فقدان الأب لا يعوضه شيء. فقدان الأب كسر لا يجبره الزمن وجرح لا يلتئم أبداً. تأتي المواقف برسالة مبطنة محتواها: لا مجال للضعف. فقد رحل الأعمق حباً، الأصدق قولاً، والأكثر خوفاً وحرصاً. *** مر شهر. لم تستطع أميرة أو مارية اجتياز موت والدهم، وبالأخص أميرة. كانت حبيسة الغرفة التي خصصها لها نوح. كان خبر زواجها منه صدمة للجميع، وخاصة فؤاد الذي غضب بشدة.
تخرج فقط لتجلس مع سميحة وتقوم بعمل الجلسة لها، وترجع مرة أخرى إلى غرفتها. أصبحت شاحبة الوجه لتظهر الهالات السوداء تحت عينيها. دموعها لم تجف، تبكي ليلاً ونهاراً، تشعر بالذنب فهي السبب في موت والدها بحسرته فيها. وقف نوح أمام غرفتها، طرق الباب ثم دلف. وجدها تجلس بوضع القرفصاء على التخت. يسمع شهقاتها. تنهد بألم قائلاً: "أميرة." رفعت وجهها ونظرت له نظرة زلزلت كيانه. شعر بوخزة في قلبه عندما وجدها هكذا.
اقترب منها وجلس بجانبها على التخت قائلاً: "ليه عاملة في نفسك كده يا أميرة؟ انهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها قائلة: "أنا السبب في موته. أنا اللي قلت له كلام كسره وخليه يموت بحسرته." رفع يده وملس على حاجبها بحنان: "دي أعمار يا أميرة ومقدر ومكتوب. قومي ادخلي خدي شاور واتوضي وصلي وادعي له بالرحمة. هو محتاج الدعاء دلوقتي مش البكاء." قال هذا وانتصب واقفاً. كاد أن يخرج من الغرفة، أوْقفته قائلة: "نوح." وقف نوح واستدار
لها لتكمل هي قائلة: "شكراً على وقفتك معانا." ابتسم لها قائلاً: "حد يشكر جوزه." قال هذا وغمز لها وخرج. خجلت أميرة وتذكرت وقوف نوح بجانبهم. لم يتركهم لحظة واحدة، حتى أنه أصر على مارية الذهاب معهم، ولكنها رفضت وطلبت من أميرة الذهاب. بعد الكثير من المحاولات، تغيرت وجهة نظرها فيه. هو لم يكن بهذا السوء. تنهدت ونهضت من الفراش، جذبت منشفة قطنية ودلفت إلى الحمام.
قامت بخلع ملابسها واقتربت من حوض الاستحمام، تقوم بفتح صنبور المياه، ولكنها صرخت بقوة ترتجف بشدة عندما شاهدت تلك الحشرة تقف على الحائط. بينما نوح كان يمر بجانب غرفتها، سمع صوت صرختها. انتفض قلبه ودلف مسرعاً إلى الغرفة. دار بعينيه في المكان، وضع يده على قلبه يهدئ من هذه الوخزات. تنهد بالراحة عندما سمع شهقتها في الحمام. طرق الباب بلهفة قائلاً: "أميرة أنتِ جوه؟ عضت على شفتيها قائلة:
"آه أنا جوه بس خايفة. في حشرة كبيرة لها شنب واقفة بتبص عليّ ومش عارفة أعمل إيه." كتم نوح ضحكته قائلاً: "طيب ابعدي وأنا أدخل أشوف فيه إيه." شحب وجهها عندما سمعت ما قاله، فهي تقف عارية بعد أن خلعت جميع ثيابها. دارت بعينيها في المكان وأسرعت بلف المنشفة حول جسدها، وقفت تختبئ في أحد الأركان تنظر بخوف إلى تلك الحشرة. أردفت قائلة بإحراج: "ادخل يا نوح بس خلي بالك لأنها واقفة على الحائط اللي جنب الباب."
أخذ نوح نفساً ودلف إلى الداخل. تبحث عيناه بلهفة دون إرادة منه عنها. وجدها تقف في إحدى الأركان خافضة رأسها بخجل. استغل هو الفرصة وظل ينظر إليها بنظرة لا تخلو من الإعجاب وهو يرى هيئتها الأكثر من رائعة بشعرها الحرير. ابتلع لعابه وحاول إخراج صوته قائلاً: "فين الحشرة دي اللي بتقولي عليها يا أميرة؟ رفعت وجهها لينسدل شعرها حول وجهها كهالة سوداء يتوسط وجهها كالبدر. شعر بقشعريرة تسري في جسده. أردفت قائلة باستحياء:
"آهي وراك على طول." استدار نوح ينظر إلى الحائط ولكنه انفجر في الضحك لدرجة احمر وجهه قائلاً: "كل الرعب اللي أنتِ فيه ده علشان خاطر ده؟ اقتربت منه أكثر، وقفت خلفه قائلة: "آه يا نوح شوف له شنب كبير إزاي." أغمض عينيه عندما شعر بأنفاسها تلفح برودة جسده. ابتلع لعابه دون أن ينظر إليه قائلاً: "هو انت عمرك ما شفتي صرصور قبل كده؟ أردفت قائلة برعب: "مش فاكرة الصراحة، بس شايف هو واقف إزاي وبيص عليّ اهو، حتى بيلاعب شنبه."
قهقه نوح واستدار ينظر إليها. تعالت وتيرة أنفاسه وشعر بناقوس الخطر يدق. تنحنح ومد يده نحوها، جذبها من معصم يديها وتحدث بجدية مصطنعة: "تعالي يلا اخرجي متخافيش."
قال هذا وكادت أن تخرج معه، إلا أنها نظرت وجدت ذلك الصرصور يطير. صرخت، وفي لحظة ارتمت داخل أحضان نوح تلف يديها حول خصره وتدفن وجهها في حنايا صدره. هذه الحركة زلزلت كيانه وانتفض قلبه وهو يشعر بخوفها. فتحرك بها بهدوء خارج الحمام وهي في حضنه. رفع يده يلمس شعرها بحنان قائلاً: "اهدي يا أميرة ما فيش حاجة. احنا خلاص خرجنا من الحمام."
خرجت أميرة من أحضانه تشعر بالخجل والإحراج. وجهها شديد الاحمرار، تنظر إلى وجه نوح الذي كان ينظر إليها نظرة جديدة عليها كلياً، نظرة يملؤها العشق والغرام. لم يستطع التحمل أكثر من ذلك. اقترب منها يضمها إليه وهي كالمغيبة. شعور جديد عليها لم تشعر به حتى في وجود رامي خطيبها. سار بأنفه على وجهها نزولاً بعنقها، ينظر إليها بعشق وهم بالتهام شفتيها. إلا أنها ابتعدت عنه تشهق بخجل بسبب رنين الهاتف.
ابتعد نوح واستعاد وعيه الذي كان على وشك فقدانه معها، وسار متجه إلى الباب بخطى مسرعة دون النطق بكلمة واحدة. خرج متجه إلى غرفته ودلف إلى الحمام مباشرة. فتح الصنبور على المياه الباردة، يقف تحت المياه ولم يشعر ببرودتها، لعلها تطفي نيران جسده وقلبه المشتعلة كلما يذكرها وهي داخل أحضانه.
بعد قليل خرج نوح يلف خصره بمنشفة قطنية وأخرى بيده يجفف بها خصلات شعره. وقف أمام المرآة، ابتسم عندما تذكر هيئة أميرة التي كانت أكثر من رائعة. وخوفها كان قلبه يدق مثل دقات الطبول عندما وجدها تختبئ داخل أحضانه. رغم كل شيء، فهو الأمان بالنسبة لها. سار تجاه غرفة الملابس وأخرج ثياباً وارتداها، ثم مشط شعره ونثر عطره المميز وخرج من الغرفة متجه إلى الأسفل. ولكنه غضب بشدة عندما وجد والده يقف عند غرفة أميرة. اقترب منه قائلاً
بغضب: "بابا إيه اللي موقفك هنا؟ ارتبك فؤاد قائلاً: "ها... آه. أصلاً كنت عايز أطمّن على الدكتورة أميرة. أنت عارف من ساعة وفاة والدها وهي مش بتخرج من غرفتها." أخذ نوح نفساً طويلاً قائلاً: "هي كويسة يا بابا، اطمن. فيه حاجة تأمر؟ ارتبك فؤاد قائلاً: "لا ما فيش. أنا نازل علشان أفطر." قال هذا وسار بخطوات سريعة ينزل إلى الأسفل. تنهد نوح بقلة حيلة من تصرفات والده.
بينما أميرة بعد خروج نوح ظلت واقفة مكانها غير مستوعبة لما حدث منذ قليل. لماذا استسلمت بكل هذه السهولة؟ ولكنها ابتسمت عندما رفعت يديها واستنشقت رائحته المميزة. تعجبت أكثر بأنها دلفت إلى أحضانها تختبئ داخلها. همست قائلة: "وبعدين بقا؟ هو إيه اللي بيحصل لي ده؟ مش معقول أكون بدأت أحب."
نفضت من عقلها هذه الفكرة وتوجهت إلى حقيبتها. أخرجت فستاناً وحجاباً. بعد قليل وقفت أمام المرآة تهندم حجابها. وسارت إلى الباب تخرج متجه إلى... *** بعد قليل... نزلت أميرة إلى الأسفل متجه إلى غرفة المائدة. وجدت الجميع جالسين. أردفت قائلة: "صباح الخير." رد الجميع عليها، بينما ابتسم لها هاشم قائلاً: "اتفضلي يا بنتي تعالي علشان تفطري معانا."
ابتسمت برقة ودارت عيناها في المكان، وجدت يوجد مقعد خالٍ بجوار نوح وآخر بجوار فؤاد الذي كان ينظر لها نظرات غريبة. اقتربت وجلست بجانب نوح. بعد قليل أردفت قائلة بتعجب: "فين وهج؟ رد نوح قائلاً بمكر وهو ينظر إلى أرسلان: "وهج من ساعة اختفاء ميس نعمة وهي رافضة الخروج من غرفتها ومش مبطلة بكاء ليلاً ونهار." نظر لها وأكمل: "متعرفيش هي اختفت ليه؟ مرة أعتقد إنك اللي جايباها، ولا إيه؟ الصراحة مفيش في حنيتها طيبة قلبها."
شرقت أميرة، ليتكم نوح ضحكته وهو يعطي لها كوباً من الماء. بينما أرسلان نظر إلى نوح نظرة أرعبته. *** في شقة مارية... شهر كامل لم تتخط حزنها على والدها. حبست نفسها في المنزل، رغم محاولات أميرة بأن تأخذها معها إلى الفيلا، ولكنها فشلت في إقناعها. كانت تجلس على التخت بداخل غرفة والدها تمسك بألبوم الصور وتشاهده. ملست على وجهه قائلة: "وحشتني يا بابا." قالت هذا وانهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها.
صدح رنين هاتفها، جذبته من جانبها ووجدتها منه. قامت بالرد قائلة: "ألو يا منه." أردفت منه قائلة: "وحشتني يا حب عمري." قهقهت مارية قائلة: "وأنت كمان وحشتني يا منه. ما تيجي تقعدي معايا؟ هو انتِ فين صح؟ أردفت منه قائلة: "أنا يا ستي بصور المجمع السكني بتاع هااا شركات القيصر." غضبت مارية قائلة: "اتلمي يا منه وبلاش شغل الفراغ العاطفي بتاعك ده." قهقهت منه قائلة:
"بس بس براحة. هي شركات القيصر ما فيش فيها إلا أرسلان بتاعك. اهدي يا ماما أنا بتكلم على أبو النوادر منقذي يا بنتي." ابتسمت مارية قائلة: "آه قلت لي أبو النوادر اللي كل شوية تعملي كارثة وهو ينقذك. وبعدين انتِ مالك ومال التصوير ده؟ شغلك عاصم المصور، انتِ آخرك تكتبي عن المجمع وبس." أردفت منه قائلة: "لا منا لازم أحط التاتش بتاعي. المهم سيبك مني وقولي أميرة عاملة إيه؟ تنهدت مارية بألم:
"كويسة. كل يوم تتصل بي علشان أخرج، حتى على الأقل أروح عندها. الصراحة وهج وحشتني." أردفت منه قائلة بمكر: "وأبو وهج وحشك؟ ابتسمت مارية قائلة: "أوي أوي يا منه." أردفت منه قائلة: "هااا أوعدني يارب." غضبت مارية قائلة: "آه يا كلب البحر. لما تيجي خلصي بسرعة وبلاش تأخير." أجابتها منه قائلة: "حاضر يا حب عمري. سلام علشان أكمل التصوير." أمام المجمع السكني الخاص بشركة القيصر.
وقفت منة تلتقط بعض الصور من آلة التصوير خاصتها، فهي تعشق التصوير بشدة. بينما صف نادر سيارته وترجل منها. دارت عيناه في المكان يبحث عنها بلهفة. وجدها تقف تلتقط الصور ويقف بجانبها الكثير من العمال الذين وقفوا عن العمل بسبب التصوير، وهي تقف تعطي لهم الأوامر. صك على أسنانه بغيظ، فـ تلك المتهورة لا تكل ولا تمل. من أثار جنونه. تنهد بقلة حيلة، ثم نظر قائلاً بمكر: "والله وحشتني أيام الشقاوة. يلا هي اللي جابته لنفسها."
قال هذا واقترب منها قائلاً: "صباح الخير." استدارت منه قائلة: "صباح الخير يا مستر نادر." نظر نادر إلى العمال قائلاً: "ممكن أعرف العمال واقفة كده ليه؟ أجابته قائلة: "علشان أصورهم." صك على أسنانه قائلاً: "وليه معطلة شغلهم وبتصوريهم؟ أجابته بهدوء: "علشان هم اللي تعبوا لحد ما المجمع يطلع بالشكل ده، يبقى أقل تقدير إنهم يتصوروا جنب تعبهم ومجهودهم." لمعت عيون نادر بالسعادة. شعر بالفخر من حديثها. أردف قائلاً بهدوء:
"تمام، بس ممكن في وقت الراحة تعملي كده بدل ما الشغل يتعطل؟ أومأت له برأسها قائلة: "تمام." أردف نادر قائلاً وهو ينظر إلى العمال: "يلا يا رجال شد حيلكم علشان المجمع يتسلم في ميعاده." *** في فيلا علام الحسيني. بداخل غرفة ضحى. تغيرت كثيراً بفضل مارية وحديثها معها. بدأت التقرب من الله، واظبت على الصلاة وقراءة القرآن، وارتدت الحجاب الذي زادها جمالاً فوق جمالها. بينما كانت تجلس على مكتبها تذاكر دروسها، دلفت
إليها والدتها زينب قائلة: "بتعملي إيه يا ضحى؟ نظرت إليها ضحى ووجدتها ترتدي فستان سهرة شبه عارٍ، تضع ميك أب صاروخي وتحمل بيديها حقيبة. نظرت إليها ضحى بألم وتذكرت حديث مارية بأنها تعطي لها النصيحة قائلة: "حضرتك عاملة في نفسك كده ليه يا ماما؟ ابتسمت زينب قائلة: "إيه رأيك حلو عليّ صح؟ بعت جبته من باريس علشان حفلة الليلة وجبت لك واحد زيه حتى شوفي."
قالت هذا وقامت بفتح الحقيبة وأخرجت فستان لون اللوز عاري الصدر، قصير للغاية. أكملت زينب حديثها: "إيه رأيك هيبقى تحفة عليك. يلا علشان تحضري نفسك علشان ميدو ابن صافي جاي يشوفك النهارده." جحظت عيون ضحى. أيعقل أن والدتها تريد منها ارتداء هذا الفستان العاري؟ انتصبت واقفة وسارت تقف أمام والدتها قائلة بغضب: "هو لحد امتى هتفضلِ بالشكل ده يا ماما؟ تعجبت زينب قائلة: "مش فاهمة قصدك إيه يا ضحى."
ابتسمت ضحى بألم، فوالدتها لا تبالي بأي شيء، لتكمل هي قائلة: "أقولك يا ماما السهر والفسح والنادي والشرب والقمار. ليه عاملة في نفسك كده وعايزة تعملي فيّ أنا كمان؟ وبعدين ميدو مين اللي جاي يشوفني وجاي بصفة إيه إن شاء الله؟ نظرت زينب بغضب قائلة: "بنت! إزاي تتكلمي معايا بالشكل ده؟ انت نسيتي نفسك ولا إيه؟
وميدو جاي لأن طلب إيدك وأنا وافقت. اتفضلي خدي الفستان ده وخمس دقائق تكوني لبستي وتحت، والحجاب مش عايزة أشوفه تاني على راسك، فاهمة ولا إيه؟ صرخت ضحى قائلة: "لا مش فاهمة. وكمان مش هقلع الحجاب وجسمي ده أمانة لازم أحافظ عليها مش استعراض باللبس العريان، ولا يمكن أتجوز ميدو ده ولو على موتي."
نظرت زينب بشر ورفعت يديها وكادت أن تصفعها، إلا أنها وجدت يد تمسكها. نظرت، وجدت أنه نادر ينظر بغضب. أردف وهو يوجه حديثه إلى ضحى قائلاً: "ضحى حضري شنطة هدومك علشان هنمشي من هنا." ابتسمت باتساع قائلة بفرحة: "حاضر يا بيه." قالت هذا وهرولت تجذب حقيبتها تقوم بتجميع أشياءها. نظرت زينب قائلة لنوح: "انت عايز تاخد اختك وتمشي وتسبني يا نوح؟ أخذ نفساً طويلاً قائلاً: "للأسف يا أمي، لا أنت ولا بابا سبت اختياري لنا تاني."
رفعت حاجبها قائلة: "والمعنى؟ أجاب نادر قائلاً بهدوء عكس بركان غضبه: "قصدي السهرات واللعب والشرب يا أمي. أنا وأختي مالناش مكان هنا طول ما حضرتك ماشية في الطريق ده واللي آخرته هيكون وحش للكل يا أمي." بينما زينب أردفت قائلة: "انت بتلوي دراعي يا نادر." أجاب نوح قائلاً باحترام: "حاشا لله يا أمي." أردفت قائلة بغضب: "أمال معناها إيه كلامك ده يا نوح؟ أجابها بهدوء قائلاً:
"معناها إن ربنا أمر بطاعتك أنتِ ووالدي في كل حاجة إلا الشرك به ومعصيته." أردفت بذهول قائلة: "معصيته؟ فين دي؟ اتسعت عيون نوح. أيعقل أن والدته لم تدرك ما تفعله من شرب خمر ولعب قمار ولبسها العاري؟ كل هذا في نظرها عادي، ولكنها لم تكن مخطئة لوحدها. أين والده في كل هذا؟ أغمض عينيه وأخذ نفساً طويلاً وأخرجه ببطء قائلاً:
"علشان خاطري يا أمي سيبني على راحتي، وصدقيني يوم ما ألاقي حضرتك اتغيرتي وكل اللي بيحصل في الفيلا اتمنع، صدقيني هرجع تاني أنا وضحى." هرولت ضحى وهي تحمل حقيبتها قائلة: "أنا جاهزة يا بيه." ابتسمت لها وقام بحمل الحقيبة منها قائلاً: "عند إذنك يا أمي. يلا يا ضحى." قال هذا وأخذ ضحى وخرج ينزل الأسفل. بينما وقعت زينب تنظر بذهول. تنهدت وخرجت تنزل إلى الأسفل هي الأخرى. قابلتها إحدى صديقاتها وتدعى صافي قائلة: "فيه إيه يا زيزي؟
حصل حاجة؟ أجابتها زينب قائلة: "ما فيش يا صافي. يلا علشان نبدأ اللعب." *** في شقة مارية. كانت تجلس على الأريكة تضم جسدها بحزن. فتحت هاتفها وكتبت على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي: "لقد بُتِرَ أعظم جناحٍ كنتُ أملكه. ما عدتُ أستطيعُ التَّحليق. حتى القفز صار متعِبًا." "رحمك الله يا أبي."
تنهدت وقامت بغلق الهاتف. دارت بعينيها في المكان إلا أنها وقعت عيناها على نظارة والدها على الطاولة. أمسكتها لتنهمر دموعها بغزارة. تنهدت بألم ومسحت دموعها ووضعت النظارة في مكانها وأكملت تصفح هاتفها. وقفت على صورة وهج فقد اشتاقت إليها وإلى أرسلان. آه من أرسلان، فقد دق قلبها له. أحبته من كل كيانها. شردت بحزن. ذات مرة طلبت منها وهج أن تعلمها العزف على الجيتار. أردفت مارية قائلة:
"يا وهج يا حبيبتي أنا مش معايا جيتار دلوقتي. مرة تانية أبقى أعلمك." عزمت وهج شفتيها قائلة: "بس بابي عنده جيتار وحلو أوي كمان." تنهدت مارية بقلة حيلة: "طيب هو فين؟ ابتسمت وهج قائلة: "في أوضته." "نعم؟! " هكذا أجابت مارية على وهج. أكملت مارية قائلة: "انتِ عايزاني أدخل أوضته؟ أبوكي هو ده اللي ناقص كمان. وسلام لو كان موجود فيها يبقى كملتهم." همست حتى لا تسمعها وهج:
"وبدل ما أنا كنت عايزة أعمل معاه حوار صحفي، هو اللي ينشر صورتي تحت بند الوفيات. يلا يا وهج الله يصلح حالك تعالي نشوف حاجة مفيدة نعملها." نظرت لها وهج نظرة استعطاف قائلة: "علشان خاطري يا ميس نعمة. بابي خرج راح الشركة. احنا بسرعة هندخل نجيب الجيتار ونخرج على طول." قالت هذا وظلت تنظر بعينيها لكي تستعطفها. تنهدت مارية قائلة: "حاضر. يلا وريني فين الأوضة." بعد دقائق دلفت مارية ومعها وهج إلى غرفة القيصر. اتسعت عيناها
وهي تنظر بانبهار قائلة: "أنا قلت إن دماغه ألماس تحفة فنية. إيه الحلاوة دي." نظرت إلى وهج: "فين الجيتار؟ شاورت لها وهج قائلة: "هناك في الركن ده. أنا هروح أجيبه." أردفت مارية وهي تجلس على التخت قائلة: "تمام بس بسرعة." بينما هرولت وهج تجلب الجيتار. دارت مارية عيناها في المكان، وقعت عيناها على ما ألمها وشعرت بوخزات شديدة في قلبها وهي تمسك ذلك الجهاز الصناعي لساق أرسلان.
بينما كان يجلس أرسلان في مكتبه يتفحص أخبار السوق. وصل إشعار، فتح الإشعار وقرأ ما كتبته مارية. كلامها مثل النصل الحاد الذي غرز قلبه. انتصب واقفاً وخرج مثل سرعة البرق ذاهباً إليها ويحدث ما يحدث. استقل سيارته وقادها مسرعاً. بعد قليل صف سيارته أمام البناية، ترجل منها وسار متجه إلى الداخل. بعد قليل وقف أمام الشقة، قلبه يعلو ويهبط من هذا الشعور. همس قائلاً: "أجمد يا أرسلان." أخذ نفساً طويلاً ووضع يده على الجرس وقام بالضغط.
أما بداخل، بعد أن أعدت قدحاً من القهوة ووضعته على الطاولة وكادت أن تجلس على الأريكة. سمعت صوت جرس الباب. اعتقدت بأنها منه. تنهدت وسارت متجه إلى الباب غير منتبهة إلى ما ترتدي. قامت بفتح الباب قائلة: "ادخلي يا... حالة من الذهول التام سيطرت عليها وهي ترى أرسلان أمامها بكل هذه الوسامة والجذابة. أما هو ظل يتأمل في جمالها للحظة. أحس بغيرة وهو يراها ترتدي هذه المنامة التي تحدد جمال جسدها وشعرها. وآه من شعرها.
أفاقت على حديثه: "وحشتني." يضحك أرسلان واقترب أكثر قائلاً: "تحبي أقولك وحشتني يا مارية ولا يا نعمة؟ اتسعت عيناها قائلة: "أنت كنت عارف؟ أومأ له برأسه قائلاً: "أنا عارف إنك لوحدك ومش هينفع أدخل. غيري هدومك وأنا مستنياكِ تحت." *** بداخل تلك الشقة المتواجد فوق مشغل الإنسانية. في إحدى الغرف كانت تنتفض، يبدو أنها داخل كابوس مزعج. تري ذلك المشهد يراود كل أحلامها. انتفضت تصرخ قائلة: "أرسلان."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!