريب الأسلحة. اتسعت عيناه وهو ينظر إلى اعتراف ذلك الشخص. انتصب واقفًا وخرج من مكتبه متجهًا إلى الحجز، ذلك المكان المحتجز فيه ذلك المتهم. "افتح الباب يا ابني." أردف بها سيف إلى العسكري الواقف أمام باب الحجز.
دلف سيف إلى الداخل، ولكن جحظت عيناه وتغيرت ملامح وجهه بغضب عندما رأى ذلك المتهم مشنوقًا. صرخ في ذلك العسكري من فعل هذا، ولكن أخبره أنه لا يعلم. حوله سيف إلى التحقيق لمعرفة كيفية موت المتهم ومن المسؤول عن ذلك. زفر بغضب، فهو كان الخيط الوحيد الذي كان سيوصله إلى رأس الأفعى المدبرة لكل هذه الصفقات التي تتم داخل مصر.
بينما في ذلك الوقت، صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ووجدها "مالكة قلبه" هكذا مسجلة. تغيرت ملامح وجه سيف من الغضب إلى الفرحة، وظهرت ملامح وجهه الوسيم. قام بالرد قائلًا: "صباح الخير يا مالكة القلب." خجلت ضحى من كلمته ولم تنطق، يسمع فقط أنفاسها. أكمل سيف حديثه بمرح: "يعني متصلة بي علشان أسمع أنفاسك وبس؟ حاولت السيطرة على خجلها قائلة: "لا طبعًا، أنا متصلة بك علشان ماما عازمك على الغداء لو فاضي." ابتسم سيف قائلًا:
"ولو مش فاضي، أفضي نفسي طبعًا." وظل يتحدث معها وهي تبادله حديثه. *** عصرًا، في منزل منة. جلست منال في الردهة تشاهد إحدى مسلسلاتها المفضلة، فهي تعشق المسلسلات الهندي. أمامها قدح من القهوة وطبق به جميع أنواع التسالي من المكسرات. وهكذا سمعت رنين جرس الباب. نهضت وانتصبت واقفة متجه إلى الباب وقامت بفتحه. وجدت نادر يقف أمامها ممسكًا بيده باقة من أروع الورود. أردفت قائلة: "إزيك يا نادر يا ابني، اتفضل ادخل."
أجابها نادر بنبرة خجولة: "أنا آسف إني جيت من غير ميعاد." "يا خبر، أنت صاحب بيت يا ابني، اتفضل ادخل، ميصحش نفضل نتكلم على الباب." قال هذا وقامت بغلق الباب بعد أن دلف نادر إلى الداخل. بعد لحظات، جلس نادر على إحدى المقاعد المتواجدة في الردهة. أردفت منال قائلة: "تحب تشرب إيه يا حبيبي، ولا أجيب لك فطار الأول؟ أجابها نادر باحترام قائلًا: "مافيش داعي، أنا كنت جاي علشان آخد منه ونخرج نتفرج على محلات الموبيليا."
"وماله يا حبيبي، بس الأول لازم تشرب حاجة." قالتها منال بإصرار. ابتسم لها نادر قائلًا: "مادام حضرتك مصممة، يبقى قهوة سكر زيادة." بينما في غرفة منة. استيقظت على صوت رنين منبه هاتفها. فتحت عيناها ببطء تتمطى بذراعيها. نهضت من على الفراش وانتصبت واقفة متجه إلى باب غرفتها. قامت بفتحه وخرجت تهتف قائلة: "فينك يا منال، هموت من الجوع. الراجل اللي فجأة كده لقيت نفسي متجوزها طلع بخيل، تصدقي مهنش عليه يعزمني على حتى على سندوتش."
لم تكمل حديثها عندما وجدت نادر يقف أمامها ينظر إليها بغضب. ولكن مهلًا، فقد تحولت تلك النظرة إلى أخرى مغرمة بسبب هيئتها تلك التي خطفت لبه وقلبه وأطاحت بعقله. كانت ترتدي جلبابًا قصيرًا من اللون الوردي أظهر جمال وفتنة عنقها المرمري وشعرها الحريري مشعثًا بفوضوية من أثر نومها. ابتلع لعابه ينظر إليها فقط، يود لو يذهب إليها ويضمها داخل أحضانه يبث لها كم يعشقها. اقتربت منها منال قائلة: "مالك يا بت يا منة واقفة كده ليه؟
"هاااا، ولا حاجة." قالت هذا وهرولت إلى غرفتها تهرب من عيون نادر. *** في القيصر. كان متجهًا إلى غرفته يشعر بوخزات في قلبه شديدة. هل هو بكل هذا السوء لتكون هذه نهايته؟ وحيد. أحب كريمة، لا بل عشقها. لما خانته بكل هذه السهولة؟ هي حب الطفولة. ابن عمه الغالية التي وقفت أمام الجميع لكي تتزوج به. أيعقل أن يكون كل هذا أوهام؟
حتى سميحة، أراد أن يكمل حياته معها. كانت طماعة للمال فقط. أخذه الحنين والشوق، وجد نفسه يغير اتجاهه إلى غرفتها. وقف أمام الغرفة يأخذ نفسًا عميقًا، يشعر بحزن الدنيا. حقيقة خيانتها كنصل حاد الذي مزق قلبه. فهو كفاح وتعب الليالي لكي يفوز بها. بيد مرتعشة أدار مقبض الباب، خطى بساقيه إلى الداخل متلهفًا. كم تمنى أن يجدها تبتسم له تلك الابتسامة التي تخطف قلبه. تنهد بألم ودار بعينيه في المكان. كل شيء في مكانه. بوضع يديها، رائحتها تملأ الغرفة. فرت دمعة من عينيه.
سار متجهًا إلى غرفة الثياب. رفع يده وقام بفتح الخزانة. نظر إلى ثيابها بحب يلمس كل أغراضها. تنهد قائلًا: "وحشتني يا كريمة. عملت لك إيه علشان تخونيني؟ بس إزاي؟ أنا كنت بشوف حبي في عيونك، في لمستك، في حضنك." ليتنهد بألم يشعر بأن روحه تكاد تخرج من جسده. وأكمل: "ليه بس انكتب عليّ أعيش كل العذاب ده؟ ليه انكتب عليّ الفراق؟ حتى سميحة اللي قلت ممكن أعوض بها غيابك طلعت طماعة بتحب الفلوس. ويمكن تكون هي كمان بتخوني زيك؟
لا، مفيش حد زيك. بسببكم بقيت إنسان وحش بتاع ستات. أو أنا حبيت أظهر كده. رغم إني بشوف نظرات كره نوح لي لما يشوفني بقرب من الدكتورة أميرة. فاكر إني عيني منها؟ لا، بالعكس، أنا كنت شايفك فيها. كنت نفسي أقول له دي ممكن تعوضه غيابك. كنت بقعد أتكلم مع سميحة على أساس أنتِ، لحد ما خليتها تكرهني بسببك أنتِ. أنا بقيت بقايا إنسان. ورغم كل ده، خبر موتك كسر ضهري. خليني أعيش جسم من غير روح."
صرخ بعلو صوته وقام بقذف محتويات الخزانة في الأرض. لتقع عيناه على ألبوم صور ومفكرة. تنهد ومال بجسده والتقط الألبوم وتلك المفكرة التي لأول مرة يراها. اتجه وجلس على التخت وقام بفتح الألبوم. انصعق عندما وجد تلك الخطابات والكروت التي كان يرسلها لها منذ الصغر، محتفظة بهم بعناية فائقة. تنهد بشوق. إذا كانت محتفظة بكل هذه الذكريات، لم خانته؟ لم فعلت كل هذا به؟ كان يلتمس صورتها بشوق وحنين. ظل يتطلع إلى تلك الذكريات.
تركت ألبوم الصور وأمسك بتلك المفكرة التي لأول مرة يراها. فتح أول صفحة وقرأ: "إهداء إلى زوجي وحبيب روحي فؤاد." انتفض قلبه يكاد يخرج من ضلوعه عندما قرأ تلك الكلمة. أكمل وقلب صفحة أخرى، ثم أخرى. كانت تكتب كل تفاصيل حياتها اليومية، جميع ذكرياتهم معه، كل لحظة كانت تكتبها بحب، حتى لحظات حزنهم. وقف عند صفحة ينظر ويقرأ ما بها. سيطر عليه حالة من الذهول، تغيرت ملامح وجهه، تصبغت باللون الأحمر من شدة غضبه. تماسك على
نفسه وفتح آخر صفحة قرأ: "عارف يا فؤاد إيه هي أمنية حياتي؟ إني أموت قبلك. لا ومش بس كده، نفسي أموت وأنا في حضنك. الحضن اللي كان طول عمره الدفء والحماية ليا. سامحيني لو في يوم زعلتك فيه، علشان لما نقابل ربنا تكون راضي عني وتختارني في الجنة زي الدنيا." انهمرت دموعه بغزارة، يبكي بحرقة شديدة. تذكر ما فعله بها، تألم، يصرخ. ما فعله معها ليس بهين. نظر بشر وتذكر حديثها. انتصب واقفًا متجه إلى الباب وخرج. *** بداخل مكتب هاشم.
جلس هاشم ينفث دخان سيجارته بغضب، ينظر إلى تلك الصورة قائلًا بغضب: "أنتم الاثنين أغبياء." ضحك بسخرية وأكمل: "واحدة ماتت، والثانية عاشت أجمل سنين عمرها في السجن محبوسة بين أربع حيطان متعرفش هي مين حتى. بس يا ترى عايشة ولا ماتت؟ يلا، وأنا هشغل دماغي ليه؟ أنا حتى بطلت أعرف أخبارها علشان محدش يشك." قهقه بعلو صوته وأكمل: "والثالثة مشلولة لأنها كانت هتلخبط نفس غلطكم." مشرد. فلاش باك.
كانت ذاهبة إلى غرفتها تشعر بالوحدة. تنهدت بألم، فهي تعلم بأن زواجها منه ليس حبًا كما قال لها. فهو تزوجها لكي تهتم بنوح بعد وفاة والدته كريمة، هكذا أخبرها فؤاد. أحبت نوح وكأنه ابنها، أنجبته من رحمها بعد أن أراد الله بأنها تصبح عقيمة. حتى بعد أن عاد أرسلان من الخارج وأكمل دراسته، أصبحت سميحة لهم الأم والصديقة. وأثناء ذهابها إلى غرفتها، سمعت همسًا في أحد الأركان. اقتربت ووجدته هاشم الذي كان يتحدث قائلًا: "يعني إيه؟
ممكن تخرج في العفو الرئيسي اللي جاي؟ أنا معملتش كل ده في كريمة وكوثر علشان تقول لي ممكن تطلع؟ اتصرف يا مروان، لازم موضوع كريمة وكوثر يتمحى من الدنيا." قال هذا واستدار وجد سميحة تنظر له بسعادة. أردفت قائلة: "هي كريمة عايشة؟ ده نوح هيفرح أوي." قالت هذا وهرولت تهبط الدرج، ولكن هاشم كان الأسرع وضربها بشيء حاد أوقعها من على الدرج وهرول يدلف إلى غرفته.
صرخت سميحة صرخة زلزلت جدران الفيلا وهي تقع. ليخرج في ذلك الوقت نوح من غرفته. اقترب منها بصدمة وذهول قائلًا: "ماما، وقعتي إزاي؟ همست له بضعف: "كريمة عايشة يا نوح." كانت هذه آخر كلماتها، لتدخل في غيبوبة بعد إجراء الكثير من العمليات التي تأكد بأنها ستصبح عاجزة طوال حياتها. ولكن الذي لم يكن في حسبانه ظهور تلك الطبيبة أميرة. ابتسم بخبث أكثر عندما تذكر وهو يرتدي ثياب فؤاد، فهو للأسف تؤامه، صورة طبق الأصل.
ويدلف بها إلى سميحة، ينظر إليها ويتحدث بغضب وكأن من يتحدث فؤاد. حتى هو من قام بإلقائها في حوض السباحة، وهو من وضع السم في العصير. كل هذه الكوارث هو من فعلها وليس فؤاد. صك على أسنانه بعنف وهو يتذكر الماضي. كلمات والده مثل النصل الحاد الذي كان يمزق قلبه. "لماذا لم تكن مثل أخيك فؤاد؟
أنت مشاكس ووغد، فاشل. فؤاد الأحسن والأطيب والأذكى." وهكذا. حتى عندما دق قلبه وأحب كريمة، ابنته عمه، التي رفضت الزواج منه لأنها لم تحبه، بل كانت تحب أخيه فؤاد. كبر ونشأ هاشم على كره فؤاد وكريمة وأقسم بتدمير كل شيء يخصهم. أفاق من شروده على اقتحام فؤاد المكتب قائلًا بغضب: "هاشم، أنت بتتاجر في السلاح؟ انتفض هاشم من جلسته قائلًا بغضب: "سلاح؟ امممم، قصدك إيه؟ أنا مش فاهم." زفر فؤاد قائلًا بصوت حاد:
"للأسف، أنا عرفت كل حاجة يا هاشم. عرفت إنك قد إيه إنسان وغد وأنانى." عند هذه الكلمة، تغيرت ملامح وجه هاشم، ينظر بغضب وشر إلى أخيه فؤاد. نظر إليه فؤاد بألم قائلًا: "روح منك لله يا هاشم، أنت السبب في موت مراتي. أنت اللي زرعت الشك. بس أنا لا يمكن أسكت بعد النهارده. أنا لازم أروح أقول لكل إنك مش الراجل التقي، صاحب القيم والأخلاق. لازم الكل يعرف حقيقتك القذرة، وأولهم ابنك."
قال هذا واستدار لكي يخرج. وكاد أن يخرج من الباب، أوقفه هاشم قائلًا: "فؤاد، ابقى خلي بالك من ابنك. ويمكن السم اللي شربته الدكتورة أميرة الغبية المرة اللي جاية ابنك هو اللي يشربه. جايز، أنا بقول جايز. أو رصاصة طائشة تنضرب بها، أو مثلا حادثة عربية وهو مش واخد باله. جايز." سحب وجه فؤاد. استدار ينظر بغضب قائلًا: "أنت بتهددني يا هاشم؟ انتصب هاشم واقفًا من جلسته وقام بضرب سطح المكتب قائلًا:
"للأسف يا فؤاد، أنا مش بهدد. لا يا حبيبي، أنا بنفذ على طول. أنا اللي يقف في وشي، صدقني بنسفه من على وش الدنيا. أعتقد أنت مبقاش لك في الدنيا إلا نوح، لأن سميحة الغبية حبت تعمل اللي كنت عايز تعمله، بس للأسف ما لحقتش، يا حرام انشلت." جحظت عينا فؤاد غير مستوعب حديث هاشم. هل هو بكل هذا الشر؟ كان ينظر إليه والشر يتطاير من عينيه. يتحدث بكل ثقة وبرود. نظر فؤاد بكسرة إلى هاشم قائلًا:
"كله إلا ابني يا هاشم. وكفاية أذى لي وللي بحبهم. ويا عالم مين تاني أتأذى منك. روح، حسبي الله ونعم الوكيل فيك." قال هذا وخرج يهرول مسرعًا يشعر بالاختناق. كلما كان هاشم الأقوى، لا يهمه أحد، يفعل ما يريد ومتى يشاء. بينما وقف هاشم يضحك بهستيرية بعد خروج فؤاد قائلًا: "ههههه، أنا بقيت أحسن منك وأقوى منك. معايا فلوس وسلطة وبقيت ناجح. فين أبوك وأمك يجوا يشوفوا الفاشل بقى إيه؟ *** بينما في غرفة أميرة.
شعرت بالضجر. ظلت طوال الليل مستيقظة. حاولت النوم ولكن لا فائدة. لا تعرف سبب سهدها. أهو بسبب تطور حالة سميحة وتحسن حالتها ولأنها إلى الآن لم تخبر أحد أنها تستطيع الحديث بضعف؟ أم من ذلك الشعور كلما كانت بجانب نوح تشعر بخفقان قلبها؟ فهي قد هاتفت الطبيب محمد وأخبرته بالعودة إلى عملها مرة أخرى. تنهدت، فهي عليها أن تخبر نوح زوجها. تهكمت من تلك الكلمة. عن أي زوج؟ هي بالفعل لم تعرف إلى أين ستوصلها تلك الزيجة. بعد قليل.
وقفت أمام غرفة نوح تفرك بيديها. بتوتر. وجودها جنبه يربكها بشدة. تشعر بشعور جديد عليها كليًا. حمست أمرها وطرقت على الباب لتسمع صوته يأذن بالدخول. دلف إلى الداخل وانبهرت بجمال غرفته وتصميمها. تعجبت عندما وجدته غير موجود. هتفت قائلة: "نوح." أما نوح، فللتو انتهى من أخذ حمام دافئ ينعش به جسده واتجه إلى غرفة الملابس. ولكن عندما سمع صوتها خرج مسرعًا.
جحظت عينا أميرة عندما رأته. كان وسيمًا، وسيمًا للغاية. دق قلبها بعنف وتصبغ وجهها بحمرة الخجل عندما رأته عاري الصدر يرتدي منشفة فقط يستر خصره ويشعره الفاحم يتساقط منه المياه بطريقة مغرية. خجلت وعضت على شفتيها قائلة: "آسفة، أبقى أجي لك وقت تاني." قالت هذا وفرت من أمامه تنزل إلى الأسفل متجه إلى حديقة الفيلا تشعر بالخجل الشديد. أما هز، ظل يبتسم على أثرها. دلف مسرعًا إلى غرفة الملابس وارتدى ملابسه على عجل ليخرج إليها.
بعد قليل. جلس فؤاد على إحدى المقاعد المتواجدة في حديقة الفيلا. دموعه تنهمر على وجنتيه. يشعر بوخزة شديدة في قلبه. زوجته كريمة بريئة، لم تخنه. بل أخوه هو الخائن. الكل يظن بأن هاشم هو الملاك البريء، أما فؤاد شيطان بهيئة إنسان، والعكس صحيح. شرد في كريمة واليوم الذي أخرجها من حياته. صورتها وهي متفحمة لم تغب عن ذهنه. أفاق على صوت قائلة: "حضرتك كويسة؟
استدارت وجودها أميرة. ابتسم لها وأومأ لها برأسه. تعجبت أميرة لأول مرة ترى فؤاد بهذه الهيئة. للحظة شعرت بالحزن عليه وتذكرت والدها الحبيب ممدوح. تنهدت وقامت بالجلوس بجانبه قائلة: "أسفة إني قعدت، بس أنا لأول مرة أشوف حضرتك بالشكل ده." حمحم وأكمل: "ممكن أعرف مالك لو مش هضيقك؟ نظر لها بحسرة وانهمرت دموعه أكثر. ذهلت أميرة من حالة فؤاد هكذا. ماذا حدث له؟ دائمًا تراه بشخصية قوية، خبيثة، مغرور. هكذا كان تحدث نفسها كلما رأته.
شعرت أميرة بالشفقة عليه. رفعت يديها ورتبت على ظهره بحنان قائلة: "ممكن تعتبرني زي بنتك، ولو عايز حد تفضفض معاه، وصدقني أنا لا يمكن أقول لحد حاجة." قالت هذا وقامت بمسح دموعه قائلة: "مفيش حاجة تستاهل تخليك تبكي بالشكل ده." ابتسم فؤاد بقهر قائلًا: "القهر والخذلان يا بنتي. يخليك بدل ما تبكي دموع، تبكي دم. وبسبب غبائي ضيعت روحي مني. بسبب عدم تفكيري وعدم الثقة دمرت حياتي. ظلمتها، مراتي ماتت مظلومة بسببي."
ابتسمت له أميرة بحب قائلة: "في حاجة اسمها القضاء والقدر." تنهد بصوت حاد قائلًا: "القدر!!! القدر اللي بتقول لي عليه ده كان السبب في موت مراتي. لا ومش بس كده، بعد ما ضربتها وطردتها من غير رحمة وشفقة، وكمان أختها كوثر ماتت معاها في نفس الحادثة. القضاء والقدر اللي بتقول لي عليهم دول كانوا السبب إني أصبحت إنسان عايش جسد بلا روح. فقد إيماني بكل شيء للأسف."
حزنت أميرة بشدة على حال فؤاد. ما سبب كل هذه الكسرة والحسرة التي بداخله؟ وقد لاح في ذهنها ذلك المثل الشهير: "تعرف فلان؟ … آَه… طب عاشرته؟ لا.. يبقى متعرفوش."
ومن هنا، جال بخاطرها فكرة المعاشرة التي تعتبر هي الركيزة الأساسية التي تجعلنا نجزم بأننا نعرف الأشخاص أم لا، والعشرة التي تظهر من خلال العديد من المواقف التي تبين لنا معادن الأشخاص وحقائقهم، وكل واحد منا لديه أوجه مختلفة في الحياة ووشوش كثيرة؛ يتعامل مع أهله بشكل، وزملائه بشكل، وأصحابه بشكل مختلف؛ فالعِشرة هي التي تُظهر كل الوشوش. وعلى رأي صلاح جاهين: "لو كنت عارف مين أنا كنت أقول وعجبي." ابتسمت له برقة وأردفت قائلة:
"ربنا سبحانه وتعالى قال إيه؟ في الحديث القدسي: "تشاء يا عبدي وأشاء، فإذا رضيت بما أشاء أعطيتك ما تشاء."
معنى الحديث هو الرضا. يعني واجب علينا الرضا بما كتب الله لنا. مش هقول لك إنك متزعليش على اللي راح، رغم إن أكيد ربنا له حكمة في كده. ربنا سبحانه وتعالى قبل ما يخلق الخلق، حتى قبل ما يخلق سيدنا آدم، خلق "القلم". بمعنى أن ربنا سبحانه وتعالى كاتب لكل إنسان قدره. يعني يتولد إمتى، يموت إمتى، حياته هتكون سعيد ولا تعيس، عنده أولاد ولا هيكون عقيم، وهكذا. يبقى يجب علينا إحنا كـ بشر نعمل إيه؟ نظر لها بنظرة حزينة.
ابتسمت له وأكملت: "نؤمن بالقضاء والقدر ونشوف الدنيا بمنظور تاني. يعني نشوف ربنا أخد مننا إيه، بس عطى لنا إيه مكانه. حضرتك بتتكلم عن موت والدة نوح، على ما أعتقد اسمها كريمة." أومأ لها فؤاد برأسه بنعم. أكملت أميرة قائلة: "بس نسيت إنه عوضك بـ ماما سميحة. عوضك بنوح ابنك. ماشاء الله راجل يعتمد عليه، نجاح في شغله وحياته. وفيه كمان أرسلان وفيه كمان هاشم بيه أخوك."
وعند ذكر اسم هاشم، تغيرت ملامح وجه فؤاد للاحمرار. تعجبت أميرة من ذلك، ولكنها أكملت بألم وهي تتذكر والدها: "أقول لك على حاجة؟
بعد ما ماما ماتت الله يرحمها، وكانت ماريا أختي لسه مولودة، أنا استغربت إن بابا رفض فكرة الزواج من واحدة غير أمي. عاش لنا وعلى ذكراها. جيت أنا وفي لحظة غضب ونكرت كل ده. نكرت سهر علينا وحياته اللي كرسها لنا. نسيت شبابه اللي دفعه في تربيته لنا. نسيت إنه شجعني لحد ما وصلت إني أكون دكتورة ناجحة وأختي صحفية ومعاها دراسات في علم نفس. نسيت كل ده في لحظة غضب. شفت الحاجة الوحشة بس إنه كان بيسافر علشان يأمن لنا مستقبلنا.
وآخرتها مات مقهور مني. بس أرجع أقول ده قضاء وقدر. ربنا سبحانه وتعالى. حضرتك لازم تشوف نص الكباية المليان مش الفاضي. خلاص اللي راح راح، مش هقول لك بلاش تحزن، لا بالعكس لازم نحزن، وكمان نحتفظ بذكرتهم معانا. بس كمان لازم تشوف إيه المليان في حياتك وتحاول تقرب منه وترجعه لك تاني."
قالت هذا ونظرت إلى ساعتها قائلة: "بعد إذنك، ميعاد دواء ماما سميحة. لازم أمشي." انتصبت واقفة وكادت أن تذهب. أوقفها فؤاد قائلًا: "أميرة." وقفت أميرة واستدارت له قائلة: "نعم." ابتسم لها وأكمل: "شكرًا." أجابته بحب قائلة: "مفيش أب بيشكر بنته." لمعت عيناه بالسعادة والفخر وأكمل بصدق: "نوح بيحبك على فكرة. خلي بالك من نفسك ومنه." ابتسمت له أميرة بخجل قائلة: "حاضر." قالت هذا وهرولت إلى الداخل.
غافلة عن تلك العيون التي وقفت تستمع حديثهم. كل كلمة تفوهت بها أميرة وصل إلى سمع نوح، الذي جاء خلفها يبحث عنها. وجدها تخرج إلى الحديقة تقطف وردة. ولكنها عندما سمعت تلك الشهقات اتبعت الصوت. وجدته والده فؤاد. تعجب نوح من ذلك الحادث الذي دار بين أميرة ووالده. وما معنى حديثه بأن والدته توفيت؟ إذا توفيت، فلماذا قالت له سميحة بأنها حية ترزق؟
هناك سر وعليه معرفته في أقرب وقت. لمعت عيناه بالسعادة والفخر من حديث أميرة عنه. رغم أنه تعامل معها بقسوة وذل. تنهد وصعد إلى غرفته وقام بفتح إحدى الأدراج و قام بإخراج تلك الورقة و قام بتقطيعها. فهي لم تعد لها أهمية. كانت حماقة منه لحظة غضب. عليه أيضًا أن يخبرها بشعوره تجاهها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!