امه كانت بيكلمه من وهو عنده عشر سنين. منعت الكلام معاه نهائي. حتى لو كلمها مش بترد عليه. بصله ونفسه يسمع صوتها تقوله أي كلمة. وفعلا قربت عليه ووطت على ودنه وهمست: "موت بقي." غمض عينه. بعد خمس سنين صمت، هيا دي كلمتها ليه؟ سابته وخرجت وراحت لجوزها وابنها. عند احمد. "بابا، ادهم اللي كان سايق. هو كان هيموتنا احنا الاتنين. وأنا فضلت أقوله يهدي بس كان زي المجنون عايز يقتلنا."
"بس يا حبيبي اهدي. اهو ربنا انتقم منه أشد انتقام. الحمد لله إنك طلعت سليم. ده اللي يهمني. ارتاح أنت." سابهم وخرج. والأم قعدت من غير ما تنطق أبداً. "انتي مش مصدقاني صح؟ "وهتفرق في إيه؟ كفاية أبوك مصدقك." "بتحبيه هو وبس. عمرك ما حبيتي غيره." "…" عند الدكتور. "قولي حالة ادهم إيه بالظبط؟ "عنده كسر في ضلوعه وكسر في رجله. واشتباه في نزيف في المخ. والجروح اللي مغطية معظم جسمه." "الجروح دي آثارها هتخف؟
"تختفي نهائي لأ طبعاً. وهيحتاج لعمليات تجميل كتيرة. وخصوصاً الجروح اللي في وشه لأنها عميقة وهتشوه وشه لو متعالجتش بسرعة واتعملها تجميل. أنا عارف إن الموضوع مكلف بس حضرتك غني وده شكل ابنك ومستقبله." "هيكلف قد إيه؟ "يعني ممكن نعدي 200 ألف." "ولو قلتلك هديلك 500 ألف بس بشرط إنه ميخفش. والجروح دي تفضل مفتوحة. وإنه يتشوه لدرجة إن إبليس نفسه يستعيذ من شكله." "أفندم." "اللي سمعته." "دي خيانة مهنية."
"لو أنت مش هتنفذ غيري هينفذ ويستفاد من الفلوس. بعد إذنك." "استنى بس. الكلام أخد وعطا." "هتنفذ؟ "وايه اللي يضمني إنك متبلغش عني وتوديني في داهية؟ "هكتبلك إقرار إني موافق إنك تعمل فيه أي حاجة. أو إن طلبه مثلاً يتدربوا على الجروح اللي فيه. أي حاجة عايز تضمن بيها نفسك. موافق عليها." "اتفقنا." وفعلاً بدأت رحلة العذاب لعيل عنده 15 سنة. مش فاهم إيه ذنبه أو إيه الخطأ اللي ارتكبه علشان أبوه يكرهه كده. الدكتور لكام ممرضة.
"أنا اخترتكم أنتو التلاتة في مهمة هتكسبكم كتير. بس بشرط من غير ولا سؤال. موافقين؟ "طالما فيها فلوس يبقى موافقين." "كويس، تعالوا معايا." أخدهم لأدهم اللي كان بدأ في علاجه وجبسوله الكسور اللي في جسمه. واتأكدوا إنه معندوش نزيف. وهنا جه دور دكتور التجميل واللي مسؤول عن خياطة جروحه. "يلا يا بنات هاتوا عندنا علشان نعالج الجروح دي." أخدوه على أوضة وبدأوا ينفذوا خطتهم.
"أنا عايزكم تهتموا بجروحه وتحطوا فيها فتيل وقطن. مش عايز الجروح دي تقفل. مفهوم؟ "إيه بس…" "إحنا قولنا إيه؟ من غير ولا سؤال." "الأول اربطوه أحسن يفكر يهرب ولا حاجة." فعلاً ربطوا إيديه وبدأوا يفتحوا جروحه ويحطوا فيها الفتيل والقطن علشان ما تلتئمش أبداً. أدهم كان متخيل إن ده قمة العذاب، بس كان غلطان. كان بيحس إنه خلاص هيموت بين إيديهم. وأخيراً خلصوا وسابوه. وأدوله كل الأدوية اللي المفروض ياخدها.
طلع النهار أخيراً ودخل الدكتور عند أدهم. "أنا معرفش سر العداء اللي بينك وبين أبوك. بس هو بيكرهك قوي. وسوري الموضوع مش شخصي." أدهم حاول ينطق بس مقدرش يتكلم. الدكتور عطاله حقنة. وأدهم حاول يتكلم أو يتحرك بس مقدرش. "متحاولش تقاوم. الحقنة دي هتعملك زي شلل مؤقت. مش هتقدر تتحرك أو تتكلم أو تعمل أي شيء. بس للأسف هتحس بكل شيء بيحصل. أنا آسف بس أبوك دفع مبلغ كبير في مقابل ده. وإلا كنت عطيتك بنج. استعد بقيد."
دخلو الممرضات وخدوه لأوضة تانية. "استنوا. غمضوله عينيه." قفلو عينيه. وطبعاً هو مقدرش يفتحهم تاني لأنه فقد السيطرة على كل جسمه. سمع أصوات كتير. "طول عمركم بتتدربوا على جثث. النهاردة بقى هتتدربوا على جسم حي وبينزف. إيه رأيكم في المفاجأة دي؟ أصوات طلبة فرحانين. "طيب هو متبنج ولا إيه؟ وموافق على تدريبنا عليه؟
"هو في غيبوبة أو تقدر تعتبره ميت إكلينيكياً. يعني مش هيحس بأي شيء تعمله. يلا هنبدأ نتعلم أشكال الغرز ونستعمل كل غرزة امتى." هنا أدهم كان عايز يصرخ. يتحرك. يقولهم لا أنا عايش وحاسس. حرام عليكم. بس مش قادر. بدأ يجهز نفسه للألم علشان يتحمله. بس الألم كان فوق الخيال. أبر كتير بدأت تدخل في جروحه. الألم لا يحتمل. طيب يعمل إيه؟ بدأ يدعي. "يا رب موت. يارب أي شيء غير الألم ده."
حتى الصريخ كانوا مستكترينه عليه. عايز يصرخ مش قادر. عايز يفوق مش عارف. وهنا فتح عينيه. وصحي من نومه على باب بيتخبط. فاق أخيراً من كابوس ذكرياته. حط إيده على وشه وحس بجروحه كأنها كانت امبارح. وحس بنار في جسمه مكان الإبر اللي كانت بتخيط وتتعلم فيه. كأنها لسه موجودة. (فوق يا أدهم. ده ماضي مش حاضر. معدش حد يقدر يأذيك دلوقتي. فوق.) الباب لسه بيتخبط. بص في ساعته. لقاها 7 الصبح. مين ممكن يجيله بدري قوي كده؟
فتح باب الكرفان. لاقاها واقفة قدامه. جميلة. شعرها الهوا بيحركه. ملكة جمال واقفة. عرفش ينطق أو يتكلم أو حتى يفتح بقه. "صباح الخير. مالك مستغرب ليه؟ "أفندم." "مفيش صباح النور يعني؟ "أفندم. أي خدمة؟ "شكلها مفيش. ما علينا. المهم بما إنك ضيف في بلدنا. وبما إنك هنا لوحدك. فقلت أجيبلك سندوتشات تفطر بيها ونسكافيه علشان تظبط دماغك كده الصبح. اتفضل." "ومين قال لحضرتك إني عايز فطار أو نسكافيه؟ "كل الناس بتفطر."
"متشكر. بس مش محتاج ولا الفطار ولا النسكافيه. خديه واتفضلي من هنا." لسه هيقفل الباب. حطت إيدها منعته. "طيب أعمل إيه بالفطار ده؟ "مش شغلي. ومتجيش فطار تاني ولا تيجي هنا تاني." قفل الباب. "هحطهولك هنا على الترابيزة دي. يمكن تغير رأيك." وفعلاً حطته ومشيت لشغلها اللي كان قريب جداً من مكانه. وهو تابعها من بعيد ومستغرب. دي عايزة إيه؟ ومش خايفة منه ليه؟ راح أدهم للقسم وقضى يومه يدرس ملف القضية.
وليلي مروحة عدت على مكانه. لقت القطط بتاكل السندوتشات والنسكافيه في الترمس الصغير مكانه. "بقي كده؟ لو أنت عنيد فأنا أعند." أخيراً خلص أول نهار في البلد. وأدهم الكل بيبصله بخوف أو كره أو اشمئزاز. بس خلاص. مابقاش تهمه نظرة الناس ليه. رجع مكانه وطلع سطح الكرفان. وفضل يبص للنجوم اللي حفظها كلها. وغرق في النوم. ورجع لذكرياته اللي بالنسباله كوابيس. من 17 سنة.
كان متمدد على السرير. والطلبة بيخيطوا فيه وبيضحكوا ويتعلموا ويغلطوا. وهما فاكرينه مش حاسس. وما يعرفوش إن كل إبرة بتسحب روحه معاها. وهو بيدعي إن الوقت يخلص ويرجع لأوضته. وأخيراً جه الدكتور وأعلن إن وقتهم خلص ومشّاهم. وحمد أدهم ربه إنه خلص منهم. بدأ يفوق. وجم الممرضات. رجعوه أوضته. كان في قمة الانهيار والتعب. مش قادر حتى ينطق. دخل الدكتور. "اعملوا زي امبارح. فكوا كل الغرز دي وحطوا الفتيل والقطن علشان الجروح متقفلش."
أدهم غمض عينيه. لسه العذاب منتهش. فعلاً عملوا زي ما الدكتور قال. وجه تاني يوم. وكله حصل تاني. الحقنة. الطلبة. الألم. أدهم حاول يفكر في أي شيء. أي شيء يشغل تفكيره عن الألم اللي هو فيه. رجع بذكرياته خمس سنين. وافتكر الوقت اللي أمه بطلت تكلمه فيه. كان يومها في المدرسة مع أخوه. وأخوه اتخانق مع أصحابه. وبدأوا يضربوه. واستنجد بأدهم. أدهم اتردد. لأنه لو اتدخل أبوه هيزعل. ولو ما اتدخلش أخوه بيتضرب.
أخيراً اتخانق مع أخوه. وتحولوا كلهم للمدير. وطلب أولياء الأمور. ووصل أبو أدهم المدرسة. والمدير قاله إن الخناقة كانت على بنت مرتبطة بواحد من عياله. وتقريباً حد عاكسها وقامت الخناقة. وطلب المدير من الأب إنه يربي عياله. لأنهم في المدرسة للتعليم مش للحرب. دخل حسين على عياله وسألهم. "مين فيكم المرتبط وبدأ الخناقة علشان بنت؟ "أدهم. البنت تبقى حبيبته. هو ونداني وأنا اتدخلت لما لقيتهم ضربوه." "حرام عليك. أنت بتكذب ليه؟
"مش بكذب. صدقني يا بابا. مش بكذب. هو اللي بيكذب. البنت حبيبته." وكالعادة حسين مش بيحب أدهم. وبيصدق أي شيء ضده. "الحساب في البيت مش هنا. اتفضلوا." في الطريق. "أحمد، أنت عارف إن أبوك مش هيعديهالي. ارجوك أنت مش هيعملك حاجة. ارجوك يا أحمد." "هيعملك إيه يعني؟ اهو هيتعصب شوية وخلاص." "ده لو أنت. لكن أنا مش عارف. ارجوك يا أحمد. أنت الكبير. اتحمل مرة نتيجة أفعالك." "قوله إنك ما عملتش حاجة."
أدهم والدموع في عينيه: "مش هيصدقني. ارجوك يا أحمد." أحمد سكت وبص بعيد. وساب أدهم خايف من عقاب أبوه. وصلوا البيت. "أنت اطلع أوضتك حالاً." خاف أدهم وجرى على أوضته. ومستني ياترى عقابه هيكون إيه. "في إيه؟ "ابنك يا هانم عامللي بلطجي وحبيب في المدرسة." "أدهم استحالة." "دافعي عنه. وكل ما هتدافعي عنه هموتهولك زيادة. فاهمة؟ "استني يا حسين. سيبه. هتعمل إيه؟ "هأدبه. هعمل إيه يعني."
زقها بعيد وراح لأدهم وخرزانة في إيده. دخل عليه. "عامللي بلطجي ها؟ أدهم هيموت من الخوف: "مش أنا والله. ده أحمد." "اخرس. أحمد ده سيدك. متجيبش سيرته أبداً. أنا هوريك البلطجة تبقي إزاي." وبدأ يضرب فيه ويجلده. ونسي إن ده مجرد طفل عنده عشر سنين مش أكتر. جلده لحد ما ظهره اتقطع من الضرب. والولد يصرخ ويصرخ. بس مين ممكن ينجده أو يخلصه. وأبوه بيضرب فيه زي المجنون. وما أخدش باله إنه بطل يصرخ. وإنه غاب عن الدنيا خلاص.
هنا دخلت حنان أمه. "كفاية. هتقتله. كفاية بقي." وقف حسين وبص للدم الخارج من ظهر ابنه. بس ما اتهزش أبداً. "إياك يموت. خلينا نستريح. قومي من جنبه." حنان في الأرض بتعيط. حسين بيزعق: "قومي وإلا هقتلهولك دلوقتي. قومي." شدها وقامت معاه. وبعدها بطلت تكلمه نهائي أو ترد عليه أو توجهله أي كلمة.
وادهم كان عيل مش عارف أبوه بيعمل كده ليه. أو أمه مش بتكلمه ليه. أبوه خرجه من المدرسة وقاله إنه ما يستاهلش يتعلم. ومهما اتوسل أدهم يرجع مدرسته ومهما عيط محدش بيحن أبداً. وفي يوم راح لأمه. "ارجوكي اعملي أي حاجة. أنا عايز أتعلم." "…" "هو ممكن يسمعك أنتِ. لو طلبتي منه." "…" "أنتِ عارفة إن أحمد هو اللي اتخانق. وهو اللي مرتبط. وأنا اتعاقبت مكانه. ارجوكي." أدهم كان بيتكلم وبيعيط زي أي عيل صغير. "…"
"طب أنتو مش عايزيني هنا أو بتحبوني. ودوني مدرسة عسكرية داخلية. وأهو تخلصوا مني. ومش هاجي غير في الإجازة. بس ارجوكي." "…" سابها ومشي ودموعه على خده. وراح لأخته إيه الصغيرة يلاعبها. كان عندها 3 سنين بس كانت بتعشق أدهم. الوحيدة اللي بتحبه. وده كان بيجنن حسين. كل ما يشوفها بتضحك معاه. وبياخدها بعيد عنه. وأخيراً وافقوا يدخلوه مدرسة عسكرية داخلية. علشان يخلصوا منه. وقضى هناك حياته لحد يوم الحادثة.
فاق على صوت الدكتور بيقولهم إن وقتهم خلص. وخرج الطلبة. وجم الممرضات. وعادوا نفس اللي حصل. بس أدهم اتعلم إزاي يفصل عقله عن اللي بيحصل. علشان يستحمل الألم. مع إنه ساعات بيكون الألم أقوى من إنه يستحمله. وساعات كان بيغمي عليه. وطول الليل كان يحلم باللحظة اللي هيسيبوه فيها. بس كانت أحلام. صحي أدهم على صوت الباب بيتخبط. ولقي الساعة 7 الصبح. فتح. لقاها تاني قدامه. ومعاها كيس الفطار والنسكافيه. "أنتِ تاني؟ "صباح النور."
"وبعدين؟ "الفطار." "مش قولتلك مش عايز. إيه ما بتفهميش؟ "إيه اللي هيضرك لما تفطر؟ "استغفر الله العظيم. يا بنتي قلتلك متجيش هنا. مش عايز فطارك. مش عايز منك حاجة. افهمي بقى." قفل الباب في وشها. وهيا دمعة فرت من عنيها غصب عنها. وهيا مستغربة ليه رفضه ده. ليلي سابت الفطار ومشيت. وهو خرج وشاف الفطار. قعد قدام الترابيزة يبصله. "عايزة مني إيه؟ أنا مش حمل جروح تانية؟ أنتِ إيه بالظبط؟ ملاك وإبليس؟
عمرها ما تركب فوق. يا أدهم أنت شيطان وهي ملاك. عمرها ما تركب أبداً." مشي وساب الفطار. على أمل إنها تفهم إنها مش مرغوب فيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!