الفصل 12 | من 17 فصل

رواية المتناقض الفصل الثاني عشر 12 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
21
كلمة
1,355
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

انطلق أدهم صوب منزل الدكتور أمجد. بدأ أدهم يتذكر بعض تفاصيل ذلك الحلم المزعج. تعرف على وجه زيتا، وأدرك أنها هي نفس الفتاة التي تعمل كخادمة في منزل أمجد. فقد اعتاد أدهم أن يراها بينما كان يراقب منزل الدكتور أمجد ليضع خطته تمهيداً لأول لقاء بينهما.

كان أدهم يظن بأن أمجد لن يكترث كثيراً عندما يخبره بأن حياة زيتا في خطر، وأنها للأسف، سوف تودع عالمنا قريباً. ولم يكن يعلم بأن ما قد يفعله أمجد لإنقاذ زيتا قد يتخطى ما يمكن أن يفعله هو شخصياً لإنقاذ ريم. ولم يكن كلاهما على علم بأن إنقاذ حياة زيتا يحتاج إلى معجزة. وأن تلك المعجزة تستلزم أن يتكاتف بطلي القصة، فاتحادهما معاً قد يصنع ما يمكن أن نسميه فعلاً بالمعجزات.

وصل أدهم إلى فيلا الدكتور أمجد، واستقبله الأخير بحفاوة بالغة. وتعانقا لأول مرة كصديقين حميمين، حيث دار بينهما الحوار التالي. ربت أدهم على كتف أمجد بكل امتنان وقال: بجد يا أدهم، أنا مش عارف أقولك إيه ولا أشكرك إزاي. اللي عملته معايا امبارح ده جميل هعيش عمري كله مديون لك بيه. رد أمجد وهو يبسم ابتسامة باهتة، يصارع بها حزنه وقلقه على زيتا:

ما تقولش كده يا أدهم، ده أقل شيء أقدر أرد بيه على كل اللي أنت عملته معايا. وما تقولش أي حاجة، أنا قرأت كل اللي أنت عاوز تقوله، وإحنا خلاص بقينا... وفجأة انخرس صوت أمجد، وشحب وجهه بشكل مفاجئ. فهتف أدهم بقلق واضح: فيه إيه يا أمجد؟ سكت كده ليه؟ إيه اللي حصل؟ رد أمجد وقد لمعت عيناه بالدموع: زيتا ماتت! زيتا اتقتلت يا أدهم! قد كان أمجد في تلك اللحظة قد توغل داخل عقل أدهم، وشاهد نفس الحلم المزعج الذي رآه أدهم. جلس

أدهم يواسي صديقه ويقول: اهدأ يا أمجد، الحلم ده معناه إن زيتا لسه عايشة، وإن ربنا عاوزني أتدخل عشان أنقذها. أرجوك ثق فيا. هنا فقط، هدأ أمجد. فبرغم ثقة أمجد في نفسه وفي قدراته الهائلة، إلا أنه قد بدأ يستوعب أن أدهم يفوقه قدرة ومناعة، ليس لصفاته أو ذكاءه، ولكن لأنه مؤيد من الله. ومن في معية الله لا يمكن لأي مخلوق على الأرض أن يقهره، مهما كان يمتلك من المزايا أو القدرات. وبلهفة شديدة قال أمجد: والعمل يا أدهم!

هاننقذها إزاي؟ لو زيتا جرالها حاجة، أنا هاموت. أنا ما أقدرش أعيش من غيرها. اندهش أدهم من تلك المشاعر الجياشة التي لم يكن يتوقع أن يراها تخرج من شخص مثل أمجد. وقال بارتباك: للأسف يا أمجد، أنا مش قادر أفتكر تفاصيل الحلم كلها. وجود ريم معايا وجنبي وأنا نايم خلى عقلي مش صافي وشتت تركيزي. بس أكيد هنلاقي حل بإذن الله. أمجد بنبرة كلها استعطاف: ساعدني يا أدهم، وأنا هادخل جوه عقلك وأشوف التفاصيل اللي أنت مش قادر تفتكرها.

أجابه أدهم بحماس: شوف أنت عاوزني أعمل إيه، وأنا تحت أمرك. رد أمجد وهو يحضر حقنة أخذها من حقيبة معداته الطبية: أنا هديك دلوقتي حقنة منومة، ما تقلقش منها. كل اللي هتعمله الحقنة إنها هتنيمك لمدة ساعة، وهتخليني أقدر أدخل جوه عقلك بدون أي مقاومة منك. وثق فيا يا أدهم، أنا مش هدخل لأي ذكريات أو أحلام تخصك. أنا كل اللي عاوزه هو الحلم بتاع زيتا. رد أدهم بنبرته الهادئة المعتادة:

حاضر يا أمجد، وأنا كمان هاعمل حاجة هتساعدك أكتر. لما أنام، خليك ماسك إيدي وأنت بتقرا أفكاري. وفي غضون لحظات، كان أدهم يغط في نوم عميق بعد أن سرى مفعول المخدر في دمائه. فأمسك أمجد يده. لتبدأ تجربة فريدة من نوعها، حيث انصهر عقل أدهم داخل عقل أمجد. وكأنهما جسدان يحملان عقلاً واحداً، جباراً. في تلك الأثناء، دخل مستشفى الدكتور أمجد عبدالمنعم.

كانت ريم قد استيقظت، لتجد أن أدهم قد اختفى مجدداً. رحل أدهم تاركاً لها سترته، وقد بدا لها الأمر وكأنه أعاده لنفس السيناريو المؤلم الذي فتك بقلبها من شدة الاشتياق وقسوة البعاد. لكنها كانت على يقين من أن رحمة الله واسعة، وأن صبرها على ابتلاء الفراق هو الوسيلة الوحيدة لتنال رضى الله وتحصل على مرادها بأن تعيش مع أدهم تحت سقف واحد لتكون له حبيبة وزوجة وأم.

فلملمت أغراضها بأسى شديد، وقد عزمت على شراء تلك الغرفة من المستشفى. فكتبت شيكاً يحمل رقماً خرافياً، وتركته لأمجد مع رسالة شكر مع إحدى الموظفات في ردهة الاستقبال. وقد أبلغتها بأن تمنع أي شخص من دخول تلك الغرفة حتى وصول الدكتور أمجد. استجابت الموظفة لطلب ريم، فالجميع يعلم تماماً من هي ريم هانم الحديدي. وعادت ريم إلى منزلها وهي ترتدي سترة أدهم. ثم اتصلت بالحاج صبحي، وهو ذلك الصائغ الخاص بعائلة ناصر الحديدي.

ودار بينهما هذا الحوار. الحاج صبحي: صباح الأنوار ريم هانم، إيه المفاجأة الحلوة دي على الصبح؟ حمدلله على سلامتك. أنا أول ما شفت الفيديو... قاطعته ريم بأسلوب رقيق: صباح النور يا حاج صبحي، الحمد لله أنا بخير. وعاوزة أطلب منك طلب، عاوزاك تعملي دبلتين. واحدة دهب مقاسي منقوش عليها من بره كلمة (أدهم) ، والتانية فضة أكبر من مقاسي بـ ٤ نمر ومكتوب عليها اسمي. رد الحاج صبحي مهللاً:

ألف ألف مبروك يا ريم هانم، شكلنا هنفرح بحضرتك قريب. جاوبت ريم بابتسامة واسعة: دعواتك معانا يا حاج صبحي. في انتظار الدبل دول يكونوا عندي الليلة. ثم أنهت الاتصال، وصعدت سريعاً إلى غرفتها لتفترس سترة أدهم تقبيلاً واحتضاناً. نعود الآن حيث تركنا كلاً من أمجد وأدهم، يخوضا تجربة لم تحدث من قبل لأي منهما.

فقد أمسك أمجد بيد أدهم الذي كان مستغرقاً في نوم عميق. وبدأ يركز كل خلايا عقله لاختراق ذلك الحلم داخل عقل أدهم. إلا أن أمراً غريباً قد حدث. فقد بدأ أمجد يشعر بنعاس مفاجئ. وبأن قبضه أدهم على يده قد ازدادت قوتها. وشيئاً فشيئاً، سقط أمجد هو الآخر في نوم عميق. ودخل كلاهما في حلم عميق مشترك. فقدرات عقل أمجد الخارقة قد مكنته من دخول عالم فريد من نوعه، عالم لا يحمل مفاتيحه سوى أدهم.

وبداخل هذا العالم التقى البطلان ودار بينهما هذا الحوار العقلي. كان أدهم وبجواره أمجد يقفان في حديقة مترامية الأطراف، وهما بكامل أناقتهما. حيث بادر أدهم قائلاً: أهلاً يا أمجد، إحنا دلوقتي في نقطة جوه المستقبل الافتراضي. أنا واثق إنك هنا مش هتقدر تقرا أفكاري، فخليني أشرح لك الموضوع. رد أمجد وهو مرتبك جداً: أنا مستوعب إني جوه عقلك دلوقتي، بس مش فاهم إزاي ده حصل. رد أدهم بهدوء:

القدرات اللي ربنا إدهالك، والقدرة اللي ربنا أنعم عليا بيها، هي اللي خلتنا نوصل للعالم ده. ده عالم ربنا حجبه عن كل البشر. وأكيد لازم نشكر ربنا على إنه اختارنا إحنا، وأدانا من فضله النعمة دي عشان نكون أداة لخدمة الناس. فهمت يا أمجد؟ رد أمجد بخشوع: ونعم بالله. ألف حمد وشكر ليك يا رب. أنا كنت فعلاً غبي وناكر لنعمة ربنا عليا، سامحني يا رب. قاطعه أدهم: إحنا لازم نروح دلوقتي لزيتا، ونحاول نعرف هي فين ومين اللي خاطفها.

وفجأة تبدل مشهد الحديقة داخل الحلم، وتحول إلى مكان مظلم كئيب. عبارة عن مخزن قديم داخل الصحراء، يتجمع فيه العديد من الرجال يحملون بنادق آلية، بينما تجلس زيتا مقيدة بالأحبال في أحد الأركان. همس أمجد بصوت خافت: أنا مش قادر أعرف إحنا فين بالظبط. رد أدهم بصوت عالي وهو ينظر إلى ساعته:

ارفع صوتك يا أمجد، محدش هنا يقدر يشوفنا أو يسمعنا. ببساطة إحنا مش موجودين في اللحظة دي، ولا المكان ده في المستقبل. إحنا دلوقتي على بعد ٢٤ ساعة بالظبط من الوقت اللي نمنا فيه في أوضتك. اقترب أمجد من زيتا وقال: سامحيني يا روح قلبي، أنا السبب في كل اللي بيجرالك ده. وفجأة، بدت زيتا وكأنها تسمعه، فانفجرت ببكاء حاد وظلت تهمهم بلهجتها الأفريقية. لم يفهمها أدهم، إلا أن عقل أمجد قد استنتج بعض كلمات زيتا.

لمعت عينا أمجد، فقد استنتج ما تعنيه زيتا، وعرف ما يتوجب عليه فعله. فاستدار مخاطباً أدهم: أنا خلاص فهمت كل حاجة. خرجني من الحلم ده بسرعة. أرجوك يا أدهم. مفيش وقت. *** وبالفعل استجاب أدهم، ليستيقظ البطلان وهما في حالة إعياء شديد، وقد تصبب العرق منهما بغزارة. وتحامل أمجد على نفسه لينهض وهو يخاطب أدهم: شكراً بجد يا أدهم. أنا مش عارف من غيرك كنت هاعمل إيه. انت أنقذت حياتي كالعادة. رد أدهم: هنعمل إيه دلوقتي؟

فهمني انت عرفت إيه؟ وهتعمل إيه؟ رد أمجد، وقد لمعت عيناه بنفس تلك اللمعة المعتادة: انت خلاص عملت كل اللي عليك. سيب الباقي عليا. أنا خلاص عرفت مين خطف زيتا. وعرفت أنا هأنقذها إزاي. من الكلاب اللي خطفوها. رد أدهم بنبرة قاطعة: أنا رجلي على رجلك. لو عرفت هي فين. يبقى هنروح نجيبها سوا. بس الأول إحنا أكيد محتاجين سلاح. مش هنخش على المجرمين دول بإيدينا فاضية كده. ابتسم أمجد ابتسامة ماكرة وقال: حاضر يا قائد. هنروح سوا.

هاجيبلك السلاح اللي انت عاوزه. هاجيب لك سعيد. اندهش أدهم وقال: هو سعيد يعرف يجيب لنا سلاح؟ رد أمجد، وقد زاد اتساع ابتسامته: لأ يا دكتور أدهم. سعيد مش هايجيب لنا سلاح. سعيد... هو السلاح نفسه! لم يكن أمجد يعلم بأن سعيد يمتلك من المهارات القتالية ما يجعل أن مجرد ذكر اسمه كفيلاً بقذف الرعب في قلوب أعتى المجرمين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...