أدت بلقيس فرضها وذهبت للنوم سريعًا، وكأنها تهرب مما عاشته اليوم. نامت؟ قالها سيف بتساؤل. هزت سوزان رأسها إيجابًا، وهي تلقي بنفسها بين أحضان زوجها الذي أشتد هو الآخر في إدخالها لدآخله أكثر. "ألم تخبرك ماذا حصل لها بالتفصيل يا سوزان؟ " قالها سيف بترقب.
سوزان نافية: "لم تخبرني أكثر مما قالته سابقًا، بأنها كانت ذاهبة للحمام ولم تشعر بنفسها بعد وماذا حصل. لكن لم تقنعني أبدًا، قصتها أشعر وكأنها خائفة من شيء ولا تريد إخبارنا." "دعينا لا نضغط عليها وستخبرنا بنفسها فيما بعد." قالها سيف بهدوء. "سوزان." قالها سيف بهمس بعد صمت طويل. "نعم حبيبي." سيف وهو يخلل أصابعه في خصلات شعر سوزان الحريرية الطويلة والفحمية: "نسيت أن أخبرك بأن غدًا سيأتي فؤاد وعائلته لتناول الغداء معنا."
"أليس هذا فؤاد ناظم صديقك من الجامعة الذي كان يعيش بلندن؟ " قالتها متسائلة. "نعم هو. التقيت به صدفة بالبنك وأصررت عليه أن يأتي غدًا لتناول الغداء معنا." "خير ما فعلت يا روحي." قالتها وهي تنظر نحوه بحب. أبتسم وهو يداعب أنفه بأنفها بعشق لم ينطفئ يومًا، ويريح ظهره على الأريكة وهو لازال يضم سوزان بين أحضانه. ~~~~~~~ "مساء الخير جميعًا." قالها مرحبًا. فؤاد بأبتسامة: "يزن تعال يا حبيبي." جلس يزن بتعب فوق الأريكة التي بجانب
والده ليقول بأستغراب: "لما تجلس وحدك؟ أين أمي؟ قهقه فؤاد بخفة: "والدتك ذهبت لتحضير العشاء عندما اتصلت وأخبرتنا أنك آتٍ." "أليس ابني حبيبي ويجب أن أهتم به؟ " قالتها الأم وهي تدخل وبيدها طعام العشاء. أبتسم يزن بحب وهو ينهض ويأخذ منها الصحون ويضعها على السفرة ويقبل يدها بأمتنان: "لم أتعبي نفسك يا أمي، كنت سأجلب طعام العشاء من الخارج وأنا آتٍ." الأم (نسيمة) : "هل تمزح معي؟ هل أتركك تأكل من الشارع؟ ذلك ليس صحي يا حبيبي."
جلس فؤاد على كرسي الطعام وهو يقول: "هو أسبوع فقط وسيعود لأكل الشوارع، فأنتي ستسافرين يا عزيزتي وسيبقى هو وحده." جلست نسيمة بجانبه قائلة بتنهيدة: "لا أعلم لماذا أنت مصر على فتح فرع كبير لشركة هنا في الوطن وتقعد لوحدك بعيدًا عنا." أبتسم يزن بهدوء: "هذا حلمي منذ زمن يا أمي، أن أكمل تعليمي بلندن وأفتح فرع لشركة بالوطن. ثم إني لست صغيرًا يا والدتي، اذهبا أنتما ولا تخافا علي."
"لن أذهب قبل أن أطمئن عليك وتتزوج." قالتها نسيمة بحزم. سعل يزن بشدة وناوله والده الماء وهو يكتم ضحكته، فهو يعلم أن الحوار العقيم ذاته سينفتح مجددًا. يزن بعدم رضا: "أمي أرجوك، ليس كلامك هذا مجددًا." "ما به كلامي يا يزن؟ أنا لن أذهب لمكان قبل أن أراك متزوجًا." قالتها بأصرار. فؤاد بعتاب: "وما ذنبي أنا يا نسيمة بالله عليك، لتأخيري عن عملي؟ "أبي معه حق، لا يجب أن يتأخر عن عمله. الشركة هناك تنتظره." قالها يزن مؤيدًا.
نسيمة ببرود: "كلامي واضح وصريح أيها الشاب." فؤاد بهمس: "لقد حصرت بزاوية أيها المسكين." يزن بهمس مماثل: "أبي ساعدني أرجوك." نسيمة بشك: "بماذا تتهامسان فوق الطعام؟ تنحنح فؤاد ليقول بتذكر: "ألم أخبرك؟ لقد التقيت بصديقي القديم سيف نصار وطلب قدومنا لتناول وجبة الغداء عنده." "فكرة جميلة، أنا أيضًا أعرف زوجته وسنستعيد رائحة أيام الماضي." قالتها نسيمة بفرح. يزن بهدوء: "أنا لن أستطيع الذهاب كما تعلمون، لدي عمل كثير."
فؤاد بعتاب: "إنه صديقي يا يزن ولن أستطيع أن أرفض له طلبًا. ألن تستطيع أن توفر بعض الوقت من أجلي؟ تحت نبرة الرجاء والعتاب بصوت والده، رضخ يزن موافقًا، ليهز رأسه ويبتسم والده. ~~~~~~~ "منتصف الليل" رنين الهاتف الأرضي أنهضها من نومها فزعة لتبتلع ريقها وهي تتذكر ذاك الشخص الذي سبب لها الخوف مرارًا وتكرارًا اليوم. لم تحتمل إزعاج صوت الهاتف لترد وهي تصطنع الحِدة قائلة بحزم كاذب: "نعم، ماذا تريد مني؟
"يسعدني جدًا بأنك شعرتِ بأنني أنا من على الهاتف." قالها بهدوء سعيد. "لأن من الأساس أنت الوحيد الذي يقوم بإزعاجي في منتصف الليل." قالتها بغضب. ضحك بخفة قائلاً بهمس عميق: "ولن أسمح لأحد بأن يفعل ذلك غيري." صرخت بوجهه قائلة: "ما الذي تريده مني يا هذا؟ أنا حتى لا أعرفك." جاوبها بهمس خافت: "أحبك بجنون يا بلقيس." "أنت شخص مختل، اذهب وتعالج." قالتها بخوف هستيري.
أتاها صوته الغاضب على غير العادة قائلاً: "هل أصبحت شخصًا مختلًا وتطلبين معالجتي لأنني أحبك؟ "اتركني وشأني." قالتها بصراخ وهي تلقي بسماعة الهاتف بعيدًا وتلتف بغطائها وكأنها تختبئ منه وهي ترتجف خوفًا وفزعًا. _"صباحًا"
فتحت عينيها المتعبة جدًا، وقد ذهب ذاك الوهج الأصيل عن عينيها اليمانية لتجلس بتثاقل على سريرها الوثير وهي تشاهد سماعة الهاتف ملقية على الأرض. تنهدت بضيق شديد وهي تعيد كل شيء مكانه وتدخل للحمام وتغتسل وتتوضأ وتؤدي فرضها. وضعت شالًا على جسدها من برودة الجو، خاصة في هذا الوقت من الصباح الباكر.
خرجت للحديقة وهي تحمل بيدها هاتفها المحمول وفنجان قهوتها. جلست على كرسي الحديقة وشعيراتها السمراء القصيرة تتمايل مع نسائم هواء الفجر البارد. "من هذا الشخص وماذا يريد مني ياترى؟ وكيف يعرف عني كل شيء؟ " قالتها بتفكير داخلي. أخرجها من شرودها رسالة على هاتفها، وكأنها توقعت من الذي بعثها لتتنهد بتعب شديد وتفغر عينيها بتعجب خائف. فمحتوى الرسالة: "صباح الخير يا بلقيس، هل تعلمين ما الذي يحبه هذا المختل بك أكثر شيء؟
خصلات شعرك المتمايلة مع نسيم الفجر." نهضت مفزوعة من مكانها كمن لدغتها عقرب، فكيف لهذا المختل أن يشاهد شعرها بكل أريحية؟ والسؤال الأهم، كيف علم بأنها جالسة بدون حجاب بالحديقة؟ كانت هذه الكلمات التي تدور برأسها. دخلت غرفتها وهي تنهج بشدة والخوف قد زرع بين أضلاعها، فلم تعد تحتمل تصرفاته غير المتزنة. رنين هاتفها المحمول أخرجها من شرودها لترد بلجلجة: "بالله عليك اتركني وشأني." "صباح الخير." قالها بهدوء.
"هل تريد إفقادي صوابي يا هذا؟ كيف تعلم عني كل هذا؟ هل تراقبني؟ " قالتها بضياع. "بالطبع، ألستِ حبيبتي؟ " قالها هامسًا. صرخت بأعلى صوتها: "من نصبك حبيبي؟ "أنا." قالها بهمس خشن. أغلقت الهاتف بوجهه وألقت به على السرير وهي تدور بالغرفة وعلامات التعب رسمت على محياها. فتح الباب على مصراعيه ليدخل سيف وسوزان على صراخ بلقيس. سيف بفجع: "لما تصرخين يا بلقيس؟ "أبي." قالتها بلقيس بهمس باكي وهي ترمي بنفسها بدآخل أحضانه.
تراكم القلق بداخلة، فهي لا تناديه بأبي إلا بأقصى درجات خوفها وضياعها. أشتد بأحتضانها لدآخله أكثر وهو يربت على شعرها وهو يتبادل هو وسوزان نظرات القلق والخوف. خرجت من أحضانه بعد أن هدأت من نوبة البكاء الهستيري ليقول سيف بترقب: "ما الذي أصابك؟ هيا أحكي لي." هزت برأسها موافقة، فلم يعد لها طاقة لتحمل كل ذلك وحدها. ~~~~~~~ "صباح الخير أمي." قالها يزن وهو يتثاءب. نظرت شزرًا نحوه وعادت لعملها.
يزن بأستغراب: "أمي هل أنتي بخير؟ ألقت عليه نظرة عتاب وهي تعد وجبة الفطور. تنهد بيأس وقلة حيلة: "أنتي مستاءة مني صحيح؟ رفعت ذقنها للأعلى ولم ترد. أحتضنها من الخلف بجسده المفتول الطويل ليقول: "ألا زعلك وأستيائك يا الغالية؟ أخبريني ماذا تريدين وأنا سأنفذ." نزلت دموعها لتقول بصوت واهن: "أريد رؤيتك مستقرًا بحياتك، هل حرام علي أن أرى ذلك قبل موتي؟ أدارها نحوه قائلاً
بعتاب: "بعد الشر عنك يا أمي." ثم تنهد بأستسلام، فهو يعلم بأنها لن تتخلى عن عنادها قبل أن تنفذ ما برأسها ليقول: "أنا موافق وأنتي اختاري لي العروسة، فكما تعلمي لم يكن لدي أي احتكاك بالفتيات قبل الآن." تهللت أساريرها بسعادة: "حقًا ماتقوله؟ هز رأسه بطاعة وهو سعيد لسعادتها المفرطة. "من اليوم سأبدأ بالبحث عن عروسة لأبني الحبيب." قالتها بفرحة وهي تعاود إكمال ما قد أوقفته من عملها.
بينما هو هز رأسه للجانبين على والدته العنيدة وحدقتيه السوداء الزجاجية تهتز بتفكير، فكيف له أن يتعامل مع فتاة في حياته؟ فذلك صعب. ~~~~~~~ برزت عروق رأسه وضخت الدم بداخله بشدة بسبب غضبه العارم ليقول بغضب: "الـ #ــسب نفسه." "سيف اهدأ، ليس هكذا." قالتها سوزان بخفوت وهي تحتضن بلقيس المنهارة من البكاء بعد أن قصت عليهم كل شيء مرت به. سيف بغيظ: "سأبلغ الشرطة." "ماذا ستفعل لك الشرطة حيال مكالمات ليس لها مصدر؟
فالرقم محجوب." قالتها سوزان مفهمة. "ماذا سنفعل؟ " قالها بتعب وهو يجلس بعنف على الأريكة. "أنا خائفة يا أبي." همست بها بلقيس ببكاء. أحتضن سيف يديها الصغيرة قائلاً بحماية: "لا تخافي، لن يحصل شيء. أنا معك يا صغيرتي." أبتسمت براحة لتتغلغل بداخله أحضانه وهي تدعو الله أن يبقيه لها عمها الدرع الحامي بحياتها. ~~~~~~~ "رضخت لطلب والدتك أخيرًا." قالها فؤاد بمشاكسة. تنهد يزن بصوت مسموع ليقول بهدوء وهو يرتدي جاكيت
بدلته أمام مرآة التسريحة: "ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا يمكنني رؤيتها حزينة، ثم في النهاية أنا سأتزوج، فلما أحزنها بسبب أمر مفروغ منه. ربت فؤاد على كتف يزن وهو يبتسم بفخر. "أنا ذاهب، وداعا" قالها يزن مودعاً. "لا تنسَ زيارة الغداء عند سيف نصار" قالها فؤاد مذكراً. يزن رد بهدوء: "حسناً، سأصلي الظهر وسآتي". *** دخلت المطبخ مع خالتها لتحضير طعام الغداء للضيوف الآتين، محاولة نسيان ما قد مر بها. "هل تشعرين بتحسن يا عزيزتي؟
" قالتها سوزان بحذر. زفرت بلقيس الهواء الساخن من جوفها لتجيب بابتسامة راحة: "أحسن من قبل بكثير". "الحمد لله" قالتها سوزان براحة. لتعقد حاجبيها مستطردة كلماتها بعتاب: "لكنني عاتبتك، كيف تخبئين شيئاً كهذا عنا؟ أحتضنتها بلقيس بحب قائلة بمزاح: "لا تستائي يا سوسو". أبتسمت سوزان لهذه الفتاة التي تحمل ملامح والدها، التي تشبه إلى حد كبير ملامح سيف، وتحمل الكثير من تصرفات والدتها المرحة.
سيف بمسرحية: "ابنتي وزوجتي، يا إلهي، لِمَ جعلتني أعيش كي أرى هذه الخيانة؟ أنفجرت سوزان وبلقيس بضحكات عالية. ليتحضنهن سيف بحماية وحب. سيف وهو ينظر نحو ساعته: "هل أكملتما؟ تبقى القليل وسيأتي الضيوف". "نعم أكملنا، هيا بلقيس، اذهبي لتجهزي نفسك" قالتها سوزان وهي تطفئ النار التي تحت الطعام. "تحت أمرك" قالتها بلقيس بمرح وهي تفتح دبابيس شعرها الحريري الأسمر وتذهب لتجهيز نفسها. "ستكون بخير، صحيح؟ " قالتها سوزان بقلق.
سيف بأمان: "بإذن الله، لن يصيبها مكروه".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!