تقابل كلاهما في الممر المشترك لمسجد الرجال والنساء. أزفرت أنفاسها بحرارة، لا تعلم حقًا ما عليها فعله، فلقد وضع العم ماهر عبئًا ثقيلًا للغاية على أكتافها. لا تدري أين وجهتها الآن، ما عليها فعله أولًا، لماذا هي فالجديرون بحمل تلك المسؤولية كُثر، لماذا هي بالتحديد؟ أخرجت تنهيدة بطيئة تحمل بين طياتها التشتت الشديد. رمقته كثيرًا ثم اقتربت منه بخطى متمهلة. ابتلعت ريقها وهتفت دون أن ترفع بصرها عليه: _محتاجة أتكلم معاك.
أومأ رأسه بالإيجاب وكاد أن يسير معها للخارج، لكن صوت يحيى قد دوى في أرجاء المكان من شدته: _ريان! خفق قلب ريان بتوجس عارم خشية أن يتلقى خبر مصرع والده. لا يريد الالتفات إليه، فقط يريد الهروب قبل أن يصغي لما يخشاه ويأباه عقله، لكن ما باليد حيلة، مُجبر هو الإصغاء. سحب أكبر قدر من الأكسجين ثم استدار إليه بخوف. وقف يحيى يلتقط أنفاسه التي هربت من رئتيه ثم هتف بنبرة متلهفة سريعة: _دينا، دينا تعبانة قوي.
أزفر ريان أنفاسه التي كان يكتمها داخله، ثم ركض خلفه بخطى مهرولة غير مستقيمة إلى أن وصل إلى الغرفة الموجودة بها. ركض نحوها بخوف وتساءل باهتمام: _في إيه؟ حاسة بإيه؟ تشبثت دينا في ذراعه بقوة وأردفت وهي تبكي بألم شديد: _ريان أنا بموت، مش قادرة أستحمل الوجع. شد ريان على يدها وقد خفق قلبه بخوف شديد عليها وأسرع بالحديث هاتفًا: _متقوليش كده، هتكوني كويسة إن شاء الله. التفت ريان إلى حيث يقف يحيى وصاح به مندفعًا:
_أنت واقف ليه؟ روح جيب دكتور بسرعة. وما أنهى ريان جملته حتى حضر علي بالطبيب الذي ركض لمنادته. ولج الطبيب نحو دينا بخطى سريعة وسألها بعملية: _حضرتك حاسة بإيه؟ سحبت دينا قدرًا من الأكسجين لكي تستطيع محادثته وأردفت بنبرة متلعثمة: _مغص جامد و...
صمتت دينا من تلقاء نفسها عندما شعرت بتسلل سائل أسفلها. مررت بصرها بين ريان والطبيب بخوف عارم. تشوشت رؤيتها وبالكاد تستطيع رؤية صور باهتة مغشوشة. ظلت تقاوم إلى أن تغلب عليها مرضها وأجبر كامل قواها على الارتخاء إلى أن باتت في ظلام حالك لا تشعر بما يدور حولها. كثرت مناداته التي تحثها على الاستيقاظ لكن دون جدوى. أبعده الطبيب بعيدًا عنها قائلًا بنبرة آمرة: _لو سمحت سيبنا نتصرف.
ابتعد ريان على مضض، ووقف بجوار الجدار يتابع ما يحدث في صمت، كما رافقته هاجر ووالدة دينا وشقيقتها وآية زوجة خالد اللواتي جئن على عجالة لكي يطمئنوا على حالة العم ماهر وقد لقين مصرعهن مع تدهور صحة دينا.
وقفت عنود تراقب ما يحدث من الخارج. مشاعر عدة تجتاحها وتتخبط بينها لا تدري أيهما الصحيح. تريد أن تشد من أزر ريان لكن شعورًا قويًا بداخلها يأبى الاقتراب منه. تشعر أنها المتسببة فيما يحدث للجميع، ناهيك عن تأنيب ضميرها الذي لا يكف عن لومها.
كم هي بحاجة إلى حضن والدتها وحكمة والدها في ذلك الموقف التي لا تُحسد عليه. لا تشعر بنظرات يحيى التي تطالعها بشفقة. هو وحده من يشعر بها فهي واقعة في الأمر ذاته الذي وقع هو فيه ولا يعلم كيفية الخروج منه بطريقة صحيحة دون خسارة أحدهم. استطاع الطبيب السيطرة على النزيف لكنه لم يتمكن من إفاقتها، إنها مسألة وقت لا أكثر. تنهد الطبيب والتفت إلى ريان وأردف بعملية:
_قدرت أسيطر على النزيف بس هي لسه في خطر. لو عدى 24 ساعة من غير ما يحصل مضاعفات الخطر هيعدي. لكن لو النزيف اتكرر تاني هنضطر نجهض الجنين. شهقت والدة دينا بصدمة ورددت بتوجس: _اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه. ظلت تُمتم بتلك العبارة وهي تملس بيدها على حجاب دينا بخوف شديد، بينما تصلب ريان في مكانه من هول الصدمة. اقتربت منه هاجر تؤازره وربتت على ذراعه بحنو وهتفت: _إن شاء الله خير، اطمن.
مال ريان برأسه عليها في حالة لا يرثى لها، ثم اقترب بخطاه نحوها بتمهل، جلس بجوارها وشد على يدها بحزن شديد، بينما شعرت عنود بغصة مريرة لما يحدث أمام مرأى عينيها. شعرت بعدم انتمائها لذاك المكان كأنها عزول أحمق ويجدر عليه الانسحاب من بينهم. ماذا فعلت هي؟
لقد خربت كل شيء. اقتحمت حياته وهدمتها بحماقتها وغبائها مدعية بأن الله قد وضعها في تلك المكانة، لكن الله لا يقبل بهدم حياة الآخرين. حتمًا ستنال أشد العقاب لهذا الأمر الفادح الذي اقترفته. أدمعت عينا عنود وفرت هاربة إلى الخارج. دلفت خارج المشفى وانحنت بجسدها مستندة بكفيها على ركبتيها في محاولة منها على استيعاب الأمور، لكن دون جدوى فما تفعله لا يقلل من فرط ما تشعر به.
وقفت كمن انحشرت أنفاسها بداخلها ولا تستطيع إخراجها. صعد صدرها وهبط بصورة أشد عنفًا. جرت قدماها بثقل إلى أن وصلت إلى أقرب مقعد انتظار ظهر أمامها. جلست عليه بإهمال ونظرت إلى الأعلى منادية ربها: _يارب. لا تشعر أنها بخير، فقط صورة ريان وهو ممسك بيد زوجته لا تريد الاقتلاع من عقلها. غيرة شديدة قد اجتاحتها من خلف تصرفاته التي تدل على خوفه الشديد عليها. لكن هل عليها حقًا أن تغار؟
وهي من شاركتها في زوجها لطالما اكتفت هي به لأعوام عدة، هل عليها أن تحزن لتقربه من امرأة أخرى وهي من سرقته من بين عائلته؟ تخبط شديد قد وقعت في براثينه وازداد الأمر سوءًا، فلقد فاق حزنها تلك المرة الأرضية بمن عليها. فقط تريد العودة إلى عائلتها ومحاوطة أمانهم وحبهم لها. شعرت بحرارة دموعها التي انسدلت على وجنتيها دون وعي منها. كفكفت عبراتها بأناملها لكن دموعها تنسدل بغزارة ولا تريد التوقف، ولم تكف أناملها لتمسحها.
_اتفضلي. هتف يحيى بأسى لحالتها المذرية وهو يناولها مناشف ورقية. التفتت عنود برأسها ورمقته لبرهة ثم سحبت منه المناشف وأسرعت بمسح عبراتها. اعتدل يحيى في جلسته وطالع الفراغ أمامه في هدوء من قبل العاصفة. سحب قدرًا من الأكسجين وهتف: _الموضوع صعب مش كده؟ التفت كلاهما وطالعا بعضهما البعض بنظرات مؤلمة وأخرى لا تعي شيئًا من خلف كلماته التي بدت مبهمة لها. أخرج يحيى تنهيدة بطيئة مليئة بالأشواق وتابع حديثه مضيفًا:
_صعب إنك تقفي تشوفي اللي بتحبيه مع شخص تاني. وقتها بتحسي إنك عزول بينهم والمفترض تنسحبي وفي نفس الوقت مش عارفة. الموضوع صعب فعلًا! انسدلت قطرات عينيها رُغمًا عنها فلقد وصف كل ما تشعر به بسهولة. مسحت عبراتها سريعًا وقالت بنبرة موجوعة: _يحيى ممكن توصلني للبيت؟
تقوس ثغره بابتسامة لم تتعد شفاه ثم نهض ومد يده إليها كعون لها في تلك الأثناء. رمقته عنود شزرًا ثم نهضت ولا زالت تبكي لكن في صمت. سارت خلفه إلى أن وصلا إلى السيارة. تعمدت عنود الجلوس في الخلف بمفردها بينما لم يعقب يحيى على تصرفها والتزم الصمت. عندما شعرت عنود بقرب وصولهم رمقت يحيى في المرآة وأردفت بنبرة حزينة: _يحيى ممكن نروح معرض ريان؟ عدل يحيى من وضعية المرآة على وجهها وسألها بغرابة: _المعرض؟ ليه؟
أزفرت عنود أنفاسها بحزن وهي تتذكر بعض الذكريات لها هناك. أخرجت تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وأردفت: _محتاجة أكون لوحدي هناك. أومأ يحيى رأسه بالإيجاب وفعل ما أمرته به. صف سيارته أمام المعرض وفتح لها بابها ثم استدارت عنود إليه مانعة إياه من الدخول: _ينفع أكون لوحدي؟ مش هتأخر.
على الرغم من عدم ترحيبه لفكرتها إلا أنه لا يملك سوى الموافقة دون اعتراض. سحب نفسًا عميقًا وعاد بأدراجه إلى سيارته قيد انتظار خروجها، بينما ولجت هي إلى الداخل واتجهت إلى مكتب ريان مباشرة بخطى متمهلة. ولجت داخل المكتب وهي تتفحص معالمه جيدًا، ثم سارت للأمام وتذكرت أول عناق بينهم. لم يكن بمثابة عناق حينها لكن كان تقربه لذيذًا للغاية حيث اجتاحتها مشاعر عدة حينها، خليط من الخجل والتوتر صانعين مزيجًا قويًا من اللذة.
التوى ثغرها بابتسامة باهتة ثم اتجهت نحو مكتبه. تحسسته كما لو كانت ستفارقه، فلقد فعلت هذا عند وفاة والديها. هل هي من ستفارق الآن؟ انسدلت دموعها بغزارة فهي تتمنى الموت ولا تريد الافتراق عنه. جلست على مكتبه وظلت تتفحص كل إنش به، إلى أن وصلت إلى دفتر موضوع في أحد الأدراج التي قامت بفتحها. جذبته واستكانت في جلستها وفتحت أولى صفحاته المدونة بها كلمة (عناق)
لم تفهم كثيرًا إلى ماذا ترمز تلك الكلمة لكنها أثارت فضولها حول البقية. نهضت وسارت إلى الأريكة الجلدية وجلست عليها ثم بدأت في قراءة ما دونه بيده. والجدير بالذكر أن الأمان قد خُلق من ضلع عناق فقط. "عناق".. كنت شخصًا جامدًا إلى أن مُزقت قويًا بعناقها لطالما افتقدته كثيرًا. { تائه كـمتشرد لا يعرف السبيل، وأين السبيل لطالما كنتِ دومًا ملجئي الوحيد؟ تشرق شمس أيامي عندما يتقوس ثغرها الصغير بابتسامة تهز كياني.
سطع قمر لياليَّ بؤنسها! يتعافى المرء بطرق عدة، بينما تعافيت أنا بها. الجميع يخشى الحب، وأنا أخشى فراقها. فغرت فاها بذهول شديد وهي تقرأ ما دونه من أجلها، تلاحقت ضربات فؤادها المتدفق في الأدرينالين المندفع في شرايينها من فرط السعادة التي دقت طبول قلبها، أعادت قراءة كلماته وهي تتحسسها بيدها بلطف ثم نهضت ووضعت الدفتر مكانه ودلفت إلى الخارج مسرعة. اقتربت من باب يحيى وقامت بفتحه بتلهف شديد وأردفت بنبرة مليئة بالحيوية
عكس نبرتها منذ قليل: يحيى رجعني المستشفى تاني. رمقها يحيى بنظرات متعجبة، ما سبب ذلك التحول الكبير في أسلوبها؟ تنهد مستاءً لأنه لا يفهم شيئًا مما يحدث وهتف باقتضاب: تمام. أسرعت نحو الباب الخلفي وجلست تراقب الطريق وهي تعد الثواني التي تمر عليها بفروغ الصبر. *** ولجت أماني إلى المنزل، أوصدت الباب خلفها ثم ركضت مهرولة إلى حيث يجلس والداها وأردفت بنبرة متلهفة: إلحق يا بابا عمو ماهر تعب والإسعاف خدته من شوية.
انتبه منصور إلى حديث ابنته وقام بإغلاق صوت التلفاز ثم عدل وضعية جسده لكي يكون مقابلها وأردف متسائلًا: يا ساتر يا رب إيه اللي حصل؟ رفعت أماني كتفيها إلى الأعلى مبدية عدم علمها بحقيقة الأمر بينما رمق منصور سعاد وأردف: واجب نروح نطمن عليه. أومأت سعاد رأسها بالإيجاب كما وافقته رأيه وهتفت: يا ريت يا منصور حتى تزيح العداوة يا أخويا من بينكم وابنك يخرج من حالته دي.
أخرج منصور تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وهو يطالع غرفة والده الذي لم يرَ نور الشمس منذ أكثر من شهر، نهض بتعب وتوجه إلى غرفة ياسر، طرق بابه برفق ثم ولج إلى الداخل. وقف أمامه وأردف بحنق: أنت هتفضل قاعد في البيت كده كتير قوم انزل شوف مصلحتك!
رفع ياسر بصره عليه وقد تفاجأ منصور بحالته المزرية التي آلمت قلبه، شحوب قاسٍ بادٍ على ملامحه ناهيك عن تدهور حالته، كما خسر الكثير من الوزن وبات نحيفًا ولا يوجد به أي ملامح لياسر الذي يحفظ ملامحه جيدًا. التوى ثغر ياسر بابتسامة باهتة وأردف بنبرة ثقيلة لعدم قدرته على النطق: ااا انزل؟ صُعق منصور من عدم قدرته على التحدث، فغر فاهه بصدمة جلية وهتف بنبرة موجوعة: أنت بتتكلم كده ليه؟
سحب ياسر نفسًا عميقًا لكي يستطيع مواصلة الحديث مع والده وأردف بحنق: ياااا رب تكون مبسوط! خفق قلب منصور بألم شديد بسبب تدهور حالته الصحية، ترقرقت العبرات في عينيه حزنًا على ما تسبب فيه، لم يستطع مواصلة الحديث معه حتمًا سينهار باكيًا إن تابع حديثه معه على تلك النبرة الثقيلة، نهض ودلف إلى الخارج وشعور الندم يتغلغل داخله. لكن ماذا سيفعل ندمه الآن؟
لقد بات كل شيء رماد، أوصد باب المنزل وحزم أمره على الذهاب إلى ابن عمه ربما يوطد العلاقات مرة أخرى. *** ترجلت عنود من السيارة وكادت أن تسير مهرولة داخل المشفى لكن رنين هاتفها الذي صدح أوقفها مكانها، جذبت هاتفها من حقيبتها وإذا بها هالة صديقتها التي تهاتفها منذ الصباح ولا تجيب عليها، لا بد أن تجيبها ويكفي وقاحة إلى هذا الحد. سحبت نفسًا واستدارت بجسدها إلى حيث يقف يحيى، كان قد أغلق السيارة لتوه، حمحمت بحرج وأردفت:
أنا هكلم واحدة صحبتي الأول. تفهم يحيى ما ترمي إليه وتركها بمفردها على مضض، فهو لا يريد تضييع أي فرصة في التقرب منها، حسنًا سيقف بعيدًا لكنه لن يغادر خشية عليها من متطفلي السبيل، سار على بُعد منها وجلس على مقعد انتظار آخر لا تراه من خلاله لكنه يراها بوضوح. جلست عنود على مقعد خشبي وقامت بالاتصال على صديقتها، لم تنتظر لثانية بل أجابتها هالة هاتفة بحنق: مش بتردي عليا ليه يا هانم؟ أزفرت عنود أنفاسها
في ضيق وهتفت بنبرة محتقنة: محتاجلك قوي يا هالة. هبت هالة واقفة في ذعر لنبرة صوتها الحزينة ناهيك عن جملتها التي آلمت قلبها، سحبت نفسًا وتساءلت باهتمام: في إيه يا روحي مالك؟ استكانت عنود في جلستها وجابت حولها بنظرة سريعة لكي تتأكد من عدم وجود أحدهم وبدأت تقص عليها ما حدث منذ بداية عودتهم من الجامعة بصورة غير لائقة إلى المنزل ثم إلى ذلك الحين، كما حرصت عنود على عدم ذكر سبب الجدل الذي خُلق بينهم لكي لا تشعرها بالحرج.
طالت المكالمة ما يقرب الأربعين دقيقة تبكي كلتاهما معًا متشاركين آلامهم سويًا، شعرت عنود بظل أحدهم ظهر فجأة أمامها، رفعت رأسها للأعلى وتفاجأت بها تقف أمامها. هالة! هتفت بها عنود بصياح غير مصدقة أنها تقف أمامها حقًا، نهضت وألقت بنفسها بين أحضانها وأطلقت العنان لدموعها في النزول بمرارة ما تشعر به. بعد مدة ليست بقصيرة جلست الفتيات بجوار بعضهما البعض، تحتضن هالة يد عنود بين قبضتها وأردفت:
موقفك صعب قوي حماكي حطك في وضع تقيل جدًا اشمعنى أنتِ؟ هزت عنود رأسها بإيماءة خفيفة، ابتلعت ريقها وهي تنظر في الفراغ أمامها وهتفت بحزن: I don't know (لا أعلم) تركت هالة يد عنود واقتربت منها ثم وضعت رأس عنود على كتفها وأردفت: مش فاهمة إزاي هو عايزك تكوني جنب ابنه وفي نفس الوقت تصلحي علاقته بمراته الأولى! انسدلت بعض القطرات على مقلتي عنود بقلة حيلة ورددت بمزاج غير سوي:
أنا مش عايزة علاقته تتوتر مع مراته بالعكس أنا ضميري بيأنبني ودايما حاسة بالذنب، بس مش لدرجة أن أنا اللي أصلح علاقتهم. اعتدلت عنود في جلستها ورمقت هالة لبرهة وتابعت حديثها مضيفة بنبرة متعلمثة: تخيلي كده بقول لجوزي سيبني عشان واحدة تانية، أنا متفهمة أنها مراته وهو من حقها زيي بس ريان اللي يصلح علاقتهم بنفسه مش أنا اللي أعمل كده!
جهشت باكية ووضعت يديها أمام وجهها، تشعر بالضياع لا تدري أهي ستصمد للآخر أم ستنهار قواها قبل أن تبدأ في شيء، لم يكن في استطاعة هالة سوى احتوائها بين أحضانها وتهدئة روعها بكلماتها الحنونة. نهض ريان من مقعده ووجه بصره على الجميع وهتف بنبرة جامدة: قومي يا حجة فاطمة روحي بيتك شكلك تعبانة. أومأت فاطمة والدة دينا بالرفض وأسرعت بالقول: لا يا ابني ومين اللي هيقعد بيها؟ أزفر ريان أنفاسه بضجر بيّن وأردف مختصرًا: أنا.
التوى ثغرها على الجانب مُشكِّلَة حركة بشفاها مبدية سخريتها منه وهتفت بحنق: زي ما وعدتني أنك هتكون جنبها الفترة اللي فاتت دي ومن وقتها وأنت معتبتش البيت ولا تعرف عن بنتي حاجة. رمقها ريان بفتور وهتف باقتضاب وهو يتوجه بخطى مهرولة إلى الخارج: اعملوا اللي أنتم عايزينه.
أوصد الباب خلفه وجاب المكان بنظرة متفحصة باحثًا عن صغيرته، لم يراها منذ انشغاله بمرض دينا، سأل الجميع عنها لكنهم أجمعوا بعدم رؤيتهم لها، سار متجهًا إلى الخارج وقد رأى يحيى جالسًا على أحد المقاعد منهمرًا في تفكيره، اقترب منه على عجالة من أمره وسأله بقلق: شوفت عنود؟
أومأ يحيى بالإيجاب وأشار بيده إلى حيث تجلس، لم ينتظر ريان لأكثر وسار نحوها، تعجب من تلك الفتاة التي تحاوطها بذراعيها بحميمية، أسرع خطاه إليهم ووقف مقابلهم بحنق لذلك الوضع الذي نهاها عنه. ارتخت ملامحه عندما رأى ملامحها شاحبة ناهيك عن دموعها التي لا تتوقف عن النزول، خفق قلبه بألم لحالتها التي حتمًا هو المتسبب بها، جلس القرفصاء أمامها وأمسك بيدها وأردف بتوجس: في إيه مالك؟
لم تبرح عنود مكانها وظلت مستكينة على كتف هالة ويدها بين قبضتي ريان، سحبت نفسًا وهتفت بصوت متحشرج: أنا تمام، أخبار دينا إيه؟ حسنًا، لقد فهم الأمر الآن، نهض ثم جلس بجوارها وجذبها برفق إلى حضنه ثم طبع قُبلة على جبينها وأخرى داخل كفيها، تنهد وأردف بنبرة حنونة: أنا بستقوي بيكي فلما تكوني أنتِ بالضعف ده أنا أعمل إيه؟ صمت كليهما ثم تابع ريان حديثه مضيفًا بنبرة رخيمة: عارف أن الوضع صعب عليكي بس مش بإيدي دي مرا...
اعتدلت عنود في جلستها ورفعت بصرها عليه وقاطعته هاتفة بتفهم: خليك جنبها! قطب ريان جبينه بغرابة وردد: أنتِ اللي بتقولي خليك جنبها! هزت رأسها بإيماءة خفيفة وأضافت بنبرة تبدو طبيعية عكس ما تشعر به داخلها: هي أحق مني بيك في الوقت ده هي محتجاك أكتر مني ومش الوقت ده بس، واحدة فجأة لقت جوزها في واحدة مشاركاها فيه وأنت طول المدة اللي فاتت كنت معايا في أكتر وقت كانت محتاجة تطمن منك وتتعافى بوجودك جنبها، ده مش فضل مني على فكرة
ربنا سبحانه وتعالى قال: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا) يعني واجب عليك تعدل بينا! لن ينكر أن نبرتها التي تحاول جاهدة في إخفاء حزنها آلمته كثيرًا، لكن تفكيرها المتفهم الذي يبدو أكبر من عمرها يعجبه ويروق له. تحسس وجهها بنعومة وهتف بحب: _بحبك وبحب قلبك وبحب عيونك وبحب شف...
صمت ريان من تلقاء نفسه عندما شعر بفداحة ما كاد أن يتفوه به، بينما حمحمت هالة بحرج ثم أولتهم ظهرها وقد توردت وجنتيها بالحمرة خجلًا منهم. اعتدل ريان في جلسته ورمق هالة سريعًا وردد بحرج: _أنا آسف يا آنسة هالة على آخر موقف بينا بس أنا.. قاطعته هالة بتفهم وأردفت بحرج: _مفيش حاجة يا باشمهندس، عنود فهمتني مشكلة حضرتك في الشغل.
تقوس ثغر ريان بابتسامة عندما استشف عدم علمها لسبب تذمره حينها. شعر ببعض الراحة لكون فتاته لم تخبرها حتمًا كان سيشعر بالحرج حيالها. حمحم وهتف بصوته الأجش: _تعالوا ندخل جوه الجو برد هنا. أسرعت هالة بالحديث مبدية رفضها لما قاله وأردفت موضحة: _أنا لازم أمشي، أنا خرجت من غير ما أعرف والدي ولازم أرجع البيت قبل ما يصحي ويحس إني مش موجودة. التفتت إليها عنود مندهشة من تصرفها وهتفت معاتبة إياها: _ليه عملتي كده؟
زمت هالة شفاها بحزن وأردفت موضحة بنبرة حنونة: _مقدرتش أسمعك وانتي بتعيطي ومكنش جنبك! اتسعت مقلتي عنود بذهول وعانقتها بقوة متأثرة من حديثها. شعر ريان بالغيرة الشديدة نحو هالة لكونها تحظى بحضن فتاته الصغيرة. لم يستطع التحمل لأكثر وحمحم مصدرًا نبرة تحثها على الابتعاد عن صديقتها. استشفت عنود ما يرمي إليه وابتعدت عن هالة لكن بلطف لكي لا تشعرها بالحرج. نهض ثلاثتهم وهمت عنود قائلة: _ريان لو سمحت ممكن يحيي يوصل هالة؟
أسرعت هالة بالحديث مبدية رفضها التام لفكرة عنود: _لا لا بيتي قريب من هنا و.. قاطعتها عنود بنبرة صارمة: _لا مش هسيبك تمشي في وقت متأخر زي ده لوحدك. تنهد ريان وأردف موافقًا على حديث عنود: _عنودك معاها حق مينفعش تمشي لوحدك في وقت زي ده!
وما أن أنهى جملته حتى سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال على يحيي بينما ظلت هالة تطالع عنود بنظراتها التي تحثها على التوقف عما ينويان فعله. وعندما فشلت في إيقافهم وقفت تبحث ببصرها على ذاك المدعو يحيي. لا تريد الاختلاط به بعد آخر موقف بينهم. رأته يقترب منهم بخطى مهرولة فتلاحقت ضربات فؤادها وازدادت نبضات قلبها. كيف لها أن ترافقه في السيارة ذاتها بمفردهم؟ نفخت بضجر بائن استشفته عنود من نظراتها على
يحيي وهتفت متسائلة بفضول: _مالك مضايقة ليه كده؟ سحبت عنود نفسًا عميق وهمست بحنق: _انتي مشوفتيش كان بيتعامل معايا إزاي وأنا بسأله عليكي، بني آدم مستفز. انفجرت عنود ضاحكة كما شاركتها هالة الضحك. في تلك الأثناء قد أمر ريان يحيي بتوصيل هالة إلى منزلها. أبدى يحيي موافقته على مضض، فهي لم تروق له تلك الفتاة ولا يريد الاحتكاك بها لكن ما باليد حيلة أنه أمر وواجب التنفيذ.
ولج ريان برفقة عنود التي تشبثت في ذراعه بعدما تحرك يحيي بالسيارة خارج المشفى. عادوا إلى حيث غرف ماهر ودينا. وقف ريان بمنتصف الممر بشموخ وأردف بنبرة صارمة: _أنا شايف إننا عاملين زحمة في المكان على الفاضي، يا ريت كله يروح وأنا قاعد هنا معاهم. نهضت هاجر وأبدت رفضها التام وهتفت بحنق: _لا مش هقدر أمشي وأسيب بابا في الحالة دي! التفت إليها ريان وأردف وهو يحك مؤخرة رأسه:
_أبوكي في العناية يا هاجر يعني محدش هيقدر يدخل له غير في أوقات الزيارة روحي شوفي ابنك بدل القاعدة هنا. لم تقتنع هاجر بحديث ريان وكادت أن تعارضه لكن تدخل علي قائلًا: _ريان عنده حق يا هاجر، هنروح الوقتي ونيجي بكرة بدري قبل ميعاد الزيارة.
وافقت هاجر تحت إصرار كبير من ريان وعلي عليها. بدأ الجميع في الانسحاب واحد تلو الآخر إلى أن بات الممر خاليًا إلا من ريان وعنود. استدار ريان بجسده ورمق باب غرفة دينا باقتضاب فهو ليس على استعداد بمجادلة والدتها الآن. نفخ بضيق ثم شعر بيدها تربت على ذراعه وأردفت بنبرة حنونة: _خليك جنبها النهاردة وأنا هقعد هنا. سحب ريان نفسًا عميق وأجابها مختصرًا: _مش عارف ليه رفضتي ترجعي البيت؟ أجابته عنود مختصرة حديثها:
_مش عايزة أبعد عنك! تقوس ثغره بابتسامة عذبة. جاب المكان ببصره وعندما تأكد من خلوه اقترب منها وطبع قبلة على طرف شفاها. سرت رجفة قوية في أوصالها الساكنة من خلف قبلته التي يتعمد الإطالة بها فقط ليثير الجدل في نبضاتها كما أنها لم تعتد تصرفاته بعد. شعرت بالحرارة المنبعثة من وجهها حتمًا من فرط خجلها. تنهد ريان بحرارة وأردف: _هرجع لك تاني.
أومأت رأسها بخفة ثم أولاها ريان ظهره وكاد أن يولج إلى الداخل لكنها لحقت به وأمسكت بيده. استدار إليها ريان وتفاجأ بها تلقي بنفسها بين أحضانه. تشبثت بعنقه بقوة فانحنى هو بجسده وحاوط خصرها بيده ورفعها عن الأرضية وضمها بكل ما أوتي من قوة. وكأن كليهما يستمد القوة من الآخر. مرت مدة ليست بقصيرة ثم أنزلها ريان وأردف: _هتروحي مع يحيي لما يرجع أنا مش هقدر أسيبك قاعدة برا لوحدك!
أومأت رأسها بالإيجاب على الرغم من رفضها التام لذهابها لكن لا تريد أن تكون حمل عليه يكفي هذا القدر من الأعباء يتحمله. ابتسم لها ريان ثم ولج إلى الداخل بعد أن طرق الباب. مرر أنظاره على من بالغرفة في نظرة سريعة وأردف موجهًا حديثه إلى والدة دينا: _مش هسيبها لوحدها متقلقيش عليها قومي روحي. أخرجت فاطمة تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وهتفت بحنق:
_مش عايزة بنتي تتعرض لأذى يا ابني وأنت مش بتعمل حاجة غير إنك بتأذيها بتصرفاتك مرة تتجوز ومرة تسيبها وتهملها كأنها مش مراتك وليها حق عليك وفي الآخر أهي نايمة مش عارفين هتقوم كويسة باللي في بطنها ولا لأ وده كله من زعلها منك، عايزني أسيبها معاك بعد كل ده؟ أخفض ريان بصره بحرج ممزوج بالندم الشديد. لم يعقب على حديثها لأن معها كل الحق. أزفر أنفاسه بضيق قد اعتلاه ثم ردد:
_أنا مش هبرر لنفسي حاجة عشان معاكي حق في كل اللي قلتيه بس أنا هكون جنبها ومش هسيبها أبداً صدقيني أنا مش هعمل أي حاجة تزعلها، أنا ريان يا حجة فاطمة أنتي لسه هتعرفيني ولا إيه لما بقول كلمة بكون قدها. نهضت فاطمة من مقعدها ووقفت مقابله وأضافت:
_مش هنكر إني بحبك واعتبرتك ابني من اليوم اللي دخلت فيه بيتنا وحبيت فيك شهامتك وجدعنتك بس أنت طول عمرك جامد وأنا مكنتش شايفة إن ده عيب بالعكس كنت فرحانة إن جوز بنتي راجل حمش والكل بيعمله ألف حساب، بس أنت اتغيرت من بعد جوازاتك، اتحولت لريان تاني مش قد كلمته وبيهرب على طول وبقيت بتفكر في نفسك أكتر من اللي حواليك وأنا عمري ما هطمن على بنتي تاني معاك.
تنهدت إسراء مستاءة من حديث والدتها فهي على علم بتقصير شقيقتها ولابد من التدخل لكي تكف والدتها عن لوم ريان وحده، فهو ليس العامل الأساسي فيما يحدث. سحبت نفسًا عميق وأسرعت بالحديث قائلة: _ماما لو سمحتي خلينا نمشي دينا أكيد محتاجة أكل وهدوم وريان مش هيعرف يتعامل لوحده وكمان جني اللي احنا سايبنها مع جارتنا لازم نمشي عشانها وبكرة هنيجي بدري.
رمقتها فاطمة مستاءة من تصرفها فهي لا تريد الذهاب وترك ابنتها الكبرى مع ذلك الرجل الذي فقدت الثقة به. لكن ما باليد حيلة حديث إسراء صحيح ولابد من فعله. مررت بصرها بين دينا النائمة على الفراش والتعب منهمك منها وبين ريان وأردفت: _بنتي أمانة عندك على لما أرجع بس وبعد كده هتكون في أمانتي أنا.
لم يعقب ريان على حديثها هو فقط يريد مغادرتها سريعًا. وجه بصره على إسراء ورمش بعيناه ممتنًا لها كما بادلته هي أيضاً ابتسامة لم تتعد شفتاها ثم هما بالمغادرة بعدما أمر ريان يحيي بعودته إليه لكي يرافقهم إلى وجهتهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!