انتهى اليوم. وفي المساء عاد أمجد إلى منزله ليجد شيئًا مبهراً في انتظاره. شيء لم يستطع عقل أمجد، بكل ما يتمتع به من ذكاء وعبقرية، أن يتخيله أو يتوقع حدوثه. فلأول مرة في حياته الطويلة، يجد شخصًا يستطيع قراءة أفكاره هو. وليس فقط أفكاره، بل إن ذلك الشخص قد توغل إلى ما هو أعمق من ذلك، واستطاع أن يقرأ روحه ويغوص إلى ما بداخل قلبه. كل ذلك حدث عندما وقعت عيناه على "زيتا". التي كانت قد تزينت وتأنقت بشكل لم يراه من قبل.
فظهرت أمامه كإحدى أميرات الحبشة في القرون الوسطى، وهي ترتدي ذلك الفستان الأحمر الأنيق، وقد أسدلت عليه خصلات شعرها الحريري الطويل لتخفي به جزءًا من رقبتها وأكتافها اللامعة، والتي كانت تنافس في نعومتها طفلاً لم يمضِ على ولادته سوى بضع ساعات. وما أن نظر أمجد في عينيها العسليتين الواسعتين كمحيط من العذوبة والروعة، حتى وصلته كل رسائل عقلها. شعر أمجد أنه يقف عارياً أمام المرآة.
فقد لخصت تلك الرسائل كل ما تحمله أعماق أمجد من مشاعر وأفكار، لدرجة أنه تسمر في وقفته وانشغل بالتهام تلك الرسائل بشراهة شديدة. وقد حملت رسائل عقل زيتا ما يلي من معاني: "اهدأ قليلاً يا أمجد. يا توأم روحي. فأنا معك ولن أتركك أبداً. حتى وإن ظللت في عينيك. تلك الخادمة التافهة الغبية. أنا أعلم أنك تتظاهر بالعنف والقوة طول الوقت. لكن بداخلك تحمل الأسى والألم. الذي لا يعلم به غيري.
كم تمنيت أن أزيل كل الألم الذي يقتلك في صمت. حتى وإن كلفني ذلك. أن أحمل أنا كل هذا الألم بدلاً منك. فعذابي في تألمك لا يطاق. كم أتوسل إليك أن تطلب مني أن أفعل أي شيء. لوقف نزيف تعاستك. لكن أرجوك لا تتركني أقف عاجزة. وأنا أشاهدك تتعذب في صمت." تنهد أمجد وكأن روحًا جديدة قد تسللت لتحتل كل المساحات الفارغة داخل جسده وعقله وقلبه. واقترب من زيتا وكأنه يوشك على احتضانها، واستمر في قراءة ما يحمله عقلها، وكان كالتالي:
"مولاي وعشقي أمجد. أعلم أنك سوف تصحبني الليلة للعشاء. وقد لا تعرف كم من الليالي قضيتها. وأنا أحلم بتلك الليلة. حتى وإن كانت من باب العطف والشفقة. ولقد أنفقت كل ما أملك. لأشتري هذا الفستان. وكل أملي ألا تشعر بالحرج وأنا بصحبتك. أرجوك فقط لليلة واحدة. عاملني أني أنثى. وغداً سأعود تلك الخادمة. التي تعتبرها أدنى منك، ومن كل البشر." أنهى أمجد قراءة تلك الأفكار داخل عقل زيتا، وانهمر في بكاء حاد.
كان ذلك حدثًا مزلزلًا. فأخيرًا بكى أمجد! وكأن ذلك الصمام الفولاذي الذي أوصد به منابع الدموع في مقلتيه قد انكسر. فأمجد لم يذرف دمعة واحدة منذ ليلة رحيل أمه، وحتى يومنا هذا. وما أن رأت زيتا دموع أمجد، حتى جرت واحتضنته بحنان، وقد فاضت دموعها لتسابق دموع أمجد. ظل مشهد العناق الدافئ طويلًا وطويلًا، حتى سكنت أرواح الاثنين وجفت دموعهما. وبدأ أمجد بالكلام وهو يغمر زيتا بنظرة كلها حب وحنان، قائلاً: "تتزوجيني يا زيتا؟
تجمدت زيتا للحظة، ثم سقطت مغشيًا عليها. التقطها أمجد قبل أن تقع على الأرض وصاح بانفعال: "الله يخرب بيتك. وبيت سنينك السودا. ده وقته يا زفتة! حملها برفق، ووضعها على فراشه، وبدأ في إفاقتها برفق، وقد بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، لتفتح عينيها وتشاهد أمجد يقبل يديها وهو يقول: "حمدلله على السلامة يا قلبي." ردت زيتا باضطراب واضح: "أنت كنت تمزح معي مستر أمجد؟ صح؟
ابتسم أمجد وقال: "لا يا زيتا مش بمزح. أنا بحبك وعاوز أتزوجك بجد." ترقرق عيون زيتا بالدموع وهي تقول بلغتها العربية الضعيفة: "لا مستر أمجد. أنت مش ينفع جواز مع واحدة خدامة. إذا أنت حابب علاقة. فأنا أكون ملكك لآخر عمري. بدون جواز سيدي. وأحلف لك مش راجل تاني يلمسني غيرك... حتى أموت." رد أمجد بكل هدوء: "لاخر مرة هقولك أنا فعلاً بحبك. وعاوز أتزوجك. وعاوزك تكوني أم أولادي." استشعرت زيتا صدق
كلمات أمجد فقالت وهي تبكي: "موافقة سيدي أمجد... موافقة سيدي." قطب أمجد حاجبيه وهو يداعب خدود زيتا وقال: "في بنت تنادي حبيبها وجوزها... سيدي! ولأول مرة زيتا تشعر أن الدنيا كلها قد تصالحت معها، فقالت بصوت باكي مرتبك: "موافقة أمجد... موافقة أمجد... موافقة يا حبيبي." احتضنها أمجد بكل قوة، وظل يقبل يديها ورأسها. وقد كان مجرد نطق زيتا لتلك الكلمة (أمجد حبيبي) كافيًا لأن تنفجر منها سعادة تغمر كل ذرة من جسدها.
بل تتخطى ذلك، وتكتسح كل كيان أمجد. انتهى ذلك المشهد الحالم، وقد أدرك أمجد أن عقله الجبار قد وجد منافسًا يفوقه بأميال وأميال. (قلب) تلك الفتاة المسكينة زيتا. استطاع أن يفعل أشياء، لم يكن باستطاعة (عقل) أمجد فعلها، رغم كل ما كان يتمتع به من قدرات خارقة. وبعد أقل من ساعة كان أمجد قد اصطحب زيتا، ليقضي كل منهما أول موعد غرامي في حياته.
وذهبا إلى أحد المطاعم الفاخرة، المطلة على نهر النيل، وجلسا يتسامران ويتضاحكان بشكل جعل كل الحاضرين بالمطعم يحسدونهما على ذلك التناغم الساحر. وفي أثناء العشاء. زلزل صوت ارتطام مدوي كل أرجاء المطعم، لدرجة أجبرت كل الرواد على القفز من أماكنهم والخروج لمعرفة السبب وراء ذلك الصوت العنيف. فقد كانت إحدى السيارات قد انحرفت عن الطريق لترتطم بالسياج المجاور للمطعم، ثم تخترقه، لتسقط في أعماق نهر النيل.
وقف أمجد وقد التصقت زيتا بذراعه وهي ترتعش، وقد تجمع العشرات ما بين واثب في النهر لمحاولة إنقاذ من بداخل تلك السيارة الغارقة، وما بين من اكتفى بتصوير الواقعة. ومضت لحظات حتى صعد أحد الشباب مفتولي العضلات وهو يحمل فتاة بين ذراعيه، بينما يصيح: "مفيش أي دكتور هنا... الست اللي كانت جوا العربية... قاطعة النفس! وهنا، صاح أمجد بصوت عالٍ: "أنا دكتور... لو سمحتم الكل يوسع. عشان أعرف أكشف على الست." وبالفعل أفسح الجميع.
وما أن اقترب أمجد وشاهد وجه الفتاة حتى صاح: "أنا عارف البنت دي... دي ريم الحديدي! ولازم ننقلها بسرعة للمستشفى... لأن عندها ارتجاج في المخ! وفي سرعة شديدة اتصل أمجد بإحدى سيارات الإسعاف الخاصة به، وأمر بنقل ريم للمستشفى. والتي كانت بالمصادفة تبعد بضع كيلومترات قليلة عن مكان الحادث. وفي لحظات كان أمجد قد قفز في سيارته وبصحبة زيتا متجهين إلى المستشفى.
وما أن دخلا إلى غرفة العناية المركزة، حتى أمر أمجد بمغادرة المسعفين، وأوصد الباب عليه هو وريم وزيتا. ثم اقترب من ريم التي كانت مستلقية على الفراش الطبي، وهمس في أذنها: "ريم هانم... فتحي عينيك... إحنا خلاص بقينا لوحدنا." وفجأة فتحت ريم عينيها وقالت: "أنا خايفة أوي يا أمجد من ردة فعل أدهم. لما يعرف إني ساعدتك نعمل المسرحية دي. عشان نخليه يظهر." رد أمجد: "ما تخافيش يا ريم. أول ما أدهم يظهر هأفهمه كل حاجة.
زمان الفيديو بتاع عربيتك انتشر في البلد كلها. وأنا متوقع أن أدهم هيظهر في أي لحظة." ريم بنبرة معاتبة: "أنت اتأخرت ليه؟ أنا والراجل منفذ المشاهد الخطرة فضلنا مستنيناك. أكتر من ساعة." ثم التفتت إلى زيتا وقالت: "ومين الآنسة دي؟ رد أمجد بارتباك: "دي البنت اللي بتشتغل عندي. ووجودها وعياطها عليكي. لما طلعتي من المية. خلوا المشهد يبان واقعي أوي." ردت ريم بابتسامة حنونة مخاطبة زيتا: "ميرسي أوي على قلبك الجميل ده.
بس لو سمحتي. ممكن تجيبي لي أي حاجة ألبسها. بدل هدومي المبلولة دي." ردت زيتا بصوت شاحب، وهي تقترب من ريم، وتنزع حذائها المبلل: "حاضر مس ريم." ثم خرجت من الغرفة، ودموعها تكسو فستانها الأحمر الأنيق، قد تحولت مساحات منه إلى اللون الأسود القاتم. وسارت بخطوات ثقيلة صوب بوابة المستشفى، وهي لا تدري إلى أين سوف تقودها ساقيها، اللتان لم تكونا قادرتين على حمل جسدها المرتعش... وقلبها المحطم.
فأدركت زيتا أنها لا تزال مجرد خادمة، استغلها سيدها لتلعب دورًا ثانويًا في مسرحية هزلية بطلتها... ريم الحديدي! وقد كان أجرها على ذلك الدور البسيط... نفس مكسورة... وقلب محطم. ظلت زيتا تسير في الشوارع بلا هدى. وبداخلها سؤال واحد. لماذا لم يصارحا أمجد من البداية بأن مشهد المطعم وما تبعه من أحداث كان مجرد خطة جهنمية من خططه المعتادة؟
فهي لم تكن لتعترض على أوامر وطلبات سيدها، ولكانت حفظت قلبها من أن يُداس تحت قدميه كما حدث الآن. -وعلى صعيد آخر... ظل أمجد ينتظر عودة زيتا بلا جدوى. فخرج من غرفة ريم وطلب من إحدى الممرضات أن تحضر بعض الملابس المناسبة لريم هانم. وانطلق يفتش عن زيتا في أروقة المستشفى، حتى أخبره أحد أفراد الأمن بأنه رآها تخرج باكية من البوابة. فهرع مسرعاً وقفز في سيارته استعداداً للبحث عن تلك الحمقاء.
إلا أن جسداً ضخماً تحجر أمام سيارته، مانعاً إياه من التحرك. أشعل أمجد كشافات سيارته ليكشف عن هوية ذلك الشخص الرابض أمام سيارته، ليجد أن ذلك الشخص هو (أدهم) فابتسم أمجد بطريقته المعتادة، وقد غمرته فرحة عارمة. فقد نجحت خطته في جذب أدهم. ليعلن عن بدء الجولة الثالثة من ذلك الصراع الحتمي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!