الفصل 11 | من 17 فصل

رواية المتناقض الفصل الحادي عشر 11 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
18
كلمة
1,509
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

كنا قد تركنا أدهم وريم في غرفة الرعاية المركزة. وقد أغلق أمجد عليهما الباب من الخارج ثم رحل ليبحث عن زيتا. تشابكت أيديهما ونهضا سوياً ببطء. ولم يستطع أدهم أن يقاوم رغبته المحمومة في ضم ريم إلى صدره. كانت تردد اسمه مرات ومرات. وكأنه نوع من التسبيح، فقد ارتقى عشق أدهم في قلبها لدرجة تفوق ما يعرفه البشر. أما أدهم، فقد كانت كل ذرة من جسده تصرخ شوقاً لريم.

وكأن خلايا جسده قد تمردت على طاعته واندفعت لتحتضن ريم بكل رقة وبكل قوة في آن واحد. مرت لحظات. كانت أصابع أدهم تطوف فوق ملامح ريم، وكأنها عابد ناسك قد اهتدى إلى كعبته بعد طول عناء. بينما اقتربت ريم لتغمر رئتيها بعطر أنفاس أدهم ورائحة جسده. تلك الرائحة الزكية التي كانت قد تلاشت من ذلك القميص الذي كان جليسها وأنيسها طوال تلك السنوات الثلاث العجاف. فمنذ رحيل أدهم عنها، وهي لا تعرف النوم إلا بعد أن ترتدي قميصه.

استمر احتضان جسد أدهم لقلب ريم. واحتضان قلب ريم لجسد أدهم. ومر الكثير من الوقت في أنحاء العالم. إلا أنه تجمد في تلك الغرفة. فأدهم، قد تلاشى كل شيء من حوله، فلم يبق إلا كيان ريم. فالزمان هو ريم. والمكان هو ريم. والدنيا كلها هي ريم. أما ريم، فكادت تجزم أن رحلتها على الأرض قد انتهت، وأنها أخيراً قد دخلت الجنة. فجنة ريم لم تكن تتعلق بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولكن جنتها الحقيقية تتلخص ببساطة في: عين تكحلت برؤية أدهم.

وأذن قد طربت بسماع أنفاسه. هكذا كان المشهد، وكلاهما صامت، يسترق السمع والإحساس بضربات قلب الآخر، وكأنهما قد تبادلا قلبيهما معاً. فضربات قلب أدهم كانت تدوي عالية داخل صدر ريم، لتعلو فوق أنين ضربات قلبها. ودفء قلب ريم قد أشعل نيران الشوق والحنين في جوف أدهم، الذي كان يعاني من سقيع دائم، حتى وإن ابتلع كل براكين الأرض. وظلت تلك الحالة المنفردة من العشق، إلى أن قطعها صوت ريم الرقيق وهي تقول وقد اختلطت حروفها ببكائها:

أنا أكيد بحلم. مش ممكن تكون في حضني بجد يا أدهم. رد علي وقولي إنّي مش بحلم. رد أدهم وهو يغالب دموعه، وقد بذل أقصى جهده ليظهر متماسكاً: لا يا ريم. ده مش حلم. وسامحيني يا حبيبتي. أقسم بالله فراقك ده ما كان بإيدي. ومش ممكن تتخيلي فراقك ده. عمل فيا إيه. ردت ريم بكل أسى، وقد أجهشت في نوبة بكاء حار: انت بتتكلم عن اللي عمله فيك الفراق! يا أخي حرام عليك. ده أنا كنت بموت كل يوم ألف مرة بسببك.

أنا كرهت الدنيا والعيشة وكرهت نفسي. لولا إنّي متمسكة بأمل رجوعك. كان زماني اتجننت ولا انتحرت. ثم أمسكت يد أدهم ووضعتها على قلبها، وهي تقول: يا أدهم أنا مش بس حبيتك. أنا عشقتك بجنون. عشق خلاني أتحمل وجع. لا انت ولا عشر رجالة زيك يقدروا يتحملوا وجعه. رد أدهم وقد انفلتت دموعه من مقلتيه: وأنا بتنفسك يا ريم. انت بالنسبالي مش مجرد بنت حبيتها. انتي الدنيا كلها. انتي الجنة اللي عشت محروم منها.

شعرت ريم بدموع أدهم، وهي تتساقط فوق خديها، فانتزعت رأسها من بين ضلوعه، وانتفضت تقبل رأسه وجبهته وهي تقول: طب أبوس إيدك ما تعيطش. أنا مقدرش أستحمل أشوفك بتعيط. انت حبيبي وحياتي وعمري كله يا أدهم. حاولت ريم تهدئ أدهم، فقالت وهي تبتسم برغم دموعها التي لا تتوقف: انت عارف إنّي بنام كل ليلة. وأنا لابسة القميص بتاعك. فاكر! القميص اللي ادتهولي البسه. وقت ما كان عندي كورونا! لدرجة إنّي مبقتش أقدر أنام. إلا وأنا لابساه.

وحاسة إن جزء منك لسه معايا. ومحاوطني. ابتسم أدهم، وقد بدأت دموعه تنحسر، ثم أخرج كيساً صغيراً من جيبه، وناوله لريم قائلاً: عارفة الكيس ده فيه إيه؟ تناولت ريم الكيس من يد أدهم وتفحصته بدقة، ثم قالت باندهاش: ده كيس فيه شوية رمل! رد أدهم وهو يداعب خصلات شعر ريم الذهبية: لا يا قلبي. ده مش مجرد رمل عادي. ده رمل أنا أخذته من مكان علامات رجليكي جوا الحفرة. الحفرة اللي حطيتك فيها. في أول يوم اتقابلنا فيه. ثم استطرد:

أنا كنت بروح المكان ده كتير. كنت بقعد هناك بالساعات. وأفضل افتكر أول لحظة حسيت فيها إنّي بحبك. لدرجة إنّي جبت كيس. ومليته بالرمل اللي كانت بصمة رجليكي معلمة فوقيه. ومن وقتها. وأنا محتفظ بيه. وبنام وأنا ماسكه وببوسه وبحضنه. لمجرد إنه شايل لمسة رجليلي عليه! وما أن سمعت ريم ذلك، حتى دفنت رأسها مجدداً بين ضلوع أدهم، وقالت بكل استعطاف: أنا بحبك. بعشقك. بموت فيك يا أدهم. رد أدهم بكل حنان: وأنا بعيش فيكي يا ريم.

وعايش على أمل إن ربنا يأذن لي أقرب منك تاني. وواثق جداً من رحمة ربنا بينا. انتفض جسد ريم بقوة، وصرخت بلوعة شديدة: أوعى تقول إنك هتبعد عني تاني. والله العظيم أنا خلاص. مش هقدر أتحمل أكتر من كده. سنين وأنا بتعذب في غيابك عني. بالله عليك ما تسبني تاني. كفاية وجع بقى. أنا قلبي مش مستحمل. ولو خايف عليا. فارجوك ما تخافش. مفيش أي حاجة ممكن تحصلي أكبر من فراقك. خلينا نتجوز دلوقتي حالا. وأعيش ليلة واحدة معاك.

وإن شاء الله بعدها أموت. رد أدهم محاولاً تهدئة ريم: حتى لو كان التمن. إن أنا اللي أموت يا ريم! هنا صرخت ريم بكل فزع: لا أوعى تقول كده. أنا أموت ألف مرة. ولا يجرالك أنت أي حاجة وحشة. بعد الشر عليك يا قلب ريم. هنا انتزعها أدهم بقوة، وضمها إلى صدره وهو يقول بكل حنان: أنا كلي كده. فدا خصلة واحدة من شعرك يا ريم. اصبري. وثقي في ربنا ثم فيا. وصدقيني يا مولاتي. ربنا رحمته أوسع مما تتخيلي. يا حب عمري. يا عشقي الأبدي.

يا توأم روحي. يا أم نور! وما أن سمعت ريم الكلمة الأخيرة، حتى لمعت عيناها، وهدأت جوارحها، فقد فهمت رسالة أدهم. وتذكرت ذلك الحلم الجميل. عندما كان أدهم يسألها في الحلم: إذا ما كانت تحبه أكثر، أم تحب طفلهما، نور. استشعر أدهم أن ريم قد تفهمت الوضع، وأراد أن يمنحها مزيداً من الارتياح فقال مداعباً: أنا بفكر أغير اسم ابننا. وأسميه أمجد. ردت ريم وأصابعها تداعب ذقن أدهم: يا عم انت اتجوزني بس. وأنا أجيبلك نور وأمجد.

وكل اللي نفسك فيه. وأخيراً ارتسمت الابتسامة على وجهيهما، وكلامها على يقين، بأن الله عالم بما في قلبيهما، وهو أرحم الراحمين. وانتهى ذلك المشهد من تلك القصة الأسطورية، بأن ضم أدهم رأس ريم إلى صدره، وناما لأول ليلة، وقد علما بأن حبهما لم ولن تشهد مثله الأرض يوماً. فمشاعرهما أسطورية، وعشقهما ضد الكسر. وعلى صعيد آخر كان أمجد قد قضى ليلته بائساً مكتئباً.

فهو لأول مرة يختبر الشعور بالاحتياج والحنين إلى شخص، فما فعلته زيتا به، كان أشبه بإعادة إحياء المشاعر في قلب فارغ أصم. فمنذ نعومة أظافره، وهو يخشى الاقتراب من البشر. فتلك القدرة الخارقة على قراءة أفكار من حوله، قد مكنته من رؤية ما يخفيه الناس بداخل نفوسهم من غل وحقد وشر. فقد عاش يتعذب برؤية مدى بشاعة الناس، وقد انكشف أمامه ذلك القناع المزيف الذي اعتاد الجميع وضعه. ليظهروا في حلة مصطنعة من الطيبة والشهامة المزيفة.

واستمرت حالة نفور أمجد من الناس، وبالأخص من الفتيات اللاتي كن يحاولن التودد إليه، فبرغم علمه بمشاعرهن الجميلة تجاهه. إلا أنه في نفس الوقت كان يرى في أعماقهن ذلك النفور والاشمئزاز من ماضيه. والذي لم يكن لأمجد أدنى ذنب فيه، فهو ابن المجرم القاتل، الذي قتل زوجته، قتل أم أمجد. فذلك الجزء المظلم، كان قاسماً مشتركاً بين كل النساء من حوله، وعلى رأسهن إنجي، التي تهيم به عشقاً.

كانت كل النساء كذلك، باستثناء تلك الفتاة الرقيقة العذبة، زيتا، التي كانت تحمل الخير والحب للجميع، وكانت ترى في ماضيه سبباً مضافاً يدفعها إلى مزيد من العشق والاحترام تجاهه. وقد احتل حب أمجد أعظم مساحة من قلبها النقي البريء، فهو في عينيها بطل، استطاع أن يقهر ظروفه ويهزم ماضيه. ظل أمجد يفكر في زيتا، حتى خارت قواه، وداعبه النعاس. فارتمى على فراشه، وقد عزم على أن يسخر كل جهده لإيجاد فتاته الضائعة، أو بلفظ أدق.

وفي منتصف الليل ... هب أدهم من نومه مفزوعا فلقد رأى حلما مستقبليا مخيفا ... يتعلق بفتاة تم اختطافها وقتلها وما أثار دهشة أدهم ... هو أن تلك الفتاة كانت تتكلم بلغة غير مفهومة لم يستطع أدهم أن يميز أي شيء فيها سوى .... اسم أمجد فقد رددته أكثر من مرة ... قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة !!! انزوى أدهم في أحد أركان الغرفة واتصل بأمجد وطلب منه أن يأمر أحد موظفيه بفتح الباب قبل أن تستيقظ ريم

وبالفعل سارع أمجد بتنفيذ طلب أدهم وتم فتح الباب معلنا عن نهاية تلك اللحظات التي عاشها أدهم في نعيم القرب من ريم اقترب أدهم ببطء ليطالع وجه ريم التي بدت كطفلة نائمة وقد سالت قطرة من لعابها على خدها فمد أدهم أصابعه ومسح القطرة برفق ووضعها في فمه فرحيق لعاب ريم بالنسبة له يعادل أنهارا من اللبن والخمر والعسل ثم خلع سترته ووضعها برفق على صدر ريم وطبع قبلة حارة على جبهتها ثم انطلق مسرعا خارج الغرفة قبل أن تهزمه دموعه

فهو لا يعلم كم من الشهور أو الأعوام سوف تنقضي حتى يرى ريم مجددا انطلق أدهم صوب منزل أمجد وقد بدأ يتذكر تفاصيل وجه زيتا وأدرك أنها هي نفس الفتاة التي كان يشاهدها في منزل أمجد بينما كان يراقب منزله قبل أول لقاء جمع بينهما وقد كان أدهم يظن بأن أمجد لن يكترث كثيرا عندما يخبره بأن حياة زيتا في خطر وأنها سوف تودع عالمنا قريبا لم يكن يعلم بأن ما قد يفعله أمجد لإنقاذ زيتا قد يتخطى ما يمكن أن يفعله هو نفسه لإنقاذ ريم !!!

ولم يكن كلاهما على علم بأنقاذ زيتا يحتاج إلى معجزة وأن تلك المعجزة تستلزم أن يتكاتف بطلي القصة فاتحادهما معا ... قد يصنع ما يمكن أن نسميه فعلا ... بالمعجزات

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...