تلبدت السماء بالغيوم وهب صرير الرياح المخيف أرجاء المكان، وها هي حبيبات المطر تتناثر على أسقف المنازل وضريح الشوارع. صوت الرعد ووميض البرق يرى من النوافذ. فتحت عيناها التي تشبه حبات البن اليمني الأصيل بنعاس، لتنتفض عند سماعها لهزيم الرعد الهادر. نهضت لتغفل نوافذ غرفتها التي تلاطم بها الرياح من كل جانب، وهي تتلو أدعيتها وترتجف خوفًا، فأكثر ما تخاف منه المرتفعات والجو العاصف.
جلست على سريرها أخيرًا، ملتحفة بغطائها، ولسانها لم يكف عن قول "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده". رنين هاتفها الأرضي جعل قلبها يعلن استيائه الخائف بدقاته المتتالية. ابتلعت ريقها لتجيب بخفوت: "الو." لكن لا رد. أطالت صوتها قليلًا: "الو، من معي؟! أرهفت سمعها جيدًا لتسمع أنفاسًا متلاحقة، ثم صوت هامس أخافها قائلًا: "كنت أعلم بأنك خائفة من العاصفة." عقدت حاجبيها بتعجب لتقول: "نعم! من معي؟ أجابها متجاهلًا تمامًا سؤالها:
"لا تخافي، أنا معك يا بلقيس." بلقيس بتعجب وخوف لنطقه اسمها: "من أنت؟ وكيف عرفت اسمي؟ قهقه الرجل بشدة متجاهلًا ارتعاب وخوف تلك القابعة خلف سماعة الهاتف، ليقول بصوت متحشرج: "أعرف عنك كل شيء، ليس فقط اسمك."
ارتبكت بلقيس ولم تعرف ماذا تفعل. وجدت نفسها لا إراديًا تغلق سماعة الهاتف وهي تمسح وجهها عدة مرات بيديها المرتجفتان، وأنفاسها أصبحت ثقيلة وكأن شيئًا يجثم على صدرها. وما زاد ارتعابها وخوفها هو اشتداد العاصفة بصوت الرعد وزخات المطر. رنين صدح في الغرفة الهادئة مجددًا. انتفض جسدها وهي تراقب بأعين خائفة ومفتوحة الهاتف الأرضي الذي علا رنينه مجددًا. جف حلقها وحاولت ابتلاع ريقها، وحبيبات العرق توافدت على جبينها.
صمت الهاتف ليصمت معه عنف دقات قلبها المتتالية. ألقت بنفسها على السرير بتعب وكأنها كانت تركض لمسافة طويلة، وبدأت بإغلاق عينيها لتفتحهن مجددًا بعد سماعها لصوت هاتفها المحمول ينذر برسالة. فتحتها لتجد الرقم محجوب والرسالة: "تصبحين على خير يا بلقيس". بلقيس بخوف: "من هذا؟ وماذا يريد مني يا إلهي؟
بعد هدوء العاصفة، نهضت بلقيس وهي تجر ساقيها بتثاقل نحو باب الحمام لتغتسل وتتوضأ وتؤدي فرض الفجر، وتعـاود للنوم مجددًا. ودوامة أفكارها لازالت تعصف بها. *** تباعدت الغيوم لتسمح لأشعة الشمس بالنفاذ، وكأنها ترمم أفعال العاصفة في الليلة الماضية. "بلقيس حبيبتي، هيا انهضي." فتحت بلقيس عيناها التي لازالت تغشاها سحابة النعاس ببطء شديد لتقول بابتسامة شاحبة: "استيقظت يا خالتي." سوزان بابتسامة محبة: "صباح الخير عزيزتي."
"صباح النور"، قالتها بلقيس وهي تقبل خد سوزان وتنهض عن السرير. سوزان وهي ترتب غرفة بلقيس: "هيا استعدي لتذهبي لجامعتك، عمك سيُوصلك على طريقه." "حاضر"، قالتها بلقيس بمرح وهي تتجه نحو الحمام. خرجت بلقيس من الحمام لترتدي ملابسها الواسعة والمنمقة بألوانها جدًا، ثم تسرح خصلات شعرها الزلفية السمراء القصيرة وتغطيها بحجابها الذي ينسدل حتى أكتافها، وتحمل حقيبتها وتخرج لتجد عمها وخالتها على طاولة الطعام.
"صباح الخير يا سادة"، قالتها بلقيس بمزاح وتطبع قبلة على خد عمها قائلة: "أحلى صباح لأحلى رجل في العالم." قهقه العم سيف قائلًا بمزاح: "أيتها المشاكسة، هيا تفضلي وأفطري." سوزان بغضب مصطنع: "ألا تخجلين من تقبيل زوجي أمامي أيتها الفتاة؟ بلقيس بمزاح وهي تتعلق بذراع سيف: "ما شأنك بقصة حبي بعمي يا سوزان؟ سوزان بصدمة كاذبة: "سوزان! يا عديمة التربية." "أليست تربيتك هذه؟ "، قالها سيف بضحك.
ضحكت بلقيس وهي تحتضن سوزان وتبادلها الأخيرة الحضن بواحد أشد منه. تبدأ بلقيس بالأكل وهي تبتسم على وجود شقيقة والدتها التي توفاها الله بالمرض الخبيث وهي تبلغ من العمر عشر سنوات. حولت حدقات القهوة التي تمتلكهن نحو سيف، الذي هو شقيق والدها وزوج خالتها. والدها الذي رحل قبل ثلاث سنوات فقط في ظروف الحرب، فقد كان جنديًا في الجيش لتصعد روحه الطاهرة إلى بارئها في ساحة المعركة. سيف بحنان:
"أنا سأشرب القهوة بالحديقة، بعد أن تكملي فطورك سأوصلك على طريقي." "حسنًا"، قالتها بلقيس بطاعة وهي تنشغل بتناول طعامها. رنين الهاتف الأرضي الذي بالصالة تعالى لتنتفض بلقيس بخوف شديد وكأنها تتذكر أن ما قد حصل معها البارحة حقيقي وليس حلمًا مزعجًا. أغلقت سوزان الهاتف بعد أن تحدثت بصديقة لها لترى وجه بلقيس الذي لا يبشر بالخير، عيناها الجاحظتان، وشفتيها المرتجفتان المصاحبتان لتعرق جبينها وارتعاش أطرافها. سوزان بقلق:
"بلقيس، ما بك عزيزتي؟ أغمضت بلقيس عينيها وهي تنفض تلك الأفكار عن رأسها لتقول بارتباك وتلعثم: "ليس هناك شيء، أنا سأذهب، وداعًا." "وداعًا"، قالتها سوزان باستغراب من تصرفات بلقيس غير المنطقية. *** طوال الطريق وهي شارده بمكالمة أمس الغريبة، ومن قد يكون هذا الشخص؟ وعدة أسئلة تدور بثنايا فكرها. نفت برأسها يمينًا ويسارًا، وكأنها تناثر تلك الأفكار عن بؤرة عقلها. "ليس من عادتك أن تظلي صامتة كثيرًا يا بلقيس، ما بك يا صغيرتي؟
لقد أقلقتيني"، قالها سيف بقلق شديد. تنهدت لتخرج ابتسامة جميلة وهي تنفي تلك الأفكار قائلة بنفسها: "لابد وأن أحدهم يريد أن يخيفني بهذا المقلب". "لا شيء يا عمي، لا تقلق، فقط كنت أفكر بامتحان اليوم، فهو آخر امتحان وأصعب امتحان." ابتسم سيف براحة: "ابنتي ذكية وستنجح، لابد من ذلك." تبسمت بلقيس بامتنان لهذا الأب الرائع الذي بهيئة عم: "بإذن الله." "ها قد وصلنا، بالتوفيق عزيزتي"، قالها سيف بتشجيع. "شكرًا عمي، وداعًا."
دخلت بلقيس باب جامعتها لتشعر باهتزاز هاتفها المحمول بداخل حقيبتها. أخرجته لترى نفس الرقم "المحجوب". ترددت بفتحها لتحزم أمرها وهي تعض شفتيها السفلى، وتتراكم حبات العرق على جبينها. وفتحت الرسالة لتفغر عيناها فزعًا، فمحتوى الرسالة: "بالتوفيق بامتحان اليوم". تتالت أنفاسها وهي تتلفت حولها، وكأنها تبحث عمن أرسل تلك الرسالة المشبوهة.
هزة أخرى بهاتفها جعلت من أوصالها ترتعد وترتعش، وفتحت الرسالة وهي تضع يدها على فمها، فهذا ليس مجرد مقلب، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير. فهذه الرسالة كان محتواها: "هل تبحثين عني؟ من يدري، يمكن أن أكون خلفك مباشرة". شهقة كبيرة خرجت منها وهي تشعر بيد توضع على كتفها، والدوار عصف بها والفزع احتل قلبها، لتغمض عينيها وهي تستدير لترى من هذا الذي خلفها. *** "سيف نصار؟! "، قالها بشك. التفت سيف لصاحب الصوت قائلًا بتعجب: "نعم، أنا."
ابتسم الرجل قائلًا: "ألم تعرفني يا رجل؟ أزال سيف النظارات الطبية عن وجهه وهو يدقق بوجه الرجل ليقول بسعادة: "فؤاد ناظم." ضحك فؤاد وهو يحتضن سيف قائلًا: "لقد مر وقت طويل يا صديقي." سيف بمزاح: "وقت طويل جدًا. لقد كبرت يا رجل وأصبحت عجوزًا." "على أساس أنك لازلت شابًا؟ "، قالها فؤاد بضحك. سيف بإلحاح: "ستتغدى عندنا اليوم، وهذا نهائي." "أجعلها غدًا، سنأتي أنا والمدام والولد"، قالها فؤاد وهو يربت على يد سيف.
سيف وهو يرفع سبابته أمام وجه فؤاد كعلامة تحذيرية: "حسنًا، إذاً غدًا. ألقاك ولن أقبل أي أعذار. وهذا كرت أرقامي." تناول فؤاد الكرت: "حسنًا، إذاً ألقاك غدًا. وداعًا." "إلى اللقاء"، قالها سيف مودعًا فؤاد الذي ذهب ليعود لعمله، فهو يعمل بالبنك منذ عشر سنوات. *** استدارت بلقيس لترى من هذا الذي خلفها وقد بلغ الخوف أشده معها. "بلقيس، ما بك؟ لما هذه الشهقة كلها؟ فقد أخفتيني. تنهدت بلقيس براحة لتقول: أنسام، ماذا هناك؟
أنسام، وهي زميلة لبلقيس في الجامعة، فبلقيس جميع الطلاب زملاؤها، لكنها ليست لها صديقة بالمعنى الفعلي: لقد بدأت المحاضرة، هيا سنتأخر. بلقيس بارتباك: حسناً، اذهبي أنتِ، أنا سأذهب للحمام قليلاً ومن ثم سآتي. حسناً، لكن كما تعلمين، الدكتورة هبة لا تدخل أحداً بعدها. لابأس، اذهبي وأنا سألحق بكِ.
قالتها بلقيس وهي تشد خطواتها نحو حمام الفتيات. دخلت بخطوات متعجلة لتقف أمام الحوض وتغسل وجهها عدة مرات. لتقف أمام مرآة الحوض وترى شخصاً خلفها. التفتت له وهي ترتجف من الذعر لتقول بصوت مهتز: من أنت؟ ابتسم الرجل وهو يتفرس ملامحها وكأنه يغوص بثنايا وجهها ليجيب بصوت هادئ: أنا من كنتِ تبحثين عنه منذ قليل. أرهفت مسامعها لتلحن الصوت بسرعة، فهو من كان يتصل بها بالأمس. لتقول بخوف فشلت في إخفائه: ماذا تريد مني؟
أحبك بجنون يا بلقيس. قالها بهمس لتنتفض أوصالها، وكأنه يريد قتلها ولم يعترف لها بالحب. اقترب منها لتصرخ هي بأعلى صوتها ويخر مغشياً عليها. فزع بشدة وهو يتناولها بين يديه ليخرجها من الحمام ويذهب بها لعيادة الجامعة. جلس بجانبها وهو يمسح على بشرتها الصافية والخالية من الشوائب. رفع نظره للممرضة ورآها منهمكة بعمل ما ليطبع قبلة على جبين بلقيس ثم شفتيها ويدلف لخارج العيادة. ~~~~~~~ دقت أرقام زوجها وهي تكاد تموت خوفاً لتسمع
صوته الرخيم يقول بمزاح: هل اشتقتي لي؟ سوزان ببكاء: سيف. نهض مفزوعاً من فوق مكتبه وهو يقول بقلق: سوزان، حبيبتي، ما بك؟ تعال بسرعة يا سيف، الجامعة اتصلت علي وأخبروني بأن بلقيس مرضت فجأة وفقدت وعيها. قالتها بصوت متقطع وشهقات متتالية. قلق سيف بشدة، فهو يخاف عليها من نسائم الهواء البارد، لكنه هدأ سوزان قائلاً بحنان: أنا آتي حبيبتي وسنذهب سوياً للجامعة، فقط اهدأي. لا تتأخر أرجوكِ. قالتها ببكاء. مسافة الطريق فقط.
قالها وهو يغلق هاتفه ويأخذ مفاتيح سيارته ويركض خارجاً. ~~~~~~~ في أقل من ساعة كانت سوزان تحتضن بلقيس الغائبة عن الوعي، وسيف يتكلم مع الممرضة. سيف بقلق: أخبريني أيتها الممرضة، هل هي بخير؟ الممرضة بعملية: لا تخافي ياسيد، لقد أعطيناها إبرة مهدئة، فقد كانت تنهض وتصرخ وتطالب بكما، لذلك جعلناها ترتاح قليلاً. تنهد سيف براحة ليقول بتساؤل: متى ستستيقظ يا آنسة؟ بعد حوالي نصف ساعة تقريباً.
هز سيف رأسه وهو يعود إلى السرير الذي يضم بداخله جسد صغيرته الحبيبة. سيف باطمئنان: لا تخافي يا حبيبتي، لقد طمنتني الممرضة على صحة بلقيس. سوزان وهي تمسح دموعها: ألم تخبرك ما الذي جعل بلقيس بهكذا حالة؟ سيف نافياً: لا، فقد قالت بأن أحدهم دخل وهو يحملها بين يديه. سوزان بعدم مبالاة: لابد وأنه أحد زملائها. فتحت بلقيس عيناها ببطء شديد وترمش عدة مرات باستيعاب لتقول بخفوت: عمي. اقترب سيف منها
بلهفة ودموع حاول كبحها: بلقيس حبيبتي، هل أنتِ بخير؟ ابتسمت بلقيس براحة وأمان: أنا بخير، لا تخف. اقتربت سوزان وهي تبكي بهلع: أخفتيني عليكِ يا فتاة. احتضنت بلقيس سوزان وكأنها تلقي بخوف هذا اليوم كله بداخلها. هيا لنذهب للمنزل. قالها سيف وهو ينهض بلقيس. بلقيس بإصرار: سأؤدي امتحاني يا عمي، فهو آخر امتحان، أرجوك. تنهد سيف بقلة حيلة: حسناً، لكن سننتظرك هنا.
أومأت بلقيس وهي تخرج من العيادة وعقلها شارد بهذا الشخص الذي جلب الذعر لحياتها منذ ظهوره باليوم الأول. أدت بلقيس امتحانها وذهبت للمنزل مع أفراد أسرتها متمنية راحة وأمان لقلبها المتعب بشدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!