تحميل رواية «اللعنة» PDF
بقلم مني حارس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مكنتش عارفة هتروح فين بعد ما طليقها باع الشقة من وراها ورماها في الشارع هي وأولادها وباع كل حاجة لما كانت عند أختها تعبانة. وبعدها ساب البلد كلها وهاجر لبلد أجنبي وانقطعت أخباره، وسابلها التوأم اللي لسه مكملوش ست سنين. "سيف وسلمى" بنت وولد زي القمر، بعيونهم الزرقاء وشعرهم الكستنائي ولون بشرتهم البيضاء، كانوا بيشبهوا الأجانب كتير. بس للأسف الحلو ميكملش، كانوا من أصحاب الهمم واتولدوا بإعاقة. سلمى كانت كفيفة مبتشوفش من وهي لسه مولودة، وسيف كان مبيسمعش وكلامه تقيل. ودا كان سبب مشاكل صابرين مع جوزها...
رواية اللعنة الفصل الأول 1 - بقلم مني حارس
مكنتش عارفة هتروح فين بعد ما طليقها باع الشقة من وراها ورماها في الشارع هي وأولادها وباع كل حاجة لما كانت عند أختها تعبانة.
وبعدها ساب البلد كلها وهاجر لبلد أجنبي وانقطعت أخباره، وسابلها التوأم اللي لسه مكملوش ست سنين.
"سيف وسلمى" بنت وولد زي القمر، بعيونهم الزرقاء وشعرهم الكستنائي ولون بشرتهم البيضاء، كانوا بيشبهوا الأجانب كتير.
بس للأسف الحلو ميكملش، كانوا من أصحاب الهمم واتولدوا بإعاقة.
سلمى كانت كفيفة مبتشوفش من وهي لسه مولودة، وسيف كان مبيسمعش وكلامه تقيل.
ودا كان سبب مشاكل صابرين مع جوزها اللي هرب وسابها.
الزوج كان دايما بيتهمها إنها السبب والأدوية اللي كانت بتاخدها في الحمل هي السبب، وأن ربنا رزقه بطفلين مش طبيعيين زي باقي الأطفال بسبب أعمالها هي لوحدها، واشمعنى هو اللي أولاده كده معاقين وباقي أطفال العيلة كويسين.
ومكنش حامد ربنا على أولاده، دايما محسسها إنها هي سبب إعاقة الطفلين.
ودا كان سبب هروبه وبعده عن زوجته وأولاده.
طلب منها قبل ما يطلقها ويبيع كل حاجة توديهم مركز رعاية للأيتام وهما يتولوا رعايتهم ومسؤوليتهم ويبقوا يزوروهم كل أسبوع.
بس هي رفضت تسيب أولادها.
والنهاية جوزها طلقها ورماها في الشارع وقالها إنه مش ملزم يصرف على أطفال معاقين.
صابرين لقت نفسها في يوم وليلة في الشارع من غير بيت يأويها ويسترها من غدر الزمن هي وأولادها.
مكنتش عارفة هتعمل إيه وقلبها مطاوعهاش ترمي ولادها بسبب أب قاسي القلب وعديم الرحمة والإنسانية.
أختها استحملتها شهر في بيتها.
وبعدها زوجها حكم عليها إن صابرين لازم تمشي وتشوف مكان ليها ولأولادها، لأن البيت ضيق.
وبالرغم إنها كانت بتشتغل في شركة وبتصرف على أولادها، وبتساعد في مصاريف البيت، بس الزوج أصر إنها لازم تمشي من بيته وهو مش ملزم يخليها عنده.
اضطرت صابرين تدور على شقة إيجار جديد وتسأل السماسرة وكل معارفها يمكن حد يدلّها على شقة سعرها حنين.
وفي يوم كانت بتكلم سمسار على التليفون وكانت بتترجاه يشوفلها شقة بسرعة بسعر رخيص لأن أختها خلاص صممت لازم تمشي آخر الأسبوع قبل ما جوزها يرجع من السفر.
لأنه حلف عليها طلاق ومكنتش عاوزة تكون سبب خراب بيت أختها.
كانت بتكلم السمسار…
"أيوه يا عم ناصر لقيت الشقة، بس دي سعرها غالي أوي عليا. أنا عاوزة حاجة بسعر قليل أقدر أدفع وأعيش أنا وأولادي بباقي مرتبّي لأن سالم بيحتاج علاج شهري. شوفلي حتى أوضة وحمام ومطبخ أربع حيطان تلمنا مش عاوزة أكتر من كده."
قفلت التليفون ودموعها نزلت بقهر.
وهنا قرب منها بهدوء وقالها بحرج:
"مدام صابرين أنا عرفت من مدام روقية إنك بتدوري على شقة، وطلبك عندي."
صابرين رفعت عيونها الزرقاء اللي بلون صفاء البحر لزميلها برجاء، عاوزة تتأكد إنه بيتكلم بجد مبيضحكش عليها زي ناس كتير في الشركة طمعانة في جمالها.
قالتله برجاء وهي هتعيط:
" بتتكلم بجد يا أستاذ حسين؟"
"أيوه، عندي شقة مفروشة في العمارة اللي في البيت اللي قصادي، صاحبها عاوز يأجرها لأنه مسافر."
ردت بخيبة أمل:
"شقة مفروشة إيه بس يا أستاذ حسين، أنا إمكانياتي متسمحش بالكلام ده. أنا محتاجة حاجة بسيطة وأنا هتصرف في الفرش، في عندي حاجات بسيطة؟"
رد عليها بهدوء:
"متخافيش، صاحبها مش طالب مبلغ كبير صدقيني."
"طالب كام في الشهر؟"
"300 جنيه، هتقدري تدفعيهم يا مدام صابرين."
وهنا صابرين اتنرفزت جدا وحست بالإهانة الكبيرة وقالتله:
"انت شايف إن دا وقت تريقة يا أستاذ حسين؟ للدرجة دي مبقاش عندكم إحساس ولا دم، انت بتتريق عليا؟ هو في شقة وكمان مفروشة بالمبلغ ده؟"
وبعدها قامت وهي مش قادرة تمسك دموعها من القهر والذل.
للدرجة دي السخرية والتريقة على مصايب الناس.
واعدت تحسبن وتدعي على جوزها واللي عمله فيها ومشيت.
لكن حسين جرى وراها وهو بيقولها إنه مبيتريقش عليها.
وأقسمالها إن فعلاً صاحب الشقة طالب 500 جنيه بس ليه شرط.
سألته بفضول:
"شرط إيه؟"
قالها:
"الشرط إنك متسيبيش الشقة مهما حصل لمدة خمس سنين ومتسأليش ليه، لأني ببساطة معرفش."
وهنا انفجرت صابرين في الضحك:
"هو دا الشرط؟"
وقالتله:
"وأنا لو لقيت شقة بالمبلغ ده والظروف اللي أنا فيها هفكر أسيبها يا أستاذ حسين؟ ليه مش فاهمه؟"
كان الفضول بيقتلها تعرف سبب الشرط، بس بردوا مش مسموح تسأل وتعرف ليه.
والنهاية مش مهم، المهم يكون كلامه حقيقي مش كذب.
لما رجعت بيت أختها حكت لها عن اللي حصل بقلق وهي محتاجة نصيحة حد يطمنها.
أختها فرحت إنها هتسيب الشقة وهتمشي عشان جوزها وقالتلها:
"دي فرصة يا صابرين، ممكن الشقة عليها قضايا ومش عاوز حد من الورثة يحط إيده عليها، مين عارف؟ المهم إنها فرصة متتعوضش، أوعي تسبيها. قوللي هتنقلي إمتى؟ انتي عارفة سيد جوزي راجع بعد يومين ومش عاوز مشاكل. ربنا يخليكِ، لو عليا انتي وأولادك على راسي من فوق لكن الظروف والمكان ضيق زي ما انتي شايفة."
وهنا دخل سيف وهو ماسك إيد سلمى وكان الاتنين بيعيطوا بصوت عالي.
ولما الأم سألتهم حصل إيه يا أولاد:
"ردت سلمى بقهر: يا ماما شادي ابن خالتي رجاء ضرب سيف بالعصاية على إيده وخالتو سابته يضربه وكمان زقته على الأرض وقالت كفاية مستحملة معاقين في بيتها. وقالت لنا نغور في داهية ولو متنا أحسن. ويا ريت أمكم ترميكم في الشارع زي أبوكم وتشوف حالها."
"وسألت الطفلة أمها بدموعها: هو انتي يا ماما هترمينا في الشارع بجد؟"
وهنا رفعت صابرين عينيها بغيظ وغضب لأختها.
اللي قالت بسرعة وهي بتداري عيونها:
"بنتك كدابة يا صابرين وقليلة أدب، هي شافت كل ده إزاي؟ دي عمياء ومبتشوفش، متصدقهاش."
وهنا صابرين مقدرتش تستحمل وصرخت بصوت عالي:
"بنتي عمياء يا رجاء، بس ربنا ميزها وخلاها تقدر تسمع دبة النملة، وأخوها مبيسمعش وصعب الكلام بس ربنا بردوا عوضه وبيقدر يشوف النجوم في عز الظهر. حسبي الله ونعم الوكيل، تعملي كده في أطفال مالهمش ذنب غير إن ربنا خلقهم مختلفين."
مش هقدر أقول غير كده وانفجرت في البكاء.
بعدها اتصلت بحسين وقالتله:
"أنا موافقة أأجر الشقة وموافقة بأي شرط يا أستاذ حسين وهقعد في الشقة خمس سنين ومش هخرج منها لأي سبب، بس محتاجة أسكن بكرة الصبح لو سمحت لأن معنديش مكان أعيش فيه وكده هبات في الشارع."
رد حسين وقالها بلهفة:
"هكلملك صاحب الشقة حالا متقلقيش."
وبعد نصف ساعة اتصل بيها وقالها صاحب البيت وافق إنها تكتب العقد بكرة وتاخد المفتاح.
وبدأت صابرين تجهز حاجتها وهدوم ولادها علشان تمشي من عند أختها.
ومهما تكون الشقة سيئة ولا فيها عيوب ولا حتى مسكونة، مش هتكون بسوء نفسية وكراهية أختها لأولادها.
وتاني يوم راحت صابرين مع صاحبتها روقية وحسين تمضي العقد وتشوف الشقة اللي مكنتش فارق معاها حاجة حتى لو كانت خرابة كانت هتوافق لأن مفيش بديل قدامها ولازم تمشي.
وهناك كانت الصدمة والمفاجأة اللي مكنتش متخيلها إنها هتلاقيها بالشقة واللي خلت حياتها تتحول للأبد.
رواية اللعنة الفصل الثاني 2 - بقلم مني حارس
صابرين كانت طول الطريق بتفكر في كل حاجة حصلتلها في الحياة، ودموعها كانت بتنزل في صمت. ذكريات الماضي كانت قدام عينيها وكأنها فيلم سينمائي بتتفرج عليه. مش قادرة تعمل حاجة، الظروف، المجتمع، الكل تخلى عنها وهرب. حتى أقرب إنسان ليها بالكون، جوزها "مهاب".
المفروض إنه كان السند والأمان. عقلها مكنش قادر يتخيل ولا يستوعب الصدمة. الصدمة اللي تخليه يبيع حتى الشقة اللي كانت ساكنه فيها ويهرب. ويسيبها تعاني مع أولادها اللي محتاجين رعاية خاصة وأمان. مقدرتش تتخلى عنهم وترميهم في الشارع، قلبها مقدرش يعمل كده خالص.
ملهاش قلب ترمي ضناها في الشارع وأولادها. كانت دايما بتحاول تبان إنها قوية وترسم الضحكة قدام الجميع. بس القلب مليان جروح والنفس مكسورة من الخذلان والألم. خذلان الجميع، وحتى الزمن كسرها. ملقتش رحمة ولا أمان. وحتى أختها اللي من نفس الدم واللي ملهاش غيرها في الدنيا بتعايرها بمرض أولادها. وهما إيه ذنبهم، مش فاهمه، وهي إيه ذنبها هي كمان.
مكنش حد حاسس بكل النار دي جواها غير صاحبتها روقية. كانت حاسة بيها وحاسة بمعاناتها. مسكت إيديها بحنان وقالتلها:
"متقلقيش يا صابرين، كل حاجة هتتحسن إن شاء الله. إن بعد العسر يسر وفرج كبير أوي صدقيني من ربنا، هو العالم بأحوالنا."
حاولت تبتسم بس الضحكة رفضت تخرج المرة دي. لأنها كانت حاسة بعدم الراحة، مش هتنكر. في حاجة بتقولها بلاش وابعدي لأنه مش خير أبداً وشر كبير. بس مفيش مفر ولا حل تاني بعد موقف أختها إمبارح مع أولادها.
هزت راسها ومتكلمتش. كانوا رايحين مع زميلهم حسين في عربيته. وفضلت تتفرج على الشوارع والناس. بس كانت مستغربة الناس والشارع وكل حاجة من حواليّها. هو حسين ماشي ليه في الشوارع دي وبين البيوت دي؟ لا دي بيوتها ولا الناس دي تشبهها وتشبه ظروفها التعبانة.
كان ماشي في شوارع نضيفة ومنطقة راقية نوعاً ما. لفت راسها وبصت على حسين اللي كان سايق وكان بيتكلم مع "سامح" زوج روقية وزملهم بردوا في نفس الشركة. واللي أصر يجي معاهم. يمكن روقية وجوزها عوضوها فقد الأهل واليتم. وقفوا معاها من أول أزمتها ومرضها ومتخلوش عنها ولا عن ولادها زي ناس كتير قريبين منها وبتربطهم صلة قرابة ودم.
بس الدم بقى رخيص أوي الأيام دي وبقى سهل. كانت بتبص لحسين وهو بيتكلم وبتفكر. يا ترى شمتان فيها وبيضحك عليها في سره؟ معقول يكون نسى وفعلاً بيساعدها؟ افتكرت لما اتقدملها من تمن سنين بس هي رفضته. لأنها مكنتش شايفاه زوج، كانت دايماً شيفاه زميل عمل مش أكتر. كان في حاجز جواها بيخليها دايماً تبعد عنه قبل ما تتعرف على مهاب وتتجوزه.
هو حسين مادياً كان كويس جداً وعريس ميترفضش. بس هتعمل إيه في أحكام القلب والهوى اللعينة. فعلاً مكنتش قادرة تتقبله ولا تشوفه كرجل ممكن ترتبط بيه وزوج تعيش معاه وتكمل نصفها الثاني. وحتى بعد مصيبتها واللي حصلها لسه الحاجز موجود، شيء داخلي بيكرهه ومش طايق وجوده. نفور كبير أوي وكراهية ملهاش مبرر ولا سبب لحسين رغم إنه بيحاول يساعدها. بس متعرفش سبب الكراهية دي كلها.
حاولت تاخد نفس عميق وتبعد كل الأفكار السودا دي عن دماغها. الرجل بيحاول يساعدها، على الأقل يستاهل إنها تقوله شكراً وتقدره. تبتسم في وشه مجاملة.
وهنا بص عليها في مراية العربية، وشاف توترها ولاحظ دموعها، وقالها بصوته الهادي جداً:
"خلاص يا مدام صابرين، إحنا وصلنا العمارة اللي على إيدك اليمين علطول."
التوتر زاد والقلق. وهي بتقول لنفسها بقلق: "الرجل ده مجنون، عمارة إيه؟" كان بيشاور على بيت من خمس أدوار في مكان راقي وشارع واسع. البيت حواليه سور من الحديد وبوابة كبيرة مقفولة. وفي بعض الزهور والورد وكام شجرة، جنينة صغيرة.
قالت بتوتر من المفاجأة وعدم التصديق:
"فين البيت يا أستاذ حسين؟ مش فاهمه؟"
شاور بايده وقالها:
"البيت ده، هو مفيش غيره على يمينك؟"
الكلام كان غريب. حتى روقية وزوجها استغربوا من كلام حسين. لأن شقة في عمارة زي دي إيجارها مش هيقل عن ٥٠٠٠ جنية مش ٥٠٠، ولو مفروشة ممكن توصل ١٠٠٠٠ جنية. يبقى في حاجة غلط.
من الصدمة وعدم التصديق صابرين متكلمتش. بس سامح قال بعدم تصديق:
"حسين، إنت بتهزر؟ شقة إيه اللي هيكون إيجارها ٥٠٠ جنية؟"
وكملت روقية:
"فعلاً الكلام مش منطقي يا حسين، شقة في مكان زي دا هيكون إيجارها غالي جداً على صابرين."
ضحك حسين وقالهم:
"يعني أنا هضحك عليكم ليه يا جماعة؟ اصبروا بس واتكلموا مع صاحب البيت، هو ده المبلغ اللي طالبه."
وشاور على عمارة كبيرة آخر الشارع وقالهم:
"أنا ساكن في العمارة الصفرا اللي هناك دي في الدور الثالث. بعد ما نخلص هنعمل غدا كلنا وفرصة تتعرفوا على المدام بتاعتي."
وضغط على آخر كلمة وهو بيبص على صابرين بطرف عينه. وشبه ابتسامة ساخرة على وشه.
القلق والخوف زاد في قلب صابرين، وكانت عايزة تمشي. بس اضطرت تضغط على نفسها وتبلع لسانها وتسكت. وهتعمل إيه؟ لازم تلاقي مكان تعيش فيه. ومش هينفع تقول لروقية أبات عندك كمان الليلة. كفاية راحت لها في نص الليل وطلبت تبات عندها هي وأولادها. وهي كتر خيرها استقبلتها هي وجوزها أحسن استقبال. بس مش هينفع تبات عندها يوم تاني وتكون ضيف تقيل على حد. حتى لو اضطرت تبات في الشارع.
نزلوا كلهم من العربية، وقفل حسين باب العربية وقرب من البوابة الحديد ورن جرس كان جنب الباب. ولونه أسود شبه العين، ومكنش باين من بعيد. واستنوا عشر دقايق ومحدش رد. كانت صابرين عايزة تمشي ودقات قلبها بتزيد. وحتى روقية وجوزها حسوا بعدم الراحة. بس ابتسامة حسين الصفرا اللي بتطمنهم إنهم ميقلقوش.
وكانت صابرين بتحاول تركز في أي حاجة بعيداً عن البوابة وبتتفرج على الشارع. وشافت ست عجوزة واقفة قصادها من الناحية التانية من الطريق. بتشاور لها بإيدها وزي ما تكون بتقولها: "لا، لا، لا."
مكنتش فاهمه هي الست بتقولها لا على إيه. ولسه هتعدي الشارع وتروح تسألها في إيه. بس في اللحظة دي وبعد طول انتظار اتفتحت البوابة الكبيرة مرة واحدة. وظهر من وراها رجل عجوز وظهره محني والبثور مليانة وشه بطريقة صعبة ومقززة. كان شكله يخوف ومرعب. ورفع عيونه ليهم. وكانت عيونه كبيرة وبارزة أوي بطريقة مش طبيعية. وقالهم بصوت قوي ميتناسبش أبداً مع سنه الكبير والشيب اللي في شعره ولا حتى ظهره المحني والعكاز اللي بيتسند عليه:
"معلش يا أولاد، حكم السن، اتأخرت عليكم. اتفضلوا، البيت بيتكم."
ورحب بيهم وسلم على حسين وقاله:
"عمرك ما اتأخرت عن معاد يا ولد."
"عمري ما أتأخر عنك وأنت عارف وطلباتك أوامر يا سيدنا؟"
رد حسين كان غريب للكل. هو كان قالهم إنه ميّعرفش الرجل. ده مجرد جار ليه وعاوز يأجر شقته. لكن ليه كلامه غريب كده وواضح إنه يعرفه كويس؟ نظرات عيونه في حاجة مش كويسة. صابرين بصت لروقية برجاء. كانت عايزة صاحبتها تقولها: "يلا نمشي، المكان ده مش مريح وفيه حاجة غلط." بس ده محصلش. بالعكس صاحبتها دخلت ورا جوزها وحسين. ولما لاحظت إن صابرين واقفة مكانها بتبص للمكان بتعجب، رجعت شدت ذراعها وقالتلها:
"يظهر ربنا هيعوض صبرك خير يا صابرين."
ردت بصعوبة مش عارفة.
الجنينة كانت طويلة ولفة حوالين العمارة مع السور الحديدي. مساحتها كانت كلها بالطول. العرض كان يدوب ٣ متر. ورصيف طويل بلاطة وبلاطة. البلاط شكله قديم والبيت شكله قديم أوي. بيت من خمس أدوار، بس مكانه المميز وسط الشارع الكبير. ومكنش فيه بيوت غيره. كل العمارات كانت آخر الشارع. وكان عامل زي الولد العاصي اللي أهله طاردينه برا البيت ومش عاوزين يشوفوا وشه ولا يكون لهم صلة بيه.
كان قدام بوابة البيت الداخلية في تمثالين من الرخام الأسود. كان تمثال واحدة ست وماسكة طفل صغير بين إيديها وبتحاول تحميه وتغطي عينه. وزي ما تكون بتصرخ أو هربانة من شيء. والتمثال التاني كان ملوش ملامح مرعب. زي ما يكون طفل صغير لعب بالصلصال وعمل شكل ملوش معالم محددة ولا مفهوم هو إيه بالظبط. بس فيه طاقة وحشة.
صابرين لقت صاحبتها بتشدها جامد علشان تدخل البيت. وهي عمالة تبص على التمثال والست اللي بتهرب بطفلها من المجهول وبتفكر في سرها وتقول: "يا ترى، هي الست دي كانت بتغطي عين ابنها ليه ومش عايزاه يشوف إيه يا ترى؟"
كانت ملامحها واضحة، بس واضح إنها ست لابسة جلباب طويل وشعرها مفرود، وعينيها محفورة بنظرة مرعبة. والتمثال التاني راجل ماسك عصاية طويلة ووشه مشوه كأن حد كسره ورجعه تاني. وكل تمثال فيهم على طرف باب العمارة كأنهم بيحرصوا المكان أو بيحذروا الناس من الدخول.
صابرين وقفت مكانها، قلبها بيخبط بسرعة. الإحساس بالخطر كان بيزيد كل ثانية. وكأن روحها بترفض تخطي أول خطوة داخل السور. بس خطوات الناس اللي معاها كانت بتجبرها تمشي وراهم غصب عنها.
وأول ما دخلوا من بوابة العمارة، حسّت كأن الدنيا اتغيرت. الهوا بقى تقيل. وفي ريحة قديمة كأنها طالعة من كتب مهجورة أو أكفان قديمة. حسين كان ماشي قدامهم وبيتكلم بصوته العادي. بس كلامه ما كانش مريح.
الراجل العجوز اللي فتحلهم الباب، كان ماشي بصعوبة قدامهم. وصوته بيرن في ودانها كل ما يقول حاجة. حسين كان ماشي جنبه كأنه خادمه مش ضيف عنده. وصابرين كل خطوة بتاخدها حاسة كأنها داخلة في عالم تاني. عالم ما فيهوش رجعة.
روقيه كانت بتحاول تهزر وتكسر التوتر. بس ضحكتها كانت باينة إنها مصطنعة. وصابرين لاحظت إن كل ما يقربوا من مدخل العمارة، الحيطان بيظهر عليها نقوش غريبة. شبه الرموز القديمة أو التعويذات. مش مفهومة بس مخيفة. وكل ما قربت منهم، حسّت بدوخة خفيفة. زي ما يكون في حاجة بتسحب طاقتها.
كان فيه هواء بارد خرج عليهم، كأن البيت نفسه بيتنفس برد. والأنوار كانت ضعيفة، والسلم قديم وبيطلع صرير في كل خطوة. والرجل العجوز وقف عند أول السلم وقال بصوت خشن:
"الدور التاني على الشمال… الشقة جاهزة ومستنياكي يا بنتي."
لكن صابرين ما قدرتش تتحرك. حسّت بحاجة بتشدها لتحت. لدرجة إنها ساندت على باب الشقة علشان ماتقعش. رفعت عينيها وبصت للسلم، وكأن فيه عيون بتراقبهم من فوق. والبيت كله بيهمس بأسرار، كأن الجدران نفسها عايزة تحكي.
روقيه سبقت صابرين. وهنا، بدأت اللعنة. الباب اتفتح مرة واحدة وسمعت صوت عالي بيصرخ في وشها:
"لو كنتي فاكرة إن الحياة هتنصفك بعد كل اللي حصلك واللي شوفتيه في الدنيا وفاكرة إنك هتلاقي الراحة، تبقى غلطانة. الحياة عمرها ما بتقف مع حد زيك ولا بتقف جنب حد يا غبية. لازم تفهمي دا كويس يا جبانة. هتفضلي كده طول عمرك وهتموتي كده غبية وجبانة ومستسلمة لكل حاجة. يا غبية يا جبانة."
وبعدها صوت ضحكة عالية ملهاش معنى وصويت عالي. صابرين وقفت وهي بتسمع الكلام ده والدموع نازلة من عينيها. بتحاول تبعد عنها من الخوف وبتفكر بقهر: "ليه الست دي تقولها كده وتعرف إيه عن حياتها وعن اللي شافته في الدنيا؟ ومين قالها إنها ضعيفة وجبانة؟ للدرجة دي باين على ملامحها؟"
هي دخلت من باب البيت هي وصاحبتها. وكانت طالعة السلم، لأن الشقة كانت بالدور الثاني ومفيش أسانسير. وهما طالعين السلم، إنفتح باب الشقة الوحيد اللي بالدور الأول وخرجت الست الغريبة دي. شكلها في أواخر الخمسينات من عمرها. التجاعيد باينة على ملامحها وأثر الزمن. وكانت لابسة هدوم غريبة وألوانها كتير وشعرها منكوش.
خرجت مرة واحدة ومسكت إيد صابرين وقعدت تقولها الكلام ده بصوت عالي. إيدها كانت محروقة وآثار التشوه صعبة جداً في إيديها. لما صابرين صرخت من الفزع، روقية رجعت بسرعة ومسكت إيدها وحاولت تشدها وقالت للست:
"لو سمحت اسكتي، كفاية كده. إنتي مين؟"
ونادت على جوزها وعلى حسين. وهنا نزل حسين وصاحب البيت بسرعة. اللي أول ما شاف الست متكلمش. شاور بإيده إنها تدخل الشقة تاني. وفعلاً من غير كلمة واحدة دخلت الست الشقة وقفلت الباب بصوت عالي.
صاحب البيت قالهم بصوته القوي:
"متخافوش منها. دي "الحياة" بنتي بس عقلها على قدها. مش مؤذية خالص. بس بعد موت ولادها قدام عينيها والنار مسكت فيها وشوهت جسمها وهي كده ودا حالها. نادر لما تتكلم ودايما ساكتة. بقالها سنين وسنين مفتحتش بقها حتى نسينا صوتها. وأوقات كده تتكلم مرة واحدة وبعدها تسكت. متخافيش يا بنتي منها. هي قاعدة معايا ومبتخرجش برا باب الشقة. بس استغلت إنّي نزلت ونسيت أقفل الباب بالمفتاح. معلش الغلط عندي. أنا قلت أفرجكم على الشقة بسرعة."
وهنا ردت صابرين بتوتر:
"هي ولادها ماتوا إزاي لو سمحت؟"
"قدر ونصيب، متشغليش بالك. كله مكتوب وكلها موتة يا بنتي. حتى لو كانت الطرق مختلفة، المهم النهاية واحدة. اطلعي يلا اتفرجي على الشقة هتعجبك علشان نمضي العقد. عارف إنك عاوزة ترتاحي. ومتقلقيش هترتاحي."
رواية اللعنة الفصل الثالث 3 - بقلم مني حارس
كلام الرجل خلاها تخاف أكتر، وكمان بنته المجنونة دي. وافرض هجمت على ولادها وهما لوحدهم في البيت. الأفكار السودا كانت بتطاردها لغاية ما دخلت الشقة.
الشقة كانت كبيرة وواسعة، وفرش غالي ونظيف، موديل قديم بس كله نضيف وجديد. دخلت اتفرجت على الأوض. تلات أوض. أوضة نوم كبيرة بسرير من النحاس بعواميد عالية، السرير شكله من زمن تاني. وأوضة كبيرة فيها مكتبة كبيرة ومكتب كبير وصالون مدهب. والأوضة التالتة كانت أوضة أطفال وسرير من تلت أدوار ودولاب كبير وتلت مكاتب. كل مكتب كان فوقه لعبة من الفرو على شكل دب ومفرش وردي اللون. شكلها أوضة أطفال لتلت بنات. كل سرير كان عليه رسمة شمس. والجدران كانت مليانة رسومات على ورق أبيض ملونة أطفال رسمتها. شكل الأطفال كانت بتحب الرسم.
وصالة كبيرة كان فيها اتنين أنتريه وسفرة كبيرة وحمام في الصالة. وبعدها طرقة طويلة ومطبخ كبير ليه باب. لما فتحوه كان على منور كبير ومفتوح وفي سلم تاني صغير بس كان بينزل على مكان ضيق.
لما صابرين سألته عن السلم بيودي على فين؟ على الشارع. قالها حاجة زي كده. مكنتش فاهمه الإجابة. المفروض يقول آه أو لأ. ولما شاف توترها صاحب الشقة قالها:
“انت مش هتحتاجي تستخدمي السلم ده يا بنتي. لو فضلتِ في حالك متشغليش بالك بيه واقفلي بابك عليكي ومتفتحيش الباب عشان ميدخلش عليكي فار ولا صرصار.”
كلامه مكنش مريح ولا نظرة عيونه البارزة دي مريحة أبداً. وكان في بلكونة كبيرة على الجنينة كانت في الصالة. الأوض كلها كانت ليها شبابيك كبيرة. الشقة فعلاً كانت لقطة وفرصة متتعوضش، بس استحالة تكون بالسعر اللي قال عليه الرجل أبداً.
لما خلصوا فرجة على الشقة كلها، مكنش حد مصدق. لا هي ولا صاحبتها وجوزها كانوا مصدقين موضوع السعر و 500 جنيه دول أبداً. في شيء غلط.
صاحب البيت كانت عيونه بدأت تتحرك في اتجاهات كتير، وإيده ترتعش بطريقة باينة أوي. وقالهم وهو بيخرج من باب الشقة وبيحاول يبان قوي بس صوته المرة دي خرج أضعف وكأنه تعبان أو بيتألم:
“تعالوا نتكلم في شقتي ونشرب الشاي.”
رد حسين بسرعة وقاله:
“أوامرك يا سيدنا يلا بينا.”
صابرين بصت لروقية وقالتلها:
“هو في إيه يا روقية؟ الرجل ماله اتغير ليه كده؟”
“يمكن يكون تعبان يا صابرين، بس الشقة فعلاً لقطة. معقول شقة زي دي بالمبلغ ده. بقلك إيه انت شكلك أمك داعيالك وربنا هيعوضك الخير وكل اللي شوفتيه يا بنتي. والله قلبي حاسس.”
ردت صابرين بتوتر:
“تفتكري يا روقية؟ أنا مش مطمنة أبداً.”
“بقلك إيه لو مش هتاخدي الشقة دي هاخدها أنا وخذي انت يا أختي شقتي اسكني فيها. حد يلاقي فرصة زي دي ويرفضها يا صابرين الله يكرمك. متبقيش وش فقر.”
ضحكت هي وصاحبتها ونزلوا ورا الرجل لشقته، بس صابرين قالت لروقية بصوت واطي:
“وبنته المجنونة افرض هجمت على العيال يا روقية وأنا في الشغل؟ ونت عارفة ظروف ولادي هعمل إيه؟”
“بتهزري يا صابرين ولادك كده كده في المدرسة وقت ما انت في الشغل وبيرجعوا في إيدك. يعني انت معاهم ومش هيقعدوا في البيت لوحدهم متخافيش. ربنا الحافظ يا بنتي وعالم بظروفك وحالك انت غلبانة وعمره ما هيضيعك أبداً.”
ردت بخوف:
“وافرض الظروف حكمت وقعدوا لوحدهم لأي سبب هيعملوا إيه قوليلي؟”
“ابقى اقفلي عليهم بالمفتاح يا صابرين وقوللهم ميفتحوش لأي حد. أو أقولك ابقى هاتيهم يومها عندي مع ولادي. إحنا أكتر من الأخوات.”
صابرين ملقتش حاجة تاني تقولها قدام حلول صاحبتها الكتير. وفعلاً ربنا هو الحافظ.
نزلوا شقة الرجل وهناك مكنش في أي صوت. كانوا قاعدين في الصالة الواسعة. وكان حسين عمال يبصلها كتير. مكنتش فاهمه نظراته معناها إيه. يا ترى بيفكر فيها إزاي دلوقتي وبيتمنالها الخير بجد ولا كل ده تمثيل.
اتفقوا على كل حاجة. وكانت المفاجأة إن صاحب البيت اسمه سيدنا. اسم غريب. والرجل كان شرطه زي ما حسين قال إنها متخرجش من الشقة 5 سنين وإلا هتدفع 3 مليون جنيه. كان شرط غريب جداً ويعجز. بس كان مبرر سيدنا إن فيه مشاكل على الشقة دي ولازم حد يأجرها خمس سنين ميخرجش منها. ممنوع يبات برا باب البيت خلال الخمس سنين أو هيخسرها ويخسر تمنها اللي يساوى 3 مليون. وحقه إنه يأمن نفسه من الخسارة. وقرر إنه مينفعش الشقة تبات لوحدها لازم حد يسكنها. يا انت يا أولادك.
الكلمة هزتها أوي. لازم حد يبات في الشقة. يا انت يا أولادك. وهي هتخلي ولادها يباتوا لوحدهم بظروفهم دي ليه يعني. وافرض حصل ظرف لأي سبب هتعمل إيه؟
صاحبتها قالتلها يمكن الرجل خايف الورثة يحسوا الشقة فاضية يجوا ياخدوها يا صابرين. وانت يعني هتروحي فين. لو في أي ظرف هاجي أنا وجوزي وولادي نبات في الشقة يا ستي. دي فرصة يا بنتي والله ولقطة ومتتعوضش أبداً. يظهر إنك صبرتي كتير والوقت جه عشان ترتاحي يا صابرين وربنا بيعوضك دلوقتي.
هو الكلام مكنش مقنع بس هتعمل إيه الظروف. مهو مفيش حل تاني. وافقت ومضت العقد. وكان شرط الرجل تسكن من أول ما يمضوا العقد. وقالها:
“عقود سيدنا لازم تتنفذ في التو واللحظة. والشقة أنا نظفتها لك ملكيش حجة. روحي هاتي ولادك وحاجتك واسكني. لأن عقدي بيبدأ من الليلة وعقد سيدنا بشروط.”
رغم كلام الرجل الغريب بس راحت صابرين تجيب ولادها من عند صاحبتها عشان تسكن الشقة. سامح جوز روقية مكنش مطمن. سأل حسين وهما خارجين:
“حسين انت واثق في الراجل ده مش هيعمل حاجة في صابرين ويدبسها؟ دي مش حمل صدمة جديدة كفاية هروب جوزها ونهايته معاها ومع عياله.”
حسين ابتسم بخبث وقالهم:
“متقلقش سيدنا رجل محترم مش بيأذي غير المؤذي. ومدام صابرين عمرها ما أذت حد هيأذيها ليه يعني قولي.”
وبعدها ضحك بسخرية وقاله:
“يلا يلا الغدا زمانه برد.”
سامح فضل يبصله وهو مش فاهم حاجة. هو عارف إن حسين لسه بيحب صابرين. بس يا ترى هو بيساعدها عشان لسه بيحبها؟ ولا عشان بينتقم منها وعاوز يدبسها مع الراجل ده لأنها رفضته ورفضت حبه الكبير زمان واتجوزت مهاب.
سامح أصر إنه لازم يرجع تاني مع صابرين الشقة ويغيرلها كل مفاتيح الأبواب. ويحطلها ترابيس واقفال على الشبابيك والأبواب عشان تكون مطمنة في البيت الجديد وهو ومراته يكونوا مطمنين عليها في عمارة سيدنا. لأنه كان برضه قلقان من بنت سيدنا المجنونة اللي ممكن تتهجم عليها تاني.
كل حاجة عدت على خير وبأمان. رجعت صابرين مع جوز صاحبتها سامح وحسين وصلهم بالعربية عشان شنط صابرين وحاجات ولادها زي ما سامح طلب منه. بس رفض يطلع تاني واستأذن إن مراته هتقلق عليه لو اتأخر ولازم يروح البيت حالاً. كان موقفه غريب. حتى رفض يساعدهم في تطليع الشنط والحاجة للشقة زي ما يكون عاوز يهرب منهم وخايف من حاجة. مكنوش فاهمين موقفه. بس كتر خيره إنه ساعدهم وجاب الشقة لصابرين وأنقذها من النوم في الشارع. وروقية مقدرتش ترجع تاني عشان ولادها الصغيرين.
وركب سامح الأقفال الجديدة على الشبابيك وباب الشقة وغير الأقفال القديمة. وعمل لكل باب تربسين من جوه باب الشقة. وعلى البلكونة والشبابيك. كان عاوز صابرين تحس بالأمان في الشقة الجديدة مع أولادها. ومتخافش من بنت سيدنا المجنونة اللي ممكن تتهجم عليها في أي لحظة. وكان بيركب آخر تربسين في باب المطبخ.
وهنا حصلت حاجة غريبة أوي. حسين لما كان بيركب الترابيس في باب المطبخ كان سامع زي صوت همس وشوشة. وكأن في حد بيتكلم وبيوشوش حد ورا الباب المقفول. فتح الباب مرة واحدة عشان يشوف مين واقف ورا الباب. بس مكنش في حاجة. الباب كان على المنور الكبير المفتوح من غير أبواب. وكان في نهايته السلم اللي كان بينزل لتحت على مكان ضيق وضلمة. كان السلم غريب ومفيش مبرر إنه يبقى موجود أصلاً في المكان ده.
سامح قرب من السلم وفضل يبص لتحت. كانت الدنيا ضلمة زي القبور.
فكر بينه وبين نفسه هو السلم ده بيودي على الشارع ولا على إيه بالظبط. وخاف يكون بيودي على شقة سيدنا لأنها في الدور اللي تحتهم على طول. المكان كان غريب أوي. دا زي ما يكون أوضة تانية في الشقة أو صالة مفتوحة على المطبخ واتسابت مفتوحة من غير باب. وقف لحظات يفكر. اللي يعمل التصميم ده أكيد الشقتين مفتوحين على بعض وبيوصل بينهم السلم. أو دا سلم تاني للخدامين زي بيوت زمان.
كل ده كان شاغل تفكيره ومحيره. فكر ينزل يشوف السلم ده بيودي على فين بالظبط عشان يكون مطمن على صابرين وولادها. نزل أول سلمتين. بس في اللحظة دي سمع صراخ عالي من جوه الشقة. وكانت صابرين بتصوت بجنون. جري بسرعة.
وكانت صابرين بتصرخ وهي واقفة في البلكونة وحاطة إيدها على راسها. وبتقول برعب:
“ماتت ماتت العربيات دهستها يا سامح.”
وكانت بنتها سلمى بتصرخ ومادة إيديها قدامها بتحاول تروح لأمها وهي عمالة تعيط وتصرخ وتقول من بين دموعها:
“أنا عاوزة ميشو يا ماما مليش دعوة. أنا عاوزة ميشو مقدرش أقعد من غيره يا ماما.”
وأخوها سيف كان واقف في ركن في الأوضة مغطي وشه بإيده وعمال يعيط بهيستريا. سلمى حاولت تروح لأمها اللي بتصرخ وكانت هتتكعبل في الكرسي اللي قدامها لولا سامح لحقها ومسك إيديها وهو بيقول:
“خلي بالك يا بنتي في إيه بس.”
ومسك إيديها وهي منهارة وبتقوله:
“عاوزة ميشو يا عمو سامح مليش دعوة ماما بتقول إنه مات مات مات.”
رواية اللعنة الفصل الرابع 4 - بقلم مني حارس
سامح مكنش فاهم حاجة. إيه اللي حصل للقط؟ دخل لصابرين البلكونة وقالها:
– إيه يا صابرين مالكم؟ إيه اللي حصل بتصرخي ليه؟
من بين دموعها قالتله:
– الحقني يا سامح. ميشو أول ما خرجته من البوكس اتجنن وقعد يتصرف بهيستريا ويعمل حركات مجنونة وخربش سيف في وشه. وبعدها جرى على البلكونة نط وكأنه بينتحر وجري وسط العربيات زي المجنون. وكان في حاجة بتطارده وعربية دهسته تحت عجلاتها. وبعدها العربيات بقت تدوس عليه في الرايحة والجاية وتوديه يمين وشمال لحد ما فرمته خالص بالمنظر البشع ده.
رفعت إيديها تشاور عليه وهي بتكمل:
– شوف يا سامح ميشو اتساوى بالأسفلت إزاي. شايف الدم بتاعه قد إيه مغرق الدنيا.
قعدت تشاور على جثة القط بهيستريا وهي مش مصدقة، وعلى العربيات اللي رايحة جاية. وبعدها حطت إيديها على وشها وقعدت تصرخ بهيستريا.
سامح بص ناحية ما بتشاور. كانت العربيات بتجري بسرعة ومفيش حاجة من اللي بتقول عليها خالص. قالها:
– اهدّي بس يا صابرين لو سمحتي. تلاقيه نط من البلكونة وراح هنا ولا هنا وبيلعب في الجنينة وهيرجع. متخوّفيش الأولاد لو سمحتي.
لما سمعته بيقول كده، قعدت تعيط وتصرخ في وشه:
– إنت مش شايف يا سامح؟ الدم بقلك العربيات فرمته تحت عجلاتها. يلعب إيه بس في الجنينة؟ دا انتحر.
قعدت تشاور على مكانه. بس المرة دي كانت العربيات بتجري بسرعة ورا بعض، ومفيش دم ولا جثة القط. غمضت عينيها تاني وفتحتها، بس مكنش في حاجة برضه. مكنش عارفة إيه اللي حصل والجثة بتاعة القط راحت فين؟ دي كانت لسه موجودة قدامها.
هنا سمعت صوت سلمى بتقول بفرح من بين دموعها:
– ماما ماما أنا سامعة صوت ميشو يا ماما.
الأم بصت عليها بسرعة، هي وسامح، ومكنتش عارفة تقول إيه. واللي شافته دا؟ هي شافت القط وهو بينط من البلكونة وبيجري بفزع، وبعدها جري وسط العربيات لحد ما مات قدام عينيها. هي شافت كل ده والدم كان كتير أوي. لكن دلوقتي مافيش حاجة.
هي كانت بتتخيل؟ معقول؟
سمعت صوت بنتها العامية بتردد:
– ماما أنا سامعة صوت ميشو يا ماما من هناك.
وشاورت ناحية المطبخ. سامح قرب منها وقالها:
– تعالي يا حبيبتي ندور عليه. أكيد مستخبي في مكان لأن البيت جديد وهو خايف.
وقفت صابرين تبص عليهم وهما رايحين ناحية المطبخ ومش قادرة تتكلم. وبتقول لنفسها:
– أنا متأكدة إنه نط من البلكونة ومات. أنا شوفته بعيوني. معقول كنت بتخيل؟ معقول؟
***
في المطبخ، سامح كان ماسك إيد سلمى وبيقلها:
– أنا مش سامع حاجة يا حبيبتي خالص. إنت متأكدة؟
ردت بحماس:
– اصبر بس يا عمو. أنا سامعه صوته أهو.
وقربت الطفلة من باب المطبخ، وهنا اتفاجأ سامح إنه كان ناسي باب المنور مفتوح.
وقربت سلمى من الباب بالراحة وهي بتقوله:
– هنا يا عمو. هنا.
سامح قرب وحاول يسمع. وفعلاً سمع صوت نونوه ضعيفة جداً كانت خارجة من السلم تلضلمة البعيد. وهنا قالها بتوتر:
– استنى يا سلمى.
قالتله بعناد:
– الصوت من هنا.
وشاورت على السلم، وكان ضلمة زي القبور وشكله يخوف.
– قالها لا يا سلمى مينفعش ننزل لأن الدنيا ضلمة تحت.
– ابتسمت وقالتله بحزن:
– سيبني أنزل أنا يا عمو سامح. أنا متعودة على الضلمة وعايشة فيها. هخاف من إيه؟
الكلمة أثرت فيه وقالها:
– استنى بس. ممكن ميكنش هو. لأن كنت واقف هنا لما ماما صرخت. هو نط في الشارع.
الصوت فضل يزيد والطفلة أصرت إن القط بتاعها موجود تحت السلم. بس سامح رفض ينزل. رغم إنه ممكن يكون السلم على الشارع والقط لف ودخل مثلاً، بس شيء داخلي بيقول بإصرار:
"لا متنزلش. مش خير". وهو دلوقتي مش عاوز ينزل. يمكن من خمس دقايق بس كان ممكن ينزل. لكن لما بص لسلمى حس إنه لا بلاش يجازف.
وقرر يقفل الباب وقالها:
– هننزل ندور عليه في الجنينة يا سلمى. أحسن.
وهو كان لسه بيقفل الباب، البنت صرخت وقالت:
– ميشو تعالى دلوقتي بقولك. أنا عارفة إنك هناك في الضلمة.
في آخر لحظة من قفل الباب اللي كان صوته عالي وصرير مزعج، دخل قط ضخم بسرعة يجري وهو بيموء بطريقة غريبة. سامح رجع لورا بسرعة من الخضة، وهو بيردد: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
وسلمى فرحت وهي بتقول:
– ميشو حبيبي. وحشتني. تعالى هنا.
وفردت إيديها قدامها تتحسس الهوا علشان القط يجي عندها. بس القط فضل يبص على سامح. وكانت عيونه حمراء بلون الدم. وقرب من سلمى وهو بيبص عليه وبيبرق جامد.
سامح حس إن في حاجة غلط في القط ومش طبيعية أبداً. كان خايف. مش هينكر. غير إن القط كبر شوية. هو كان قاعد معاه امبارح وشافه كويس ولعب معاه. ومكنش بالحجم ده أبداً. ولا عيونه كانت حمراء بالشكل المرعب ده. وانيابه مكنتش بارزة كده بالطريقة دي أبداً.
في حاجة بالقط غريبة. هو آه نفس القط ونفس اللون. بس ليه شكله اتغير؟ مش فاهم. وبقى مرعب أوي وغريب.
في اللحظة دي، سلمى قعدت تنادي على صابرين وهي فرحانة. وفضلت تنادي على مامتها بصوت عالي وهي شايلة القط اللي عمال يبص لسامح وانيابه باينة كأنه بيهدده وبيتوعده لو اتكلم:
– يا ماما ميشو رجع. ميشو رجع يا ماما.
سامح فضل خمس دقايق ثابت في مكانه مش مستوعب اللي حصل. وقال:
"يمكن بيتهيأ لي وما أخدتش بالي من القط كويس ولا من حجمه الكبير. هو قعد معاه وقت قليل وكام ساعة بس مش أيام. مهو مش معقول يكون إللي في دماغه ده حقيقي. ودا مش القط أصلاً بتاع سلمى. ودا قط تاني."
الفضول خلاه يبص للباب الموارب اللي لسه متقفلش. وسمع صوت همسات وزي ما يكون حد بيتكلم من ورا الباب. فتح الباب مرة واحدة، بس مكنش في حاجة. دخل بعدها المنور وقرر ينزل السلم ويعرف بيودي على فين. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم. وحاول يقرأ آية الكرسي، بس حس بتقل في لسانه وإنه مش قادر ياخد نفسه بسهولة.
وفتح كشاف الموبيل. وكانت خيوط العنكبوت مالية السلالم والتراب. ويظهر محدش بينزل السلم ده من سنين. استغرب إزاي القط راجع نضيف رغم لونه الأبيض. ونزل سامح سلمتين. وهو نازل سمع صوت الباب اتهبد مرة واحدة وزي ما يكون حد قفله بسرعة. وسمع صوت الترابيس اللي ركبها وهي بتتقفل واحد ورا التاني بسرعة. يظهر إن صابرين قفلت باب المنور عليه لما لقيته مفتوح وتربست الباب.
بس استغرب. هي ليه حتى ما حاولت تنادي عليه أو تشوفه جوه ولا لأ. كان حاسس بانقباض في قلبه شديد ونغزة جامدة. وشامم ريحة وحشة أوي. قرر إنه لا مش هينزل ولا عاوز يعرف نهاية السلم. وهيروح يروح لعياله أحسن علشان روقية متقلقش عليه. حاول يطلع السلمتين ويرجع.
بس هنا سمع صوت صفير ريح عالي أوي في ودانه. وريحة وحشة وصوت زيت بيفور على النار.
"تششششش تششششششش"
أصوات كتير وغريبة متداخلة كانت في ودانه وصفير ريح عالي وشديد.
وهنا الموبيل وقع من إيده مرة واحدة جامد بصوت عالي. وقع على الأرض واتفتح والبطارية وقعت وانكسر والكشاف انطفى. وبقى واقف في الضلمة اللي سلمى عايشة فيها من سنين. وحس بنفس دافي لحد بيتنفس من وراه بسرعة. حس بسخونة شديدة من وراه. في حد واقف وراه في الضلمة. أيوه هو واثق. صوت النفس عالي أوي.
وهنا صرخ سامح بفزع وحاول يدور على التليفون في الضلمة زي المجنون. وهنا حس بحاجة طرية تحت إيده. فصرخ برعب.
"تششششش تششششش"
***
صابرين سمعت صوت سلمى وهي بتنادي عليها من المطبخ:
– يا ماما ميشو رجع يا ماما.
راحت تشوفها. لقيت سلمى واقفة لوحدها. وبتقولها بفرح:
– يا ماما ميشو رجع. الحمد لله.
الأم قعدت تبص يمين وشمال. مكنش في حاجة. وباب المنور كان مقفول بالترباس والقفل عليه. قالتلها:
– هو فين يا سلمى؟
– ردت الطفلة بحماس:
– مش عارفة. هو كان معايا بس نزل وجري يا ماما.
صابرين كانت دماغها بتلف من منظر القط اللي شافته مفروم في الشارع والعربيات دهسته. مقدرتش تتكلم. بس قالتلها:
– ماشي يا حبيبتي. الحمد لله. تعالي ادخلي أوضتك يلا دلوقتي. يظهر إن أعصابي تعبانة من الإرهاق.
مسكت إيد سلمى واخدتها على أوضتها بالراحة. وكان لسه سيف قاعد على الأرض بيعيط ومغطي عيونه بإيده. وكانت حاسة بصداع وعيونها مزغللة. قربت من ابنها سيف ورفعت إيده وقعدت تشاورله إن القط بخير وميخافش. سيف كان مبيسمعش وبيكلم كلمات بسيطة. الطفل مصدقش. بس بص لأخته التوأم ولقاها هي كمان مبسوطة وبتشاور إن ميشو بخير ومحصلوش حاجة. سيف قام من الأرض ودخل الحمام يغسل وشه زي ما صابرين طلبت منه.
ووقتها صابرين افتكرت سامح جوز روقية صاحبتها. هو راح فين؟ قعدت تدور عليه في الشقة كلها وتنده بصوت عالي:
"يا سامح يا سامح أنت فين؟"
بس مكنش في صوت. بنتها ردت عليها وقالتلها بصوت غريب:
– يا ماما عم سامح مشي. هو قالي إن مهمته خلاص انتهت هنا ولازم يروح دلوقتي أحسن.
– صابرين ردت كلام بنتها بتعجب:
– مهمته انتهت؟ أنا مش فاهمة حاجة. هو مشي حتى من غير ما يشرب حاجة ولا أشكره على اللي عمله معايا هو وروقيه مراته من أول اليوم. الرجل تعب معانا. ربنا يكرمه يارب.
– ردت الطفلة على أمها ببراءة:
– يا ماما هو هيروح خلاص لمكان أحسن عند ربنا. مش الجنة فيها حاجات حلوة كتير يا ماما؟
صابرين اتصدمت من كلام بنتها الغريب وزعقت:
– أنت بتقولي إيه يا سلمي؟ بعد الشر على الرجل. ربنا يخليه لولاده ومراته. اسكتي يا حبيبتي بالله عليك ومتقوليش كده تاني بالله عليك.
– ليه يا ماما؟
– كده. متقوليش كده وخلاص. أنا دماغي مصدعة وعاوزة أخلص وأرتب هدومكم في الدولاب. يا سلمى تعالي نحضر العشا سوا. إيه رأيك يا حبيبتي؟ تلاقيها جوعتي إنت وأخوك من بدري ما أكلتوش.
– ماشي. أنا جعانة أوي وميشو كمان جعان وممكن ياكل أي حاجة.
وبعدها قعدت تنده على القط بتاعها.
– يا ميشو تعالى هناكل خلاص. بلاش تاكل الخشب. أنا سامعة صوتك.
صابرين بصت لبنتها ومش عارفة تقولها إيه. لأنها شافت القط ميت في الشارع. بس مش هتصدم البنت. خليها في خيالها أحسن. وهنا سمعت صوت سيف وهو بيصرخ بصوت عالي من الحمام.
صرخة سيف كانت عالية أوي ومرعبة. كان قلب صابرين هيقف من الرعب والخوف عليه. سيف مبيتكلمش إلا كلمات بسيطة جداً وبصعوبة. وكلماته غير مفهومة. زي تهتهة. ومبيسمعش خالص. وصوته عمره ما طلع. كانت كلماته كلها حروف متقطعة. وبيحاولوا يجمعوها زي لعبة البازل علشان يفهموا هو عاوز يقول إيه.
مكنتش مدايقة منه ولا حاسة إنه هم على قلبها. بالعكس صابرين كانت بتحب ولادها أكتر من نفسها. وضحت علشانهم بكل حاجة. رفضت تتجوز تاني لأنها مكنتش عارفة جوزها هيتعامل معاهم إزاي وهيقدر يتحملهم زي ما هي مستحملاهم. ومين هيستحمل إعاقتهم؟ إذا كان أبوهم هرب وسابهم ومرديش يتحملهم، هيتحملهم الغريب وجوز أمهم؟ يبقى بتضحك على نفسها. ودا كلام مسلسلات وأفلام هندي.
لما سمعت صرخة ابنها العالية كانت بتموت حرفياً. دا عمره ما صرخ بالشكل ده ولا صوته طلع أصلاً. جريت زي المجنونة على الحمام. وكان باب الحمام مقفول من جوه. حاولت تفتح الباب مكنتش عارفة. قعدت تصوت بصوت عالي وهي مش عارفة تتصرف. الباب زي ما يكون اتقفل بالمفتاح. وسمعت صوت تكة وبعدها تكة تانية وتالتة. بس مكنتش سامعة صوت ابنها خالص.
سمعت صوت سلمى بتعيط وبتقولها:
– سيف يا ماما ماله؟
صابرين مكنتش عارفة تعمل إيه وتنقذ ابنها إزاي. وحبكت يعني سامح يمشي دلوقتي. حاولت تفتح الباب بقوة وتزقه بكل قوتها وهي بتصرخ:
"مالك يا سيف؟"
بس الباب مكنش راضي يتفتح.
أخدت التليفون المحمول زي المجنونة وقالت تتصل بسامح. وقالت لنفسها: "أكيد سامح لسه مبعدش عن البيت. وممكن يرجع يكسر الباب." بس تليفونه كان مقفول. قعدت ترن عليه. تاني وتالت ورابع. بس مفيش فايدة. جريت زي المجنونة على شقة سيدنا اللي تحتيها. واعدت تخبط زي المجنونة. وهي بتنادي على سيدنا ينقذها ويلحق ابنها. بس محدش فتح الباب خالص. وكان صوت هدوء وصمت.
وكأن العمارة مش مسكونة. ومفيش حد ساكن غيرها هي وأولادها بس. مبقتش عارفة تعمل إيه وتروح فين. ومين هيساعدها. ملهاش حد في الدنيا. حتى الأهل تخلوا عنها. تنزل تصوت في الشارع. وهو سيدنا وبنته المجنونة راحوا فين؟ هو قال إنه مبيقدرش يخرج ويسيب البيت أبداً علشان الورثة. ومشاكله مع الورث والعيلة. وعلشان بنته المجنونة متقعدش لوحدها. دول لسه كانوا موجودين من شوية صغيرين. راحوا فين؟
محدش كان بيفتح الباب ولا بيرد عليها ليه. كانت زي المجنونة. وصوت سلمى بنتها بتنده عليها. وهنا افتكرت حسين. ولقت نفسها بتتصل بيه من غير ما تفكر. لأنه ساكن قريب منها. خطوتين من بيتها. وأكيد مش هيتأخر عليها لما يعرف إنها محتاجة مساعدة. رنت عليه. ورد عليها من أول رنة. وزي ما يكون كان مستني اتصالها وقاعد جنب التليفون.
صابرين صرخت من بين دموعها:
"أرجوك يا حسين إلحقني. إبني اتحبس جوه الحمام ومش عارفة أكسر الباب."
كان ردّه غريب أوي. رد ببرود وقالها:
"متخافيش يا مدام صابرين. افتحي الباب بالمفتاح. هتلاقي في رف المكتبة التاني في الصندوق الأسود."
مكنتش فاهمة حاجة. هو عرف منين الكلام ده ومكان المفتاح. قالته:
"إنت بتقول إيه يا أستاذ حسين؟ مفتاح إيه اللي بتتكلم عنه؟ مش فاهمة حاجة خالص."
يتبع…
رواية اللعنة الفصل الخامس 5 - بقلم مني حارس
روحى يا مدام صابرين الرف التاني في المكتبه في الصندوق الإسود هتلاقي المفتاح اللي انت عوازه.
– وانت عرفت منين مكان المفتاح بتاع الحمام بتاع شقتي؟
سمعت صوته الساخر بيردد:
– هو احنا مش كنا موجدين معاك لما سيدنا قالك على مكان مفاتيح الإوض بتاعة الشقة انت لحقت تنسي؟
– لا لا سيدنا مقلش حاجة زي كدة أنا مش فاكرة إنه قال كدة.
– لو ذاكرتك ضعيفة أو عندك زهايمر يبقى دي مشكلتك إنت مش مشكلتي. الرجل صاحب الشقة قالك يا مدام صابرين ويظهر انك مكنتيش مركزة. روحي افتحي لابنك الباب مش وقت كلام دلوقتي ولو سمحت ركزي شويه او روحي لدكتور واتعالجي أحسن.
بعدها قفل التليفون وهو بيقلها:
– بعد إذنك المدام بتنادي عليا عوزاني معها.
وضغط أوووي على كلمة المدام بتاعتي. صابرين حست أنها نفسها تروح تضربه بأي حاجة على دماغه علشان يفوق هو بيستفزها. واعدت تقول لنفسها:
– الغبي فاكر إني ندمانة عليه ميعرفش إنه حتى لو اتقدملي دلوقتي وقدملي مال قارون بردوا مش هوافق بيه. لأني بكرهه بكرهه الغبي المغرور ومعرفش ليه بكرهه كده من أول يوم شوفته فيه فيه حاجة غلط وطاقة سلبية.
تنهدت بغيظ وجريت تلحق إبنها. كانت الصالة فاضية نادت على سلمى بس مكنتش موجودة. راحت بسرعة للمكتبة زي ما حسين قال وفي الرف التاني لقيت الصندوق الأسود. كان صندوق شكله غريب من الخشب ومتزين ببعض النقوش الغريبة ونجوم وطلاسم باللون الذهبي. الصندوق شكله غالي وقيم. فتحته وكان في مفاتيح وكل مفتاح كان لازق عليه ورقة وعليها باب إيه. باب أوضة النوم، باب أوضة الأطفال، باب المطبخ، باب… الخ. وكان في مفتاح كبير وشكله غريب ولونه أسود شبه مفتاح الحياة ملزوق عليه ورقة مكتوب فيها باب “الـ.ـجـ.ـحـ.ـيـ.ـم”.
بصت للمفتاح بتعجب ومفهمتش حاجة. بس أخدت مفتاح الحمام وجريت على الحمام تفتح لإبنها. فتحت الباب بسهولة بالمفتاح، وكان سيف واقع على الأرض وفي دم كتير مغرق الأرض.
– ابني سيف مالك يا حبيبي؟
شالت ابنها بسرعة من على الأرض واعدت تفتش في جسمه وتعرف الدم دا منين، بس الغريب مكنش في أي حاجة متعورة ولا بتنزف الولد سليم جدا. غسلت وشه وحاولت تفوقه بس مرديش يفوق. مكنتش عارفة تتصرف ولا تعمل إيه. بس اللي كان مطمنها إن تنفسه كان كويس جسمه سليم مفيهوش حاجة. بس الدم اللي كان مغرق الحمام دا إيه ودم مين؟
نادت على سلمى اللي ردت عليها من أوضتها، وقالتلها إنها بتلعب مع صاحبتها وميشو.
– تعالي يا سلمى خليك جنبي بس الغريب.
سلمى الصغيرة أول مرة تكون عاوزة تقعد لوحدها وتلعب ومتسألش خالص عن سيف أخوها زي ما يكون في حاجة شغلاها في الأوضة.
– أنا بلعب مع ميشو يا ماما وريتا هتزعل لو سبتها لوحدها وجتلك.
الاسم كان غريب على صابرين. واعدت تردد:
– أكيد العروسة بتاعتها.
بصت لسيف اللي كان شبه النايم ومش عارفة تعمل إيه. محتاجة توديه لدكتور يطمنها على ابنها إنه كويس بس هتنزل وتسيب الشقة وسلمى لوحدها إزاي.
اتصلت تاني بسامح بس الموبيل لسه مقفول. كلمت روقية في التليفون وحكتلها اللي حصل.
– متخافيش يا صابرين تلاقيه اتزحلق بس ومفيش حاجة حصلت، وان شاء الله خير. قالتلها أول ما سامح يوصل أو يفتح موبايله هخليه يجيلك علطول يودى سيف للدكتور اغسلي بس وشه وشمميه برفان وهيفوق علطول ان شاء الله.
– حاضر يا روقية هحاول وشكرا لتعبك معايا انت ويامح.
واخدت سيف من فوق الكنبة ودخلته على السرير النحاس الكبير في أوضة النوم بتاعتها. واعدت تفوقه بالبرفان، بالبصل بالتوم بكل حاجة بس الولد مش راضي يفوق. وهنا قامت بسرعة وقررت لازم تودى سيف للمستشفى وخلاص مش هتسيبه يموت قدام عينيها. ولسه بتخرج من باب الأوضة حسيت بصوت غريب زي الهمس.
هسسسسس هسسس… تششششش…
سمعت صوت صفير ريح عالي وحست ان جسمها كله نمل مرة واحدة وهنا لقيت سامح واقف في وشها.
– صرخت بفزع من الخضة وأنه دخل الشقة إزاي هي قفلت الباب كويس وسلمى مبتعرفش تفتح ولا حفظت مكان باب الشقة علشان تروح تفتحله. بس ممكن تكون فتحت الباب مش عارفة المهم إنه موجود وجه في الوقت المناسب ابنها لازم يروح المستشفى حالا.
– سامح الحقني سيف مغمى عليه ومش عاوز يفوق وقع في الحمام والدم كان مغرق الحمام.
رد عليها بصوت غريب وعيون ثابتة:
– متخافيش هيبقى كويس.
كانت طريقته غريبة وهو بيتكلم وكان باصص للفراغ وراها وعيونه ثابتة. صابرين حسيت إن في حاجة غلط في جوز صاحبتها مش طبيعية.
– انت كويس؟
مد ايده بورقة ملفوفة وقالها:
– شمميه دا سيدنا بيقولك وهيفوق.
– سيدنا وهو عرف منين دا مفيش حد في الشقة أنا لسه مخبطه عليهم.
– روقية كلمتني وأنا طالع قولت لسيدنا لما سأل بتصرخي ليه لما قولتله اداني دا.
ومد ايده بالورقة الملفوفة. بصت بتعجب لسامح واخدت منه الورقة وقالتله:
– وهو مكنش قادر يطلع يشوف أنا بصرخ ليه الرجل دا غريب؟
وفتحت الورقة وكان فيها بودرة مطحونة لونها أسود زي الفلفل الأسمر. قربتها من وشها وكانت ريحتها نفاذة جدا واعدت تعطس كتير. قربتها من وش سيف وخلته يشم اللي في الورقة. وفي اللحظة دي لمبة الأوضة فرقعت بصوت عالي مرة واحدة، وحسيت بالبرد الشديد، وجسمها كله تلج وايديها ازرقت، وحست أن في حد لمس صوابع رجلها بسرعة. مقدرتش تستحمل فصرخت برعب و بصوت عالي وهي بتقول.
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
***
سلمى كانت قاعدة في أوضتها وحوليها مجموعة من الألعاب الكتير وعرايس كتير بأحجام مختلفة وكان في بنت صغيرة لابسة فستان أبيض غرقان بالدم وشعرها طويل جدا بيلامس الأرض قاعدة جنبها وماسكة في ايديها قط أبيض كبير عيونه حمراء بلون الدم وانيابه بارزة. البنت كانت عيونها كلها بيضا وحولين عينيها أسود زي دب الباندا. وكان الدم نازل من بقها ومنخيرها كتير على فستانها الأبيض. وكانت بتحسس على القط.
– يا صاحبتي هى كل الألعاب دى بتاعتك لوحدك؟
– قولتلك متسأليش العبي وخلاص دي كلها هتكون ليك، وعارفة ان في العاب اكتر منها في مكان سري من البيت دا يا صاحبتي الجديدة.
– بجد يا ريتا في العاب كتير اوووي؟
– اه بس دا مكان سري محدش يعرفه غيري أنا بس يا سلمي، تحبي تشوفيه؟
– بس أنا مش بشوف حاجة خالص ومش هعرف أوصل المكان السري اللي فيه الألعاب الكتير دا.
– أنا هوديك هناك بس مش هينفع ترجعي تاني ولا تطلعي منه اتفقنا ومتعيطيش خالص هناك وتقولي عاوزة ماما.
– والمكان السري دا في العاب كتير اوووي وحاجات حلوة؟
– ايوة يا صاحبتي وفي كمان حلويات وعصير وكل حاجة انتي عاوزاها بس ميشو مش هينفع يروح هناك.
– هو انا هروح الجنة؟ وليه ميشو ميروحش معايا انا بحبه.
– مينفعش يروح لانه مبيحبش الحبسة خالص.
– طيب ممكن اخد سيف اخويا معايا للمكان السري دا يلعب معايا؟… ارجوك وافقي.
وهنا سمعت صوت امها وهي بتصرخ بصوت عالي، وحاولت تقوم بسرعة تطمن على مامتها. بس حسيت ان في ايد بتشد رجلها وبتجبرها تقعد تاني مكانها. وصوت نقر عالي ودق كتير.
– صرخت سلمى كفاية يا ميشو متاكلش الخشب الصوت دا بيضايقني وبيوجع وداني.
وحطت ايديها على ودانها وصرخت بصوت عالي.
***
كانت هتموت من الفزع والضلمة من حواليّها تخوف. فضلت تصرخ برعب. وهنا لقيت بنتها سلمى جايه بتقرب منها ومعاها فانوس منور. وماشيه بالراحة وهي مادة ايديها لقدام علشان متقعش على الأرض وبتقولها:
– مالك يا ماما متخافيش من الضلمة، سيف اخويا كويس.
صابرين حسيت بالراحة لما شافت الضوء وكانت حاسة بتنميل في ايديها ورجلها ومش قادرة تتحرك. جريت على بنتها، واخدت منها الفانوس وحضنتها وقالتلها:
– شكرا يا حبيبتي دي اللمبة فرقعت بس واتحرقت.
– عارفة يا ماما عارفة ريتا قالتلي كل حاجة.
صابرين بصت لبنتها العامية وهي مستغربة:
– ريتا مين؟
– ريتا صاحبتي يا ماما، هي اللي ادتني الفانوس دا، وقالتلي لازم انقذك.
الام كانت مش مركزة مع بنتها، هي أكيد الصدفة مش أكتر اللي خلت بنتها تجيب الفانوس في اللحظة دي لما صرخت لأنها مش شايفة حاجة. وهنا هتفت صابرين بتعجب:
– سامح جوز روقية راح فين تاني أنا نسيته.
واعدت تنادي عليه:
– يا سامح يا سامح.
بس مكنش في حد. استغربت إنه مشي إزاي في الضلمة.
– عمو سامح مشي من بدري يا ماما خلاص.
بصت على سيف ابنها على السرير لقيته قاعد على السرير وكان فايق، وكويس. حمدت ربنا وضمته بحنان. وقالت:
– الحمد لله يارب.
اخدت أولادها وخرجت من الأوضة بسرعة لأنها كانت خايفة من الضلمة وقفتل بابها وقالت هتروح تنام معاهم في الأوضة التانية، وبكرة تغير اللمبة المحروقة. راحت للأوضة التانية وهي ماسكة أولادها في ايديها وسلمى عمالة تحكلها بحماس:
– يا ماما صاحبتي عندها العاب كتير وعندها مكان سري هتخدني هناك وانا هاخد سيف معايا، ممكن اروح هناك يا ماما لو سمحت؟ هي قالتلي انك لازم توافقي إني أروح هناك الأول، مينفعش اروح من غير موافقتك.
هي قالتلي انك لازم توافقي إني أروح هناك الأول، مينفعش اروح من غير موافقتك.
الام مكنتش فاهمة حاجة ولا بنتها بتقول إيه وصاحبتها مين دي ولا مكان سري إيه. بس أكيد بتلعب بألعابها وعرايسها، كان كل تفكيرها في سامح اللي اتغير ومشي مرة واحدة، والدم اللي كان مغرق الحمام لما راحت تشوفه مكنش في ولا نقطة دم على الأرض. معقول تكون فعلا مش مركزة وبيتهيألها زي ما حسين قالها ومحتاجة تروح لدكتور. مكنتش مركزة خالص مع بنتها سلمى ودماغها مشغولة هو اللي شافته دا كان حقيقي ولا وهم.
سمعت صوت سلمى بتقولها برجاء:
– إيه رأيك يا ماما أروح مع صاحبتي ريتا المكان السري ألعب بالألعاب الكتير بتاعتها وأخد سيف معايا؟
صابرين فاكرة بنتها بتقولها إنها هتلعب بالألعاب مع صاحبتها الوهمية العروسة اللعبة اللي لقتها في الأوضة بتاعتها. فردت عليها وقالتلها:
– روحي يا حبيبتي إلعبي براحتك مع صاحبتك.
– شكرا يا ماما أنا بحبك أوى وهاخد سيف معايا.
***
“سيدنا” كان قاعد على الأرض في أوضة ضلمة إلا من مصباح أحمر خافت في نصف الأوضة وقدامه كانت مبخرة كبيرة من الفخار والدخان كان مغطي كل حاجة وكانت عيونه بارزة لدرجة مرعبة ولونها أحمر، وعروق وشه كانت باينة أوووي ومخيفة وكتاب كبير لونه أسود موجود أمامه والرجل كان عمال يردد بصوت عالي والرزاز بيخرج من بقه:
سلخع هم القاهر رب شيشلخ شلشلعطا جروب رب الدهور الداهرة والزمان منذر الأوقات والزمان الذي لا يحول ملكه ولا يزول صاحب العز الشامخ والجلال الباذخ وباسمائه دعوتكم احضر بلعطسيطل ابن ماروق.
الدخان كان مغطي على كل حاجة في الأوضة، وكان بيتشكل بأشكال كتير مخيفة في الهواء زي ما يكون ناس محبوسة جوه الهوا وعايزة تخرج وتتحرر من دخان المبخرة والرجل مش بيوقف كلامه الغريب وهو بيقرأ في كتاب كبير قدامه الكلام الغريب:
سلخع هم القاهر رب شيشلخ شلشلعطا جروب رب الدهور الداهرة والزمان منذر الأوقات والزمان الذي لا يحول ملكه ولا يزول صاحب العز الشامخ والجلال الباذخ وباسمائه دعوتكم احضر بلعطسيطل ابن ماروق.
الدخان كان بيزيد أكتر وبيعلى لفوق وحماسة الرجل مش بتقل وهو بينطق كلماته ويكررها بقوة. وكانت بنته المجنونة “الحياة” قاعدة جوة قفص من الحديد في أوضتها وصوت سيدنا العالي واصل لعندها ودخان المبخرة بيدخل من تحت الباب زي الأشباح وبتتشكل حوالين القفص، وهي بتحاول تغطي ودانها وكأنها رافضة تسمع حاجة من كلامه الغريب، وبتصرخ وبتقول:
– كفاية…
***
حسين كان قاعد على الأرض وكتب كتير كانت موجودة جنبه، وكان فاتح كتاب كبير لون غلافه أسود، وجنبه ورقة بيضا وقلم أحمر وكان بيرسم نجوم ودوائر كتير، وحروف وأرقام مقلوبة على الورقة وزي ما يكون بينقل من الكتاب اللي قدامه بعض الرسومات النجوم السداسية. وهنا الباب دق، وصرخ بصوت عالي وهو متعصب:
– عاوزة إيه قولتلك مش عاوز إزعاج يا غبية.
وردت واحدة صوتها ضعيف ومليان خوف وقالتله:
– أنا آسفة يا حسين بس تليفونك بيرن من بدري وخايفة تكون حاجة مهمة.
وفضلت واقفة مستنية يرد عليها بس ما ردش فضلت واقفة مكانها زي التمثال بخوف والتليفون بيرن في ايديها، وقلبها بيدق معاه. وهنا خرج من الأوضة وفتح الباب، وبصلها وعيونه حمراء بلون الدم وكلها شر، وشد من ايديها التليفون وقفل الباب مرة واحدة في وشها من غير ما يقول كلمة واحدة، وهي اتنهدت براحة إنه متكلمش ومضربهاش وطلعت تجري على أوضتها واعدت تعيط.
تعيط بحرقة على حالها واللي هي فيه، ورفعت ايديها وكانت مليانة حروق ومكان خياطة وجروح كتير، مش ايديها بس دا كان معظم جسمها كان ملسوع ومحروق بالنار، من جوزها حسين اللي كان بيستمتع بعذابها والامها. كان نفسها تخلص منه بس مكنتش قادرة ومكنتش تعرف هو بيعذبها ليه، واتجوزها ليه لو بيكرهها كده؟
اخدها من بلدها واهلها و خلاها تغير اسمها وسماها “صابرين”. كانت بتكره الاسم وبتكره الحياة كلها بسببه. كان دايما يعذبها ويقولها اللي بيغلط لازم يتعاقب يا صابرين وانت لازم تتعاقبي لازم تتعاقبي وتتمنى الموت.
كانت بتكره اسم صابرين لدرجة الموت بتتمنى تموت وتخلص منه ومن جنانه ومرضه النفسي بس مش قادرة تموت كافرة.
فكرت تهرب كتير وتروح لبيت اهلها بس محدش صدقها ولا وقف معاها ابوها رجل غلبان وبسيط، وحسين بيعامل الكل بشهامة ورجولة وبيساعد وبيدي الكل فلوس ومبيخليش على حد ولا بيتأخر لا على صغير ولا كبير، الا عليها هي وبس. مكنش حد بيصدقها لما تشتكي منه.
كان عامل زي الحمل الوديع معاهم وهو شيطان رجيم معاها. هربت اكتر من مرة من البيت وقررت تعيش في الشارع بس كانت بتلاقي نفسها راجعة تاني لوحدها مبتقدرش تبعد زي ما يكون في حاجة بتشدها بالعافية وترجعها تاني لحسين اللي كان بيعذبها ويقولها هيقتلّها لو حاولت تهرب تاني.
– وانت تستهلي العذاب يا صابرين، وهترجعي زاحفة مش هتقدري تبعدي عنه.
مكنتش عارفة إزاي بترجع زاحفة فعلاً وراكعة كل مرة، وخلاص استسلمت في النهاية لحياتها ولأمر الواقع. كانت بتحس بالسعادة والراحة وهو برا البيت في الشغل وبتتنفس لما بيكون موجود معاها. بتكره الدنيا وبتبقى خايفة ومرعوبة منه وهو موجود بالشقة، بتنفذ كل أوامره من غير ما تفكر علشان بس ميضربهاش. ويبصلها بعيونه ويبرقلها. كانت عيونه غريبة وبتتحول كلها للون الأسود وبياضها بيختفي في بعض الأوقات لدرجة بتخليها تموت ألف مرة وتحس إنه مش إنسان دا شيطان رجيم. كان محرم عليها إنها تشغل قرآن كريم في البيت، ولا تخلي مصحف وكتاب الله في شقتها. لما يكون في الشغل كانت بتحاول تجيب أي قناة للقرآن الكريم بس كان تشويش على القناة وزي ما يكون حد بيبلغه بتعمل إيه، وبيراقبها وبتلاقيه بيتصل بيها ويقولها تبطل اللي بتعمله وإلا هيأذيها، واللي بيغلط لازم يتعاقب يا صابرين وأنت تستحقي العقاب.
وهنا بتوقف اللي بتعمله بسرعة وبتدخل تجري أوضتها تستخبى تحت الأغطية الكتير برعب، وهي بتسأل نفسها هو بيعرف منين بعمل إيه؟
كانت دايما حاسة إنها متراقبة في بيتها وحاسة إن في حاجة غلط. بيتها بارد وساقع مفيهوش حياة ولا روح زي المقابر بالظبط. يا ترى هو حاطط كاميرات مراقبة في الشقة في كل ركن وكل حتة؟ كل يوم بتحاول تفتش زي المجنونة عن الكاميرا المستخبية اللي بيعرف بيها هي بتعمل إيه بس مكنتش بتلاقي حاجة. كانت بتلاقيه بيتصل بيها ويقولها:
– بطلي يا غبية هتفضلي طول عمرك غبية يا صابرين وبتتصرفي غلط والمذنب لازم يتعاقب يا صابرين لازم يتعاقب.
كانت بتكره اسم صابرين هي مش صابرين دا مش اسمها.
لاااااااااااهي اسمها… الحقيقي “تغريد”.
– أيوه تغريد.
همست بصوت واطي:
– أنا عمري ما كنت ولا هكون صابرين. أنا اسمي تغريد تغريد تغريد…
واعدت تكرر الاسم ولما حست إن صوتها علي وممكن يسمعها جريت بسرعة، ودخلت أوضتها وهي مرعوبة وبتعيط ووقفت قدام المراية وهنا صرخت برعب دي نسيت تلبس العدسات الزرقاء اللي كان بيجبرها تلبسها وراحت ادته التليفون من غيرها. مكنتش عارفة هتعمل إيه. لبست العدسات الزرقاء بسرعة وغطت وشها بالبطانية وجسمها بيرتجف من الخوف وهي بتفكر يا ترى أخد باله إنها مكنتش لابسة العدسات.
وسمعها وهي بتقول إنها مش صابرين. ولما يخرج من أوضته اللي ممنوع تدخلها وقافلها دايما بالمفتاح هيعمل معاها إيه؟ هيلسعها بالنار ولا هيطفي السيجارة في جسمها. اعدت ترتجف وهي بتتخيل اللي هيعمله فيها. وهنا حست بالبرد الشديد وبصوت الهوا البارد وهو بيهمس في ودانها.
هسسسسس هسسسس هسسس…
كتمت نفسها وحاولت تقرأ أي صورة من القرآن الكريم تحاول تطمنها بس مش قادرة مش قادرة…
رواية اللعنة الفصل السادس 6 - بقلم مني حارس
مسك الموبيل بغيظ وهو بيقول:
“ودى عاوزة مني إيه دلوقتي؟”
وأخد نفس عميق ورد على التليفون، وكانت روقية. كانت بتتكلم بصوت متوتر وخايف وقالت له:
“إزيك يا حسين؟ معلش أزعجتك بس سامح لسه موصلش لغاية دلوقتي وموبيله مقفول، صابرين قالت لي إنه نازل من بدري، مش عارفة مرجعش ليه، هو مقلكش حاجة؟”
رد عليها بفتور شديد:
“لا مقالش حاجة، أنا سبته واستأذنت لإن كان عندي معاد مهم معرفتش أجله خالص، بس لسه مكلمني من شوية، متقلقيش، تلاقيه بس إتأخر في الطريق وزحمة المواصلات يا روقية.”
سمع صوتها المتوتر:
“متأكد يا حسين إنه كلمك، طمنّي بالله عليك، أنا قلبي متوغوش أوي.”
“وهكذب عليك ليه؟ دقايق وهتلاقيه داخل عليك وبيفتح باب الشقة، متقلقيش هيرجع.”
وهنا روقية سمعت صوت تكة مفتاح الباب وهو بيفتح، فحمدت ربنا إن جوزها رجع، وقالت بارتياح:
“شكرًا يا حسين، الحمد لله سامح رجع أهو، مع السلامة.”
وقفت وهي بتبص على باب الشقة اللي كان بيتفتح بهدوء، وقلبها بيدق بسرعة وحاسة إن الدنيا بردت أوي ورجلها وإيدها تلجت مرة واحدة.
***
صابرين أخدت ولادها ودخلت تنام في أوضتهم بعد ما اتعشوا وعملتلهم سندوتشات. هي مكنتش قادرة تأكل حاجة خالص ونفسها مسدودة. صورة الدم للقط ميشو اللي دهسته العربيات والدم اللي كان مغرق أرضية الحمام وسيف واقع فيه، كل ده كان عمل لها صداع شديد.
نيمت الأولاد مع بعض على السرير اللي في الدور الأول، علشان سلمى متقعش. وكانت الساعة لسه عشرة، فكرت تقعد تتفرج شوية على التليفزيون. فتحته بس مكنش شغال. بصت للمكتبة الكبيرة اللي في الأوضة التانية وقالت تطلع كتاب تقراه شوية يمكن تنام وهي بتقرا.
قعدت تتفرج على الكتب الكتير المرصوصة صفوف، بس كل الكتب كانت بلغات غريبة عليها، لا إنجليزي ولا فرنسي، مش فاهمة دي لاتيني ولا عبري ولا فارسي ولا لغة إيه بالظبط. وإزاي مكتبة بالحجم ده مفيهاش كتاب عربي ولا رواية أو قصة تتسلى فيها؟ هو مين اللي كان ساكن هنا؟
فتحت كتاب وكان كله رسومات غريبة وزي الشياطين والرموز المقلوبة وحروف كتير ونجوم. حسيت بتنميل في إيدها ورعشة كبيرة وزي ما تكون الحرارة قلت في الأوضة وسمعت صوت نقر على الخشب. الصوت فضل يعلى ويعلي.
قعدت تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. قعدت تلف في الشقة عاوزة تعرف الصوت جاي منين. الصوت كان بيزيد في المطبخ ولما دخلت ونورت النور مسمعتش حاجة. فضلت تبص على باب المنور كتير واطمئنت إن الأقفال والترابيس كلها مقفولة، وحمدت ربنا إن سامح عمل الترابيس دي.
افتكرت إنها مطمنتش عليه، رجع ولا لسه البيت؟ رجعت تدور على المحمول وكان في رف المكتبة التاني جنب الصندوق الأسود بتاع المفاتيح.
اتصلت بروقية تطمن على جوزها رجع ولا لسه وتشكره، بس الموبيل كان مقفول. مكنتش مطمنة، ولا عارفة تنام، حاسة بالقلق وعدم الراحة، ويومها كان طويل أوي.
وهنا سمعت صوت حاجة وقعت على الأرض بصوت عالي، وصرخت صابرين من الخضة وهي بتبص ناحية الصوت، ولقيت صندوق المفاتيح كله على الأرض وقع.
تنهدت برعب وهي بتقول:
“هو فيه إيه بس؟ يظهر إن الصندوق كان على طرف الرف فوقع.”
راحت تلم المفاتيح وتحطها في العلبة. مفتاح أوضة النوم – مفتاح المطبخ – مفتاح… – مفتاح الج…
خدت المفتاح بين إيديها واعدت تقلب فيه. واشمعنى المفتاح ده كبير ولونه أسود ويا ترى ده مفتاح إيه بالظبط؟ إيه الج… دي؟ أنا مش فاهمة وليه مش كاتب بتاع إيه؟ كانت بتحاول تلاقي حروف الكلمة الناقصة.
وهنا لقيت سيف واقف قدامها مرة واحدة وبيقولها بصوت متقاطع وهو بيشاور على المفتاح اللي في إيديها:
“ال ج ج ج حححححح يييي ممممم”
رددت الكلمة وهتفت بخوف:
“الجحيم؟ مفتاح الجحيم؟ أعوذوا بالله من الشيطان الرجيم.”
رمت المفتاح بسرعة على الأرض وهي بتحاول تتمالك. هو سيف ليه بيقول الجحيم؟ فضلت تبص عليه ومش قادرة تتحرك. وهو دخل بعدها الحمام من غير ما ينطق.
لما فاقت من الصدمة قامت بسرعة تشوفه وتطمن عليه في الحمام، بس باب الحمام كان مفتوح والنور مطفي. نورت النور واعدت تنده عليه برعب. مكنش موجود. جريت زي المجنونة وهي بتصوت:
“سيف ابني!”
وهنا سلمى صحت وسمعتها وهي بتقول:
“ماما أنا خايفة، في إيه وليه بتصرخي؟”
كانت صابرين منهارة. وهنا لقيت صابرين جايه وسيف ماسك إيدها وهما الاتنين بيعيطوا وبيسألوا:
“في إيه يا ماما مالك؟”
بصت وهي مش مصدقة عينيها، ده سيف أهو، أومال مين اللي دخل الحمام من شوية؟ دي شافته بعينيها وهو بيدخل. معقول تكون مش مركزة بجد ومحتاجة تروح تتعالج زي ما حسين قالها؟
***
الصوت كان عالي أوي ومخيف. أصوات غريبة كانت مرعبة مع صوت فوران الزيت المغلي. وسيدنا كان عمال يقول بصوته العالي من وسط الدخان الأبيض للبخور:
“سلخع هم القاهر رب شيشلخ شلشلعطا جروب رب الدهور الداهرة والزمان منذر الأوقات والزمان الذي لا يحول ملكه ولا يزول صاحب العز الشامخ والجلال الباذخ وباسمائه دعوتكم أحضر بلعطسيطل ابن ماروق.”
و”الحياة” بنته كانت بتصوت في قفص من الحديد مقفول عليها بقفل كبير. حاطة إيدها على ودانها ومغمضة عينيها مش عاوزة تسمع ولا تشوف حاجة، لأنها عارفة إنه واقف دلوقتي قدامها بشكله البشع وقرونه. عارفة إنه واقف مستنيها علشان يعذبها، بس مش عاوزة تشوف حاجة، مش هتفتح عيونها أبدًا.
أعدت تصرخ وتقول:
“كفاية كفاية كفاية…”
صوتها كان عالي وكان خارج القفص. الدخان الأبيض مغرق الأوضة في الضلمة. كان هو وواقف بحجمه الضخم وأيده الطويلة وودانه، كان لونه أسود وضخم أوي ومخيف، أطول من مترين. جسمه مليان شعر أسود طويل أوي وغزير، وله عينين حمراء زي الدم، وقرون سوداء طويلة متنية زي قرون الخروف. ومخالبه كانت طويلة أوي ومتنية لونها أسود ومرعبة.
أعد يمرر مخالبه على القفص وصوت عالي مزعج كان بيرن من ظوافره. كان الصوت مخيف ومكنتش قادرة تستحمل وودانها وجعاها ومش قادرة تستحمله. أعدت تصرخ وتقول:
“كفاية كفاية يا ملعون…”
***
“الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله..”
“ياااه الحمد لله رب العالمين، أخيرًا صوت أذان الفجر.”
صابرين مكنتش مصدقة نفسها. حست بالراحة الشديدة والأمان الكبير والمؤذن بيردد من بعيد الأذان: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”. إحساس بالأمان والراحة اللي مكنتش حاسة بيه طول الليل ومن أول ما سكنت الشقة الشؤم دي. حمدت ربنا وقامت تتوضأ وتصلي الفجر. هي عارفة إنها مقصرة في العبادات مش هتنكر ومش منتظمة في الصلاة، بس حاسة إن نفسها تصلي، نفسها تسمع حد يطمنها، ومفيش أجمل من القرب من ربنا هيحسسها بالأمان والراحة.
بصت على أولادها كانوا لسه نايمين، وقامت دخلت الحمام علشان تتوضأ. لما فتحت الحنفية مكنش فيه ميه خالص. بس عملت صوت غريب وعالي. راحت على المطبخ فتحت الحنفية مفيش ميه. كان في أزايز ميه في التلاجة. راحت تجيب واحد لقيت التلاجة فاضية والأزايز كلها فاضية.
استغربت:
“إزاي؟ أنا كنت حاطة تلت أزايز ميه معدنية امبارح؟ مش معقول الأولاد شربوهم؟”
وهنا سمعت صوت سلمى بنتها بتقولها:
“ماما أنا عطشانة.”
“مش عارفة الأزايز كلها فاضية ليه؟ انت قمتي بالليل شربتي يا سلمى وفضيتي انتي وأخوكي؟”
“لا يا ماما، دي ريتا صاحبتي كانت عطشانة وشربت كل الميه اللي كانت بالأزايز.”
صابرين حسيت بالغيظ الكبير. أكيد سلمى لعبت بالميه بتاعت الشرب هي وأخوها. وحمت العرايس بتاعتها لما نامت شوية. صرخت بصوت عالي:
“انتوا إيه اللي عملتوا دا؟ انتوا مبتفهموش؟ مفيش ولا نقطة ميه نشربها.”
“مش أنا يا ماما، دي ريتا صاحبتي كانت عطشانة أوي وشربت كل الأزايز بسرعة، هي قالت لي كدة.”
“اسكتي يا سلمى علشان ممسكش صاحبتك أرميها في الشارع دلوقتي.”
سامي قالت بصوت واطي:
“بس ريتا مبتحبش الصوت العالي يا ماما وبتزعل.. وطّي صوتك أرجوك.”
“اسكتي!”
صابرين كانت فاكرة إن بنتها بتتكلم عن عروستها اللي بتلعب معاها في الأوضة. مكنتش عارفة إن ريتا دي شخصية حقيقية وبتظهر لسلمى اللي عندها ست سنين وبتلعب معاها. ريتا دي كانت طفلة عندها تمان سنين كانت عايشة في نفس الشقة مع أخواتها التوأم ميرا ولارا، من سنين طويلة.
يتبع…
رواية اللعنة الفصل السابع 7 - بقلم مني حارس
يااه الحمد لله رب العالمين, أخيراً صوت آذان الفجر. صابرين مكنتش مصدقة نفسها، حست بالراحة الشديدة والأمان الكبير والمؤذن بيردد من بعيد الأذان. "ألا بذكر الله تطمئن القلوب". إحساس بالأمان والراحة اللي مكنتش حاسة بيه طول الليل ومن أول ما سكنت الشقة الشؤم دي. حمدت ربنا وقامت تتوضأ وتصلي الفجر. هي عارفة إنها مقصرة في العبادات مش هتنكر ومش منتظمة في الصلاة، بس حاسة إن نفسها تصلي، نفسها تسمع حد يطمنها، ومفيش أجمل من القرب من ربنا، هيحسسها بالأمان والراحة.
بصت على أولادها، كانوا لسه نايمين. وقامت دخلت الحمام علشان تتوضأ. لما فتحت الحنفية مكنش فيه ميه خالص، بس عملت صوت غريب وعالي. راحت على المطبخ فتحت الحنفية مفيش ميه. كان في ازايز ميه في التلاجة، راحت تجيب واحد. لقيت التلاجة فاضية والازايز كلها فاضية. استغربت: "إزاي أنا كنت حاطة تلت ازايز ميه معدنية امبارح؟ مش معقول الأولاد شربوهم؟"
وهنا سمعت صوت سلمى بنتها بتقولها:
– ماما أنا عطشانه.
– مش عارفة الازايز كلها فاضية ليه؟ انت قومت بالليل شربت يا سلمى انت واخوك؟
– لا يا ماما دى ريتا صاحبتي كانت عطشانه وشربت كل الميه اللي كانت بالأزايز.
صابرين حسيت بالغيظ الكبير، أكيد سلمى لعبت بالميه بتاعة الشرب هي واخوها. وحمت العرايس بتاعتها. لما نامت شوية صرخت بصوت عالي:
– انتوا ايه اللي عملتوا دا؟ انتوا مبتفهموش؟ مفيش ولا نقطة ميه نشربها.
– مش أنا يا ماما، دى ريتا صاحبتي كانت عطشانه اووى وشربت كل الأزايز بسرعة.
– اسكتي يا سلمى علشان ممسكش صاحبتك ارميها في الشارع دلوقتي احسن.
– بس ريتا مبتحبش الصوت العالي يا ماما وبتزعل، وهى زعلها وحش اووى.
– صرخت بصوت عالي، اسكتي.
صابرين كانت فاكرة إن بنتها بتتكلم عن عروستها اللي بتلعب معاها في الأوضة. مكنتش عارفة إن ريتا دي شخصية حقيقية وبتظهر لسلمى اللي عندها ست سنين وبتلعب معاها.
ريتا دي كانت طفلة عندها تمان سنين، كانت عايشة في نفس الشقة بتاعة صابرين مع اخواتها التؤام ميرا ولارا. من سنين طويلة كان التلت بنات، كانت أوضة سلمى وسيف هي أوضتهم وعايشين فيها. ودا كان بيتهم. البيت كله كان ملك جدهم "جوهر". وكانت عايشة مع اخواتها في الشقة اللي بالدور التاني من عمارة جدهم. وعمها محسن واولاده التلاته كان عايش بالدور الثالث والرابع. وكان عمها مهيب وبنته الوحيدة. الدور الخامس كانت عمتها بدرية وابنها. وجدها جوهر كان ساكن في أول دور مع عمها "سيدنا" ومراته اللي كانت بتكرهها اووى لأنها مكنتش بتحبهم ومكنتش بتحب حد هي وعمها. مكنتش بتحب العيال الصغيرة غير ابنها بس. من اول ما اتجوزها وعمها اتغير وبقى يكرههم كلهم ومكنوش بيقدروا يدخلوا شقة جدهم خالص. لانه تعب بعدها واتشل ومبقاش يتحرك وكان نايم على السرير علطول. وكانت مرات عمها بترفض حد يزوره وبتقول انه نايم.
كل الاطفال مكنوش عارفين ليه عمهم سيدنا بقى يكرههم كدة ويئذيهم علطول ويرفض يزوروا جدهم جوهي ويشوفوه. ودايماً يتخانق مع ابهاتهم ومشاكل كتير وصوت عالي. بس الأولاد مكنوش فاهمين في ايه. كلهم نفسهم يشوفوا جدهم جوهر ويطمنوا عليه ويحكلهم حدوته زي ما كان بيحكلهم زمان قبل ما عمهم يتجوز الساحرة الشريرة. بس عمهم رافض هو ومراته الشريرة إنهم يدخلوا الشقة خالص وبتقول جدهم تعبان. والدكتور مانع الزيارة. كانوا دايماً بيتجمعوا في الجنينة يلعبوا سوا ويسمعوا صوت خنقات كتير ما بين امهاتهم وبين مرات عمهم الساحرة. ايوة، كل امهاتهم وعمتهم كانوا بيقولوا إن مرات عمهم ساحرة وبتعمل سحر وأعمال وملعونة. وسحرت لعمهم سيدنا واتجوزها. ويعني إيه أعمال وسحر؟ مكنوش عارفين غير إن دا حاجة وحشة وشريرة اووى. كان معاها ولد صغير ابنها. مكنش بيلعب معاهم خالص، كان دايماً قاعد في شقة جدهم جوهر. هو الوحيد اللي كان بيشوف جدهم وبيسمع حواديت. لكن هما لا، مش مسموح لهم يدخلوا الشقة ابدا مهما حصل. كان الولد بيغيظهم ويدايقهم دايماً، كان ولد شرير.
وفي يوم، التمن اولاد قرروا لازم يدخلوا يشوفوا جدهم ويطمنوا عليه. يومها كان عمهم ومراته الشريرة وابنها خرجوا وكانوا قافلين على جدهم بالمفتاح وسايبنه لوحده في الشقة. وكان كل واحد فيهم باباه في الشغل. وكل طفل فيهم مامته كانت قاعدة تعيط في اوضتها. مكنوش فاهمين في ايه، وايه إللي حصل، بس كانوا عاوزين يدخلوا الشقة. وقتها ريتا قالتلهم: "ممكن ندخل من الباب السري؟" كلهم كانوا مرعوبين. مرات عمهم كان شكلها وحش اووى وعيونها كانت بتتحول للون ابيض مخيف مبيبقاش فيها اي لون اسود. وعيونها كانت حواليّها اسود وحاطة كحل تقيل اووى. ودايماً شعرها منكوش. كانوا بيخافوا منها اووى. وكل واحد منهم مامته بتقوله: "ابعد عنها وملكش دعوة بشقة جدك جوهر ولا سيدنا ومراته". كلهم كانوا بيسمعوا الكلام، إلا ريتا كانت عنيدة وبتحب جدها ومتعلقة بيه وكان نفسها تشوفه اووى.
وقالتلهم: "ايه رايكم ندخل من الباب السري؟"
الأولاد كلها مكنوش عارفين فين الباب السري، بس ريتا الشقية ضحكت وقالتلهم بصوت واطي: "في باب سري بيوصل لشقة جدو جوهر، انا عارفه مكانه".
كلهم بصوا عليها بعيون مذعورة: "الباب السري؟"
الولاد كلهم رفضوا وكانوا خايفين وقالوا: "لا، نروح نخبط على جدو وهو هيفتح لنا".
ريتا قالتلهم: "انا هروح لوحدى لجدى جوهر من الباب السري وهفتح لكم باب الشقة". وسابتهم ومشيت. ومن يومها ريتا اختفت ومحدش عارف هي عايشة ولا ميتة.
الأولاد كلهم كانوا في الجنينة بيدورا على ريتا وعلى الباب السري لما اتاخرت عليهم. وهنا لقيوا سيدنا ومراته وابنها راجعين ومعاهم شنط سوداء كتير. كانوا خايفين على ريتا تكون دخلت الشقة فعلا. مكنوش عارفين يعملوا ايه، بس كانوا عاوزين يعطلوا عمهم ومراته عن طلوع الشقة. نادوا على ابن مراته الصغير وقالوا:
– تلعب معانا بالكورة.
فضل واقف يبصلهم ومش عارف يلعب ولا امه هتزعقله لو لعب معاهم.
وهنا سمع صوتها القوي بتنادي عليه:
– حسين واقف عندك بتعمل ايه؟ تعالى هنا بسرعة يا حسين.
&&&&&&
صابرين كانت حاسة بألم شديد وضيق في صدرها. قررت لازم تصلي. قالت لنفسها: "ما فيش ميه، هتيمم". قربت من الحيطان علشان تلاقي تراب تتيمم بيه. بس لما لمست الحيطان حست إنها بتكهرب وحست برجفة عالية. وهنا صرخت وبعدت ايديها بسرعة.
سلمى دخلت اوضتها وهي بتحاول تتسند على الحيطان وبتنادي على ميشو:
– كفاية يا ميشو ارجوك. نقر في الخشب. ماما هترميك في الشارع زي ريتا.
وبعدها وطت صوته وهي بتكمل:
– متعرفش إن ريتا هتزعل ومش هتسبها تعمل كدة.
صابرين بصت عليها ومردتش. وبصت على الساعة، كانت الساعة سبعة. استغربت الوقت ازاي مر كده واتأخرت. دا لسه الفجر ما أذن من دقايق بس. بسرعه دخلت تلبس ولادها علشان توديهم المدرسة المخصصة ليهم لأصحاب الهمم والاحتياجات الخاصة. كانت سلمى نايمة في سريرها جنب أخوها. قالت بصوت عالي:
– يلا يا سلمى علشان المدرسة.
استغربت إن بنتها كانت نايمة فعلا، ومش عاوزة تقوم. دي لسه كانت بتتكلم معاها. صحت اولادها ولبستهم ولبست هي كمان وفتحت باب الشقة ولقيت دم. نقط دم وطبق فيه عيش ناشف وقرن خروف وحتة قماش سوداء وفروة أرنب لسه مذبوح.
بصت للحاجة برعب وكانت هتموت. هو مين اللي حاطط الحاجات دي هنا وليه قدام باب شقتها؟ ونزلت تجري وهي ماسكة ايد اولادها على السلم ومقدرتش تنطق ولا تصرخ. كانت عاوزة تهرب من المكان ده بسرعة. عدت على شقة سيدنا ومكنش في صوت خالص وكأنها مهجورة. بس في ريحة بخور ودخان أبيض كتير خارجة من تحت باب الشقة. واضح إنهم حاطين بخور. الريحة مغرقة الدور والعمارة. ريحة بخور قوية أووي وفيها ريحة نتنة. حطت ايديها على بقها وحست إنها هترجع.
وهنا سيف شد ايديها جامد علشان تسيبه. وقالتله: "في ايه؟ يلا يا ابني". كان في خاتم على الأرض ومكنش باين في النور الخافت للسلم. بس سيف شافه ووطى جابه واداه لصابرين. اخدت الخاتم بذهول، واعدت تقلب فيه بين ايديها. وهنا صرخت برعب:
– دا خاتم مهاب جوزها. الخاتم الفضة. كانت جايباهوله في عيد ميلاده من سنين وكانت كاتبة اسمها عليه "صابرين" علشان تفضل معاه طول الوقت. وهو مكنش بيخلع الخاتم من ايده، حتى لما مشي من البيت.
حست بصداع كبير. هو الخاتم ده جه هنا ازاي؟ هو ممكن يكون وقع من حاجاتها وهي بتنقل هدومها وحاجات ولادها؟ مش عارفة. بس كل ده غلط. والحاجات اللي قدام باب شقتها دي إيه؟ وحاطينها ليه وعاوزين منها إيه؟ هما عاوزينها تمشي ويدبسوها في الفلوس. بس هتجيب منين؟ حتى لو هتموت مش هتقدر تمشي وتسيب الشقة ومجبرة تقعد.
صابرين مشيت بسرعة. كانت عاوزة تشم هوا نضيف. في ريحة وحشة أووى بالمكان ومكتوم. خرجت من المكان وهي بتحاول تجري بسرعة وبصت للتمثال والست اللي بتخبي عيون ابنها وجريت بسرعة أكبر. كل حاجة في البيت ده غلط. مسكت ايد اولادها جامد وحست إنها عاوزة تعيط. وتهرب بيهم لابعد مكان في الكون، مكان محدش يشوفهم فيه. تستخبى من العالم كله. مش عاوزة حاجة غير إنها تحس بس بالأمان. والأمان ده هيبقى في مكان بعيد الناس والبشر المؤذية.
ودت ولادها المدرسة ودموعها بتنزل على خدها. الخاتم فكرها بمهاب جوزها وخلاها تسأل نفسها ليه عمل فيها كده؟ ليه بهدلها كده؟ معقول هونت عليه بعد الحب الكبير؟ ولو أنا هونت وأولاده هانوا عليه؟ ليه دول لحمه ودمه؟ فضلت تسأل نفسها ليه والسبب؟ معقول كانت مخدوعة السنين دي كلها؟ لغاية ما لقت نفسها في الشركة. متعرفش وصلت إزاي بردوا. مكنتش مركزة لا في طريق ولا في وجوه الناس. بس لقيت زميلها بيقولولها: "البقاء لله".
"البقاء لله". بصت لهم من بين دموعها وهي مش فاهمة حاجة. "البقاء لله هو مين اللي مات؟" مش فاهمة. مش فاهمة. سمعتهم بيقولولها: "دي روقية ماتت هي وجوزها وعيالها. الغاز بتاع السخان كان بيسرب واتسمموا كلهم وماتوا". صرخت وهي مش مصدقة: "هما مجانين؟ بيقولوا إيه؟ روقية مين؟ إزاي تموت هي وجوزها وأولادها؟ دي لسه كانت معاها امبارح. لسه كانت بتكلمها. أكيد يقصدوا حد تاني. لا لا كلهم كذابين. روقية عايشة، أيوه".
– البقاء لله يا صابرين. عارف إنها كانت قريبة منك. ربنا يرحمها. هتروحي الدفنة بعد صلاة الظهر.
– دفنة مين؟ انتوا بتقولوا إيه؟ لااااااااااااا.
صابرين بعدها جريت بسرعة زي المجنونة. لا هما بيكذبوا. هي عارفة. كل ده تمثيل. تمثيل. بس ليه بيعملوا كده فيها؟ قلبها مقدرش يروح لبيت صاحبتها روقية تتأكد. بس كانت عاوزة تحس بالراحة. جريت في الشوارع زي المجنونة ولقيت نفسها بتروح المقابر تزور امها وابوها. كانت بتحس براحة وهي هناك. وحاسة إن ظهرها اتكسر وملهاش حد بعد موتهم. هتروح لمين تشكيله؟ والحضن الحنين راح. والصدر اللي كان بيضم والأيد اللي بتحمي من غير مقابل بقوا مجرد عظام تحت التراب. فضلت قاعدة عند قبر عيلتها واعدت تعيط وتحكلهم عن الدنيا واللي عملته فيها وبهدلتها وذلها وقلة حيلتها.
وهنا قرب منها شيخ كبير ووشه منور، وقالها:
– مالك يا بنتي؟ ما دايم إلا وجه الله عز وجل. وكلنا هنموت.
رفعت عيونها الزرقاء اللي مليانة دموع وحست براحة كبيرة أووي لوشه المنور وشعره الأبيض. ولقيت نفسها بتحكيله قصتها واللي بيحصل معاها في الشقة المشؤمة اللي سكنتها. وكمان موت صاحبتها وجوزها وأولادها.
رواية اللعنة الفصل الثامن 8 - بقلم مني حارس
لقيت صابرين نفسها في المقابر عند قبر أمها وأبوها. كانت حاسة بالأمان والراحة الكبيرة، وشامة ريحة حلوة ومنعشة من هوا المقابر البارد. كانت بتعيط بقهر ومكنتش مركزة في حاجة خالص غير في موت روقية صاحبتها.
وكان هو بيقرب منها بهدوء وثبات وعينه عليها من بعيد. قرب منها وقالها بصوت هادي:
– مالك يا بنتي، ما دايم إلا وجه الله عز وجل، وكلنا هنموت. مين فينا باقي فيها ومخلد؟ لو دامت لحد كانت دامت لسيدنا النبي عليه أفضل الصلاة وأفضل سلام.
رفعت عيونها الزرقاء المليانة بالدموع والقهر وهي بتردد:
– عليه أفضل الصلاة وأفضل سلام.
حست بطمأنينة كبيرة وراحة غريبة لنور وشه الساطع وشعره الأبيض ولحيته الطويلة البيضاء. ولقيت نفسها بتحكي له قصتها وكل اللي حصل معاها في الشقة المشؤمة اللي سكنتها من يومين بس، واللي مضطرة تعيش فيها خمس سنين من عمرها. مش عارفة إزاي وهي مش قادرة تكمل خمس ساعات على بعض من غير ما يحصل مصيبة وكارثة، ولا شيء غريب مش فاهمه هتكمل إزاي حياتها بالشكل ده والرعب ده كله؟
كانت حاسة بأمان كبير وراحة في وجود الشيخ ده. غريبة، رغم صفير الريح في ودانها والبرد الغريب للمكان، بس كانت مطمنة أوي ومرتاحة. وقررت تحكي للشيخ، ومن بين دموعها وكسرتها والحزن على موت صاحبتها الوحيدة في الحياة، حكت كل حاجة في الشقة. والحاجات الغريبة اللي بتحصل معاها وملهاش تفسير خالص. الخوف وقبضة الصدر والتوتر، وحتى الدم والنجاسات والحاجات الغريبة اللي بتشوفها قدام باب شقتها. والرائحة النتنة اللي بتشمها والبخور الغريب عند باب سيدنا اللي ساكن تحتها بالشقة وصوت الهمسات العالية والضحك اللي بيرن في ودانها. ومفيش حد موجود غيرها. حكت له كل حاجة بإختصار وصوت متقطع وخايف من المجهول، وحتى موت صاحبتها وجوزها وعيلتها. كل حاجة قالتها. وكانت خايفة تكون هي السبب في موتها.
وبعدها حست براحة كبيرة وتنهدت بارتياح وهي بتبص للشيخ برجاء وأمل إنه يساعدها ويكون عنده الحل لكل ده.
الشيخ بصلها كتير وقالها بصوته الهادي:
– يا بنتي، اللي انت بتقوليه ده كله سحر والعياذ بالله، سحر أسود. وتوكيل جني بالأذية هو اللي بيعمل كل ده وبيأذيك. اللي مخليكِ تايهة ومش مركزة ومتشتتة. انتِ بتصلي يا بنتي وقريبة من ربنا ولا بعيدة عنه ونسياه؟
ردت عليه بتردد:
– أيوه بصلي الحمد لله بس مش منتظمة، مش هنكر. بس بصلي والله يا شيخ وبقرأ قرآن الحمد لله وبصوم رمضان، وبسمع قرآن. بس من ساعة ما سكنت الشقة دي وأنا مش قادرة، كل حاجة ضدي وزي ما يكون حد بيكتفني علشان معملش كده. حتى أبسط الطاعات مش قادرة، لا عارفة أصلي ولا أسمع كلام ربنا. بس سحر ليا أنا؟ ليه أنا؟ عمري ما أذيت حد، بل العكس، دايماً مأذية والناس مش سيباني في حالي. حتى جوزي مسلمتش من أذيته، والآخر لقيت نفسي في الشارع ومسؤولة عن طفلين محتاجين رعاية خاصة ومصاريف كتير وأنا وحيدة. سحر ليا أنا وأذية ليه يا شيخ؟ وأنا كنت أذيت حد؟ حتى الحيوان بعطف عليه. مين في حياتي علشان الناس تأذيني وتعمل معايا كده؟
– الشيخ رد عليها بتأثر:
– نفوس الناس المريضة كتير يا بنتي في الدنيا. اللي بيعمل سحر وأذية لحد، بيبقى عاوز يعذبه وهو حي ويدمر حياته. وياما ناس كتير السحر دمر حياتها وخلاها تتمنى الموت وهي لسه بتتنفس وعايشة، وذلّهم وخلاهم تايهين، وخلى اللي حواليهم يتمنولهم الموت رحمة بحالهم ورحمة بيهم من العذاب اللي هما فيه يا بنتي.
قالت برعب:
– سحر؟ سحر إيه يا شيخ؟ أنا ما بصدقش في الحاجات دي. والناس هتسحر لي أنا بعد كل اللي أنا فيه؟ ليه هما مش شايفين العذاب والبهدلة اللي أنا فيها للدرجة دي؟ الرحمة انعدمت من القلوب؟
– السحر مذكور في القرآن الكريم زي الحسد بالظبط يا بنتي. وناس كتير حوالينا مؤذية وقلوبها مليانة غل ومرض وحقد كبير أوي لغيرها، بتأذي الناس وبتعمل لهم أسحار وأذية. الأفضل إنك تسيبي الشقة دي خالص وتبعدي وتروحي مكان تاني.
ردت من بين دموعها:
– أروح مكان تاني إزاي بس وهاروح فين لو سبت الشقة؟ والشرط الجزائي اللي بالعقد وكل الفلوس دي هجيبهم منين؟ مش هقدر أمشي دلوقتي. غير إني معنديش مكان تاني أروح أعيش فيه أنا وولادي، هروح فين؟ وانفجرت بالعياط؟
رد الشيخ وقالها:
– انتِ ما كنتيش واخدة بالك يا بنتي من الشرط؟ إنه غريب قوي. هو في حد في الزمن ده بيعمل كده؟ في حد بيدي شقة، ومفروشة في المكان اللي انتِ بتقولي عليه، بالمبلغ البسيط ده وشرط غريب كده وكلام غير منطقي؟ يعني إيه لازم تفضلي بايته في الشقة اللي انتِ بتقولي عليها؟ ده كلام غريب. إزاي توافقي بكده؟ الكلام غريب يا بنتي.
ردت من بين دموعها:
– وافقت لأني محتاجة ومفيش حل تاني. عارف يعني إيه تكون محتاج وتتعلق بقشة؟ عارف يعني إيه تكون محتاج للأمان؟ تكون محتاج لمكان تبات فيه علشان تحمي أولادك وتعيش؟ أنا كنت محتاجة بس أربع حيطان أنام فيهم مع أولادي اللي محتاجين رعاية ومحتاجين الاهتمام. وللأسف ما حدش حاسس بيهم، حتى أختي بتعايرني بمرضهم. كنت عايزني أعمل إيه؟ أروح أعمل إيه؟ أبيع نفسي عشان خاطر أجيب شقة؟ هعمل إيه؟ وجوزي سابني وهرب، هعمل إيه وأجيب منين؟ كل حاجة كانت ضدي وبتقولي لازم أوافق. هعمل إيه والكل اتخلى عني؟
رد الشيخ بصوت غريب:
– سبحان من خلاني أدخل المقابر دي من غير سبب ولا ميعاد. مش عارف أنا إيه اللي جابني النهارده هنا. كنت معدي بالصدفة وأول مرة أمشي من الطريق ده، ولما شفت المقابر هنا دخلت أقرأ الفاتحة وأترحم على أمواتنا واللي سبقونا. على فكرة يا بنتي، أنا معرفش حد مدفون هنا، بس صوت داخلي قالي أدخل دلوقتي وأقرأ الفاتحة وبعض آيات القرآن الكريم على أموات المسلمين وأترحم عليهم. يمكن يكون في روح محتاجة حد يترحم عليها وتسمع كلام الله. ولما شوفتك يا بنتي حسيت إن في حاجة حواليك، حاجة بتقول إنك الروح اللي محتاجة المساعدة. وأنا هساعدك لوجه الله.
رفعت عيونها برجاء وهي بتعيط قائلة:
– يعني يا شيخ هتساعدني بجد لوجه الله؟ أنا محتاجة المساعدة عشان ولادي، حتى لو أنا ارتكبت ذنب وربنا بيعاقبني كل السنين دي، ولادي ملهمش ذنب في حاجة. دول غلابة والله وملهمش جد وأبوهم هرب وسابهم.
– متقوليش كده يا بنتي. كل حاجة بتحصل في الكون ليها سبب وحكمة لا يعلمها إلا الله. اصبري على البلاء وربنا قادر على رفعه. بس قولي يارب وإن شاء الله خير، وأنا هساعدك.
كانت حاسة بالحيرة الشديدة ومش قادرة تصدق إن لسه فيه ناس طيبين في هذا الكون. ومش عارفة هو بيضحك عليها ولا عاوز منها إيه هو كمان. كانت حاسة بالأمان. هزت رأسها لتبعد الأفكار السيئة عن عقلها وهي بتهمس: "لا لا، النور اللي في وشه ده زي ما يكون ملاك ربنا بعتهولي من السماء يساعدني، مش ممكن يكون شرير أبداً. لا إن شاء الله خير."
ردت بتوتر:
– أنت هتساعدني بجد أتخلص من اللعنة اللي أنا فيها يا شيخ؟ وليه هتساعدني وأنت متعرفنيش أصلاً؟
رد وهو بيبتسم:
– هساعدك إن شاء الله، وهاجي أزور الشقة دي مع الشيخ جلال، دا عالم جليل ومعالج روحاني. بس في وجود أختك وزوجها، ما تكونيش لوحدك في البيت. وإن شاء الله هنعرف إيه سبب اللي انتِ فيه ده كله. وقصة الشقة واللي بيحصل فيها واشمعنى انتِ بالذات. هساعدك يا بنتي لإني أقدر أساعدك بفضل الله ووجودي في المكان ده لسبب. ولو اتخليت عنك وأنا عندي علم، هقول لربنا إيه يوم العرض عليه يا بنتي؟ كل إنسان هيتحاسب على علمه. فاد بيه مين وعمل بيه إيه في الدنيا؟
ردت بحيرة:
– وأنت هتعرف إزاي يا شيخ قصة الشقة الملعونة دي.
– دي أسرار كونية وعلم كبير أوي. بس متقلقيش، كل حاجة بتتعرف. والعلم من عند الله وحده.
أخد رقم تليفونها وقالها بأنه هيزورها بعد صلاة المغرب مع الشيخ التاني. وطلب منها تجيب أختها وزوجها في الجلسة، عشان يعرف سر الشقة ومصدر شرها إيه.
***
الشيخ فكرها بوالدها الله يرحمه. كان بيمشي بنفس الطريقة وبيعرج في مشيته لإصابة قديمة وكسر في رجله. حتى طريقة كلامه كانت تشبه طريقة والدها كثيراً، عشان كده كانت حاسة بالراحة معاه. ومكنتش عايزاه يمشي، كأنها كانت بتتكلم مع أبوها الراحل.
قررت تروح لأختها تهاني تقضي معاها اليوم وتطلب منها تيجي معاها هي وسيد زوجها. لازم تنهي اللعنة. قررت مش هتروح لوحدها الشقة الملعونة أبداً، من غير ما تعرف قصة الشقة. وفي ضرر من العيش فيها مع أولادها ولا لأ. ويمكن الشيخ يخلصها من شر الشقة وتعيش بأمان فيها من غير مشاكل.
وهنا سمعت صوت صريخ عالي ودفن. شكل في حد هيندفن. افتكرت صاحبتها وجوزها وعيالها. ليه تموت كده؟ ذنبها إيه روقية؟ معقول أنا السبب في موتها؟ قعدت تعيط بقهر.
وهنا حست الدنيا ضلمت مرة واحدة. أصوات عالية متداخلة. صوت فوران زيت وهمسات من وراها. صوت أنفاس دافية بتهمس باسمها: "اللي بيغلط لازم يتعاقب يا صابرين".
مكنش فيه حد حواليها. كان صوت نفسها العالي وخوفها. استعاذت بالله من الشيطان الرجيم وبصت وراها بفزع، بس مكنش فيه حاجة خالص. دقات قلبها كانت عالية. بصت بعيد، لقيت المقابر كلها بتتفتح مرة واحدة. ولقيت أشباح سوداء وظلال طويلة بتخرج من كل قبر وجاية بسرعة تجري ناحيتها. وصوت همسات عالية أوي وصرخات: "اللي بيغلط لازم يتعاقب يا صابرين".
جريت بسرعة وكانت هتموت من الخوف والرعب. الدنيا كانت باردة أوي وضباب كثيف مغطي المقابر. فضلت تجري زي المجنونة مش عارفة هي بتحلم ولا ده حقيقي.
وهنا خبطت في حارس المقابر بقوة، اللي كان بيبص عليها برعب وبيقولها:
– انتِ كويسة يا ست؟ في حاجة؟ وإيه اللي قعدك كل ده لوحدك؟
ردت بصوت مبحوح:
– الأشباح، الأشباح طلعت من المقابر. وشاورت بإيدها. بس مكنش فيه حاجة. المقابر زي ما هي بشكلها وشواهدها. رجعت برعب وهي مش مصدقة إن مفيش حاجة.
الراجل سألها: انتِ كويسة؟
بصت لساعة إيدها. وهنا هتفت برعب وخوف حقيقي:
– سلمى… سيف. اتأخرت أوي على الولاد. هو الوقت عدى إزاي كده وما أخدتش بالي.
جريت بسرعة زي المجنونة على مدرسة أولادها، لأن مر وقت على خروج الأولاد من المدرسة. وهناك مكنتش تعرف إن المفاجأة مستنياها برعب والقدر مش عاوزها ترتاح أو حتى تطمن للحظات.
إدارة المدرسة والإشراف قالولها بتعجب:
– بأنها أخدت أولادها منذ ساعتين واستأذنت قبل خروج الطلاب لأن عندها معاد دكتور عيون لسلمى.
مكنتش مصدقة اللي بيقولوه. هي مجتش المدرسة خالص وما أخدتش أولادها. هي كانت في المقابر من الصبح، مجتش المدرسة. والله ما جت. هما بيقولوا إيه؟
كانت بتصرخ زي المجنونة بصوت عالي:
– أنا عاوزة أولادي! هوديكم في داهية! ولادي فيييييييييين؟ سلمى سيف؟
وكانت إدارة المدرسة مستغربة من اللي بتعمله صابرين، لأنها أخدت أولادها من شوية من ساعتين وسجلتها كاميرات المراقبة بالمدرسة وهي خارجة.
وأمام إصرارها الغريب وبكائها الهستيري، اضطرت مديرة المدرسة توريها كاميرات المراقبة، عشان تتأكد بأنها أخدت أولادها من أكتر من ساعتين والمدرسة مش مسؤولة عن الجنان ده والهيستيريا.
وقعدت صابرين في مكتبها تشوف كاميرات المراقبة. وشافت صابرين نفسها وهي لابسة نظارة سودا ولابسة نفس لبسها، بتمسك بإيد أطفالها وتخرج من الممر الطويل لبرا المدرسة. وسمعت سلمى بتقول بحزن:
– ماما بالراحة، لأن إيدي وجعاني. ريتا عورتني في إيدي عشان عاوزاني أروح معاها المكان السري. ممكن أروح معاها لو سمحتي عشان متزعلش تاني، وهاخد سيف معايا. المكان السري جميل يا ماما. ريتا بتقول كده. ماشي.
وهنا صرخت صابرين. مكنتش قادرة تنطق من شدة الصدمة على نفسها. صرخت برعب:
– لااااااااااااااااااااااااااااا! ولادي مليش غيرهم! مش أناااااا!
كانت بتصرخ بهيستيريا وهي بتتابع كاميرات المراقبة وشايفة نفسها نسخة منها، حتى في لبسها، وهي ماشية مع ولادها. وسلمى تردد بصوت عالي:
– ماما، إيدك ساقعة أوي ليه؟ أنا خايفة.
صرخت برعب:
– أنا عاوزة ولادي! سلميييييي….. سييييييييييييف! لاااااااااااا!
وبعدها وقعت على الأرض فاقدة الوعي. مقدرتش تتحمل إنها تفقد أولادها كمان، زي ما فقدت كل شيء بالحياة. وكان صوت سلمى بيردد في ودانها: "ماما، ريتا عورتني في إيدي عشان عاوزاني أروح معاها المكان السري. ممكن أروح معاها لو سمحتي عشان متزعلش، وهاخد معايا سيف. المكان السري."
"المكان السري".
"المكان السري".
"ماما، إيدك ساقعة أوي كده ليه؟ أنا خايفة".
"المكان السري".
"المكان السري".
يتبع…
رواية اللعنة الفصل التاسع 9 - بقلم مني حارس
رواية اللعنة الفصل العاشر 10 - بقلم مني حارس
صابرين دخلت زي المجنونة بتجري من بوابة البيت الكبيرة وكانت مفتوحة.
جريت في الجنينة بسرعة لغاية باب العمارة.
بصت للتمثال الغريب اللي كان زي ما يكون بيراقبها وهو بيخبّي عين الطفلة الصغيرة.
صرخت برعب:
– لا ولادي بخير أنا عارفة وهحميهم من أي شر في الكون. محدش هيقرب لهم.
طلعت السلم زي المجنونة وهي بتنادي على أولادها بصوت عالي:
– سيف… سلمى…
وأول ما وصلت لباب الشقة، كانت الحاجات الغريبة والنجاسات لسه مرمية قدام باب الشقة. حدفتها برجليها بعيد.
لقيت دم كتير على الأرض في منظر مقزز وهي بتقول:
– لا ولادي محدش هيأذيهم.
فتحت باب الشقة بالمفتاح وقلبها بيدق بسرعة. وفضلت تنادي على عيالها بهستيريا وهي بتدوّر عليهم في كل مكان زي المجنونة. بس ما لقيتش حد، الشقة كانت فاضية.
دورت في كل الأوض، ما فيش أثر ليهم.
دخلت المطبخ وبعدها فتحت باب المنور، بس ما لقيتهمش هناك. مفيش صوت ولا نفس غير صوت صراخها العالي.
المنور كان فاضي وضلمة كأنه مكان مهجور مليان أعشاش عنكبوت كتير. الغريب إن مكنش فيه السلم اللي بينزل لتحت. السلم اللي كان هنا اختفى.
قربت من الحيطة وهي مش مصدقة اللي شايفاه. كان المنور أو الأوضة اللي جنب المطبخ كانت أوضة مقفولة تمامًا، مفيهاش لا باب ولا سلم ولا أي حاجة خالص غير العنكبوت وفيران كتير بتجري.
صرخت برعب وهي بترجع لورا من الفيران اللي بتبص لها بعيونها الحمراء. فضلت تزعق وهي بتلمس الحيطة:
– إيه دا؟ فين السلم اللي كان هنا؟ أنا مش مجنونة.. أنا مش مجنونة.
فضلت تصرخ وهي مش فاهمة حاجة:
– فين السلم فين السلم…. أنا مش مجنونة.
وبعدها قعدت على الأرض منهارة والفيران بتقرب منها بعيونها الحمراء وصوت صراخها المزعج. بس صابرين مكنش همها حاجة غير ولادها. مش عارفة تعمل إيه ولا فين أولادها.
وهنا سمعت نقر في الخشب من المطبخ. نادت بصوت متوتر:
– سلمى حبيبتي؟ إنتي رجعتي؟
مكتش في حد بيرد، بس الصوت فضل يعلى في ودانها. وحد بينقر الخشب وحست ببرد شديد وثلج في جسمها لدرجة إنها كانت هتتجمد.
خرجت تشوف مين برة برعب وتوتر، وفضلت تنادي بصوت متوتر:
– في حد هنا؟ مين هناك سلمى انت رجعتي يا بنتي؟
بس برضو مفيش رد غير صدى صوتها وبس.
وفجأة شافت حاجة سودا بتجري بسرعة من المطبخ. خرجت وراها بسرعة وهي بتسأل مين هناك. بس ما لقيتش حد. ده الوهم هي متأكدة إنها وقفت بتترعش من الخوف والبرد.
وفجأة حاجة عدّت على رجليها، صرخت بفزع ورجعت لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وحست إن فيه حاجة معاها في الشقة.
حاولت تقرأ قرآن، بس نسيته. لسانها عاجز عن النطق.
صابرين حست بإيدين بتشدها على الحيطة من وراها وتكتّفها. حاولت تهرب بس ما قدرتش. فضلت تحاول وتصارع من غير فايدة، وصرخت بصوت عالي:
– يارب ماليش غيرك، يارب احميني من كل شر، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم…
وقعدت تردد آية الكرسي بصعوبة، لحد ما حست براحة، وبأن اللي كان ماسكها سابها.
جريت بسرعة ناحية أوضة أولادها. لقت العرايس والألعاب على الأرض، كأنهم كانوا لسه بيلعبوا من شوية.
قعدت تعيط وهي بتسأل:
– سلمى، سيف، إنتوا فين يا ولاد؟ ارجعوا لي، مقدرش أعيش من غيركم… ارجعوا.
وفجأة افتكرت كلام بنتها عن المكان السري وصاحبتها ريتا، وقالت بصوت عالي:
– ريتا، رجعي لي ولادي يا ريتا، أرجوكي، ووديني المكان السري معاهم، خليني معاهم، أرجوكي يا ريتا مقدرش أعيش من غير اولادي.
صابرين فضلت تعيد الكلام وهي بتعيط من القهر وتنادي على ريتا اللي هي مش عارفة هي مين أصلاً.
وقتها سمعت دق عالي من الجدران، واللمبة بقت تهتز فوق راسها وبتعمل صوت عالي كأنها هتنفجر، وسمعت صوت هوا بيزأر في ودانها وصوت زيت بيغلي وبنحط فيه ميه.
تششششششششش.
كانت حاسة إن فيه حد فعلاً في الشقة معاها. يمكن ريتا، صاحبة سلمى.
فضلت تنادي عليها وتتوسل إنها تاخدها عند ولادها.
وفجأة، شافت تاني نفس الحاجة السودا بتجري. خافت المرة دي أكتر وقلبها كان هيقف من الرعب. بس جريت وراها بسرعة ولحقتها لما دخلت أوضة المكتب. نورت النور ودوّرت على الحاجة السوداء اللي بتجري دي. بس ما لقيتش حاجة.
فجأة سمعت صوت حاجة وقعت على الأرض، اتخضّت واتلفتت بسرعة ناحية الصوت. لقت الصندوق الأسود، كأن حد رماه على الأرض، والمفاتيح كلها وقعت قدامها، ولقيت المفتاح الأسود الكبير قدامها.
اخدته وهي بتفتكر كلام سيف ابنها إنه مفتاح الجحيم. وقتها قالت:
– وفي جحيم أكتر من اللي أنا فيه؟ المفتاح هو اللي هيوصلني لأولادي، بس فين الباب اللي هفتحه؟ فين؟ فين؟
وهنا صابرين سمعت من تاني نقرات جاية من ناحية المطبخ. مشيت ببطء ناحية الصوت، اللي فضل يعلى، ووقفت هناك وهي بتحاول تبلع ريقها.
لقت باب المنور بيفتح لوحده وببطء وصوته عالي. فضلت تبص برعب، بس كانت حاسة إن أولادها هنا.
دخلت المنور وبصّت مكان السلم اللي اختفى بطريقة غريبة. لقت الجدار الحجري مكانه مفيش سلم مفيش حاجة غير الحيطان الباردة زي الثلج.
قربت منه وفضلت تلمسه وهي بتقول:
– أنا متأكدة إنك المكان السري، وكان في سلم هنا، بس إزاي يا رب با رب ساعدني؟
فضلت تدعي ربنا إنه يدلها على الطريق، لإن أولادها محتاجينها. وفضلت تتحسس الحيطة لحد ما لقت مكان شبه فتحة صغيرة مخفية كويس. حطت المفتاح فيها، ودقات قلبها علت لما المفتاح عمل "تكة" والجدار اتحرك، وظهر السلم تاني.
من غير تردد ولا تفكير صابرين نزلت السلم الضلمة وهي بتقرأ اللي حافظاه من القرآن الكريم وصوت الهوا في ودانها عالي، ومعاه صوت زي زيت بيغلي:
– تششششش تششششش هسسسس هسسسس.
***
مرات حسين دخلت وفتحت القفص الحديد، لقت الحياة جوا منهكة خالص. شكلهم عذبوها المرة دي بزيادة، كانت باين عليها آثار التعذيب الشديد، وجسمها كله متبهدل.
وكانت الست اللي فتحت القفص بالراحة وجابت قماشة ومية دافية، وفضلت تنظف جروحها وتدهن لها كريمات حروق عشان تهون عليها.
الحياة فتحت عنيها وهي بتلبسها هدومها عشان تستر نفسها، وقالت:
– عاوزة أشرب، عطشانة أوي يا بنتي اسقيني.
تغريد مرات حسين جابت لها الميه، وشربت كتير، وكانت بتطلب كمان. وهي بتسقيها، الحياة بصتلها بشكر وألم وقالت:
– شكراً يا بنتي.
وسكتت، مكنتش قادرة تنطق وغمضت عينيها ترتاح.
تغريد فضلت تبصلها بحزن وقهر، تتخيل نفسها مكانها، وجوزها المجنون في الآخر يحطها في نفس القفص. وفضلت تعيط بقهر والدموع نزلت من عنيها، وقالت بهمس:
– لا، أنا مش عاوزة مصيري يكون زيها، يا رب أنا ما أذيتش حد في الدنيا، ومعملتش حاجة… والله وحشة مش عاوزة نفس المصير دا.
الحياة فتحت عنيها بتعب شديد وهي بتنزف وقالت:
– دا قدر يا بنتي ونصيب، ومحدش فينا عارف نهايته هتبقى إيه. أنا حياتي كلها اتدمرت، وكل اللي بحبهم ماتوا، وأنا زي ما انتِ شايفة كده… دي نهايتي، ما عنديش قدرة أهرب ولا أقول لأ، لكن إنتي عندك الإرادة ترفضي وتغيري الواقع بتاعك.
ردت برعب:
– أغيره إزاي.. أنا ما أقدرش أعمل حاجة، أنا جبانة وخايفة، وخايفة منه ومش عاوزة أكون زيك.
– طول ما انتي خايفة وساكتة، هتكون دي نهايتك.
حاولت تبتسم، بس الألم كان كبير عليها.
– اسكتي، اسكتي، عمري ما هكون زيك، أنا هموت نفسي قبل ما يحصل دا.
– وتفتكري هيسبوكي تموتي نفسك؟ بقالي سنين نفسي أموت نفسي ومش قادرة، نفسي أخلص من عذابي، والجني الملعون بينهش في لحمي وبيتعذبني ومش قادرة، وأنا محبوسة.
ردت تغريد برعب:
– جني ملعون! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
الحياة بصتلها برجاء وقالتلها وهي بتمسك إيديها برجاء:
– موتيني يا بنتي وريحيني من اللي أنا فيه.
تغريد بصتلها بعيون مفزوعة وهي بتقول:
– أموتك؟ أموتك إزاي؟
وبعدها قفلت باب القفص الحديد بعد ما نظفته بسرعة من الدم. وقعدت تبصلها بإشفاق وحزن شديد، والدموع بتنزل من عينيها برعب وهي بتتخيل نفسها في القفص من تاني. يا ترى هتعمل إيه وهتلاقي اللي يداويها. فضلت تعيط بصمت.
***
سيدنا كان قاعد على الأرض، وجنبه حسين، ماسك كتاب وقاعد يقرأ فيه ويردد كلمات غريبة، وكان بيرسم بالدم على كفن أبيض رموز ونجوم كتير. وبيقول الكلام الغريب بصوت عالي، والمبخرة الكبيرة مولعة، والدخان مالي الأوضة. وكان فيه صوت أنين وجع جاي من صندوق أسود جنبه، وحسين كان بيزعق ويضرب الصندوق برجله عشان الصوت يسكت. وهو بيقول بفضل:
– اخرس يا كلب… اخرس.
***
صابرين نزلت لآخر السلم، ولقت باب تاني، فتحته بنفس المفتاح. مفتاح الجحيم يظهر إنه مفتاح لكل حاجة الليلة. وفتح معاها.
ولقت نفسها في شقة تانية، الظلمة كانت شديدة، وفي نور خافت جاي من برة. خرجت وهي بتدعي ربنا تلاقي أولادها سيف وسلمى. كانت دي شقة سيدنا، ودخان البخور مالي المكان بطريقة صعبة وخانقة.
ولقت بنت صغيرة شعرها طويل، لابسة فستان أبيض وذيله غرقان دم، واقفة في ركن الأوضة وبتبصلها وهي بتشاور على الباب.
***
كانت الشقة شقة سيدنا، وكان دخان البخور مالي المكان.
لقيت بنت صغيرة شعرها طويل، لابسة فستان أبيض وذيله غرقان دم، واقفة في ركن الأوضة، وبتشاور لها تيجي.
مشت وراها وقلبها بيدق بسرعة ومرعوب. الدنيا كانت برد شديد وصوت همسات عالية.
ووقفت قدام باب، وفضلت تحاول تسمّع الصوت. وسمعت صوت سلمى بيتكلم بصوت واطي.
ابتسمت صابرين بسعادة أخيراً وفتحت الباب مرة واحدة. وهنا شافت سيف وسلمى قاعدين على الأرض بيلعبوا، وحواليهم لعب كتير مكسّرة، وكانوا بيعيطوا بصوت عالي.
صابرين صرخت برعب ممزوج بالفرح:
– سيف! سلمى! الحمد لله يا رب ولادي.
وحاولت تاخدهم في حضنها.
– ماما! ماما!
مدت سلمى إيديها وحاولت تقوم، وسيف جري ورمى نفسه في حضن أمه عشان يحس بالأمان.
وصابرين جريت تساعد سلمى، وخدتها في حضنها وهي بتعيط من الفرحة:
– الحمد لله يا رب إنكم بخير.
وفضلت تبوسهم وهي بتعيط وبتقول:
إنتو جيتوا هنا إزاي يا سلمى انتي واخوكي؟
سلمى ردت وهي بتعيط:
– عمو…
– عمو مين يا حبيبتي؟
– معرفش، بس شرير يا ماما… ضربنا وعذبنا، وكان عاوز يموّتنا أنا وسيف.
ورفعت إيديها الصغيرة، وكانت الكدمات والحروق مالية إيديها. وكملت برعب:
بس ريتا صاحبتي ضربته ودافعت عنّا.
وبعدها فضلت تعيط بقهر وهي بتقول:
– أنا بكره الشقة دي، عاوزة أروح يا ماما.
صابرين حست بغضب شديد، مين اللي أذى ولادها بالشكل ده؟ وما رحمش ضعفهم؟
مسكت إيديهم وقالت:
– هنخرج من هنا يا سلمى، متخافيش.
ولما جت تخرج من باب الأوضة، لقيته واقف قدامها وسد عليها الطريق وهو بيقول:
– رايحة فين يا صابرين؟
بصت بغضب وهي بتقول:
– حسين؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟
وهنا سلمى صرخت برعب وسيف حضن أمه بخوف:
– ماما، عمو الشرير اللي حرقنا هو ده!
صابرين بصت بغضب لحسين، وهي بتقول:
– يا مجرم إنت ضربت أولادي العاجزين وخطفتهم ليه؟ ليه؟ هما عملولك إيه يا حقير؟
يتبع…