تجمد المشهد الصدامي بين أقوى رجلين على سطح هذا الكوكب للحظات، وكلاهما يتفحص الآخر بنظرة عميقة كلها تحدٍ. فأمجد ما زال عقله مخدراً بفعل الخمر، مما أفقده قدرته الخارقة على الولوج إلى عقل أدهم ومعرفة ما يدور بداخله. بينما أدهم كان مستعداً لتلك المواجهة، وقد رتب لها منذ عدة شهور سابقة. فقدرته على قراءة المستقبل جعلت تلك المواجهة تبدو وكأنها مجرد فيلم يعاد عرضه أمام عينيه للمرة الثانية.
إلا أن ذكاء أمجد الأسطوري جعله يدرك أن قدوم أدهم إليه بهذا الشكل لا يعني إلا شيئاً واحداً. وهو أن حياته مهمة جداً لأدهم، وأن سلاح أدهم المصوب إليه ليس له أي قيمة. فلو رغب أدهم في إنهاء حياته، لكان من السهل عليه فعل ذلك أثناء نومه، دون أن يكلف نفسه عناء تلك المواجهة. وكان أمجد محقاً في تفكيره. فبعد لحظات، أمسك أمجد فوهة مسدس أدهم ووجهها إلى جبهته، مخاطباً
أدهم بنبرة ساخرة: "يلا يا بطل وريني شجاعتك بقا ودوس على الزناد، وإلا أنت جايب السلاح ده عشان تتمنظر بيه؟ رد أدهم بكل ثقة: "ما تستعجلش على رزقك يا دكتور أمجد، خليني الأول أعرفك المطلوب منك وأوفر عليك التفكير ده كله." رد أمجد بسخرية: "هو أنت فعلاً مصدق إني ممكن أسمع كلامك وأنَفذه؟ أومأ
أدهم برأسه بكل ثقة وقال: "لما تأثير الخمرة يروح من عقلك، هتعرف تفكر بشكل مثالي، وهتكتشف إنه مستحيل بكل ذكائك وقدراتك الخاصة تهزم شخص بيقدر يعرف كل خطواتك قبل ما تعملها." رد أمجد بنبرة تحدٍ واضح: "الكلام ده منطقي جداً لحد ما أفوق من تأثير الخمرة، بس لما أفوق هاشوف اللي جوا عقلك كله، بما في ذلك المستقبل اللي أنت بتشوفه، أنا كمان هاشوفه جوا دماغك وهاقدر أغيره!
قاطعه أدهم بحزم: "بلاش تخلي غرورك ده يقضي عليك، واسمع الكلمتين اللي أنا جاي أقولهم لك بكل ود. شوف يا دكتور أمجد، أنا هاديلك مهلة شهر واحد بس عشان تعمل فيها عمليات الجراحة اللي أنت ملتزم بيها، ما عدا عملية الأمير خالد اللي مفروض تعملها بعد يومين، دي العملية الوحيدة اللي مش هاسمح لك تعملها." رد أمجد باندهاش: "اشمعنا يعني العملية دي اللي مش هاقدر أعملها؟ وشهر إيه المهلة ده اللي بتتكلم عنها؟ أنت فاكر نفسك مين؟
أنت أكيد بتهزي! تجاهل أدهم أسئلة أمجد، واستطرد قائلاً: "بعد الشهر ما يخلص، لازم تختفي تماماً، وإلا فأنا هاكون مجبر غصب عني إني أقتلك! وبمجرد أن أنهى أدهم عبارته، سحب سلاحه من وجه أمجد، وبحركة مباغتة أطلق النار على ساق أمجد. سقط أمجد على الأرض وهو يصرخ: "أنت أكيد مجنون، وأنا هادفعك عمرك كله تمن اللي أنت عملته ده! ألقى أدهم سلاحه على الأرض، وقام بحمل أمجد ووضعه على سريره برفق،
وقال بلهجة حازمة: "مش وقت خناق دلوقتي، قولي فين مكان شنطة الإسعافات الأولية." كان أمجد ينزف ويتألم بشدة، فأشار لأدهم عن مكان شنطة الإسعافات. وبسرعة شديدة، قام أدهم بعمل كافة الإسعافات الطبية له، فقد كانت طلقة أدهم مصوبة بعناية فائقة، بحيث تحدث جرحاً طفيفاً في عضلة الفخذ، دون أن تسبب أي ضرر عميق لأمجد. وقبل أن ينتهي أدهم من إسعاف أمجد، كان الأخير على وشك أن يفقد وعيه،
حيث قال أدهم: "أرجوك سامحني يا دكتور أمجد، بكرة هتعرف إني أنقذت حياتك للمرة التانية." ثم استطرد وهو يناول أمجد هاتفه: "ياريت تتصل بأي حد ينقلك على المستشفى." بالفعل اتصل أمجد بإنجي عدة مرات، إلا أنها لم ترد، فقال بلهجة مستعطفة: "يا ريت تتم جميلك وتتصل من تليفونك بالدكتورة إنجي، لأنها متخانقة معايا ومش هترد عليا، وهي دي الشخص الوحيد اللي أثق إنه هيعرف يتصرف." نظر إليه أدهم
وهو يبتسم ابتسامة ساخرة: "كل اللفة الطويلة دي عشان توصل لرقمي! عموماً أنا هاتصرف ما تقلقش، وهاخليها تجيلك فوراً." ثم وضع هاتف أمجد في جيبه وودعه ببرود قاتل وهو يقول: "الف سلامة عليك يا بطل، ما تقلقش... كلها أربع أيام بالكتير وهترجع تقف تاني على رجليك."
قال أدهم عبارته، وهو ينصرف بهدوء من منزل أمجد، تاركاً أمجد يتألم بشدة، ليس فقط بسبب جرح تلك الرصاصة في فخذه، ولكن لجرح أعمق تركه أدهم في كبريائه، فقد انتهت الجولة الأولى بهزيمة ساحقة لأمجد. مرت قرابة الساعة حتى وصلت إنجي وبصحبتها سيارة إسعاف إلى منزل أمجد. وتم نقله إلى مستشفاه الخاص، حيث تلقى كل الإسعافات اللازمة، وقد باتت إنجي بصحبته حتى استفاق في الصباح، حيث دار بينهما هذا الحوار.
إنجي مهللة: "حمد الله على سلامتك يا دكتور." أمجد وهو يحاول النهوض: "الله يسلمك، وشكراً على تعبك معايا يا إنجي، إنتي عرفتي إزاي إني اتصبت؟ ردت إنجي: "اللي سرق تليفونك بعتلي رسالة إنه ضربك بالنار في البيت، فجريت جبت الإسعاف ونقلتك هنا، والحمد لله طلعت إصابة سطحية، وكلها أربع أيام وهترجع تمشي تاني وتمارس شغلك زي الأول." قاطعها أمجد: "هاتي اللاب بتاعك حالا واعملي بحث على موقع تليفوني، أنا لازم أجيب الحيوان ده من قفاه!
وبالفعل نفذت إنجي المطلوب، وعثرت على موقع الهاتف، وقد كان الموقع يشير إلى أحد البيوت القديمة في حي السيدة زينب. وما إن أخبرت أمجد بموقع هاتفه، حتى أصابته حالة من الاندهاش الشديد. فقد كان ذلك الموقع يشير إلى نفس المنزل الذي كان يعيش فيه أمجد مع جدته، بعد وفاة أمه.
كان أمجد قد استعاد كامل صفاء ذهنه، فطلب من إنجي أن تتصل بسعيد صديقه، وتطلب منه أن يذهب لمنزله القديم، وأن يبحث عن هاتفه تحت نفس البلاطة التي كان أمجد قد عثر فيها على ظرف النقود. وبالفعل قامت إنجي بتنفيذ طلب أمجد، واتصلت بسعيد، الذي اشتعل غضباً بعد ما علم بما جرى لصديق عمره، وتوعد بقطع رقبة ذلك اللص جزاءً لما فعل. أنهت إنجي المكالمة، ثم بادرت بسؤال أمجد عن سر ذلك المظروف. وكعادته دائماً،
رد أمجد بكل وقاحة: "وإنتي مالك يا حشرية، كام مرة أقولك ما تسأليش عن أي حاجة ما تخصكيش؟ وبالرغم من اعتياد إنجي على وقاحة أمجد، إلا أنها اندهشت بشدة، وقد لمع في عقلها سؤال واحد، كيف لهذا المخلوق أن يكون بتلك القسوة والوقاحة، ولم تمر بضع ساعات على إنقاذها لحياته. فردت بكل غضب وهي تكتم دموعها: "هو أنت إيه يا بني آدم، معندكش ذرة إحساس؟ بقا بعد كل اللي عملته عشانك، لسه فيك كل العنطزة والغرور والقسوة دي؟
أنا أصلاً مش طايقة أبص في وشك، واتحرق بقا لوحدك." ولأول مرة يشعر أمجد بمدى حقارة تصرفاته مع إنجي، فاعتدل رغم الألم وأمسك يدها، ثم قبلها قبلة حانية، وهو يقول: "أنا آسف، حقك عليا يا إنجي، إنتي معاكي حق، أنا فعلاً معنديش إحساس، بس أنا مش إنسان قذر زيك ما كتبتي لي في رسالتك! كانت قبلة أمجد كافية لتعديل مزاج إنجي، وقد تمنت أن تعقبها العديد من القبلات، إلا أن ذلك لم يحدث. فقالت بصوت ناعم: "أنا شكلي بحلم! صح؟
رد أمجد بسخافته المعتادة: "اعتبريه حلم وانسيه، دي بوسة براضيكي بيها مش أكتر، وبلاش خيالك الواسع يوهمك بحاجة أكبر من كده." ظهر الإحباط واضحاً على ملامح إنجي، إلا أن أمجد انتشلها من ذلك الإحباط قائلاً: "أنا هاحكيلك قصة ظرف الفلوس ده اللي كان جواه (٧٥٣٠ جنيه) بالظبط!
بس قبل ما أحكيلك الموضوع ده، عاوزك تنزلي جناح 'مستر عماد' بنفسك، وتدخلي الحمام بتاع الجناح، هتلاقي ساعته ملفوفة بكيس بلاستك تحت الحوض، طلعيها، ورجعيها للراجل اللي انتوا ظلمتوه ده، وبعدها اطلعي مكتبي هتلاقي شيك متقطع، حاولي تجمعيه، وتعالي بعد كده أفهمك كل حاجة." اندهشت إنجي من طلبات أمجد، لكن فضولها القاتل دفعها لأن تنفذ كل ما طلبه منها.
وبالفعل وجدت إنجي ساعة "مستر عماد" التي كان أمجد قد عرف أن الممرضة المحتالة أخفتها قبل أن تفتعل قصة التحرش، وذلك عندما قرأ أفكارها وهي بمكتبه. والتي كانت تلك الممرضة تنوي أن تأخذها بعد أن تهدأ الأوضاع، وتوهم الجميع بأنها كانت ضحية لذلك الذئب المتحرش، وأنه اختلق قصة سرقة ساعته للتمويه على فعلته الحقيرة. مرت الدقائق سريعة، حتى عادت إنجي بعد أن وجدت ساعة "مستر عماد" وأعادتها إليه.
وكان معها بقايا ذلك الشيك ذو المبلغ الضخم وهو يحمل توقيع مدام شروق. وما إن دخلت إنجي على أمجد حتى قامت برد القبلة إلى يد أمجد وقالت بصوت حنون: "أنا شكلي ظلمتك يا أمجد." فبادرها أمجد بصوت صارم: "اسمي دكتور أمجد! وآخر مرة أسمعك بتقولي أمجد حاف كده." لم تكتراث إنجي بسخافات أمجد المعتادة،
وقاطعته بصوت حنون: "حااااضر يا دكتور. ممكن تفهمني بقا عرفت إزاي إن الممرضة بتكدب، وإيه قصة الزفتة اللي اسمها شروق دي، وليه أقلعت هدومها في مكتبك؟ اضطر أمجد لاختلاق كذبة تبرر معرفته بأفكار الممرضة. فاخبر إنجي أنه وضع كاميرات مراقبة خفية في جناح مستر عماد تحسباً لسمعته السيئة في التعامل مع السيدات. واختلق كذبة أخرى لتبرير علمه بعلاقة شروق الآثمة مع أخو زوجها عن طريق قراءة أفكارها.
وأوهمها بأن تحاليل الـ DNA أثبتت أن هيثم ليس ابناً شرعياً لزوجها عصام بيه، دون أن يخبرها بماهية الأب الحقيقي. فإنجي طبيبة متميزة، وتعلم تماماً أن تحاليل النسب لن تثبت عدم البنوة إذا ما كان الشك بين الأخوة، أيّاً منهما كان الأب الحقيقي. وعلل الشيك ومن بعده تعري شروق في مكتبه، كنوع من الرشوة مقابل كتمانه لسرها، وأنه رفض تلك الرشوة بدليل أنه خرج من مكتبه وتركها عارية.
وقد مكن ذكاء أمجد الحاد من إقناع إنجي ببراءة موقفه، ونجح في كسب ولاءها له مرة أخرى. فقد كان يعلم تماماً أنه بحاجة لحشد كل معاونيه وأولهم إنجي، إذا ما أراد أن يسحق ذلك المستبصر، المدعو أدهم. وكان قد بدأ في رسم خطة جهنمية للقضاء على أدهم، وقد علم أهم نقاط ضعف أدهم. فقد علم أمجد، أن نقطة ضعف أدهم الوحيدة تتلخص في ثلاثة أحرف فقط: "ريم". أو كما كان يعرفها الجميع، بابنته ناصر الحديدي.
الفتاة التي على الجزء الأيسر من الغلاف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!