صابرين دخلت زي المجنونة بتجري من بوابة البيت الكبيرة وكانت مفتوحة. جريت في الجنينة بسرعة لغاية باب العمارة. بصت للتمثال الغريب اللي كان زي ما يكون بيراقبها وهو بيخبّي عين الطفلة الصغيرة. صرخت برعب: –لا ولادي بخير أنا عارفة وهحميهم من أي شر في الكون. محدش هيقرب لهم. طلعت السلم زي المجنونة وهي بتنادي على أولادها بصوت عالي: –سيف… سلمى…
وأول ما وصلت لباب الشقة، كانت الحاجات الغريبة والنجاسات لسه مرمية قدام باب الشقة. حدفتها برجليها بعيد. لقيت دم كتير على الأرض في منظر مقزز وهي بتقول: –لا ولادي محدش هيأذيهم. فتحت باب الشقة بالمفتاح وقلبها بيدق بسرعة. وفضلت تنادي على عيالها بهستيريا وهي بتدوّر عليهم في كل مكان زي المجنونة. بس ما لقيتش حد، الشقة كانت فاضية. دورت في كل الأوض، ما فيش أثر ليهم.
دخلت المطبخ وبعدها فتحت باب المنور، بس ما لقيتهمش هناك. مفيش صوت ولا نفس غير صوت صراخها العالي. المنور كان فاضي وضلمة كأنه مكان مهجور مليان أعشاش عنكبوت كتير. الغريب إن مكنش فيه السلم اللي بينزل لتحت. السلم اللي كان هنا اختفى. قربت من الحيطة وهي مش مصدقة اللي شايفاه. كان المنور أو الأوضة اللي جنب المطبخ كانت أوضة مقفولة تمامًا، مفيهاش لا باب ولا سلم ولا أي حاجة خالص غير العنكبوت وفيران كتير بتجري.
صرخت برعب وهي بترجع لورا من الفيران اللي بتبص لها بعيونها الحمراء. فضلت تزعق وهي بتلمس الحيطة: –إيه دا؟ فين السلم اللي كان هنا؟ أنا مش مجنونة.. أنا مش مجنونة. فضلت تصرخ وهي مش فاهمة حاجة: –فين السلم فين السلم…. أنا مش مجنونة. وبعدها قعدت على الأرض منهارة والفيران بتقرب منها بعيونها الحمراء وصوت صراخها المزعج. بس صابرين مكنش همها حاجة غير ولادها. مش عارفة تعمل إيه ولا فين أولادها. وهنا سمعت نقر في الخشب من المطبخ.
نادت بصوت متوتر: –سلمى حبيبتي؟ إنتي رجعتي؟ مكتش في حد بيرد، بس الصوت فضل يعلى في ودانها. وحد بينقر الخشب وحست ببرد شديد وثلج في جسمها لدرجة إنها كانت هتتجمد. خرجت تشوف مين برة برعب وتوتر، وفضلت تنادي بصوت متوتر: –في حد هنا؟ مين هناك سلمى انت رجعتي يا بنتي؟ بس برضو مفيش رد غير صدى صوتها وبس.
وفجأة شافت حاجة سودا بتجري بسرعة من المطبخ. خرجت وراها بسرعة وهي بتسأل مين هناك. بس ما لقيتش حد. ده الوهم هي متأكدة إنها وقفت بتترعش من الخوف والبرد. وفجأة حاجة عدّت على رجليها، صرخت بفزع ورجعت لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وحست إن فيه حاجة معاها في الشقة. حاولت تقرأ قرآن، بس نسيته. لسانها عاجز عن النطق. صابرين حست بإيدين بتشدها على الحيطة من وراها وتكتّفها. حاولت تهرب بس ما قدرتش. فضلت تحاول وتصارع من غير فايدة،
وصرخت بصوت عالي: –يارب ماليش غيرك، يارب احميني من كل شر، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم… وقعدت تردد آية الكرسي بصعوبة، لحد ما حست براحة، وبأن اللي كان ماسكها سابها. جريت بسرعة ناحية أوضة أولادها. لقت العرايس والألعاب على الأرض، كأنهم كانوا لسه بيلعبوا من شوية. قعدت تعيط وهي بتسأل: –سلمى، سيف، إنتوا فين يا ولاد؟ ارجعوا لي، مقدرش أعيش من غيركم… ارجعوا.
وفجأة افتكرت كلام بنتها عن المكان السري وصاحبتها ريتا، وقالت بصوت عالي: –ريتا، رجعي لي ولادي يا ريتا، أرجوكي، ووديني المكان السري معاهم، خليني معاهم، أرجوكي يا ريتا مقدرش أعيش من غير اولادي. صابرين فضلت تعيد الكلام وهي بتعيط من القهر وتنادي على ريتا اللي هي مش عارفة هي مين أصلاً.
وقتها سمعت دق عالي من الجدران، واللمبة بقت تهتز فوق راسها وبتعمل صوت عالي كأنها هتنفجر، وسمعت صوت هوا بيزأر في ودانها وصوت زيت بيغلي وبنحط فيه ميه. تششششششششش. كانت حاسة إن فيه حد فعلاً في الشقة معاها. يمكن ريتا، صاحبة سلمى. فضلت تنادي عليها وتتوسل إنها تاخدها عند ولادها.
وفجأة، شافت تاني نفس الحاجة السودا بتجري. خافت المرة دي أكتر وقلبها كان هيقف من الرعب. بس جريت وراها بسرعة ولحقتها لما دخلت أوضة المكتب. نورت النور ودوّرت على الحاجة السوداء اللي بتجري دي. بس ما لقيتش حاجة. فجأة سمعت صوت حاجة وقعت على الأرض، اتخضّت واتلفتت بسرعة ناحية الصوت. لقت الصندوق الأسود، كأن حد رماه على الأرض، والمفاتيح كلها وقعت قدامها، ولقيت المفتاح الأسود الكبير قدامها.
اخدته وهي بتفتكر كلام سيف ابنها إنه مفتاح الجحيم. وقتها قالت: –وفي جحيم أكتر من اللي أنا فيه؟ المفتاح هو اللي هيوصلني لأولادي، بس فين الباب اللي هفتحه؟ فين؟ فين؟ وهنا صابرين سمعت من تاني نقرات جاية من ناحية المطبخ. مشيت ببطء ناحية الصوت، اللي فضل يعلى، ووقفت هناك وهي بتحاول تبلع ريقها. لقت باب المنور بيفتح لوحده وببطء وصوته عالي. فضلت تبص برعب، بس كانت حاسة إن أولادها هنا.
دخلت المنور وبصّت مكان السلم اللي اختفى بطريقة غريبة. لقت الجدار الحجري مكانه مفيش سلم مفيش حاجة غير الحيطان الباردة زي الثلج. قربت منه وفضلت تلمسه وهي بتقول: –أنا متأكدة إنك المكان السري، وكان في سلم هنا، بس إزاي يا رب با رب ساعدني؟
فضلت تدعي ربنا إنه يدلها على الطريق، لإن أولادها محتاجينها. وفضلت تتحسس الحيطة لحد ما لقت مكان شبه فتحة صغيرة مخفية كويس. حطت المفتاح فيها، ودقات قلبها علت لما المفتاح عمل "تكة" والجدار اتحرك، وظهر السلم تاني. من غير تردد ولا تفكير صابرين نزلت السلم الضلمة وهي بتقرأ اللي حافظاه من القرآن الكريم وصوت الهوا في ودانها عالي، ومعاه صوت زي زيت بيغلي: –تششششش تششششش هسسسس هسسسس. ***
مرات حسين دخلت وفتحت القفص الحديد، لقت الحياة جوا منهكة خالص. شكلهم عذبوها المرة دي بزيادة، كانت باين عليها آثار التعذيب الشديد، وجسمها كله متبهدل. وكانت الست اللي فتحت القفص بالراحة وجابت قماشة ومية دافية، وفضلت تنظف جروحها وتدهن لها كريمات حروق عشان تهون عليها. الحياة فتحت عنيها وهي بتلبسها هدومها عشان تستر نفسها، وقالت: –عاوزة أشرب، عطشانة أوي يا بنتي اسقيني.
تغريد مرات حسين جابت لها الميه، وشربت كتير، وكانت بتطلب كمان. وهي بتسقيها، الحياة بصتلها بشكر وألم وقالت: –شكراً يا بنتي. وسكتت، مكنتش قادرة تنطق وغمضت عينيها ترتاح. تغريد فضلت تبصلها بحزن وقهر، تتخيل نفسها مكانها، وجوزها المجنون في الآخر يحطها في نفس القفص. وفضلت تعيط بقهر والدموع نزلت من عنيها، وقالت بهمس:
–لا، أنا مش عاوزة مصيري يكون زيها، يا رب أنا ما أذيتش حد في الدنيا، ومعملتش حاجة… والله وحشة مش عاوزة نفس المصير دا. الحياة فتحت عنيها بتعب شديد وهي بتنزف وقالت: –دا قدر يا بنتي ونصيب، ومحدش فينا عارف نهايته هتبقى إيه. أنا حياتي كلها اتدمرت، وكل اللي بحبهم ماتوا، وأنا زي ما انتِ شايفة كده… دي نهايتي، ما عنديش قدرة أهرب ولا أقول لأ، لكن إنتي عندك الإرادة ترفضي وتغيري الواقع بتاعك. ردت برعب:
–أغيره إزاي.. أنا ما أقدرش أعمل حاجة، أنا جبانة وخايفة، وخايفة منه ومش عاوزة أكون زيك. –طول ما انتي خايفة وساكتة، هتكون دي نهايتك. حاولت تبتسم، بس الألم كان كبير عليها. –اسكتي، اسكتي، عمري ما هكون زيك، أنا هموت نفسي قبل ما يحصل دا. –وتفتكري هيسبوكي تموتي نفسك؟ بقالي سنين نفسي أموت نفسي ومش قادرة، نفسي أخلص من عذابي، والجني الملعون بينهش في لحمي وبيتعذبني ومش قادرة، وأنا محبوسة. ردت تغريد برعب: –جني ملعون!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. الحياة بصتلها برجاء وقالتلها وهي بتمسك إيديها برجاء: –موتيني يا بنتي وريحيني من اللي أنا فيه. تغريد بصتلها بعيون مفزوعة وهي بتقول: –أموتك؟ أموتك إزاي؟ وبعدها قفلت باب القفص الحديد بعد ما نظفته بسرعة من الدم. وقعدت تبصلها بإشفاق وحزن شديد، والدموع بتنزل من عينيها برعب وهي بتتخيل نفسها في القفص من تاني. يا ترى هتعمل إيه وهتلاقي اللي يداويها. فضلت تعيط بصمت. ***
سيدنا كان قاعد على الأرض، وجنبه حسين، ماسك كتاب وقاعد يقرأ فيه ويردد كلمات غريبة، وكان بيرسم بالدم على كفن أبيض رموز ونجوم كتير. وبيقول الكلام الغريب بصوت عالي، والمبخرة الكبيرة مولعة، والدخان مالي الأوضة. وكان فيه صوت أنين وجع جاي من صندوق أسود جنبه، وحسين كان بيزعق ويضرب الصندوق برجله عشان الصوت يسكت. وهو بيقول بفضل: –اخرس يا كلب… اخرس. ***
صابرين نزلت لآخر السلم، ولقت باب تاني، فتحته بنفس المفتاح. مفتاح الجحيم يظهر إنه مفتاح لكل حاجة الليلة. وفتح معاها. ولقت نفسها في شقة تانية، الظلمة كانت شديدة، وفي نور خافت جاي من برة. خرجت وهي بتدعي ربنا تلاقي أولادها سيف وسلمى. كانت دي شقة سيدنا، ودخان البخور مالي المكان بطريقة صعبة وخانقة. ولقت بنت صغيرة شعرها طويل، لابسة فستان أبيض وذيله غرقان دم، واقفة في ركن الأوضة وبتبصلها وهي بتشاور على الباب. ***
كانت الشقة شقة سيدنا، وكان دخان البخور مالي المكان. لقيت بنت صغيرة شعرها طويل، لابسة فستان أبيض وذيله غرقان دم، واقفة في ركن الأوضة، وبتشاور لها تيجي. مشت وراها وقلبها بيدق بسرعة ومرعوب. الدنيا كانت برد شديد وصوت همسات عالية. ووقفت قدام باب، وفضلت تحاول تسمّع الصوت. وسمعت صوت سلمى بيتكلم بصوت واطي.
ابتسمت صابرين بسعادة أخيراً وفتحت الباب مرة واحدة. وهنا شافت سيف وسلمى قاعدين على الأرض بيلعبوا، وحواليهم لعب كتير مكسّرة، وكانوا بيعيطوا بصوت عالي. صابرين صرخت برعب ممزوج بالفرح: –سيف! سلمى! الحمد لله يا رب ولادي. وحاولت تاخدهم في حضنها. –ماما! ماما! مدت سلمى إيديها وحاولت تقوم، وسيف جري ورمى نفسه في حضن أمه عشان يحس بالأمان. وصابرين جريت تساعد سلمى، وخدتها في حضنها وهي بتعيط من الفرحة: –الحمد لله يا رب إنكم بخير.
وفضلت تبوسهم وهي بتعيط وبتقول: إنتو جيتوا هنا إزاي يا سلمى انتي واخوكي؟ سلمى ردت وهي بتعيط: –عمو… –عمو مين يا حبيبتي؟ –معرفش، بس شرير يا ماما… ضربنا وعذبنا، وكان عاوز يموّتنا أنا وسيف. ورفعت إيديها الصغيرة، وكانت الكدمات والحروق مالية إيديها. وكملت برعب: بس ريتا صاحبتي ضربته ودافعت عنّا. وبعدها فضلت تعيط بقهر وهي بتقول: –أنا بكره الشقة دي، عاوزة أروح يا ماما. صابرين حست بغضب شديد، مين اللي أذى ولادها بالشكل ده؟
وما رحمش ضعفهم؟ مسكت إيديهم وقالت: –هنخرج من هنا يا سلمى، متخافيش. ولما جت تخرج من باب الأوضة، لقيته واقف قدامها وسد عليها الطريق وهو بيقول: –رايحة فين يا صابرين؟ بصت بغضب وهي بتقول: –حسين؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟ وهنا سلمى صرخت برعب وسيف حضن أمه بخوف: –ماما، عمو الشرير اللي حرقنا هو ده! صابرين بصت بغضب لحسين، وهي بتقول: –يا مجرم إنت ضربت أولادي العاجزين وخطفتهم ليه؟ ليه؟ هما عملولك إيه يا حقير؟ يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!