قرع رنين هاتفه يعلن عن اتصال شخص ما، جذب هاتفه من جيب بنطاله وأزفر أنفاسه بضيق، ضغط على زر الإيجاب وأردف بفتور شديد: _في حاجة يا أمي؟ نظرت إلى زوجها الذي يجلس بجوارها حيث أومأ رأسه مشجعًا إياها لتواصل ما بدأته لتوها، تنهدت ثم هتفت بحنو أمومي: _ياسر يا حبيبي أنت فين؟ لم تروق له تلك اللهجة التي تتحدث بها وخمّن أنها تفتعل ذلك حتى ترجعه عما ينوي فعله، لكن لا، سيصمد للأخير، تنهد بضجر وأجابها قائلًا مستاءً من تصرفها:
_محتاجة حاجة؟ علمت أنه لا يود أن يفصح عن مكانه فتحدثت قبل أن يغلق الخط وتفقد الأمل في إعادة ولدها فلذة كبدها إليها مرة أخرى: _بصراحة أنا قلت لأبوك على جوازك ولقيته معترضش ولا رفض وقال هو حر يعمل اللي هو عايزه طالما هيكون مبسوط بس هو زعلان قوي إنك هتتجوز من وراه يا ياسر، تعالى راضيه بكلمتين يا بني ده رضا الأب جنة، هتيجي يا بني صح؟
لم يقتنع كثيرًا مما قالته لكن ما باليد حيلة، هو والده مهما حدث من خلافات بينهم، تنهد بحرارة وهتف مختصرًا: _طيب أنا جاي حالًا.. أغلق الخط ونظر إلى حيث تقف عنود وتحدث بحرج بائن: _أمي بتقول إن أبويا وافق على جوازنا بس لازم أراضيه لأنه زعلان مني أنا مش هتأخر أول ما المأذون يوصل هكون وصلت معاه.
ابتسم ابتسامة عذبة وهو يعد الدقائق التي تمر بفارغ الصبر حتى تصبح تلك الصغيرة امرأته ملكه وحده، غادر المكان سريعًا بينما استنشقت عنود الصعداء لأنه غادر، كم تمنت أن يحدث أمرًا يعترض تلك الزيجة التي ستقع بها. تنهدت ونظرت إلى ريان قائلة بنبرة سريعة: _ممكن أطلع فوق في حاجة ضرورية محتاجة أعملها. أومأ رأسه بتفهم وهتف مرحبًا: _آه طبعًا اتفضلي.
لم تنتظر إجابته بل ركضت مهرولة إلى الداخل وولجت داخل المصعد وضغطت على زر الإقلاع للطابق القاطن به ريان. تعجب ريان كثيرًا من تلك الفتاة، ما هو الشيء الضروري الذي تحدثت عنه؟ وما أهميته حتى تركض بهذه الطريقة البلهاء؟ اضطر لأن يصعد الأدراج بمفرده، لم يتفاجأ عندما فُتح باب منزل والده ودلفت منه رنا، أوصد عيناه بضيق عارم وتابع صعوده للأعلى دون أن يعيرها اهتمامًا.
أعادت تكرار مناداته مرارًا لكنه لم يعبأ لها أيضًا، لم يكن أمامها سوى أن تقطع طريقه بوقوفها أمامه بل بسكونها بين أحضانه، لقد تعمدت أن تلتصق بصدره حتى تنعم بدفئه طالما تمنته كثيرًا. شعرت بحرارة شوقها إليه، ابتسمت له بشغف وتمنٍ، تراجع هو خطوة إلى الخلف واضطر أن ينظر إليها لكي ينهي ذاك الوضع السخيف الذي وقع فيه.
سحبت نفسًا عميقًا شاعرة بسعادة غامرة لسكونه وعدم هروبه من أمامها وعدلت من وقفتها لتزداد غرورًا كأنها ملكت الأرض ومن عليها، لا تعلم أنه وقف فقط حتى ينهي ما بدأته هي. التوى ثغرها بتهكم وهتفت متسائلة بحنق: _البنت اللي كانت معاك الصبح دي قاعدة في بيتك ليه؟ ليه مش عند أهلها اشمعنا أنت يعني؟
هز رأسه في إنكار ثم صعد وأجبرها على التنحي جانبًا وتابع صعوده كأنه لم يراها من الأساس، تفاجأ بتلك الصغيرة تقف أمامه وتأكد أنها رأت ما حدث، أغمض عينيه بضجر بائن لا يريد أن يراه أحد في وضع كهذا، هو كبيرًا بما يكفي في نظر نفسه والجميع ولن يسمح لأن تهتز صورته مطلقًا. _اللي شوفتيه ده، أنا.. هتف بهم بتلعثم، هرب الحديث من لسانه، أيعقل أنه لا يستطيع أن يبرر ما حدث أمامها؟ حمحم بحرج وهو يجوب المكان بأنظاره لكي يهرب من
عينيها وقال بصوت متحشرج: _أنا ماليش ذنب و.. قاطعته عنود بنبرة متفهمة: _مش مضطر تبرر حاجة. رمقها ريان بنظراته لبرهة في محاولة منه على استيعاب الأمر، تنهد وردد موضحًا: _أنا بس مش بحب حد ياخد عني فكرة مش كويسة أنا مش كده. ابتسمت بتكلف وأردفت بنبرة ناعمة: _مممممم. ضيق عيناه عليها في عدم تصديق وهتف بحنق: _أنا بقول الحقيقة على فكرة. أومأت رأسها له وهتفت وهي تطالعه بثقة: _أنا عارفة إنك بتقول الحقيقة.
أطال النظر إليها بعدم اقتناع لما تفوهت به فلم يسبق وأن صدقه أحدهم بتلك السهولة بالتأكيد تسايره حتى تنهي الحوار بينهم لكن ليس قبل أن يقنعها بحُسن نواياه، أزفر أنفاسه بضجر بائن وهتف بنبرة مندفعة: _وعارفة منين بقى؟ مش يمكن أكون بكذب؟ _وأنت هتكذب ليه؟ تساءلت باهتمام بينما أجابها ريان باندفاع أكبر: _يمكن أكون بكذب عشان أداري على نفسي وما يطلعش شكلي وحش قدامك؟ التوت شفتاها مُشكلة ابتسامة لاندفاعه معها في الحديث وأردفت
بكل هدوء لكي تهدئ من روعه: _أنت قلت لي إنك بتقول الحقيقة وأنا مصدقاك لو بتكذب بقى دي حاجة ترجع لك ما تخصنيش! شعر باضطرابات غريبة عصفت بخلاياه الساكنة، حقًا ما تلك الفتاة؟ من أين جاءت ولما ظهرت أمامه في ذاك الحين خصيصًا؟ غريبة عجيبة مُحبة حنونة وغيرهم من الصفات التي اكتشفها بها، لأول مرة يشعر بالامتنان لشخص لكونه لم يُحضر العديد والعديد من صفحات كاملة من التبريرات لكي يصدقوه، جاءت هي وبكل هدوء صدقته بدون بذل مجهود.
أحيانًا لا نصدق عفوية الآخرين الصادقة التي قد تبدو أنها مبالغة بعض الشيء، فليس من الطبيعي أن تُقابل هجوم طيلة الوقت وتتعايش معه وكأنه روتين في حياتك ويظهر شخص دون سابق إنذار وبلا ترتيب يفاجئك بتلك السهولة الباحتة. ابتسم ريان بعفوية ثم اقترب من الباب ليفتحه لها، اقتربت عنود قليلًا منه وقالت بثقة: _بس أنا فعلًا مصدقاك! التفت إليها ريان وقد ازدادت ابتسامته إشراقًا، كاد أن يتحدث لولا ظهور دينا المفاجئ أجبره على الصمت
حيث هتفت وهي تطالهم بغيظ: _أنتم كنتوا فين؟ أسرعت عنود بالرد عليها قائلة بنبرة رقيقة: _كنت بقدم في الكلية وياسر طلب من.. تلعثمت وتوقفت عن الحديث وهي تبحث عن كنية تنادي ريان بها، لا يوجد كأن عقلها شُل تمامًا، ابتلعت ريقها بحرج بائن وأخفضت رأسها عندما شعرت بأنظارهم مسلطة عليها قيد انتظار مواصلة حديثها، توردت وجنتاها بالحُمرة الصريحة وضغطت على شفتاها السُفلى بارتباك خجل.
استشعر ريان خجلها من تورد وجنتيها وواصل هو حديثها الذي لم تكمله حتى يخفف ولو قليلًا من خجلها: _كانت بتقدم في الجامعة وياسر مش فاضي فأنا وصلتها.. أومأت دينا رأسها بتفهم ثم تنحت جانبًا لتسمح لهم بالمرور إلى الداخل، تحرك كليهما سويًا دون إدراك منهم حتى اصطدم كتفها في ذراعه، ارتجف جسدها ورفعت بصرها عليه بخجل قد اعتلاها.
هربت ببصرها سريعًا وأخفضت رأسها لكي لا يثير ارتباكها بنظراته عليها، بينما ظل هو يطالعها بتعجب، لن ينكر أن ارتباكها منه يثير إعجابه. ابتسم ابتسامة لم تتعد شفتاه وهم بالدخول تبعته هي دون أن ترفع بصرها عن الأرضية، استأذنت وولجت داخل الغرفة التي تمكث بها بعد أن توضأت ووقفت بين يدي ربها تناجيه بما يسكن في قلبها، أنهت صلاتها ورفعت يديها للأعلى قائلة والدموع تنهمر على مقلتيها:
_يا رب أنا مش معترضة بس أنا قلبي مقبوض ومش مطمنة وأنا طلبت منك حاجة تظهر لي، تبين لي لو كان ياسر خير ولا شر لي أي حاجة يا رب تطمن قلبي، أنا اتعودت إني استخيرك وبعدها أطمن للحاجة اللي مُقبلة عليها بس المرة دي ما فيش راحة كل ما ده بتخنق من الموضوع أكتر، يا رب ساعدني.. _أنتي بتكلمي مين يا أبلة؟ تساءلت جنى ببراءة عندما رأتها تتحدث بمفردها، بينما شكلت عنود ابتسامة على ثغرها وأجابتها وهي تجذبها برفق من ذراعها وأجلستها على
قدميها قائلة بنبرة رقيقة: _بكلم ربنا! عقدت الصغيرة ما بين حاجبيها فهي لم تعِ ما قالته وتساءلت بفضول طفولي: _مين ربنا يا أبلة؟ ابتسمت عنود بسعادة قد تغلغلت إلى أعماق قلبها فيا حبذا لها أن تسأل مثل هذا السؤال، تنهدت ونظرت للأعلى وقالت بنبرة سلسة: _ربنا ده كبير قوي وجميل جدًا، كل لما تكوني عايزة حاجة بصي لفوق وقولي له يا رب واطلبي الحاجة اللي أنتي عايزاها. أمسكت الصغيرة بوجه عنود لتجبرها على الانحناء والنظر
إليها ثم تساءلت ببراءة: _وهيجيبها لي على طول؟ ازدادت ابتسامة عنود لأسئلة الصغيرة وأجابتها بسلاسة بعد أن وضعت يدها على قلب جنى: _لو أنتي عايزاها قوي قوي يعني ربنا مش هيزعلك وهيديكي الحاجة اللي أنتي عايزاها. انشرح قلب الصغيرة لما أخبرتها عنه عنود، تقوس ثغرها الصغير بابتسامة سعيدة صاحت مهللة: _ربنا ده جميل قوي يا أبلة.
اقتربت منها عنود وقبلتها من وجنتها بحُب ثم نهضت وجذبت من حقيبتها حلوى وأعطتها لها، أمسكت بهم جنى وركضت إلى الخارج مهرولة بسعادة عارمة. _أحضر لك الغدا؟ هتفت بها دينا متسائلة باهتمام، أجابها ريان باقتضاب ساخرًا: _إيه ده أنتي مهتمة بي؟ عقدت دينا ما بين حاجبيها بغرابة من أمره فهي لم تعِ ما قاله وسألته بفضول ممزوج بالضجر من أسلوبه الساخر: _أنت بتتريق يا ريان؟ قهقه ريان عاليًا ثم أجابها بفتور شديد:
_أنا بقالي يومين غايب عن البيت يا دوب بنام وأمشي وأنتي حتى ما فكرتيش تسألي أنت فين وبآكل إزاي؟ وجاية الوقتي تسألي أنا بتريق ولا لأ؟ نهضت دينا ووقفت مقابله، وضعت يديها في منتصف خِصرها وصاحت بنبرة حادة: _هو أنت مش بتنزل شغلك؟ هسألك أنت فين ليه وأنا عارفة مكانك؟
صك ريان أسنانه بغضب فهي لا تعبأ له ولا تكترث لأمره ناهيك عن ردها الجامد الذي أغضبه للغاية، نهض هو الآخر وفتح فمه لكي يلقي ما في جوفه لها لكن طرقات الباب منعته من التحدث، اكتفى برمقها بنظراته الثاقبة المشتعلة وهتف بنبرة صارمة: _هنتكلم بعدين.. توجه نحو الباب وأمسك بمقبضه وقام بفتحه، تفاجأ بيحيى وبجانبه رجل لا يعرف هويته. _المأذون. صاح بها يحيى لكي يملأ فضول ريان بينما بادله ريان ابتسامة متهكمة وهتف بحفاوة:
_آه أهلًا وسهلًا. التفت ريان إلى حيث تقف دينا وأشار بعيناه إليها أمرًا إياها بالولوج إلى غرفتها، هرولت إلى غرفتها وهي في قمة غضبها منه، كيف يتهمها بأنها لا تهتم به ولا تكترث له؟ فخدمته وخدمة عائلته شاغلها الأساسي ألا يرى ذلك؟ يا لك من رجل ناكر للمعروف.
رحب ريان بالمأذون ثم توجه نحو غرفة صغيرته وطرق الباب، وقف على الجانب تاركًا بعض المسافة بينه وبين الباب، فتحت عنود الباب فتلاحقت نبضات قلبها ما أن رأت ريان أمامها، لا تعلم سبب تلك الاضطرابات التي تشعر بها أمامه فهي لأول مرة تتعرض لمثل تلك المواقف، أخفضت رأسها بحياء، بادلها ريان ابتسامة على خجلها الدائم معه، حمحم بحرج وهتف بصوته الأجش الذي حفظت نبرته جيدًا: _المأذون برا!
تفاجأ ريان بنظراتها التي طالعته بصدمة جلية على تعابير وجهها، كأنها تستنجد به، تُطالبه بمساعدته، تريد أن يمد يد العون لها، كم تمنت أن تختفي في تلك اللحظة حتى لا تخطو تلك الخطوة، ليست على أتم استعداد لفعل هذا، بل لا تريد أن تربط حياتها على اسم رجل لا تعرفه حتى، لم تكن تلك ما خططت له ولا حتى تمنته.
رأى ريان الخوف مرسوم على تقاسيم وجهها، كم تمنى أن توليَه رفض تلك الزيجة فقط لكي يمحو ذاك الخوف اللعين من على تعابيرها وتعود لمعة بؤبؤة عينيها كما رآها سابقًا، هي بمثابة شقيقته الصغيرة ولا يتمنى لها الوقوع في أمر غير محبب إليها بالمرة، لا يحب أن يرى أمامه من هو مجبور على شيء، دائمًا يبادر بالمساعدة لأنه يرى نفسه فيهم، يرى ظلم الحياة له ولا يريد لأحدهم أن يعيش قدره، تنهد بحرارة عندما طالعته ببندقيتها
وزم شفتيه بحزن وهتف بأسى: _جاهزة؟ _لأ، قصدي آه. هتفت بها عنود بتلعثم ثم زفرت أنفاسها واعتدلت في وقفتها وقالت بتأكيد: _جاهزة، هو ياسر جه؟ هز ريان رأسه بنفي وأجابها وهو يطالع الباب: _لأ لسه، هكلمه أستعجله.. أومأت رأسها في حزن قد تبدد في قلبها واعتلى تقاسيم وجهها ثم سارت خلف ريان وجلست على أبعد أريكة لتكون أبعد ما يكون عن ثرثرة الجميع، بينما وجه ريان بصره إلى يحيى وردد بصوت خافت: _انزل هات الحاج وتعالى.
نهض يحيى لتلبية ما أمر به ريان بينما تعالت أصوات قرع الجرس، نهض ريان وهم باتجاه الباب ليعلم هوية الطارق وإذا به خالد صديقه، ابتسم له وقال بحفاوة: _خلود تعالى أكيد ياسر جايبك شاهد. أومأ خالد رأسه مؤكدًا تخمين صديقه، رحب به ريان وأمره بالدخول حيث ألقى خالد التحية قائلًا: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رد عليه التحية كلٌ من المأذون وريان في آن واحد بينما ردت عنود في داخلها: _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جلس خالد بجوار ريان بعد أن رمق عنود بنظرة سريعة، مال برأسه ليكون أقرب إلى ريان وهمس بنبرة خافتة: _دي شكلها صغير قوي. التوى ثغر ريان بابتسامة باهتة وأجابه بتجهم: _عندها ١٨ سنة عايز شكلها يكون إيه؟ شهق خالد بصدمة جلية وتمتم بلا وعي: _إيه؟ اتسعت حدقتا ريان على آخرهما محذرًا إياه بينما اعتذر خالد وعاد لوضعه ولم يكف عن رمق عنود التي تفرك أصابعها بتوتر بائن.
طرق يحيى الباب ثم ولج للداخل بصُحبة والده، نهض كل من ريان وخالد ورحبوا به بحفاوة شديدة ثم جلس الجميع في أماكنهم بعد أن حضر صديق ياسر وأحد عاملي ريان لكي يكون الشاهد الثاني على زواج صديقه. _ياسر فين يا ريان؟ تساءل ماهر باهتمام بينما نظر ريان إلى عنود عندما رآها تنظر إليه النظرة ذاتها عندما أخبرها بحضور المأذون، يشعر بالذنب حيالها لكن ليس بيده بشيء طالما لم ترفض بنفسها أو أقلها تخبره بعدم قُبولها لزيجتها من ياسر.
تنهد مستاءً ثم أجاب والده قائلًا باقتضاب: _رجع البيت وقال مش هيتأخر هكلمه أشوفه فين؟ نهض ريان وابتعد عن الجميع ووقف في زاوية لا يراه أحد لكنه يراهم جيدًا وخاصة تلك الفتاة التي يشع منها الحزن الصريح وهي تحاول جاهدة أن تخفيه، هز رأسه بإنكار لما يحدث ثم هاتف ياسر ووقف قيد انتظار إجابته. _افتحوا الباب ده، بقولكم افتحووووو. صاح ياسر وهو في أعلى مراتب غضبه، ثار ويثور ولا أحد يصغي له بأي حق يفعلوا ذلك؟!
_يا بابا لو سمحت افتح الباب اللي أنت بتعمله ده غلط، أنا مش صغير عشان تحبسني زي العيال بالشكل ده، افتحوا الباب بقى. هتف بعصبية عارمة وهو يركل الباب بكل ما أوتي من قوة ولا فائدة مما يفعله، فقوة بدنه ليست بتلك القوة اللازمة لكي يدفع باب خشبي ضخم كهذا، لم يكن بيده سوى الصراخ والطرق على الباب ربما يحنوا عليه. _أنا خايفة يكون اللي عملناه ده غلط يا منصور.
أردفت بهم سعاد وقلبها يعتصر ألمًا على صراخ ولدها البكري، كما خفقت نبضات قلبها بشدة من فرط الخوف، رمقها منصور بنظرات مشتعلة صارمة كما برزت عروق عنقه بغضب وصاح بها: _إحنا لو ما عملناش كده حتة البنت اللي لا راحت ولا جت هتاخده مننا وبعدين أنتي جاية الوقتي تنحي وقلبك يحن؟ مش أنتي اللي جيتي وقلتي لي أتصرف وأنا اتصرفت أهو جاية تندمي الوقتي؟
ابنك لو كنا ضامنين وجوده معانا ١٠٠٪ وهو متجوز البنت دي فلو خرج الوقتي أنسي إنه يعرفنا تاني وبكده نكون سهلنا لها إنها تاخده من غير تعب، اللي بدأناه لازم نكمله يا سعاد. اتسعت مقلتا سعاد بصدمة وضربت على صدرها بصدمة وهتفت نادمة: _لا لا أنا عايزة ابني أنا معاك وهعمل كل اللي تقول لي عليه..
تنهد منصور براحة ثم مرر أنظاره بين الباب الذي يأتي من خلفه أصوات ياسر الغاضبة الممزوجة بالتوسل وبين زوجته، أخرج تنهيدة تحمل بين طياتها الكثير من الكره والحقد وأردف بخبث: _يبقى نعمل اللي اتفقنا عليه، اللي هنعمله ده هيخليها تسيب البلد وتقول يا نفسي. هزت سعاد رأسها مرارًا ثم دلفوا إلى الخارج لكي يشرعوا في تنفيذ ما خططوا إليه طويلًا. أزفر ريان أنفاسه بضجر وتأفف وهو يتمتم: _مش بيرد هيكون راح فين ده؟
لمح ابتسامتها التي أخفتها سريعًا قبل أن يراها أحدهم، لا تعلم أنه يتابع كل تصرفاتها المرتبكة والخجولة وأخيرًا ابتسامتها التي لمست شيئًا ما في قلبه، لا يدري من أين أتى ذاك الشعور الذي تملكه منذ ابتسامتها لكن حتمًا ليس مزعوج. انتبه الجميع لطرقات أحدهم على الباب، ظنوا أنه قد حضر ياسر بينما انعكست تعابير وجه عنود وقد اعتلاها الخوف الشديد مما هو آتٍ، رحب ريان بابن عم والده بحفاوة: _البيت نور يا عم منصور اتفضلوا.
ولج منصور وزوجته إلى الداخل حيث قابل ترحيب من الجميع، دلف ريان للخارج وجاب بأنظاره المكان يمينًا ويسارًا باحثًا عن ياسر، ثم ولج إلى الداخل عندما فشل في رؤيته وسألهم بحنق: _هو ياسر مش معاكم يا عمي؟ نظر إليه منصور وادعى الحرج ثم قال بنبرة خجولة: _ريان يا بني لو سمحت عايزين نتكلم مع العروسة قبل كتب الكتاب.
عقد ريان ما بين حاجبيه متعجبًا من هذا الطلب الغريب، بينما ازدادت نبضات قلب عنود بتوجس لذاك الطلب المبهم الذي لم يروق لها لكنها مضطرة، نهضت ونظرت إلى حيث يقف ريان، لا تعلم لما تنظر إليه بشكل دائم كأنها تشكو إليه مما يحدث، أو ربما لأنها رأت فيه نظرات التفهم في عينيه، لا تدري السبب الحقيقي لكنها تشعر ببعض الطمأنينة عندما تطالع عيناه. ولجت عنود بداخل أحد الغرف وصاحبها منصور وزوجته، حمحم منصور ثم قال بنبرة جدية حادة:
_بصي بقى يا بنتي أنا مش هقول لك إني موافق على الجوازة دي، لا مش موافق خالص ما هو ده ابني الوحيد برضه واللي شوفناه من أمك زمان يخلينا نخاف منك إنك تاخدي ابننا مننا، وبصراحة في موضوع تاني وده السبب الأكبر إني مش موافق! ازدادت وتيرة أنفاس عنود بخوف عارم ورمقته ببندقيتها التي تتلألأ فيها الدموع، تابع منصور حديثه بحدة قاسية:
_أنتي بنت أجانب يعني لا تعرفوا دين ولا شرع وحاجة آخر قذارة ومن حقي أعرف اللي هتكون مرات ابني بنت بنوت ولا لأ. اتسعت مقلتا عنود بصدمة، وقد بدأ صدرها في الصعود والهبوط أثر أنفاسها التي ازدادت باضطراب. _يلا يا سعاد شوفي شغلك. هتف بهم منصور بنبرة آمرة وهو يرمق عنود بتشفٍ وخبث، اتسعت مقلتا عنود بذهول لا تصدق ما يحدث، هل حقًا هم أُناس حقيقيون يقفون أمامها وبمنتهى الوقاحة يطالبونها بشيء.. شيء أقل ما يقال عنه شنيع.
خرجت عنود من حبال شرودها عندما رأت تلك المرأة البدينة تقترب منها، تراجعت هي إلى الخلف دون أن تنبس بشيء، صدمتها كبيرة ولم يستوعبها عقلها بعد. اقترب منها منصور ووضع يده على فم عنود لكي يكتم صراخها ولا تستطيع الصراخ عاليًا، ويفضح أمرهم قبل أن يلقنها درسًا لن تنساه بحياتها وربما يترك أثرًا تتذكرهم من خلاله مدى حياتها.
دفع بها على الفراش وما زالت يده تكتم صرخاتها التي تحاول جاهدة أن تدفع بهم لعل أحدهم ينقذها من بين أيديهم. اقتربت منها سعاد ورفعت ثوبها ويديها ترتجف بشدة، لم تبغِ فعل ذلك لكن حب ولدها أحق بالتفكير من إيذاء تلك الصغيرة. بدأت في خلع ثيابها تحت مقاومات عديدة وشرسة من قِبل عنود، نجحت في إزاحة يدي منصور من عليها وصرخت بأعلى حنجرتها: "الحقوووووني!
ازدادت صرخاتها عاليًا حتى تسللت إلى آذان جميع من بالخارج، نهض ريان بذعر وركض نحو الغرفة التي يصدر منها الصراخ، ودفع بالباب بكل قوته. صُدم حينما رأى ذلك المنظر الشنيع أمامه، ماذا يفعلا بها؟ تصلبت عروق عنقه من شدة الغضب الذي وصل لذِروته. اقترب من منصور ولم يشعر بنفسه إلا وهو يدفعه بعيدًا عنها، بينما ابتعدت سعاد مسرعة يكفي تلك النظرات التي اخترقتها وكادت أن تحرقها من شدة حدتها والغضب البادي بها.
نهضت عنود سريعًا وعدلت من حالتها غير المهندمة ووقفت خلف ريان تبكي، بل تجهش في البكاء بصوت مرتفع يصل إلى آذان جميع الحاضرين. "أنا عايز أعرف إيه اللي أنا شوفته ده؟ صاح بهم ريان بنبرة اهتزت لها أرجاء الغرفة من ارتفاعها وحدتها، ارتعبت سعاد للغاية وتراجعت للخلف بضعة خطوات بتوجس من غضب ريان بينما لم تهتز خُصلة واحدة من منصور الذي كان يرمقه بنظرات جامدة وقال ببرود قاتل:
"بطمن على اللي هتكون مرات ابني ولا أسيبه يتجوزها على عماه؟ كز ريان أسنانه المتلاحمة ورمقه شزرًا لا يصدق وقاحته التي تعدت حدودها وصاح به هادرًا: "تطمن عليها إزاي يعني؟ اقترب منه منصور وجذب عنود من ذراعها بعنف ثم صفعها على وجهها بكل ما أوتي من قوة وهتف بتشفٍ: "ده جزاء اللي يفكر إنه يضحك على ابني يا تربية الأجانب."
صُعق ريان مما رآه، تصاعدت الدماء في عروقه وسببت بروزها بشدة ولم يشعر بيداه التي جذبت منصور من تلابيب قميصه ورفع يده للأعلى حتى يصفعه مثلما فعل مع ابنة أخيه. "ريان! هتف بها ماهر بنبرة دوت في أرجاء الغرفة، نظر إليه ريان وهو يكاد ينفجر من شدة غضبه، تابع ماهر حديثه متسائلًا: "في إيه؟ مرر ريان بصره بين والده وبين ذاك المختل منصور ثم دفعه بقوة قائلًا بحدة باهتة:
"أقسم بالله هو اللي نجَّدك من تحت إيدي، اخس على اللي عملك راجل! اتسعت حدقتي منصور بصدمة جلية واقترب من ريان لكنه دفعه بعيدًا خشية أن يصل إلى عنود مرة أخرى، تدخل كلٌ من خالد ويحيى مُشكلين حاجزًا بين منصور وريان. وضع خالد كلتا يديه على صدر ريان مانعًا إياه من الوصول إلى منصور وردد: "اهدأ يا ريان ماينفعش اللي أنت بتعمله ده، ده مهما كان ابن عم أبوك وفي مقام والـ" قاطعه ريان بحدة ممزوجة بالاشمئزاز:
"أوعى تكملها ده من أشباه الرجال ده، اللي يعمل كده في بنت أخوه اللي من لحمه ما يبقاش في مقام حد." لم يُعجب ماهر بنبرة ريان فهو لا يعلم ماذا حدث ولا يريد أن يكون ابنه بقلة الحياء تلك مهما كان الأمر، تنهد مستاءً وهتف بصوت رخيم: "ريان أتكلم باحترام ده عمك منصور أنت نسيت ولا إيه؟ كاد أن يجيبه ريان لكن حديث منصور أوقفه وصاح به هادرًا: "وأنت محموق لها أوي كده ليه بنت أخويا وناقصة رباية وأنا بربيها أنت بتتدخل بصفتك إيه؟
لقد بلغ ريان ذروة تحمله من ذاك الرجل الذي ود لو يفتك به ويفرغ ما بداخله عليه، أمسك بيد عنود التي تقف خلفه تبكي في صمت، تفاجئت من فعلته ونظرت إلى يده بذهول ثم رفعت بندقيتيها عليه تلومه على جرأته معها لكنه لم يترك لها أي مجال للتحدث وجذبها خلفه ودلف إلى الخارج وهو لا يريد سوى الانتقام من ذاك المنصور ويتشفى فيه. "اكتب الكتاب يا سيدنا."
صاح ريان بنبرة تريد الخلاص بينما صعق الجميع مما سمعوه لتوهم، نظرت إليه عنود بصدمة كبيرة اعتلت ملامح وجهها الذي بدا بريئًا جدًا، ماذا يقول هذا أي قِران سيُعقد؟ "أنت، أنت بتقول إيه؟ هتفت عنود متسائلة بنبرة متلعثمة بينما أجابها ريان بنبرة صارمة: "شششش أنتِ تقولي اللي هقولك عليه وبس أنتِ فاهمة!
حاولت التملص من بين يديه لكنه تشبث بذراعها بقوة لكي لا تستطيع الفرار منه وأجبرها على الجلوس وهو ما زال متشبث بها وجلس بجوارها ورمق المأذون بنظرات مشتعلة وصاح به هادرًا: "أنت هتفضل تبص لي كتير، بقولك اكتب الكتاب! ازدرد المأذون خوفًا من نبرة ريان وقال بتلعثم: "بس أنا محتاج صور و... قاطعه ريان بنبرة أكثر غضبًا: "كل ده بعدين، قول الكلام اللي بيتقال الكلام المهم!
ابتلع المأذون ريقه ثم بدأ بمراسم عقد القران تحت ضغط شديد من ريان على عنود حتى تقبل به زوجًا لها ناهيك عن إجبار خالد صديقه والصديق الآخر لياسر لكي يكونا شاهدي عدل. "بارك الله لكما وبارك فيكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
أنهى بها المأذون عقد القِران أسفل ذهول شديد بائن على وجوه الجميع، صدمة جلية حلت على دينا التي تقف بصمت تراقب ما يحدث خلف الباب، لم تروق لها منذ النظرة الأولى لكنها لم تتوقع قط أنها في الأخير ستكون زوجة لزوجها. ستكون امرأة له، لا لا وألف لا لن تسمح بهذا، لكن كيف؟ كيف وهي باتت زوجته فعليًا؟ تلك الصغيرة بل تلك اللعينة سرقت زوجها سلبت حياتها، دمرت عالمها التي كانت تكتفي به.
سحبت حجابها أعلى رأسها ودلفت للخارج مهرولة، أجبرت خطواتها الجميع على التنحي جانبًا لكي يُفسح لها الطريق، وقفت مقابل ريان وهي تحاول جاهدة أن تتماسك ولا تزفر دموعها أمامه حتى لا تظهر كضلع ضعيف في تلك العلاقة. تنهدت بحرارة ولم تستطع السيطرة على دموعها التي انسدلت كالشلال وهي تقف أمامه وتحدثت بنبرة متلعثمة: "أنت، أنت اتجوزت عليّ!
بكاء شديد حل بها وباءت محاولات التماسك بالفشل الذريع، أزفرت أنفاسها لكي تواصل حديثها بنبرة واضحة لكنها فشلت وهتفت بنبرة موجوعة: "ريان أنا حاسة إني بحلم، ريان طلقها وقول أنك بتهزر وعامل مقلب فيا، ريان مش هستحمل كتير قول أنك بتهزر." ابتلع ريان ريقه وهو يشعر الآن بفداحة ما فعله، لم يفكر بأي شيء سوى الانتقام لتلك الفتاة اليتيمة والقصاص من منصور المختل، لوهلة شعر وكأنه يحلم ماذا فعل؟
مرر أنظاره بين الجميع ليرى الصدمة على وجوههم تتحدث عن نفسها، لمَ لم يوقفه أحد؟ بل حاولوا مرارًا لكنه لم يصغِ لهم لم يرَ إلا ما يريده فقط. عاد ببصره إلى دينا التي تجهش في البكاء بمرارة لم يسبق له وأن رآها بتلك الحالة المزرية من قبل، كيف له وأن يجرحها بهذا الشكل الأليم؟
نعم لم تقوم بدورها كزوجة كاملة له كأي امرأة لكنها ليست سيئة هي من تتحمل عبء المنزل على أكتافها ناهيك عن رعاية والده وأشقائه وهي ليست ملزمة من الأساس، ماذا فعل لها في الأخير؟ أتى لها بزوجة أخرى، يال حماقته اللامحدودة.
نظر إلى حيث تقف عنود التي التزمت الصمت بعد أن أجبرها على عقد قرانهم عنوة، باتت خالية من أي تعابير تدل على عدم موافقتها أو حتى حزنها لا يظهر عليها سوى الهدوء حتمًا نفسه هدوء ما قبل العاصفة، ما ذنب تلك الصغيرة فيما فعله ذاك الأبله لقد ورطها في علاقة لم تريدها. أزفر أنفاسه بضجر بائن ووقف يتنفس الصعداء، فتح بعض أزرار قميصه لعله ينعم ببعض الأكسجين الذي هرب من رئتيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!