ظل امجد ينتظر عودة زيتا بلا جدوى. فخرج من غرفة ريم وطلب من إحدى الممرضات أن تحضر بعض الملابس المناسبة لـ "ريم هانم". وانطلق يفتش عن زيتا في أروقة المستشفى، حتى أخبره أحد أفراد الأمن بأنه رآها تخرج باكية من البوابة. فهرع مسرعًا وقفز في سيارته استعدادًا للبحث عن تلك الحمقاء. إلا أن جسدًا ضخمًا تحجر أمام سيارته مانعًا إياه من التحرك.
أشعل امجد كشافات سيارته ليكشف عن هوية ذلك الشخص الرابض أمام سيارته، ليجد أن ذلك الشخص هو (ادهم) فابتسم امجد بطريقته المعتادة وقد غمرته فرحة عارمة، فقد نجحت خطته في جذب ادهم. ليعلن عن بدء الجولة الثالثة من ذلك الصراع الحتمي. *** تجمد ذلك المشهد للحظات. حتى قطع امجد حاجز الصمت بأن ترجل من سيارته واتجه صوب ادهم وهو يقول بصوت هادئ: اهدأ يا ادهم. ريم بخير. والله العظيم بخير.
قال امجد هذه العبارة وهو يشعر بالكثير من التعاطف والشفقة على ادهم. فبرغم تماسك ادهم ظاهريًا! إلا أن امجد كان يقرأ ما يدور في عقل ادهم ويشعر بمدى ضعفه في تلك اللحظة! فلقد كان ادهم في أضعف حالاته، فحبه لريم وخوفه عليها، أفقده الكثير من اتزانه ورباطة جأشه المعهودة. فهو يعشقها بجنون، لدرجة أنه يرى أن الدنيا كلها لو وزنت في كفة ووضعت إحدى خصلات شعر ريم الذهبية في الكفة المقابلة. فسيختار خصلة شعرها ويزهد أي شيء سواها! ***
وسوف نعود بك عزيزي القارئ إلى الوراء ساعة واحدة فقط. حين رأى ادهم مقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي نقلت خبر إصابة ريم ابنة رجل الأعمال المعروف... ناصر الحديدي! حيث تم نقلها إلى مستشفى الدكتور امجد عبدالمنعم وهي في حالة خطيرة الآن! انخلع قلب ادهم وقرر أن يكسر كل القواعد ويذهب للاطمئنان على معشوقته وتوأم روحه.
وهو يعلم تمامًا أن ذلك اللقاء قد يكلفه فقدان تلك الهبة التي منحها الله له وهي قراءة المستقبل! وقد يفقد حياته... أو يؤذي معشوقته! كان ادهم على استعداد لأن يفقد قدرته الخارقة حبًا وشوقًا لريم. لم يكن يمنعه عن ذلك... إلا حرصه على حياة الآلاف بل والملايين من البشر. الذي كان بإمكانه إنقاذ أرواحهم بمساعدة تلك القدرة التي اختصه الله بها. إلا أن شيئًا ما في عقل ادهم منعه من الذهاب مباشرة للاطمئنان على ريم.
فضل انخراط دكتور امجد في أحداث تلك الحادثة قد أثار الشك في نفسه بأن امجد متورط بشكل ما في ذلك الأمر. وحسم ادهم أمره بأن يذهب مباشرة إلى امجد، حيث توالت الأحداث. لتصل بنا إلى حيث نطق امجد بعبارته الأخيرة وطمأن ادهم على أن ريم بخير! *** في تلك اللحظة... هدأ ادهم قليلاً ورد على امجد بصوت حاد: أنا هاسألك سؤال واحد. وخللي عندك رجولة وشجاعة. وقولي الحقيقة... انت اللي دبرت الحادثة دي لريم؟ رد امجد: يا أخي اطمن.
مفيش حادثة أصلاً. كل ده حوار مزيف. أنا وريم عاملينه عشان تظهر! كانت تلك هي أول مرة ينادي بها امجد غريمه التقليدي ادهم بلقب (أخي) ولم يكن أي منهما يعلم... بأن يومًا ما ستتحول علاقتهما المتنافرة حاليًا إلى صداقة وأخوة نادراً ما تحدث بين البشر. ففي يوم ما... سيحاول كل منهما أن يضحي بحياته ليفدي حياة الآخر! في تلك اللحظة خر ادهم على الأرض ساجدًا وهو يقول: الف حمد وشكر ليك يا رب. سامحني يا رب.
انت شاهد وعارف أد إيه بحبها يا رب. تركه امجد يتم سجدته حتى هدأت روحه، ثم ساعده في النهوض. وظل امجد ينفض الغبار عن ملابس ادهم. بينما ادهم يتابع تصرفات امجد في ذهول ودهشة وسؤال ما يدور في عقله: من امتى المغرور ده بينفض هدوم حد؟ رد امجد وهو يبتسم وقد سمع ما يدور بعقل ادهم: الله يسامحك يا ادهم. انت واخد عني صورة زفت. بادله ادهم نفس الابتسامة وهو يقول: معلش يا امجد. نسيت إنك بتقرأ أفكاري.
تصافح الاثنان بود، سارا معًا باتجاه مكتب امجد داخل المستشفى، حيث شرح امجد خطته لادهم، والتي كان غرضها أن يجد ادهم. وقد قبلت ريم المشاركة في الخطة أملًا في أن ترى ادهم مرة أخرى، ولو بنظرة واحدة من بعيد. هنا قاطعه ادهم بحدة: هو انت ليه مش قادر تفهم. إنها ما ينفعش تشوفني تاني! رد امجد بهدوء وهو يبتسم ابتسامة ماكرة: بلاش تستهين بعقل أخوك يا دكتور ادهم. كلامك صح جدًا... بس ده في حالة واحدة بس... إنك تكون سعيت (بارادتك)
عشان تشوف ريم. ختم امجد عبارته واستدار بشكل مباغت، فاتحًا باب إحدى الغرف. والذي لم يكن بالطبع باب مكتبه! فلقد كان ذلك الباب... هو باب الغرفة التي تجلس بها... ريم الحديدي. *** في تلك اللحظة.... كانت ريم ممسكة بهاتفها تطمئن أباها الذي كان مسافرًا إلى الصين في ذلك الوقت، بعد أن أصابه الذعر جراء علمه بإصابة ابنته في ذلك الحادث. وفجأة انفتح باب غرفتها، لتجد ادهم أمامها! وقد مر على آخر لقاء جمعهما أكثر من ثلاثة أعوام!
قضتها ريم في البحث عنه، وقد ابيضت عيناها من البكاء على فراقه، وذبل جسدها شوقًا إليه. وقفت ريم غير مصدقة أنه أمامها، لدرجة أنها ركعت على الأرض، فقداها لم تتحملا تلك الصدمة. فسعت إليه زحفًا، وهي تبكي بحرقة وتقول بصوت مرتعش: ادهم... ادهم... ادهم. أما ادهم فكان أشد تماسكًا منها، فحاول أن يقاوم رغبته الجامحة في شق صدره ووضع ريم بداخله.
وهم بالابتعاد خوفًا على معشوقته من أي ضرر يصيبها من ذلك اللقاء، فهو يعلم تمامًا بأن الله لم يأذن له بعد... بالتواصل معها. إلا أن امجد قرأ ما يدور بعقل ادهم. فانتهز فرصة ارتباك ادهم، وقام بدفعه بكل قوته داخل الغرفة ثم قال بصوت ساخر: معلش يا جماعة. انتوا الاتنين محبوسين هنا. وهتباتوا مع بعض للصبح غصب عنكو. أنا هاقفل الباب عليكوا من بره. وسامحوني لأني مضطر أمشي. أشوفكم الصبح على كل خير.
قال امجد كلماته وهو يغلق الباب عليهم بالمفتاح، وقد كان يعلم أن كلاهما يود تقبيل يديه على تلك الخدعة المحكمة. *** تشابكت يدا ريم وادهم. ونهضا سويًا ببطء. ولم يستطع ادهم أن يقاوم رغبته المحمومة في ضم ريم إلى صدره. وقد ظلت هي تردد اسمه مرات ومرات. وكأنه نوع من التسبيح، فقد ارتقى عشق ادهم في قلبها لدرجة تفوق ما يعرفه البشر. أما ادهم... فقد كانت كل ذرة من جسده القوي تبكي وتصرخ شوقًا لريم.
وكأن أطرافه قد أعلنت تمردها على طاعة ادهم واندفعت لتحتضن ريم بكل رقة... وبكل قوة في آن واحد! ظلت أصابع ادهم تطوف فوق ملامح وجه ريم، وكأنها ناسك قد اهتدى أخيرًا إلى كعبته. بينما اقتربت ريم لتملاء رئتيها من عطر أنفاس ادهم ورائحة جسده. التي كانت قد تلاشت من ذلك القميص الذي كان أنيسها وجليسها طوال تلك السنوات العجاف. فمنذ رحيل ادهم عنها، وهي لا تعرف النوم إلا بعد أن ترتدي قميصه.
استمر عناق ادهم لريم إلى ما يقرب من الساعة. وكلاهما صامت، يسترق السمع لضربات قلب معشوقه، وكأنهما قد تبادلا قلبيهما معًا. فضربات قلب ادهم قد علا صوتها بداخل صدر ريم، ليطغى على صوت ضربات قلبها. ودفء قلب ريم قد أشعل نيران الشوق والحنين في جوف ادهم، فمحا كل السقيع والجفاف الذي أنهكه لثلاث سنوات كاملة! *** سنترك الآن العاشقان لنسرد ما دار بينهما من حوار طويل في بداية الحلقة القادمة بإذن الله.
ونذهب مع ذلك الرائع امجد للبحث عن معشوقته الحمقاء زيتا. *** خرج امجد من المستشفى وقلبه مبتهج منتشٍ. وقد أفلحت خطته الماكرة في لم شمل العاشقان دون أن يعرض أياً منهما لخطر اللقاء المقصود. وكان امجد يعلم أنه وبكل بساطة قادر على استدراج ادهم له بمجرد أن يتصل بأي رقم من هاتفه ويقول: ... يا أدهم أنا مستعد أتعاون معاك، أرجوك لازم نتقابل. كان ذلك سيفي بالغرض، حيث إن أمجد يعلم بأن أدهم قد وضع برنامج تجسس على هاتفه.
إلا أن أمجد كان يرى أن لقاء أدهم بريم هو أقل هدية يمكن أن يقدمها لهما، خاصة بعد أن علم أن أدهم هو من أنقذ حياته ليلة مقتل والدته. كما علم أنه هو من وضع له ذلك المظروف المالي ليتمكن من سداد مصروفات كلية الطب. بحث أمجد عن زيتا في كل مكان محتمل، حتى في تلك الغرفة الصغيرة التي كانت تختبئ بها في سطح منزله عندما قام بطردها. إلا أنه لم يجدها. وبدأ القلق يتسرب إلى قلبه، وظل يسأل نفسه: أين ذهبت تلك الحمقاء؟
لم يكن أمجد يعلم أنه سيدفع ثمن صنيعه بأن جمع بين ريم وأدهم، قبل أن يأذن الله لأدهم بذلك. فتحدي أمجد لأوامر الله سوف يكلفه الكثير والكثير. فكما عاقب الله سيدنا يونس على مخالفته لأمره بأن قذفه في ظلمة بطن الحوت، فللأسف، سوف يواجه أمجد ظلامًا أشد من ظلام بطن ذلك الحوت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!