شعر أمجد بسعادة ونشوة كبيرة بعد أن وضعت إنجي قبلة حانية في كفه. وقرأ في عقلها تلك الرغبة المحمومة في احتضانه، وشعر بأن كل ذرة في عقلها تتمنى أن تقول له: أحبك بجنون. وبرغم ميله الشديد لها، إلا أنه التزم بخطته المعتادة في التعامل معها بفظاظة وجفاء. فقد كان يسعى لإخماد تلك المشاعر التي لم يكن لها أي أمل في أن تتحول يوماً ما إلى قصة زواج سعيد.
فبرغم ثراء أمجد الفاحش ونجاحه المهني منقطع النظير، إلا أنه يعلم تماماً بأن عائلة إنجي المرموقة لن تسمح بوجود ذلك الصعلوك في وسطهم، الذي يحمل عار أبيه الذي قتل زوجته... أم أمجد!!! وكالعادة، انتشل أمجد إنجي من حالة الهيام والعشق، وباغتها بإحدى سخافاته، قائلاً: "أنا دلوقتي شرحت لك مبرراتي في موضوع الممرضة الحرامية. وموضوع الواطية اللي اسمها شروق. وأكيد عرفتي دلوقتي إنك كنتي ظلماني." سكت برهة وبدأت نبرة صوته تزداد حدة،
وقال: "ودي آخر مرة هابرر لك أي تصرف بعمله يا إنجي. ولو حصل وطولتي لسانك تاني عليا. فاعرفي وقتها إني هأمسح بكرامتك أرضية المستشفى كلها. فاهمة ولا لأ؟ تغاضت إنجي عن ذلك التهديد، وقالت بابتسامة صفراء: "حاضر يا دكتور. بس أنت أصلاً لسه ما حكتليش الموضوع الأساسي بتاع الظرف اللي فيه (7530 جنيه) *** أغلق أمجد عينيه وهو يستعيد ذكريات تلك الليلة الفارقة في حياته. والتي يرجع تاريخها إلى أكثر من خمسة عشر عاماً.
حيث كان أمجد قد أنهى دراسته الثانوية بمجموع أسطوري، مكنه من دخول كلية الطب بجامعة القاهرة. إلا أنه في ذلك الوقت كان معدماً، ولم يكن يمتلك المال اللازم لسداد مصروفات الكلية، أو شراء المراجع والمعدات الطبية التي تعتبر مكوناً أساسياً للدراسة في تلك الكلية العريقة. وقد فشل هو وسعيد صديقه في اقتراض ذلك المبلغ أو تدبيره بأي شكل. ففي ذلك الوقت لم يكن سعيد قد دخل إلى عالم الإجرام بعد.
ومن شدة يأسه وإحساسه بالعجز، فقد قرر أمجد أن يحول ملفه الدراسي إلى إحدى الكليات النظرية التي لا تحتاج الدراسة فيها لتلك المصروفات الباهظة!!! وفي مساء تلك الليلة، وبينما هو جالس مع سعيد على المقهى، أقبل عليه أحد الصبية، وناوله ورقة ثم لاذ بالفرار. فتح أمجد الورقة وقرأ ما فيها... "أخي أمجد. أرجوك لا تحزن... قد تكون البدايات متعثرة... لكنها بإذن الله... سوف تؤدي إلى نهايات سعيدة. وقد اختار الله أن نشترك في نفس البداية.
فأقبل مني هدية بسيطة. تركتها لك تحت تلك البلاطة التي تتعثر بها دائماً. لتتذكر دوماً أن سبب تعثرك... يمكن أن يصبح يوماً ما... سبباً في نجاحك." وما إن قرأ الرسالة حتى نهض الصديقان، وذهبا لتلك البلاطة المكسورة في مدخل منزل أمجد، والتي كان كثيراً ما يتعثر فيها. وقاما بخلعها ليكتشفا وجود ذلك المظروف الذي يحتوي (7530 جنيه) وقد كان ذلك المبلغ هو كل ما احتاجه أمجد خلال دراسته بكلية الطب!!!
ولم يكن أي عقل بشري، حتى عقل أمجد الفولاذي، يستطيع حساب مصروفات كل سنوات دراسته بتلك الدقة!!! لذا فقد اهتدى عقل أمجد أن تلك الهدية الغالية لم يقدمها له بشر، وإنما هي منحة من رب العالمين. وقد عزم على أن يشكر الله على عطائه، فعاهد نفسه عهداً ملزماً!!! بأن يجتهد ليصبح من الثراء بدرجة تسمح له بأن يتصدق بنفس هذا المبلغ كل أسبوع، حتى آخر يوم من عمره!!! *** قص أمجد كل القصة على مسامع إنجي، فقفزت
من مكانها وقالت باندهاش: "وإزاي الحرامي عرف موضوع البلاطة دي؟ رد أمجد بهدوء: "السيدة زينب بالكامل عارفة قصة البلاطة دي. والبركة في سعيد، اللي ما سابش بني آدم في المنطقة إلا وحكى له حكاية البلاطة دي." قطع حوارهما رنين هاتف إنجي بمكالمة من سعيد، معلناً عن عثوره على هاتف أمجد!!! وفجأة دق باب غرفة أمجد، ففتحت إنجي وكانت المفاجأة... هبة، أخت الراقصة سحر على الباب!!!
بدت علامات السعادة على وجه أمجد، وهو يطلب من إنجي أن تدخل الضيفة، وتتركهما وحدهما. بل إنه، وبشكل لا شعوري، دفع جسد إنجي بيده، وكأنها كيس مهملات يود التخلص منه!!! فخرجت إنجي بكل غيظ، وهي تتمنى لو أنها أغلقت الباب على عنق هبة لتفصله عن جسدها!!! تقدمت هبة ببطء، ووضعت وردة كانت تحملها على طرف سرير أمجد،
ثم قالت بصوت خجول: "ألف سلامة عليك يا دكتور أمجد. أرجوك اقبل اعتذاري. أنا عارفة إني كنت في قمة السخافة وقلة الذوق مع حضرتك." قاطعها أمجد وقد علت ملامحه ابتسامة ساخرة: "قصدك... قلة الأدب!!! كان رد أمجد مستفزاً لهبة، مما دفعها لترد بصيغة أكثر استفزازاً وقالت: "أرجوك سامحني. أنا عارفة إني زودتها ومسحت بكرامتك الأرض. بس أنا طمعانة في كرم أخلاقك." قرأ أمجد ما يدور بعقل الفتاة الجميلة، فقد كان عقلها يكيل الشتائم لأمجد،
إنها تتمنى أن تقول له: "احترم نفسك واتكلم عدل يا جذمة انت، بدل ما أبهذلك تاني." فضحك أمجد ضحكة عالية، لم تستطع هبة تفسيرها، وقال بصوت حنون: "واضح إنك لسه شايلة مني." ردت هبة بتوتر: "سامحني حضرتك في اللي هأقوله. أنا فعلاً كنت جاية أعتذر لك وأطيب خاطرك. بس أسلوب حضرتك المستفز بيجبرني أرد عليك بكلام دبش. وصدقني أنا لساني أطول من لسان حضرتك ألف مرة!!!
انبهر أمجد من جراءة هبة، فهي الشخص الوحيد الذي كان كلامه مطابقاً لما بداخله عقله!!! ولم يكن أمجد قد قابل أي شخص خلال حياته يتمتع بذلك القدر من الوضوح والشفافية. فرد عليها وهو ينظر لها بإعجاب واضح: "طيب يا هبة. خلينا ننسى اللي فات ونفتح صفحة جديدة. واحكي لي بقى إيه اللي غير موقفك مني فجأة كده؟ ردت هبة: "أنا كنت فاهمة إن حضرتك عارف إن جيت ليه وهتوفر عليا الإحراج." قاطعها أمجد بسرعة شديدة، بعد أن
قرأ ما يتردد داخل عقلها: "يعني دكتور شاطر وزي القمر، بس الحلو ما يكملش، طلعت حمار وغبي." فقال بصوت مفعم بالثقة: "طيب يا ستي. أنا هأوفر عليكي الإحراج. انتي عرفتي إن دكتور مصطفى ده حيوان. فبرغم إنك حاولت تحذريه مني، وإن مالكيش أي ذنب في القضية اللي سحر اختك رفعتها عليه. إلا إنه خدك بذنبها وحرمك من الامتحانات ومن دخول الكلية." اندهشت هبة من معرفة أمجد بكل تلك التفاصيل،
وقالت بصوت يملأه الخجل: "هو حضرتك عرفت إزاي كل ده!!! رد أمجد بغروره المعتاد: "أنا كنت متوقع ده. وكنت متأكد إن ضميرك هيوجعك بسبب الكلام اللي قلتيهولي." هبة بنفس نبرة الخجل: "أنا كمان عرفت إنه حرم حضرتك من حقك في إنك تبقى معيد في الكلية. وبجد أنا آسفة إني ظلمتك." رد أمجد بصوت تغمره نفس
الثقة ويكسوه نفس الغرور: "ولا يهمك اللي فات مات. وهتدخلي الكلية وتكملي غصب عنه. ومن النهارده انتي هتتعيني عندي في المستشفى بمرتب 20 ألف جنيه!!! سعقت هبة من كلام أمجد وقالت بصوت مبتهج: "ده كتير عليا أوي يا دكتور. ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش أبداً منك. بس أنا هأشتغل إيه؟ ده أنا لسه فاضلي سنتين على التخرج." رد أمجد: "انتي هتبقي دراعي اليمين... وكلها كام سنة وهأخليكي أكبر جراحة مخ وأعصاب في مصر!!!
وقبل أن تعبر هبة عن امتنانها، كانت إحدى الممرضات قد اندفعت إلى الغرفة، معلنة عن تدهور حالة الأمير خالد!!! ساد المستشفى حالة عارمة من الارتباك، وانصرفت هبة تاركة أمجد في حيرة من أمره. فإما أن يتنازل عن العملية وينصاع مرغماً لأوامر أدهم. أو يطلب تأجيلها ويجازف بحياة الأمير!!! قرر أن يعتذر بسبب إصابته. وغادر الأمير المستشفى بطائرته الخاصة، نقلته إلى إحدى المستشفيات الكبرى في ألمانيا.
وخلال ساعات، تم إجراء العملية له، ولكنها فشلت، ومات الأمير! ولم يكن أمجد يعلم بأن أدهم أنقذه من بطش عائلة الأمير، فقد كان موت الأمير أمرًا حتميًا، حتى لو كان أمجد هو من قام بتلك الجراحة له! غير أن أسرة ذلك الأمير لم تكن لتصدق أن الدكتور أمجد، الذي لم يفشل في أي جراحة من قبل، قد فشل مصادفة في إنقاذ أبيهم! خصوصًا وأن الكل يعلم بما فعله أمجد مع ذلك الأمير، وكيف أنه أجبره على إطلاق سراح العامل المصري!
فرصاصة أدهم كانت مبررًا كافيًا لأسرة الأمير لعدم قدرة أمجد على إجراء الجراحة! *** كانت كل الشواهد تؤكد تفوق أدهم على أمجد. فكل ما طلبه وخطط له أدهم قد تم رغماً عن أنف أمجد! فكان لابد من أن يغير أمجد قواعد هذا الصراع، ولابد أن يستغل قدرته على قراءة عقل أدهم حتى يتمكن من النيل منه. وقد حدث ذلك بالفعل، ولكن للحظة عابرة، عندما أطلق أدهم الرصاص على ساق أمجد.
فتسبب الألم الحاد في إلغاء تأثير الخمر على عقل أمجد، واستعاد للحظات قدرته على الدخول إلى عقل أدهم. وكانت تلك اللحظات المحدودة كفيلة بأن يخترق أمجد عقل أدهم ويعلم أن نقطة ضعفه هي حب حياته، ريم الحديدي! ففي تلك اللحظة، بينما كان أدهم يصوب فوهة مسدسه باتجاه ساق أمجد، كان عقل أدهم يستعيد ذكريات لحظة مشابهة، عندما حاول قتل ريم! وهنا قرر أمجد أن يستغل نقطة ضعف أدهم، ويضع خطة من خططه الشيطانية. وكانت
خطته تتلخص في التالي: أن يجبر أدهم على مواجهته وهو بكامل قدراته الذهنية، حيث يغوص داخل عقله، ويتمكن من هزيمته وكسر شوكة ذلك المستبصر اللعين. *** مرت أربعة أيام. واستعاد أمجد كامل لياقته، وقام بفتح هاتفه والاتصال بسعيد، ثم طلب منه خطف ريم الحديدي! واتفق الاثنان على اللقاء في المساء بمنزل أمجد للترتيب لعملية الخطف، حيث كانت لدى أمجد خطة محكمة لتنفيذ هذه العملية الخطيرة! ***
أنهى أمجد يومه بالمستشفى، وعاد مبكرًا للمنزل في انتظار وصول صديقه سعيد. إلا أن مفاجأة كبرى كانت في انتظاره، فقد دخل منزله الفارغ بعد رحيل زيتا ليجد أدهم جالسًا في غرفة نومه وعلى كرسيه المفضل! وفي رد فعل لم يتوقعه أدهم، انفجر أمجد في نوبة ضحك عالية وهو يقول: "أهلاً يا أدهم باشا. طبعًا المكالمة اللي جابتك جري." استغرق أدهم لحظات حتى يكتشف الفخ الذي نصبه له أمجد،
ثم قال: "واضح إنك كنت عارف إني حطيت برنامج تجسس على تليفونك، وعشان كده اتصلت بصاحبك، وقلتله يخطف ريم، وأنت عارف إني هاسمع المكالمة دي! رد أمجد وهو ينظر في عيني أدهم بعمق، وقد بدت عليه حيرة واضحة: "ما شاء الله عليك، ما أنت طلعت نبيه أهو." رد أدهم بنبرة واضح فيها الاستسلام: "أنا النهارده جايلك عشان تقرا أفكاري وتفهم كل شيء."
ازداد ارتباك أمجد، فبرغم قدرته على الدخول إلى عقل أدهم، إلا أنه وجد حاجزًا منيعًا داخل عقل أدهم يحجب أي شيء يخصه هو شخصيًا. وكأن قوة ما قد حجبت أي تفاصيل تتعلق بأمجد من داخل عقل أدهم، أو بمعنى أدق أن أمجد يستطيع الولوج إلى كل ذكريات وأفكار أدهم، ما عدا كل ذكريات وأفكار أدهم التي تتعلق بأمجد نفسه! استمر الاثنان يحدقان بأحدهما الآخر، حتى
استسلم أمجد وقال بارتباك: "أنا جبت حياتك كلها من أولها لآخرها، وما قدرتش أوصل لأي شيء يخصني! اندهش أدهم، فهو لم يكن يعلم بعدم قدرة أمجد على اختراق عقله! فرد على أمجد بصوت هادئ وقال: "طيب، اقعد وأنا هافهمك كل شيء." كان ارتباك أمجد حادًا، فصاح بانفعال: "أنا لا عاوز أفهم من أي حاجة، ولا عاوز آخد أوامر من حد. أنت ضربتني بالرصاص، وجه الوقت اللي تدفع فيه تمن عملتك السودا دي."
في تلك اللحظة، ظهر سعيد الذي كان يختبئ بالمنزل، وذلك بناءً على مكالمة أجراها معه أمجد من هاتف المستشفى، وأخبره بأن يحضر مبكرًا لمنزله، وذلك للإيقاع باللص الذي أطلق النار عليه. وانقض أمجد على أدهم وهو يصيح: "يلا يا سعيد امسكه واربط الحيوان ده لحد ما أتصل بالبوليس وييجي ياخده من هنا." مرت ثوانٍ وسعيد ما زال واقفًا في مكانه، حيث قال بصوت أجش: "يا أمجد لو سمحت، سيب الدكتور أدهم! رمقه أمجد
بنظرة حادة واستمر يصيح: "أنت جرالك إيه يا سعيد! أنت هتفضل واقف مكانك كده لحد ما الحيوان ده يهرب مننا! لم يبدِ أدهم أي مقاومة، بل ظل يشاهد محاولة أمجد الساذجة للإمساك به. حتى خارت قوى أمجد، فأفلت أدهم نفسه من قبضة أمجد بسهولة وقال بصوت هادئ مخاطبًا سعيد: "معلش يا سعيد، لازم نربط أمجد لحد ما يهدى." كانت صدمة أمجد رهيبة، عندما استدار ليقرأ عقل سعيد، ويكتشف أنه قد التقى بأدهم صباح نفس اليوم، وقد اتفقا على أن يتعاونا ضده!
مرت لحظات، كان سعيد وأدهم قد أجهزوا على أمجد وقيدوه بإحكام. وقد استعلى أمجد غضبًا، وكأن بركانًا بداخله يوشك أن ينفجر من عينيه. فقد استشاط من عبارات أدهم المستهزئة به وهو يقول: "للمرة التانية يا دكتور أمجد، بطلب منك بكل أدب، ما تحاولش تستخدم ذكائك ضدي، لأنك هتفشل. وحتى قدرتك على قراءة الأفكار، برضوا فشلت ضدي! استجمع أمجد هدوءه ليمنع أدهم من الإحساس بلذة الانتصار عليه،
ثم قال بصوت ساخر: "ما تفرحش بنفسك أوي كده، أنا هاوريك ذكائي ده هيعمل فيك إيه! كان أدهم قد أخطأ عندما استهان بذكاء أمجد، ولم يضع في حساباته أن أمجد يعلم تمامًا أنه لو وضع خطة واحدة للنيل من أدهم، فسوف يحبطها أدهم بسهولة. لذلك فقد اهتدى عقل أمجد لأن يضع خطة مركبة! وهنا كانت المفاجأة الكبرى التي لم يتوقعها أدهم! فبينما أدهم يحتفل بانتصاره الثاني على أمجد، سمع صوت وقع أقدام تأتي من بوابة الفيلا.
أعقبها صوت أنثى تنادي: "السلام عليكم... دكتور أمجد... حضرتك هنا؟ انخلع قلب أدهم من مكانه، فقد كان يعرف هذا الصوت جيدًا، فهو صوت معشوقة قلبه، ريم الحديدي! رد أمجد وقد علت ملامحه ابتسامة شامتة، بينما كان أدهم يفك وثاقه بأيدٍ مرتجفة: "أهلاً ريم هانم، ثواني وطالع لحضرتك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!