الفصل 8 | من 11 فصل

رواية اللعنة الفصل الثامن 8 - بقلم مني حارس

المشاهدات
26
كلمة
2,802
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

لقيت صابرين نفسها في المقابر عند قبر أمها وأبوها. كانت حاسة بالأمان والراحة الكبيرة، وشامة ريحة حلوة ومنعشة من هوا المقابر البارد. كانت بتعيط بقهر ومكنتش مركزة في حاجة خالص غير في موت روقية صاحبتها. وكان هو بيقرب منها بهدوء وثبات وعينه عليها من بعيد. قرب منها وقالها بصوت هادي: –مالك يا بنتي، ما دايم إلا وجه الله عز وجل، وكلنا هنموت. مين فينا باقي فيها ومخلد؟

لو دامت لحد كانت دامت لسيدنا النبي عليه أفضل الصلاة وأفضل سلام. رفعت عيونها الزرقاء المليانة بالدموع والقهر وهي بتردد: –عليه أفضل الصلاة وأفضل سلام.

حست بطمأنينة كبيرة وراحة غريبة لنور وشه الساطع وشعره الأبيض ولحيته الطويلة البيضاء. ولقيت نفسها بتحكي له قصتها وكل اللي حصل معاها في الشقة المشؤمة اللي سكنتها من يومين بس، واللي مضطرة تعيش فيها خمس سنين من عمرها. مش عارفة إزاي وهي مش قادرة تكمل خمس ساعات على بعض من غير ما يحصل مصيبة وكارثة، ولا شيء غريب مش فاهمه هتكمل إزاي حياتها بالشكل ده والرعب ده كله؟

كانت حاسة بأمان كبير وراحة في وجود الشيخ ده. غريبة، رغم صفير الريح في ودانها والبرد الغريب للمكان، بس كانت مطمنة أوي ومرتاحة. وقررت تحكي للشيخ، ومن بين دموعها وكسرتها والحزن على موت صاحبتها الوحيدة في الحياة، حكت كل حاجة في الشقة. والحاجات الغريبة اللي بتحصل معاها وملهاش تفسير خالص. الخوف وقبضة الصدر والتوتر، وحتى الدم والنجاسات والحاجات الغريبة اللي بتشوفها قدام باب شقتها. والرائحة النتنة اللي بتشمها والبخور الغريب

عند باب سيدنا اللي ساكن تحتها بالشقة وصوت الهمسات العالية والضحك اللي بيرن في ودانها. ومفيش حد موجود غيرها. حكت له كل حاجة بإختصار وصوت متقطع وخايف من المجهول، وحتى موت صاحبتها وجوزها وعيلتها. كل حاجة قالتها. وكانت خايفة تكون هي السبب في موتها.

وبعدها حست براحة كبيرة وتنهدت بارتياح وهي بتبص للشيخ برجاء وأمل إنه يساعدها ويكون عنده الحل لكل ده. الشيخ بصلها كتير وقالها بصوته الهادي: –يا بنتي، اللي انت بتقوليه ده كله سحر والعياذ بالله، سحر أسود. وتوكيل جني بالأذية هو اللي بيعمل كل ده وبيأذيك. اللي مخليكِ تايهة ومش مركزة ومتشتتة. انتِ بتصلي يا بنتي وقريبة من ربنا ولا بعيدة عنه ونسياه؟ ردت عليه بتردد:

–أيوه بصلي الحمد لله بس مش منتظمة، مش هنكر. بس بصلي والله يا شيخ وبقرأ قرآن الحمد لله وبصوم رمضان، وبسمع قرآن. بس من ساعة ما سكنت الشقة دي وأنا مش قادرة، كل حاجة ضدي وزي ما يكون حد بيكتفني علشان معملش كده. حتى أبسط الطاعات مش قادرة، لا عارفة أصلي ولا أسمع كلام ربنا. بس سحر ليا أنا؟ ليه أنا؟

عمري ما أذيت حد، بل العكس، دايماً مأذية والناس مش سيباني في حالي. حتى جوزي مسلمتش من أذيته، والآخر لقيت نفسي في الشارع ومسؤولة عن طفلين محتاجين رعاية خاصة ومصاريف كتير وأنا وحيدة. سحر ليا أنا وأذية ليه يا شيخ؟ وأنا كنت أذيت حد؟ حتى الحيوان بعطف عليه. مين في حياتي علشان الناس تأذيني وتعمل معايا كده؟ –الشيخ رد عليها بتأثر:

–نفوس الناس المريضة كتير يا بنتي في الدنيا. اللي بيعمل سحر وأذية لحد، بيبقى عاوز يعذبه وهو حي ويدمر حياته. وياما ناس كتير السحر دمر حياتها وخلاها تتمنى الموت وهي لسه بتتنفس وعايشة، وذلّهم وخلاهم تايهين، وخلى اللي حواليهم يتمنولهم الموت رحمة بحالهم ورحمة بيهم من العذاب اللي هما فيه يا بنتي. قالت برعب: –سحر؟ سحر إيه يا شيخ؟ أنا ما بصدقش في الحاجات دي. والناس هتسحر لي أنا بعد كل اللي أنا فيه؟

ليه هما مش شايفين العذاب والبهدلة اللي أنا فيها للدرجة دي؟ الرحمة انعدمت من القلوب؟ –السحر مذكور في القرآن الكريم زي الحسد بالظبط يا بنتي. وناس كتير حوالينا مؤذية وقلوبها مليانة غل ومرض وحقد كبير أوي لغيرها، بتأذي الناس وبتعمل لهم أسحار وأذية. الأفضل إنك تسيبي الشقة دي خالص وتبعدي وتروحي مكان تاني. ردت من بين دموعها: –أروح مكان تاني إزاي بس وهاروح فين لو سبت الشقة؟

والشرط الجزائي اللي بالعقد وكل الفلوس دي هجيبهم منين؟ مش هقدر أمشي دلوقتي. غير إني معنديش مكان تاني أروح أعيش فيه أنا وولادي، هروح فين؟ وانفجرت بالعياط؟ رد الشيخ وقالها: –انتِ ما كنتيش واخدة بالك يا بنتي من الشرط؟ إنه غريب قوي. هو في حد في الزمن ده بيعمل كده؟ في حد بيدي شقة، ومفروشة في المكان اللي انتِ بتقولي عليه، بالمبلغ البسيط ده وشرط غريب كده وكلام غير منطقي؟

يعني إيه لازم تفضلي بايته في الشقة اللي انتِ بتقولي عليها؟ ده كلام غريب. إزاي توافقي بكده؟ الكلام غريب يا بنتي. ردت من بين دموعها: –وافقت لأني محتاجة ومفيش حل تاني. عارف يعني إيه تكون محتاج وتتعلق بقشة؟ عارف يعني إيه تكون محتاج للأمان؟ تكون محتاج لمكان تبات فيه علشان تحمي أولادك وتعيش؟

أنا كنت محتاجة بس أربع حيطان أنام فيهم مع أولادي اللي محتاجين رعاية ومحتاجين الاهتمام. وللأسف ما حدش حاسس بيهم، حتى أختي بتعايرني بمرضهم. كنت عايزني أعمل إيه؟ أروح أعمل إيه؟ أبيع نفسي عشان خاطر أجيب شقة؟ هعمل إيه؟ وجوزي سابني وهرب، هعمل إيه وأجيب منين؟ كل حاجة كانت ضدي وبتقولي لازم أوافق. هعمل إيه والكل اتخلى عني؟ رد الشيخ بصوت غريب:

–سبحان من خلاني أدخل المقابر دي من غير سبب ولا ميعاد. مش عارف أنا إيه اللي جابني النهارده هنا. كنت معدي بالصدفة وأول مرة أمشي من الطريق ده، ولما شفت المقابر هنا دخلت أقرأ الفاتحة وأترحم على أمواتنا واللي سبقونا. على فكرة يا بنتي، أنا معرفش حد مدفون هنا، بس صوت داخلي قالي أدخل دلوقتي وأقرأ الفاتحة وبعض آيات القرآن الكريم على أموات المسلمين وأترحم عليهم. يمكن يكون في روح محتاجة حد يترحم عليها وتسمع كلام الله. ولما شوفتك يا بنتي حسيت إن في حاجة حواليك، حاجة بتقول إنك الروح اللي محتاجة المساعدة. وأنا هساعدك لوجه الله.

رفعت عيونها برجاء وهي بتعيط قائلة: –يعني يا شيخ هتساعدني بجد لوجه الله؟ أنا محتاجة المساعدة عشان ولادي، حتى لو أنا ارتكبت ذنب وربنا بيعاقبني كل السنين دي، ولادي ملهمش ذنب في حاجة. دول غلابة والله وملهمش جد وأبوهم هرب وسابهم. –متقوليش كده يا بنتي. كل حاجة بتحصل في الكون ليها سبب وحكمة لا يعلمها إلا الله. اصبري على البلاء وربنا قادر على رفعه. بس قولي يارب وإن شاء الله خير، وأنا هساعدك.

كانت حاسة بالحيرة الشديدة ومش قادرة تصدق إن لسه فيه ناس طيبين في هذا الكون. ومش عارفة هو بيضحك عليها ولا عاوز منها إيه هو كمان. كانت حاسة بالأمان. هزت رأسها لتبعد الأفكار السيئة عن عقلها وهي بتهمس: "لا لا، النور اللي في وشه ده زي ما يكون ملاك ربنا بعتهولي من السماء يساعدني، مش ممكن يكون شرير أبداً. لا إن شاء الله خير." ردت بتوتر: –أنت هتساعدني بجد أتخلص من اللعنة اللي أنا فيها يا شيخ؟

وليه هتساعدني وأنت متعرفنيش أصلاً؟ رد وهو بيبتسم: –هساعدك إن شاء الله، وهاجي أزور الشقة دي مع الشيخ جلال، دا عالم جليل ومعالج روحاني. بس في وجود أختك وزوجها، ما تكونيش لوحدك في البيت. وإن شاء الله هنعرف إيه سبب اللي انتِ فيه ده كله. وقصة الشقة واللي بيحصل فيها واشمعنى انتِ بالذات. هساعدك يا بنتي لإني أقدر أساعدك بفضل الله ووجودي في المكان ده لسبب. ولو اتخليت عنك وأنا عندي علم، هقول لربنا إيه يوم العرض عليه يا بنتي؟

كل إنسان هيتحاسب على علمه. فاد بيه مين وعمل بيه إيه في الدنيا؟ ردت بحيرة: –وأنت هتعرف إزاي يا شيخ قصة الشقة الملعونة دي. –دي أسرار كونية وعلم كبير أوي. بس متقلقيش، كل حاجة بتتعرف. والعلم من عند الله وحده. أخد رقم تليفونها وقالها بأنه هيزورها بعد صلاة المغرب مع الشيخ التاني. وطلب منها تجيب أختها وزوجها في الجلسة، عشان يعرف سر الشقة ومصدر شرها إيه. ***

الشيخ فكرها بوالدها الله يرحمه. كان بيمشي بنفس الطريقة وبيعرج في مشيته لإصابة قديمة وكسر في رجله. حتى طريقة كلامه كانت تشبه طريقة والدها كثيراً، عشان كده كانت حاسة بالراحة معاه. ومكنتش عايزاه يمشي، كأنها كانت بتتكلم مع أبوها الراحل.

قررت تروح لأختها تهاني تقضي معاها اليوم وتطلب منها تيجي معاها هي وسيد زوجها. لازم تنهي اللعنة. قررت مش هتروح لوحدها الشقة الملعونة أبداً، من غير ما تعرف قصة الشقة. وفي ضرر من العيش فيها مع أولادها ولا لأ. ويمكن الشيخ يخلصها من شر الشقة وتعيش بأمان فيها من غير مشاكل. وهنا سمعت صوت صريخ عالي ودفن. شكل في حد هيندفن. افتكرت صاحبتها وجوزها وعيالها. ليه تموت كده؟ ذنبها إيه روقية؟ معقول أنا السبب في موتها؟ قعدت تعيط بقهر.

وهنا حست الدنيا ضلمت مرة واحدة. أصوات عالية متداخلة. صوت فوران زيت وهمسات من وراها. صوت أنفاس دافية بتهمس باسمها: "اللي بيغلط لازم يتعاقب يا صابرين". مكنش فيه حد حواليها. كان صوت نفسها العالي وخوفها. استعاذت بالله من الشيطان الرجيم وبصت وراها بفزع، بس مكنش فيه حاجة خالص. دقات قلبها كانت عالية. بصت بعيد، لقيت المقابر كلها بتتفتح مرة واحدة. ولقيت أشباح سوداء وظلال طويلة بتخرج من كل قبر وجاية بسرعة تجري ناحيتها. وصوت

همسات عالية أوي وصرخات: "اللي بيغلط لازم يتعاقب يا صابرين". جريت بسرعة وكانت هتموت من الخوف والرعب. الدنيا كانت باردة أوي وضباب كثيف مغطي المقابر. فضلت تجري زي المجنونة مش عارفة هي بتحلم ولا ده حقيقي. وهنا خبطت في حارس المقابر بقوة، اللي كان بيبص عليها برعب وبيقولها: –انتِ كويسة يا ست؟ في حاجة؟ وإيه اللي قعدك كل ده لوحدك؟ ردت بصوت مبحوح:

–الأشباح، الأشباح طلعت من المقابر. وشاورت بإيدها. بس مكنش فيه حاجة. المقابر زي ما هي بشكلها وشواهدها. رجعت برعب وهي مش مصدقة إن مفيش حاجة. الراجل سألها: انتِ كويسة؟ بصت لساعة إيدها. وهنا هتفت برعب وخوف حقيقي: –سلمى… سيف. اتأخرت أوي على الولاد. هو الوقت عدى إزاي كده وما أخدتش بالي.

جريت بسرعة زي المجنونة على مدرسة أولادها، لأن مر وقت على خروج الأولاد من المدرسة. وهناك مكنتش تعرف إن المفاجأة مستنياها برعب والقدر مش عاوزها ترتاح أو حتى تطمن للحظات. إدارة المدرسة والإشراف قالولها بتعجب: –بأنها أخدت أولادها منذ ساعتين واستأذنت قبل خروج الطلاب لأن عندها معاد دكتور عيون لسلمى.

مكنتش مصدقة اللي بيقولوه. هي مجتش المدرسة خالص وما أخدتش أولادها. هي كانت في المقابر من الصبح، مجتش المدرسة. والله ما جت. هما بيقولوا إيه؟ كانت بتصرخ زي المجنونة بصوت عالي: –أنا عاوزة أولادي! هوديكم في داهية! ولادي فيييييييييين؟ سلمى سيف؟ وكانت إدارة المدرسة مستغربة من اللي بتعمله صابرين، لأنها أخدت أولادها من شوية من ساعتين وسجلتها كاميرات المراقبة بالمدرسة وهي خارجة.

وأمام إصرارها الغريب وبكائها الهستيري، اضطرت مديرة المدرسة توريها كاميرات المراقبة، عشان تتأكد بأنها أخدت أولادها من أكتر من ساعتين والمدرسة مش مسؤولة عن الجنان ده والهيستيريا. وقعدت صابرين في مكتبها تشوف كاميرات المراقبة. وشافت صابرين نفسها وهي لابسة نظارة سودا ولابسة نفس لبسها، بتمسك بإيد أطفالها وتخرج من الممر الطويل لبرا المدرسة. وسمعت سلمى بتقول بحزن:

–ماما بالراحة، لأن إيدي وجعاني. ريتا عورتني في إيدي عشان عاوزاني أروح معاها المكان السري. ممكن أروح معاها لو سمحتي عشان متزعلش تاني، وهاخد سيف معايا. المكان السري جميل يا ماما. ريتا بتقول كده. ماشي. وهنا صرخت صابرين. مكنتش قادرة تنطق من شدة الصدمة على نفسها. صرخت برعب: –لااااااااااااااااااااااااااااا! ولادي مليش غيرهم! مش أناااااا!

كانت بتصرخ بهيستيريا وهي بتتابع كاميرات المراقبة وشايفة نفسها نسخة منها، حتى في لبسها، وهي ماشية مع ولادها. وسلمى تردد بصوت عالي: –ماما، إيدك ساقعة أوي ليه؟ أنا خايفة. صرخت برعب: –أنا عاوزة ولادي! سلميييييي….. سييييييييييييف! لاااااااااااا! وبعدها وقعت على الأرض فاقدة الوعي. مقدرتش تتحمل إنها تفقد أولادها كمان، زي ما فقدت كل شيء بالحياة. وكان

صوت سلمى بيردد في ودانها: "ماما، ريتا عورتني في إيدي عشان عاوزاني أروح معاها المكان السري. ممكن أروح معاها لو سمحتي عشان متزعلش، وهاخد معايا سيف. المكان السري." "المكان السري". "المكان السري". "ماما، إيدك ساقعة أوي كده ليه؟ أنا خايفة". "المكان السري". "المكان السري". يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...