الفصل 22 | من 41 فصل

رواية المعلم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
24
كلمة
3,663
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

تبع ريان الطبيب إلى الخارج، ومن ثم سأله باهتمام: _يعني هي كويسة يا دكتور؟ ابتسم الطبيب على اهتمامه، وأردف موضحًا: _هي كويسة جدًا وده الخطر. عقد ريان ما بين حاجبيه بغرابة متمتمًا بعدم فهم: _إزاي يعني؟ واصل الطبيب حديثه وهو يتوجه إلى مكتبه:

_الصدمة اللي اتعرضت لها عقلها لسه مستوعبهاش، بدليل أن حضرتك قلت لي أنها رجعت هنا بعد وفاتهم بيوم واحد، هي كانت راجعة عشان تعيش حدادها مع أهلها، وعن اللي أنت حكيت لي برضه أن أهلها رفضوها، فهي كانت قوية عشان ما تقعش لوحدها، وكل اللي أنت حكيت لي كان بيقويها كل ما بتتعرض لخيبة أمل جديدة، وللآن هي ما عاشتش فترة حزنها وحدادها، وده خطر عليها، لازم تعيط، لازم تصرخ، لازم تحس بوجع فراقهم، وكل ده طبعًا لازم يكون بمساعدة دعم قوي من حد بيحبها عشان تقدر تتعافى.

جلس الطبيب على مكتبه، ورفع رأسه على ريان الذي تحولت تقاسيم وجهه كليًا للخوف الشديد، وحاول تهدئة روعه قائلًا: _أنا شايف أن حضرتك أكبر داعم لها، اهتمامك وخوفك عليها كفيل أنهم يقووها ويساعدوها تخرج من صدمتها بكل سهولة، بس أهم حاجة ما تتخلاش عنها؛ لأن صدمتها فيك هتكون أكبر، ووقتها ممكن تتعرض لانتكاسة تبقى صعب تخرج منها. أسرع ريان بالحديث بتوجس: _بعد الشر عنها أكيد مش هتخلى عنها. ابتسم الطبيب وواصل تعليماته بعناية:

_آه ممكن تلاقي عندها خمول وبتنام كتير، ده طبيعي؛ لأنها وقت ما جت جسمها كان متشنج جامد وكان لازم تاخد مهدئات. هز ريان رأسه بتفهم وشكره بامتنان، وغادر مكتبه وتوجه إلى غرفتها، طرق الباب ثم ولج للداخل مُشكِّلًا ابتسامة على ثغره لتبادله هي ابتسامة خجولة، بينما أردف هو: _مش يلا بينا بقى، كفاية الخمس ساعات اللي قضيناهم هنا. اتسعت مقلتا عنود بصدمة وتمتمت بعدم تصديق: _إييه خمس ساعات!

أومأ رأسه مؤكدًا حديثها، واقترب منها قائلًا بنبرة رخيمة: _مش بقولك كنت هكسر المستشفى دي لو فضلتي ساعة كمان على وضعك وما فوقتيش. تنهدت عنود مستاءة، وأردفت بضجر: _تالت يوم جامعة ضاع أهو كمان. ابتسم لها ريان عندما راودته فكرة، وردد: _عندي ليكي خبر هيعجبك بخصوص الجامعة، بس مش هقوله هنا، هقوله في بيتنا.

غمز إليها بعينيه، وساعدها على النهوض وغادرا المشفى، حاوط ريان خصرها بذراعه لتكون هي حبيسة ذراعه، وضعت رأسها على صدره لعدم قدرتها الكافية لرفع رأسها بسهولة، كما سار خالد برفقتهم. أردف ريان عندما وصلا إلى الاستقبال: _عايز أدفع الحساب. التفت خالد إليه وغمز إليه بغرور: _خلصت كل حاجة.

ربت ريان على كتفه بحب ليكملَا سيرهما متجهين إلى السيارة، فتح خالد الأبواب لهما، ومن ثم جلست عنود بالمقعد الخلفي، وريان جلس في المقعد الأمامي، شرع خالد في القيادة باهتمام، بينما لم يرفع ريان بصره عنها قط، كان يتابعها من خلال المرآة الخارجية تارة، وتارة يلتفت بنفسه ليطمئن عليها.

تبادل مع صديقه أطراف الحديث عن العمل، وكيف يتعامل خالد فيه بسلاسة وعملية، مرر ريان أنظاره سريعًا على المرآة فتفاجأ بها ساكنة موصدة العينين تستند برأسها على النافذة بإهمال، خفق قلبه بشدة خشية أن يكون أصابها مكروه. أمر خالد بالتوقف حيث صف السيارة جانبا، وترجل ريان منها مسرعًا، واستدار من الباب الآخر وجلس بجوارها يتأكد من نبضها، لكن لم يكتفِ بذلك، اقترب من أذنها وهمس بهدوء: _عنود. فتحت عينيها ببطء وأجابته بثقل: _مممم.

ابتسم لها ريان ثم جذبها بذراعه لتستكين هي بين أضلعه مستندة برأسها على صدره ومحاوطة خصرها بيدها متشبثة به بكل قوتها. عدل خالد المرآة على وجه ريان وتساءل: _ها أكمل ولا أرجع المستشفى؟ هز ريان رأسه برفض وأردف بصوته الأجش: _لا كمل.

وصلا إلى المنطقة الشعبية القاطنين بها بعد ثلاثين دقيقة، صف خالد سيارته أسفل بناية ريان، ترجل منها أولًا فتبعه ريان وقد حملها بين ذراعيه بسبب غفوها، حتمًا لن تستطيع الصعود إلى الأعلى بتلك الحالة المزرية. ابتسم خالد وأردف مازحًا: _الله يسهل له. بصق ريان على الأرض وأجابه بغيظ: _الحسد ده اللي جايبنا الأرض. انفجر خالد ضاحكًا فتفاجأ كليهما بحضور مؤنس عم عنود، تنهد خالد بضجر بائن بينما قال ريان مرحبًا به: _أهلًا أستاذ مؤنس.

كانت تقاسيم وجهه تعبر عما يخفيه بداخله، تلك الحدة المشعة من عينيه تدل على عدم الخير، تبادل ريان وخالد النظرات بغرابة من أمره، ليهُم مؤنس هاتفًا باندفاع: _أظن قلة ذوق لما أطلب أشوف حضرتك وأنت تطنش! احتدت ملامح ريان وسحق أسنانه بغضب وصاح به: _بنت أخوك تعبانة وكانت في المستشفى، أكيد يعني مش هسيبها وأجي أقابلك! رق قلب مؤنس ومرر بصره عليها وسأله بقلق: _هي مالها؟ ابتسم ريان بسخرية وأجابه بجمود:

_واحدة اتعرضت لصدمة ولما لجأت لأقرب ناس لها رفضوها وهانوها، تفتكر هيكون مالها؟ هز مؤنس رأسه بإنكار وأردف بعدم اقتناع: _إيه الإهانة في أن أخويا يرفضها زوجة لابنه، هو حر. كز ريان على أسنانه المتلاحمة بغضب عارم، ورمقه بنظرات احتقارية مشتعلة ثم أردف مستاءً: _اللي بتتكلم عنها دي مراتي يعني تحاسب على كلامك! لم يدع له فرصة التحدث ووجه حديثه لخالد مباشرة: _أنا طالع ونازل تاني نشوف الحوار ده.

أومأ خالد رأسه بالموافقة ثم صعد ريان إلى الأعلى حاملًا فتاته بين ذراعيه، أسفل أنظار رنا ودينا الواقفتين في شرفة المنزل، مشاعر قوية راودتهما في تلك الأثناء، أولهم من هذا الرجل؟ حتمًا ليس ريان ذاته، ريان ذو الطابع الحاد والنبرة الخشنة لقد تحول تمامًا. ولجت دينا إلى الداخل واستلقت على الفراش وأجهشت في بكائها، عكس رنا التي أقسمت ألا تتركهم وشأنهم، سترى من الأهوال فواجع عدة لن يقدر على تحملها أو حتى استيعابها.

وضعها ريان على فراشها برفق، ونزع عنها حجابها كما خلع سترتها السوداء وتركها غافية ببنطال جينز يعلوه كنزة بحملات رفيعة، ألقى عليها نظرة سريعة ثم هبط إلى الأسفل استعدادًا لمواجهة المدعو مؤنس! ولج داخل معرضه بخطى متريثة إلى أن دلف مكتبه، وكما أمر خالد لبى أمره، مؤنس وخالد قيد انتظاره، سار نحو مقعده وجلس بثقة، استدار نحو مؤنس وأردف بشموخ: _أنت عندك بنتين مش كده يا أستاذ مؤنس؟

تعجب مؤنس من سؤاله فـ بناته ليسوا محور حديثهم، لكنه أجابه بفخر وتعالٍ: _آه عندي. واصل ريان حديثه أسفل أنظارهم المُسلطة عليه باهتمام: _كنت سمعت قبل كده إن واحدة منهم بتشتغل في شركة كبيرة وكان من شروطهم إنها تقلع حجابها، هي صحيح قلعته؟ ازدرد مؤنس ريقه كما شعر بالحرج الشديد ولم يعلم بماذا يجيبه، لكنه واصل بشموخ لكي لا يقلل من شأن فتاته وأردف بنبرة متعجرفة: _قلعته، وارد أنها تحصل!

التوى ثغر ريان بابتسامة ساخرة، ناهيك عن نظرات خالد عليه لا يصدق كيفية التحدث هكذا دون خجل عن ابنته، صمت ريان لبرهة وتابع مضيفًا: _شركة كبيرة عريضة فيها أسانسير يعني ممكن تكون بتطلع مع شباب، لا مش ممكن ده أكيد مهو مش معقولة الأسانسير هيطلع بواحدة بس! نهض مؤنس باندفاع وضرب على المكتب بقبضته وأردف بغضب رافضًا لذاك الحوار: _أنا ما أسمحلكش تتكلم على بنتي بالشكل ده! نهض ريان هو الآخر وصاح به:

_وأنا برضه ما أسمحلكش تتكلم عن مراتي بأي شكل من الأشكال، مراتي تربية الأجانب زي ما بتقولوا، رفضت تسلم على ابن عمها في أول مقابلة لهم عشان حرام، مع أني متأكد إن لو بنت من بناتك شافوه هياخدوه بالحضن، بنتك رضيت تقلع حجابها ومراتي رفضت تطلع معايا الأسانسير لوحدنا قبل ما نكتب الكتاب، بنتك بتسلم على أي راجل في الشركة تحت مسمى زميلها، أنا مراتي عطياني الحق الوحيد في لمسها محدش يتجرأ يقرب منها غيري! عاد ريان إلى جلسته

ورمق مؤنس بعجرفة وشموخ: _يا ترى مين بقى اللي تربية الأجانب؟ نجح بجدارة أن يلجم لسانه وعدم قدرته على مواصلة الحديث، تنهد ريان وتابع مضيفًا بنبرة أكثر هدوءًا:

_حتى لو ما كنتش كويسة ده مش مبرر أن أخوك يرفضها، كان ممكن ياخدها ويعلمها على العرف اللي كلنا عارفينه، بس أنا اكتشفت أن أخوك أصلًا لا يعرف عرف ولا تقاليد، ما فيش واحد محترم في عمره يجر بنت أخوه في الحارة كلها ويخليها فرجة للرجالة من تحت والستات من شبابيك بيوتهم، ما فيش راجل محترم يمد إيده على ست غريبة ما بالك ببنت أخوه اللي لحمه ودمه، ما فيش راجل محترم يجي وقت كتب كتاب ابنه يقول للعروسة أنا عايز أعرف أنتِ بنت ولا لأ؟

صعق مؤنس مما يصغي إليه، لم يكن على علم بـ تلك الهرائات، كيف يفعل أخوه هذا؟ بأي وجه حق فعل ذلك؟ لقد تعدى حدود الوقاحة، بات مؤنس يتخبط في صدمته الذي تلقاها لتوّه ولا يدري ما عليه فعله الآن، لكن ما يعلمه جيدًا أنه يريد الانسحاب سريعًا، لقد تعرى تمامًا أمامهم. قطع ريان حبال شرود مؤنس متسائلًا برزانة: _ترضى حد من بناتك اللي مش تربية أجانب يحصل له كده؟

رفع مؤنس بصره على ريان ولم ينبس بشيء، فقط سحب نفسًا عميقًا وأولاهما ظهره وانسحب من بينهم مطأطئ الرأس بحرج شديد قد اكتسبه في ذاك الحوار. نهض خالد وصفق بإعجاب كبير قائلًا: _إيه يا ابني اللي عملته ده، أنت خرست الراجل بشياكة، أنا توقعت أنك هتقوم تخليه هو والأرض حاجة واحدة، إيه الحكمة اللي نزلت عليك فجأة دي؟! ابتسم ريان بثقة وأردف: _مش عارف. انفجر كليهما ضاحكين ثم أردف خالد: _أنا خارج ورايا شغل كتير.

هب ريان واقفًا وأسرع بالحديث قبل أن يغادر قائلًا: _استني عايزك. التفت خالد إليه متسائلًا بفضول: _في إيه؟ اقترب منه ريان بخطى مهرولة ثم أجبره على الجلوس أعلى الأريكة الجلدية وظل يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا واضعًا كلتا يديه خلف ظهره. عقد خالد حاجبيه بغرابة من أمره وتساءل: _في إيه يا ابني وترتني؟ سحب ريان أكبر قدر من الأكسجين وجلس بجواره وأردف بتلعثم عله يأتي بحل منه: _إيه.. يعني أنا لو.. لو يعني..

قالها خالد لينهي سخافة ريان الذي بدا عليه، بينما ألقى ريان الحديث دفعة واحدة لينهي ذاك الحوار: لو عايز آخد خطوة ناحيتها أعمل إيه؟ ازدادت غرابة خالد فهو لم يعِ شيئًا مما قاله، وأردف متسائلًا باهتمام: هي مين وخطوة إيه؟ أوصد ريان عيناه بعصبية وصاح به بحنق: لا ركز معايا كده لإما هقوم أمشي. ضحك خالد وأجبر جميع حواسه على الانتباه جيدًا، فواصل ريان حديثه قائلًا: عنود، عايز آخد خطوة يعني زي أي راجل مع مراته..

فغر خالد فاهه ببلاهة، كما اتسعت بؤبؤة عينيه بذهول لا يصدق ما يتحدث فيه ريان، بينما نهض ريان بتذمر وقال: ولا كأني سألتك في حاجة انسى.. أولاه ظهره وسار عدة خطوات، فأسرع خالد نحوه وأجبره على الوقوف قائلًا: اهدى عليا يا عم ريان، أنا لسه مش مستوعب إنك بتتكلم معايا بالخصوصية دي أصلًا.. تنهد ريان بضجر وعاد لجلسته وأردف بفتور: أيوة يعني أعمل إيه برده؟ حاول خالد كتم ضحكاته حتى لا يثير غضبه، وعاد هو الآخر إلى جلسته وأردف:

ما هي مراتك يا ريان إيه المشكلة يعني؟ زفيرًا وشهيقًا فعل ريان، ثم مال بجسده للأمام ليكون أقرب إلى خالد، وأجابه موضحًا:

بحس إني عبيط أوي وأنا واقف قدامها وبفكر في الحاجات دي، واحد عنده ٣٤ سنة بيفكر كده في بنت عندها ١٨ سنة بيحسسني بالذنب، الموضوع في أوله بيبقى طبيعي وحلو بس بعدها ما بقدرش أكمل وأبعد، وبلوم نفسي إزاي أفكر فيها كده الفرق بينا كبير أوي وأنا دايمًا حاسس إني ظالمها معايا، مش عارف يمكن ما حسيتش ده منها بس أنا بجد مش عايز ألوم نفسي كده كتير.. تنهد خالد وقال بنبرة رزينة:

أتكلم معاها شوفها هي راضية ولا لأ، وعلى فكرة هي لازم تبادلك المشاعر اللي أنت محتاجها، وقتها مش هتلوم نفسك لإن هي راضية فاهمني! أومأ ريان رأسه بتفهم ثم استأذن خالد وغادر لكي ينهي أعماله المتراكمة عليه، بينما عزم ريان على التحدث معها أولًا وبعد ذلك يأتي كما هو مقدر لهم.

انتقَتْ بعناية من إحدى قمصان نومها أكثرهم جرأة وارتدته. وضعت بعض المساحيق التجميلية التي برزت جرأة ملامحها الأنثوية، كما ارتدت بعض الحلي، وأخيرًا وضعت قدرًا كافيًا من العطر المفضل لزوجها. وقفت أمام باب غرفتها وتعمدت أن تشد قميصها للأسفل قليلًا لكي يبرز قوامها.

أدارت مقبض الباب وهي تسحب نفسًا عميقًا، ثم سارت بدلال بالقرب من زوجها الجالس على الأريكة بمفرده. وصلت إليه وانحنت بجسدها بالقرب من شفتيه ووضعت قُبلة رغم رقتها إلا أنها هزت كيانه. فتح عينيه الموصدتين فتفاجأ بمظهرها هذا أمامه. اعتدل هاني في جلسته وقال في إنكار لما تفعله: أنتِ إزاي خارجة هنا بشكلك ده؟ تنهدت رنا وجلست على قدميه وتعلقت في عنقه وأردفت بدلال: عمي ماهر نايم ويحيى مش هنا ما فيش غيرك! ابتسم

هاني بسخرية وقال بتهكم: رضيتي عني يعني؟ تصنعت رنا الحزن وهزت رأسها برفض لما يقوله وأردفت معاتبة: وأنا من إمتى ما كنتش راضية عنك، بس العلاقة اللي بتزيد مشاكلها لازم يبقى فيه استراحة في النص عشان نعرف نكمل تاني فهمت! تنهد هاني بحرارة وحاوط خصرها بذراعيه ونهض وهي لازالت متشبثة به، كما لفت هي قدميها خلف ظهره حتى يسهل عليه حملها. ولج بها داخل غرفتهم وألقاها على الفراش لكنها أسرعت بالقول:

استنى بس عايزة أتكلم معاك في حاجة مهمة.. تنهد هاني بضجر ثم قال متسائلًا: في إيه؟ اعتدلت رنا في جلستها وقالت بميوعة: قعدتك في البيت مش حلوة يا هاني. رفع هاني حاجبيه بغرابة وأردف متعجبًا: قولتِ لي امشي من الأوضة وسبتها وبنام بره كمان عايزاني أسيب البيت كله.. أسرعت رنا موضحة مقصدها:

لا لا مش قصدي اللي أنت فهمته ده خالص، أنا بتكلم عن الشغل، أنت بقالك كتير قاعد ومعتمد على أخوك لحد ما هو عمل توكيل لخالد وأنت لأ وده لإنك مش موجود وعلى طول في البيت، أنت لازم تصلح اللي بوظته وتنزل الشغل وتقرف خالد تخليه يكره اليوم اللي اتعمل له فيه توكيل، وقتها بس هيتنازل لريان عن التوكيل، وبعد كده ريان مش هيلاقي حد غيرك قدامه يعمله توكيل ما هو ما عادش فاضي للشغل بقى كفاية عليه مراته..

عقد هاني ما بين حاجبيه وأردف متسائلًا بحيرة: وأنتِ مهتمة بالموضوع ده ليه يعني؟ أجابته رنا بتلقائية: عشان نعيش بقى إحنا أولى من الغريب اللي مسكه أملاكه ده.. اقترب منها هاني وقال بين قُبلاته التي يلثمها على ثغرها الصغير: ركزي أنتِ معايا بس الوقتي ونشوف الموضوع ده بعدين.. مالك يا عم يا يحيى شايل طاجن ستك ليه؟ أردف بها شريف أحد رفاق يحيى، بينما تنهد يحيى بضجر بائن عله يخرج اختناق صدره مع خروج الهواء لكنه فشل. استدار

إلى شريف وأردف بحنق: هو ليه ربنا بيدي ناس كل حاجة وناس تانية لأ؟ تعجب شريف من حديثه المبهم وتساءل بحيرة: وأنت ناقصك إيه؟ كز يحيى على أسنانه بغضب وأردف بعصبية: ناقصني كتير، ناقصني.... توقف يحيى من تلقاء نفسه عندما لم يجد ما ينقصه. انفجر شريف ضاحكًا بسخرية وأردف:

عشان أنت مش ناقصك حاجة، عندك أخ بيحقق لك اللي بتتمناه من قبل ما تطلب، والدك راجل طيب محترم، دخلت الكلية اللي كان نفسك فيها أنت نفسك صحتك كويسة لا ناقص إيد ولا رجل، احمد ربنا يا يحيى عشان النعم اللي عندك ما تزولش ووقتها تندم إنك ما حمدتش ربنا.. تأفف يحيى وأردف لإقناعه بنواقصه: البنت اللي حبيتها وهموت عليها قصاد عيني في حضن واحد تاني.. ابتسم شريف لتلك الصراحة التي يصرح بها للمرة الأولى ثم قال برزانة:

لو كانت نصيبك كنت هتاخدها، مش لازم كل حاجة تمشي زي ما أنت عايز، أكيد في حاجات ربنا مش مقدر إنها ليك، كنت سمعت قبل كده خطبة للشيخ الشعراوي بيقول إن رضيت يا عبدي بما قسمته لك أرحت لك قلبك وبدنك، يعني ارضى أنت والخنقة اللي فيك هتختفي، وبعدين يا يحيى إحنا لسه صغيرين أوي على الحب والهبل ده، أنت لسه وراك خمس سنين جامعة وجيش يعني قدامك كتير أوي، ركز في دراستك اللي حلمت بيها وبس.. زفر يحيى أنفاسه بضيق شديد وأردف بيأس:

مش عارف مش عارف، طول ما هي قدام عيني مش هقدر أركز في حاجة، حاسس إن حياتي وقفت عليها! اقترب منه شريف ولكزه بقوة في ذراعه وقال بمزاح: ده أنت وقعت ولا حد سمى عليك يا عراقي يا صغير. نفخ يحيى بضجر بائن ونهض بتذمر: أنا غلطان إني بتكلم معاك في حاجة، أنا ماشي سلام.. أسرع شريف خلفه بخُطى سريعة وأجبره على الوقوف وردد بغرابة:

في إيه يا يحيى أنت قافش كده ليه، ما تروح تقولها إنك بتحبها وتخلص وهي لو عايزاك هتسيب اللي معاها وتجيلك بسيطة يا اسطى.. سحب يحيى ذراعه من قبضتي صديقه وأجابه بفتور: ما ينفعش أقولها كده وحتى لو سابت اللي معاها ما ينفعش أقرب منها، الموضوع متقفل من جميع النواحي عشان كده أنا مخنوق ولازم أنا اللي أنساها بس مش عارف.. قطب شريف جبينه بغرابة من حديثه المبهم وأردف بعدم فهم: الموضوع شكله ملعبك (معقد)

وعايز له قعدة، تعالى احكي لي على رواقة وأنا أشوف لك حل.. أومأ يحيى رأسه برفض ثم أولاه ظهره وأردف بيأس: أنا ماشي، سلام. وضع شريف كلتا يديه في منتصف خصره متعجبًا من حالة صديقه الذي يراه عليها للمرة الأولى. تنهد باستياء وعاد بأدراجه إلى المقهى الذي يعود إلى والده.

فتح باب شقته وولج إلى الداخل بهدوء حتى لا يسبب لها الإزعاج. أغلق الباب برفق ومن ثم ذهب إلى المطبخ ليضع الحقائب البلاستيكية على الطاولة الرخامية، لكنه تفاجأ بوقوفها في المطبخ بزيها النحاسي طويل القامة ذو الأكتاف العريضة (سلوبت) ، رافعة شعرها للأعلى منسدل منه بعض الخصلات الشاردة، ناهيك عن رائحة عطرها الرائع الذي تغلغل داخل أنفه.

وقف ريان مستندًا بمرفقه على الباب يتفحص تقاسيمها المهلكة التي تبرز خلف ذاك الثوب. لقد فقد عقله قبل أن يرى وجهها، إذا ماذا سيحدث له إن استدارت إليه؟! حمْحَم ريان ليعلن عن وصوله. فزعت عنود من صوته الذي صدح فجأة. اعتدلت في وقفتها واستدارت إليه ليتفاجأ بالحُسن والدلال الذي يتحدث عن نفسه. رقة مبالغة وخصوصًا عندما وضعت بعضًا من مساحيق التجميل ذات الألوان الفاتحة التي برزت معالمها عكس الوجه البريء التي تتمتع به.

شكلت ابتسامة على ثغرها واقتربت منه وفاجأته بقُبلة رقيقة كرقتها على وجنته ثم رحبت به: حمد لله على سلامتك! بالتأكيد يحلم! أوصد عينيه وفركهما بشدة ثم فتحهما ليرى الوضع كما هو عليه، واقفة أمامه مشكّلة ابتسامة أذابت قلبه. هز رأسه بعدم تصديق وأردف ببلاهة: "إيه ده؟ اتسع ثغرها بابتسامة عريضة وأردفت وهي تشير بيدها إلى الصحون الموضوعة على الطاولة الرخامية: "ممم هتاكل النهاردة من إيدي!

أبدى ريان إعجابه الشديد لترتيب الصحون بصورة منظمة لم يسبق وأن رآها من قبل، ناهيك عن عدم قدرته لمعرفة نوع الطعام. هز رأسه بعدم إدراك وأردف: "هو شكله يفتح النفس بس إيه ده برده، عبارة عن إيه يعني؟ المعت عيناها بحيوية وأردفت بحماس: "دي باستا فوتشيني بالكريمة أكلتي المفضلة وواثقة إنك هتحبها! أجابها ريان بعفوية: "أنا حبيتها خلاص، أقصد يعني أكيد حلوة عشان من إيدك! ابتسمت بسعادة وأردفت بحدة زائفة: "أنا مش بحب الـ Compliments

(المجاملات) قولي رأيك الحقيقي." أومأ رأسه بالإيجاب فتابعت هي مضيفة: "في طبق زيادة ممكن تنزله لـ Uncle ماهر." ضيق ريان عينيه عليها وهتف بتردد: "ممم أنكل ماهر هيكون في سابع نومه دلوقتي، عمومًا هاتي لو لقيته نايم يبقى الطبق من نصيب يحيى." أومأت رأسها بالقبول بينما هم ريان بالهبوط للأسفل لكي يفعل ما قاله، بينما وضعت هي الصحون على المائدة وجلست قيد انتظار عودته.

كما توقع تمامًا، لقد غفي والده باكرًا، كما لم يجد يحيى أيضًا. تنهد بضيق وعاد أدراجه للخارج فتقابل مع يحيى على الدرج. ابتسم بحيوية وأردف: "كويس إني لقيتك أكيد ما أكلتش حاجة! رمقه يحيى كثيرًا بندم شديد. يبادر ريان دومًا بالعطاء ولا ينتظر رده، فقط يعطي ويبهره حتى في أقل أفعاله، وهو ماذا فعل؟! يفكر بزوجته! يجدر عليه وضع حد لهذا الوضع السخيف فليس على استعداد لخسارة أخيه من أجل امرأة أو غيرها.

ابتسم يحيى بتهكم وأخذ الصحن منه وأردف ممتنًا: "شكرًا." غمز ريان إليه ثم ركض إلى الأعلى ليتمتع قليلًا بالأجواء التي فاجأته هي بها. ولج إلى الداخل وشاركها المائدة، بدت الأجواء مليئة بالخجل والرغبة كما خُلق أمل في قلب ريان نحوها. مر القليل ثم وجه ريان بصره عليها وقال وهو يستمتع بتذوق الطعام: "طعمها جميل تسلم إيدك." دقت أسارير السعادة قلبها وارتسمت ابتسامة خجولة على محياها وقالت ممتنة: "Thanks."

أنهى صحنه بالكامل وانتظر حتى أنهت هي طعامها ثم تسلل بيده إلى أن احتضن يدها الصغيرة الموضوعة على المائدة. ابتلع ريقه مرارًا في محاولة منه أن يصرح بحبه لها لكنه لا يستطيع. "اهدأ من روعك يا رجل الأمر ليس بتلك الصعوبة، إنها فقط كلمة ليس إلا! سحب نفسًا عميقًا وفتح فاهه لينطقها، لكن لا تريد الخروج وكأنها انحشرت بداخله. استشفت عنود الصعوبة الذي يواجهها هو وأسرعت هي بالحديث مصرحة بمشاعرها: "ريان I love you."

اتسعت مقلتيه بذهول وشد على يدها عله يصدق ما صرحت به لتوها. سحب أكبر قدر من الأكسجين وأردف بعدم تصديق: "قلتِ إيه؟ تحول لون وجهها إلى الحُمرة الصريحة وأعادت ما أردفته الآن: "I love you ريان." نهض ريان من على مقعده وجذبها من ذراعها ومال برأسه أمام شفتيها قائلًا بصوته الأجش: "قوليها تاني! اضطرت عنود إلى محاوطة عنقه بذراعيها لكي لا تقع أثر تشبثه القوي بها كما وقفت على قدمه وأعادت قول اعترافها الجريء للمرة الثالثة لكن تلك

المرة كانت بدلال مبالغ: "I love you." لقد جن جنونه من خلف نبرتها الرقيقة التي تنطقها بدلال لم يخوضه معها من قبل. تنهد وهمس أمام شفتيها: "قوليها عربي." ابتلعت ريقها بخجل وخصوصًا عندما ضمها أكثر لحضنه شعرت حينها بنبضاته أمام قلبها. جمعت قواها وأردفت بنبرة متحشرجة خجولة: "بحبك ريان! دقت طبول السعادة قلبه لاعترافها بحبه بل كانت تتراقص نبضاته على سيمفونية ذاك الاعتراف. ضمها لحضنه وعانقها بقوة يريد أن يدخلها بجوفه.

بعد برهة رفعها ريان قليلًا عن قدمه ثم سار بها بتريث نحو الغرفة. ركل الباب بقدمه وولج إلى الداخل وهي لازالت متشبثة به بقوة. مال بها ريان على الفراش ورمقها بنظرات تملؤها الرغبة وحاول أن يصرح بحبه، لكن الكلمة ثقيلة ولا تريد الخروج. تنهد بضجر بائن فأسرعت هي في جذب وجهه نحوها لكي لا يصعُب الأمر على نفسه.

لقد كانت متفهمة لأبعد حد، غيرها كان سيرفضن أي تودد في علاقتهم لطالما لم يصرح الرجل بحبه، لكنها تفهمت صعوبة الأمر الذي يقع به، وها قد انجرف معها ريان في تيار حبهم الذي أخذ وضعه الآن. نهض من المقعد بعصبية وألقى الهاتف باندفاع على المكتب. أوصد عينيه يحاول كبح غضبه. شهيق وزفير فعل خالد ثم جذب الهاتف مرة أخرى وهاتف ريان.

جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا للمرة العاشرة على التوالي وهو لا يجيبه. تنهد بضجر أكبر وأعاد مهاتفته مرة أخرى عله يجيب تلك المرة. بينما أجبرته عنود على الابتعاد عنها قائلة: "موبايلك بيرن رد عليه أكيد في حاجة مهمة." أزفر ريان أنفاسه بضيق ومن ثم نهض وهو يتأفف بعدم قبوله لابتعاده عنها. أجاب صديقه بصوت متحشرج: "في إيه يا ابني؟ توقف خالد مكانه وأردف بعدم صبر: "في مصيبة حصلت."

عقد ريان حاجبيه ومرر أنظاره سريعًا على عنود ثم دلف للخارج. وقف بمنتصف الردهة وتساءل بتوجس: "في إيه؟ "المينا وقفت حاوية الخشب اللي جاية من ألمانيا ولقوا فيها مواد مخدرة، عادل زميلي لسه قافل معايا ومبلغني وهو بيحاول يعطل الموضوع على قد ما يقدر لما نروح إحنا نشوف حل." وضع ريان إحدى يديه خلف رأسه بذهول متمتمًا بعدم تصديق: "مخدرات إيه أنا ناقص مخدرات! أزفر كلاهما أنفاسهما بعدم استيعاب لما يحدث، ثم أردف ريان بقلة حيلة:

"أنا جاي لك حالًا." أغلق الهاتف وقد تحولت تعابير وجهه إلى الضيق الشديد. سحب نفسًا عميقًا وعاد إلى الغرفة مرة أخرى. اعتدلت عنود من نومتها ورمقته بتوتر تحول تدريجيًا إلى خجل صريح عندما رأته يغلق أزرار قميصه. جلس ريان على طرف الفراش بالقرب منها وأمسك يدها وهتف موضحًا: "أنا آسف بس مضطر أمشي في مشكلة حصلت في الشغل ولازم أسافر لها حالًا." اتسعت مقلتيها بصدمة وتمتمت بذهول: "تسافر! التوى ثغر ريان بابتسامة لم تتعد شفتاه

وشد على يدها حتى يطمئنها: "مش سفر بمعنى سفر يعني ساعتين رايح وساعتين جاي بس الله أعلم هقعد قد إيه هناك، ادعي لي." بادلته ابتسامة عكس ما تشعر بداخلها، تريد أن تتشبث به وترفض سفره لأي مكان، لن تتحمل خسارة أخرى حتمًا ستنهار تلك المرة. نهضت برفقته إلى أن وصلا إلى الخارج. مال ريان برأسه عليها ووضع قُبلة على شفتيها وأردف: "خلي بالك من نفسك." بينما بادلته هي عناقًا قويًا وأومأت رأسها بطاعة وأردفت بنبرة متوترة:

"استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...