بدأت أفتح الشنطة وأطلع الجوابات القديمة اللي كانت بينا. كان عندي جوابات كتير جدًا. صحيح، إحنا مش من زمان أوي لدرجة إن الجوابات هي اللي تبقى وسيلة المراسلة بينا، لكن أنا بحب الكتابة، وعشان كده كنت بحب دايمًا لما أكون عايزة أقول حاجة لحد ويفضل فاكرها أكتبهاله. وكل أصحابي كمان كانوا عارفين كده، وعشان كده معايا جوابات كتير جدًا. من أصحابي في المدرسة لحد ناس من قرايبي، غير خالد طبعًا.
بدأت أقرأ وأضحك على الكلام بتاع طفولتنا وتفكير أيام المراهقة، لحد ما وصلت لجوابات خالد. بدأت أفتح جواب ورا التاني وأتحسر وأندم على إني ضيعت حد كان متيم بيا بالشكل ده. لقيت واحد من الجوابات اللي كتبهولي يوم وفاة مامته. وبرغم إني كنت معاه على التليفون في اليوم ده وهو معاها في المستشفى، إلا إنه كل اللي حس بيه في اليوم ده قرر يكتبهولي. ولقيته واصفلي كل حاجة بالتفصيل، حتى عياطه وصوته اللي كان يقطع القلب. وكأنه طفل
صغير لما كلمني وقال لي: –هيام… أمي بتموت، بتطلع في الروح. أنا مش عارف أعمل إيه. كنت في شغلي الوقت ده ومكنتش عارفة المفروض أعمل إيه. فكرة إنه بيعيط بقهرة وإحساسه بالعجز وهو شايف لحظات احتضار أغلى شخص في حياته كانت من أصعب المواقف اللي عيشتها معاه.
لما افتكرت الموقف ده، شفت قدامي يوم وفاة حمايا. لما وقف كريم بمنتهى الثبات وخلص كل الإجراءات، ولحد آخر اليوم حتى مشوفتش دمعة من عينيه. ساب مامته تبات في البيت ورجع هو على بيتنا. وطبعًا كان لازم ياخدني معاه. دخل وفتح التليفزيون وحضرت له العشا وأكل وشرب عصير وقهوة وكان في منتهى الهدوء. وارد إن يبقى الشخص مش بيحب يكون ضعيف ولا حتى يظهر ده لحد. لكن مين أغلى من الأم والأب؟
خاصة لما يكون أب زي حمايا… راجل طوب الأرض بيحبه الله يرحمه. وحتى لو مش كويس، بس ده أب. هبان ضعيفة إمتى لو مش هيبان ضعفي في وقت فراق أمي أو أبويا؟ مش عيب، ده إحساس، ده وجع، ده حزن مش بينفع يستخبى. لكن كريم كان قادر جدًا، سواء يوم الوفاة أو حتى بعدها. لما قررت إني أطبطب عليه وأواسيه لما رجعنا بيتنا وأنا بقول لنفسي من جوايا: –هو أكيد مستكبر يبين حزنه عشان ميبانش إنه ضعيف. لازم أنا أحاول أحسسه إني حاسة بيه.
قربت منه وقعدت جنبه. مسكت إيديه وبقول له: –ده أمر ربنا يا حبيبي. بلاش تكتم زعلك عشان… قاطعني وهو مبتسم ابتسامة استهزاء: –هيام اتوكلي على الله شوفي رايحة فين. إيه الهطل اللي انتي فيه ده؟ اكبري بقى ولا انتي كبيرة سن بس مش عقل. اتكسفت بس حاولت أتعامل عادي مراعاة للظرف اللي هو فيه:
–يا كريم يا حبيبي أنا عارفة إنك مش بتحب تبان ضعيف، بس مش عيب والله ده أبوك. مستحيل متحسش بالعجز في موته. ده حزن وكسرة مينفعش تكتمهم عشان متتعبش. لقيته سحب إيديه من إيديا وزقني في كتفي وهو بيقول مع نظرة اشمئزاز وكأن ريحتي وحشة مثلًا: –غوري من خلقتي. أنا عارف الموت تايه عنك فين. ما تغوري بقى انتي كمان مأبدة ليه في أم الدنيا.
سبته وطلعت من الأوضة وكلامه بيرن في ودني. مردتش عليه في لحظتها وأنا من جوايا شايفة إنه مش وقت مناسب إني أتخانق فيه. لكن الحقيقة بعد ما قعدت مع نفسي وراجعت الكلام اللي قاله في دماغي لقيت إنه ميتساهلش أراعي ظروفه. رجعت وقفت له على الباب وأنا بقول له: –هو انت ليه عايزني أموت؟ طيب ما انت لو عايز تخلص مني طلقني. هو أنا بجبرك تعيش معايا؟ سيبني لحالي سبيلي وارتاح وريحني. قلب القناة وأنا بتكلم وتجاهل الرد عليا. مخنوقة ومن
خنقتي دموعي نزلت وقولت له: –أنا تعبت والضغط ده فعلاً هيموتني. هتستفيد إيه لما يجرالي حاجة؟ طلقني وخلينا نخلص بالآدب. رد عليا وهو باصص في التليفزيون: –عايزة تطلقي اخلعيني. أنا مش بطلق. لو معاكي فلوس تصرفي روحي اصرفي يلا. ومش هتاخدي قشاية من الشقة. قاطعته وقولت له: –بص طلقني وأنا مش عايزة أي حاجة والله ومش هطالبك بحاجة. لكن أنا لا بتاعت محاكم ولا هعرف أعمل ده. ضحك وقال:
–ولا أهلك هيسمحولك بده. يبقى تعيشي بقى وتحمدي ربك على العيشة اللي انتي فيها. عملت لك بيت. وغوري في داهية بقى ولا روحي باتي عند أمك ولا أي زفت. آه دي كانت طريقته معايا. أنا مش ببرر خيانة، مش بدي أسباب. أنا بحتقر نفسي إني استحملت كل ده. بحتقر أهلي إنهم سمحولي أكمل وأعيش في الإهانات دي كلها. سيبته ودخلت أوضة تانية وقعدت أعيط لحد ما نمت وهو ولا شغل باله بيا. رجعت تاني للجواب اللي معايا واللي كان كاتبلي فيه خالد:
–هيام مكنتش محتاج حد جنبي في أصعب لحظات مرت عليا من يوم ما اتولدت غيرك. كان نفسي إيديك هي اللي تطبطب عليا وتمسح دموعي وعارف إن انتي الوحيدة اللي هتحسي بوجعي. برغم إن صوتك كان مش مفارقني، لكن كنت تايه من غير أمي وحاسس إن انتي اللي هترجعيني لعنواني من تاني.
ابتسمت ابتسامة حسرة وقافلت الجواب اللي فكرني بحاجات خلتني أعيط. فتحت واحد تاني وشوفت هو إزاي بيتكلم عن تفاصيلي… الفاكهة اللي بحبها، عينيا، ضحكتي، عصبيتي، زعلي وحتى هزاري وفرحتي… كلها حاجات مفتقداها وخلتني أقول لنفسي: –ماهو لما تضيعي حد زي ده من إيديكي يبقى لازم تقعي في واحد زي كريم ده.
فضلت على الحال ده شوية وقت براجع فيه ذكريات كتير. ضحكت وعيطت وحسيت بالحنين. ندمت. خلصت الجوابات اللي كانت في الشنطة ورنيت على كريم اللي رد عليا بسرعة وهو بيقول: –التليفون بيرقص. ضحكت وأنا بقول له: –عرفت منين إن أنا؟ كريم: –حسيت يابنتي، انتي ناسيه ولا إيه؟ قولت له وأنا بضحك ومن جوايا بندم: –لا مش ناسيه. طول عمرك بتعرف إن أنا اللي بكلمك حتى لو من رقم غريب. انت مخاوي يابني ولا إيه؟ كريم بيضحك:
–لأ يابنتي مش مخاوي. ده الإحساس يا هانم، تسمعي عنه ولا إيه؟ رديت وأنا بحاول مبينش الحسرة اللي جوايا: –طبعًا. هو أنا لو مش بحس كنت حسيت إني عايزة أطمن عليك؟ لقيت رد صدمني لما قال لي: –لأ يا هيام. انتي كلمتيني بسبب اللي انتي فيه. حسيتي بأنك خسرتيني. حسيتي بأنك جيتي عليا وظلمتيني. انتي افتكرتيني لما عرفتي إنك اخترتي غلط. أجبرتيني إني أدور على غيرك عشان أتخلص من وجع قلبي بسببك. دلوقتي موجوعة انتي يا هيام.
كنت ساكتة. ساكتة ومش قادرة أرد. دموعي نازلة ولو اتكلمت هنهار من العياط. بس هو قال لي: –عادي يا هيام أنا مسامحك. اعيطي بلاش تكتمي زعلك جواكي. طلعي كل حزنك وأنا هسمعك ومعاكي لحد الآخر. ولما تهدي احكيلي. أنا من زمان بتمنى أسمعك.
بعد آخر كلمة قالها عيطت جامد وكأن بقالي سنين حابسة دموعي وأخيرًا افرجت عنها. بقيت بعيط بانهيار وقهرة موقفهاش غير صوت موبايلي وقبضة قلبي لما شوفت اسم كريم على التليفون. رميت سماعة التليفون من إيدي وحسيت إنه شايفني وأنا بتكلم. رديت بسرعة: –أيوه يا كريم. كريم: –أنا هتغدى برة وهاجي متأخر. قولتلك عشان متتصليش تسألي. مشوفش رنة منك على تليفوني النهاردة.
قبل ما أرد ولا أقول حرف واحد كان قفل الخط أصلًا. لحظات قعدت باصة للتليفون وافتكرت خالد اللي رميته على التليفون من غير ما أستأذنه حتى. مسكت سماعة التليفون وأنا بقول له: –آسفة يا خالد. ابتسمت وحسيت بأن اللي بعمله مش غلط في حق كريم لأنه يستاهله. وقولت وأنا بمسح دموعي اللي كانت مغرقة وشي: –عايزة أشوفك. خالد: –كدابة يا هيام. رديت: –إيه اللي كدابة؟ بقولك عايزة أشوفك؟ خالد:
–كدابة والله. انتي مش هتشوفيني، ومش هتقدري تقابليني. انتي تخافي تعملي كده ومش طبيعتك إنك تكوني مع حد وتقابلي غيره. انتي بس عشان متغاظة من جوزك بتعملي. قاطعته وأنا بقول له: –صح، هو انت جايب اللي بتقوله ده منين؟ تعرف منين انت علاقتي بجوزي؟ خالد: –أنا عارف عنك كل حاجة. أنا فضلت كذا سنة بعد ما انتي اتجوزتي مستني إنك تطلقي يمكن نرجع لأني عارف إنك مش مرتاحة. لكن لقيتك استقريتي واتأقلمتي. قاطعته تاني: –أيوه، عارف منين؟
خالد بيضحك: –من جوزك… ههههههههههههه. برقت وتنحت وأنا بقول له: –من جوزي!! من كريم؟ إزاي يعني مش فاهمة؟ انت تعرف كريم منين؟ خالد بيضحك ضحك متواصل لأكتر من نص دقيقة مثلًا، وأنا هموت من الرعب والاستغراب. سألته تاني بحدة: –ما تتكلم يا خالد، انت تعرف كريم منين؟ وايه اللي يخليه يحكيلك أصلًا عن علاقته بيا؟ خالد وهو لسه بيضحك اتكلم:
–ما هو انتي متعرفيش إن جوزك صاحبي. ده أنا وهو نعرف بعض من سنين. ده حتى النهاردة هيتأخر عشان هيكون معايا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!