لن تفهم إلا ما أسمح لك إن تفهمه. وعندما تعتقد إنك فهمتْني جيدا. سأفاجئك. ظل مدحت جالسًا في مقعده، كطفل معاقب، ولد مؤدّب، تلميذ خجول. شاهنده كانت بتبص فيه، كانت تلك عادة شاهنده عندما ترغب إن تعرف شخص مكانته. أجل، بلا كلام، شاهنده، كانت قادرة إن تضع في مكانتك. اسمع!! ككلب ملهوف مد مدحت رأسه. شاهنده، انت هتنفذ كلامي بالحرف الواحد عشان أقدر أخرّجك من المصيبة دي.
أنا مش باخد من وراك غير المصايب يا مدحت، برقت عيني شاهنده بغضب. إيّاك تفتكر إني نسيت انت عملت إيه؟ شاهنده مش بتنسى حاجة أبدًا. لكن. تنهّدت شاهنده تنهيدة عميقة، أنا بس اللي من حقّي أعاقبك عشان كده هخرّجك. مدحت مش مصدّق إللي بيسمعه كأنه كان في حريق وحد سكب فوق رأسه جالون مياه. حاضر، حاضر. أراد مدحت إن يفتح فمه، ضحكت شاهنده، أغلق فمك الأن، صوتك اللي يشبه صوت البطة آخر ما أود سماعه.
رفعت إيدها للشرطي، اقترب منها، حطّت في إيده مبلغ محترم وهي بتقف. وصّله لزنزانته. بلع الشرطي ريقه، لو كل شهر جتني زيارتين زي كده مش هحتاج مرتَب الداخلية. كاد إن يشيل شاهنده فوق كتفه لكنها رحلت. _باتي، كانت قاعدة في الصالة بتنفخ وتخبّط بإيدها على ركبتها منتظِرة وصول أدهم. أول ما لمحته قالت، أدهم انت كلّمت والدتي ليه؟ أدهم ببرود، كنت بطمّن عليها عادي. باتي، لكن انت قلتلها إني موافقة على جوازك من شاهنده. أدهم ببرود أكتر،
إيوه، هو دا دايقك؟ باتي، لا، بس إن حبّيت أوضّحلك إني مش هغيّر رأيي مهما حصل. أدهم، يعني انتي مصرّة أجيبلك ضِرّة هنا؟ باتي، الكلام ده بطّل من زمان يا أدهم، اسمها زوجة تانية. أدهم حطّ رجل على رجل، لكن أنا مش عايز أجوز شاهنده يا باتي. أنا مكتفي بيكي، هعمل كده ليه؟ باتي، أظن الكلام ده مش وقته دلوقتي يا أدهم، أعتقد شاهنده مش هتوافق أصلًا. أدهم، بغضب، انتي هتجنّنيني؟ بقولك شاهنده طلبَت مني كده.
باتي وهي بتبص ناحية باب البيت، شاهنده ما قلتليش حاجة وهي عمرها ما خبّت عنّي أي حاجة. أدهم، يعني أنا بكدّب؟ باتي، أنا ما قلتش كده يا أدهم، بقول شاهنده مش بتخبّي عنّي حاجة. وأنا ما سمِعتْش منها رغبتها إنها تتجوزك. أدهم بعصبيّة، بسيطة يا ستّي اسمعك بودنك كل حاجة، طلّع تليفونه وطلب رقم شاهنده. حطّ التليفون على الطاولة وفتح السماعة. شاهنده ردّت، أهلًا يا أدهم خير؟ أدهم، بكلمك بخصوص الموضوع اللي طلبْتِيه منّي.
شاهنده بنبرة مندهِشة، موضوع إيه يا أدهم؟ أدهم بلع ريقه، شرطك عشان ترجعي البيت هنا وتعيشي معانا. شاهنده بنبرة باردة، شرط إيه؟ أدهم، اللهم طوّلك يا روح، انتي طلبْتِي منّي أجوزك. شاهنده، سكتّت خالص ما يقرّب من دقيقة، أدهم انت بتتكلّم بجد؟ أدهم، إيوه يا شاهنده بتكلّم بجد وبلاش حوارات. شاهنده، انت فاجَأتني يا أدهم بجد. أدهم بغضب، نعم يا روح أمّك، انت هتستهبلي يا بت؟ شاهنده، بصوت عالي،
احترم نفسك يا أدهم وبلاش اللغة السوقيّة دي. أنا مش ممكن أوافِق أشارِك باتي في حياتها، أنا بحب باتي وأتمَنّالها الخير. ابتسمت باتي وأرادت إن تتكلّم، لكن أدهم طلب منها الصمت. أدهم، شاهنده؟ بلاش لعبة القط والفار، انتي عايزاني أجوزك؟ شاهنده ضحكت، أدهم المفروض انت اللي تكون عايز كده، الراجل هو اللي بيطلب مش الست. بعدين يا أدهم أنا بحذّرك لو كنت عايز تفهّم باتي إني مرميّة عليك وتكدّب زي المرّة اللي فاتت فدا مش كلام رجالة.
هنا باتي اتكلّمت، ازيك يا حبيبتي؟ شاهنده تنهّدت، ازيك يا روحي عاملة إيه؟ باتي، أنا مفتقدَاكِ والله. أدهم في سرّه، يابت الكلب، بلتعبّي بيه؟ أنا أدهم البارودي تعملي فيه كده. ورحمت أمّي يا شاهنده لجيبك تحتي وأزِلْك مهما حصل. أدهم وسط الكلام، لكن باتي موافقة يا شاهنده تصوري؟ شاهنده وهي طايرة من الفرح، تلاقي باتي بتهزَر معاك مش أكتر. أدهم بصّ لباتي عشان تتكلّم، تنفّذه.
لكن باتي زَمَتْ بقَها وسكتّت، فجأة سابَتْ المكان ومشيت. السماعة كانت على وِدْن أدهم وهو شايف باتي طالعة السلم زعلانة. أدهم، يلا سلام دلوقتي. شاهنده، استنّي؟ كانت نبرتها جادّة متحدّية مسيطِرة، عايزة أقابلك حالًا. أدهم، لا حالا ولا بعدين ولا عايز أشوف وشك ولا حتّى أسمع صوتك سلام. شاهنده رَزَعَتْ التليفون في السرير بغضب، كده يا أدهم؟ انت فتحت على نفسك أبواب جهنّم قابل شيطاني بقى!!
أدهم، طلّع جري على غرفة باتي، خبّط على الباب، باتي رفضَتْ تفتح. أدهم اترجاها تفتح إلى إن انفتح الباب. باتي، كده يا أدهم بتكدّب عليّه عشان تتجوز شاهنده. أدهم نزل على الأرض بركبتَيْه كعادة كل عاشق متيّم مسك يد باتي. والله يا باتي أنا قولْتُ الحقيقة وما كدّبْتُ ولا اخْتَرَعْتْ حاجة من نفسي. باتي، مش مصدّقَاك؟ أنا سمِعتْ بوداني كدْبَك، أنا ما كنتْش معارِضَة إنك تتجوز شاهنده بتكدّب ليه؟ طالما هي عاجبَاك اتجوزها. أدهم،
باتي بصّي في عينَيْه! هقولَك كلمة واحدة، شاهنده كانت قدامي قبل ما أتجوزك، لو أنا عايزَها، سَبَتْها ليه واخْتَرْتُك؟ باتي بدلال، يمكن بعد الجواز والحمل شكلي اتغيّر ومبقْتِش أعجِبْك؟ أدهم، متقوليش كده يا روحي، أنا بعمل كل حاجة هعشانك انتي والله. الرجل اللي يعرف كيف يصالِح زوجتَه وقت الأزمات ستظلّ تقدّرَه وتطيعَه مهما طال العُمْر. احتضن أدهم باتي وفي اللحظات اللي كان معاها في حجرة نومَه.
كانت شاهنده في غرفتَها بتفكّر في سرِّها، أدهم دلوقتي معاها بيحاول يقْنِعْها إنَّه صادق. لكن أنا عارفة باتي، باتي هتطلب منّه يجوزني، باتي مش ممكن ترفُضْ فُرْصَة تقرِّبْها منّي. عين شاهنده على التليفون، منتظِرة، دلوقتي باتي هترنّ عليّه، هتترجَّاني أجوز أدهم. مضَتْ نِصْف ساعة، ساعة محصَلْش حاجة. شاهنده في عقلَها، يبقى أدهم هيكلِّمْني دلوقتي؟ مَضَى معظم الليل وشاهنده تنتظر المكالمة اللي ما جاتْ أبدًا.
_الصبح طلع، الشمس طلَعَتْ والعصافير شَقْشَقَتْ وشاهنده لسّه ما غَمْضَلْها جِفْن. معقولَة أكون ما قدَرْتِش أفهْمْ باتي وأحْفَظْها؟ شاهنده طلَعَتْ في الجَيْنَة في إيدها سيجارة وفنجان قهوة، قَعْدَتْ على الكرسي مش طايقَة نفسَها. يَدُوبَكْ ارْتَشَفَتْ رَشْفَتَيْنْ من القهوة وانفتَحَتْ شَرْفَة غرفة نوم أدهم. وظَهَرْ منها أدهم بلباسَه الداخلي يَتْمَطَّى أمام نسيم البحر يفْرُدْ ذِراعَيْه ويَضُمْها.
من خَلْفَه باتي تحتَضْنَه بقميص نوم أصْفَرْ باهِتْ. شاهنده ولَعَتْ، من يوم وصولَها هنا، من لَحْظَة وفاة الطِّفْل أسْرْ. مش شافْتِش أدهم في غرفة نوم باتي. شاهنده، أنا كنتْ غَلْطَانَة جدًا إنِّي سَبَتْ البيت وخَلَّيْتْهُمْ على راحَتْهُمْ. فَضَلَتْ باصَة عليْهِمْ لحدّ ما مبقَيْتْش تتحَمَّلْ، بكل قوَّتْها حَطَّمَتْ فنجان القهوة. ودَخَلَتْ فيلتَها، سَحَبَتْ تِليفُونَها من الشَّاحِنْ، بَعَتَّتْ رِسالَة لأدَهْمْ.
قَابِلْنِي حالًا. نفس الوقتِ طَلَبَتْ رَقْمْ باتي واستَنَّتْهَا تَرُدْ عليْهَا. شاهنده، فَرْكَتْ دِقْنَها بأصْبُعَها، مين هيَرُدْ الأوَّلْ؟ لَحْظَة وباتي رَدَّتْ، كان صوتَها نَعْسَانْ خلَّى شاهنده تَتْوَرَّمْ من الحَنَقْ. شاهنده لباتي، باتي حبيبتي أنا عايزَة أشوفَكْ ضروري، قلبي وجَعْنِي وفيه سرْ لازم أقُولَكْ عليْهِ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!