غادر امجد مدرسته القديمه التي ايقظت بداخله العديد من الذكريات المؤلمه، الا ان حاله من الزهو قد غلفت ذلك الحزن، فقد تمكن اخيرا من الوفاء بقسمه القديم. فقد اقسم في صباه انه لن يسمح لاي شخص حقير بإذلال اي طفل لمجرد انه فقير يعجز عن سداد مصروفات دراسته. وفي طريقه للمستشفى، كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد بدأت تزف خبر عودة الطفله المخطوفه (نانسي) الى اسرتها. ***
وذكرت تفاصيل الخبر ان قوات الشرطه قد القت القبض مساء امس على سيده متسوله، بعد إبلاغ احد المواطنين عن قيامها بسرقته امام احد المساجد. الا ان العنايه الالهيه قد تدخلت. وتبين ان ذلك الطفل الذي بصحبتها هو في حقيقه الامر الطفله المخطوفه ( نانسي) حيث قامت الخاطفه بحلق شعر رأس الطفله كنوع من التمويه.
ولم يكن من السهل على اي احد اكتشاف ذلك التضليل الذي قامت به الخاطفه، فالأمر يحتاج الى طبيب متمرس بستطيع التمييز تشريحيا بين وجه طفل ذكر ووجه طفله انثى. *** وصل امجد الى المستشفى ودخل مكتبه ليجد انجي (الفتاه التي في منتصف الغلاف) في استقباله بابتسامه عذبه، وقد ارتدت فستانا ازرقا انيقا، فبدت فيه كأحدى ملكات جمال العالم. تجاوزها امجد وكأنها مجرد قطعه اثاث تافهه تزين مكتبه، وقال بكل غطرسه: "هاتيلي ملف اول حاله النهارده."
احمر وجه انجي غيظا، وقالت بصوت مختنق وهي تناول امجد ملفا ضخما: "ده ملف الطفل 'هيثم' ابن الملياردير 'عصام الراوي' بتاع مصانع الحديد." رد امجد باندهاش: "وايه اللي جايبه دلوقتي؟ انا اديته معاد بعد شهر تقريبا." انجي: "لا يا دكتور مش هو اللي جاي، دي مدام 'شروق' مراته، هي اللي اتصلت وطلبت بتقابلك النهارده ضروري." *** وقبل ان يرد امجد...
كانت احدى الممرضات قد اقتحمت مكتب امجد، وهي متلفحه بوشاح لتستر جسدها، وقد تمزقت ثيابها في مشهد واضح يدل على انها قد تعرضت لاعتداء وحشي. اقتربت الممرضه من امجد وانجي، وهي تصرخ وتبكي بحرقه: "الحقني يا دكتور امجد، 'مستر عماد' بتاع جناح ١٢ اتهجم عليا وانا برتب اوضته وكان عاوز يغتصبني." قاطعها امجد بصوت هاديء: "طيب اهدي الاول وفهميني ايه اللي حصل بالظبط." ثم قال مخاطبا انجي: "اتصلي بالأمن واعرفيلي ايه اللي حصل بالظبط."
هدأت الممرضه قليلا ثم قصت على امجد ما حدث. حيث دخلت كالمعتاد لترتيب غرفه ذلك الكهل المدعو عماد شوكت، والذي اشتهر بأنه زير نساء. فعرض عليها بعض النقود في مقابل ان تنزع ثيابها، ولما رفضت انقض عليها ومزق ثيابها، ولكنها نجحت في الافلات من قبضته. الا ان ذلك الحقير هددها بأنه سوف يتهمها بسرقه ساعته الثمينه اذا حاولت ان تفضح فعلته الدنيئه.
كان امجد يستمع الى الممرضه بانصات شديد، حتى وصل الامن الى مكتبه واكدوا روايه الممرضه، حيث انكر عماد انه تهجم على الممرضه، بل واتهمها بسرقه ساعته. قام امجد من مكتبه وتقدم ببطء من الممرضه وصفعها صفعه قويه على وجهها! وسط ذهول حاد من انجي وافراد الامن. ازداد نحيب الممرضه وصراخها وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم يا مفتري." قاطعها امجد بصوت صارم مخاطبا انجي: "الكلبه دي تصفيلها حسابها وما اشوفش وشها هنا تاني."
لم تصدق انجي ما سمعت وما رأت، فبرغم اعتيادها على تصرفات امجد المجنونه، الا انها لاول مره تشعر بالاشمئزاز منه. انتهى المشهد بأن رضخ الجميع لاوامر امجد، فقادوا الممرضه الى خارج مكتبه، ثم قذفوا بها خارج المستشفى بأكملها، والمسكينه لا تزال تبكي وتهمهم بعبارات السخط على امجد. *** مضت بضع دقائق. حتى وصلت مدام "شروق" الى مكتب امجد، وادخلتها إنجي، حيث استقبلها الاخير بحفاوته المعتاده.
فبرغم ان شروق قد تجاوزت الاربعين بقليل، الا انها تتمتع بأنوثه طاغيه، ساهم في اظهارها ذلك الفستان الضيق المثير. خرجت إنجي من مكتب امجد ومازالت تشعر بالسخط والاشمئزاز من تصرفه مع الممرضه، وتركه مع تلك الفاتنه شروق، حيث دار بينهما الحوار التالي. شروق: "انا عارفه ان وقت حضرتك ضيق، عشان كده هادخل في الموضوع على طول." ثم التقطت شيكا من حقيبتها
وناولته لأمجد وهي تقول: "ده شيك بتلت اضعاف مبلغ العمليه اللي حضرتك طلبته من عصام جوزي." امجد وهو يتصنع عدم الفهم: "والمبلغ ده كله مقابل ايه؟ شروق: "مقابل انك تقنع عصام بتأجيل العمليه دي سنه ولا اتنين، انت ما تعرفش انا وعصام اتعذبنا اد ايه لحد ما ربنا كرمنا ب 'هيثم'، وانا خايفه عليه اوي، الولد لسه ما كملش خمس سنين ومش حمل عمليه كبيره زي دي في المخ."
امجد باندهاش: "انا عارف كويس انكم عملتوا اكتر من سبع عمليات حقن مجهري وتلقيح صناعي عشان عصام بيه كان نفسه في طفل يشيل اسمه ويورث الامبراطوريه بتاعته بعد عمر طويل." ثم استطرد وهو يرمق شروق بنظره ثاقيه متفحصه: "لكن ابن حضرتك بيتعذب، والورم اللي عنده ده سبب له شلل كامل في كل الاطراف." شروق بنبره مستعطفه رقيقه: "ارجوك يا دكتور امجد، انت عارف ان عصام داخل على سبعين سنه، ولو هيثم (بعد الشر)
جراله حاجه في العمليه ابوه مش هيستحمل الصدمه وممكن يروح فيها." استرخى امجد وقد اغمض عينيه واسترخى قليلا، ايذانا بأنه على وشك ان يطلق احدى خططه الجهنميه. فتح عينيه وقال بصوت حاد: "انا عمري ما شفت بني ادمه بالحقاره دي! انتي ازاي مستحمله نفسك! تسمرت شروق في مكانها وقد الجمتها الصدمه. بينما استطرد امجد وهو يمزق الشيك ويقذفه في وجه شروق قائلا: "انا عارف ان هيثم مش ابن عصام بيه!
وانك عاوزه تأجلي العمليه لحد ما الراجل يموت وتبلعي ثروته كلها لانك الوصيه على ابنه الوحيد اللي هو في الحقيقه.... ابن اخوه! وقف امجد وامسك بشعر شروق وجذبه بقوه ثم استطرد بصوت حاد: "بس انا ممكن ابوظ لك كل خططك، وانتي فاهمه كويس عصام بيه ممكن يعمل فيكي ايه لما يعرف بعلاقتك القذره مع اخوه! تمالكت شروق اعصابها وهي تحاول تخليص خصلات شعرها من بين اصابع ادهم،
وردت بنبره متحديه: "اعلى ما في خيلك اركبه، انت مش هتعرف تعمل اي حاجه، حتى لو عملت تحليل اثبات وراثه DNA برضوا مش هتقدر تثبت حاجه لان عصام واخوه ال DNA بتاعهم واحد." رد امجد بنبره ساخره: "واضح ان غباءك ده مالوش حل، ما سألتيش نفسك انا عرفت ازاي انه مش ابن عصام بيه؟ هنا تجمدت شروق للحظه، وقد انتابها فزع عارم وقالت بارتباك: "انت ازاي عرفت الموضوع ده! وعاوز كام وتسكت؟ اغفل امجد الاجابه عن الشق الاول من سوال شروق، وقال
بلهجته الآمره المعتاده: "وفري فلوسك يا حيوانه، انتي من اللحظه دي هتسمعي كل اللي هاطلبه منك وهتنفذيه بالحرف الواحد، مفهوم! نظرت شروق الى امجد بطريقه تعبر عن استسلام واضح، وقد افلت امجد يده من شعرها، فاندفعت هي تمسك يده بقوه وتقبلها بخضوع تام قائله: "حاضر يا دكتور انا تحت امرك وهاعمل كل اللي تأمرني بيه، بس ارجوك ما تهدش كل اللي عشت حياتي كلها وانا ببنيه، انت ما تعرفش عصام ده عمل فيا ايه!
رد امجد بنفس اللهجه الآمره، وقد سحب يده باشمئزاز ومسح موضع شفاه شروق من عليها بمنديل ورقي، ثم القاه في وجه شروق: "معاكي اسبوع من دلوقتي تكوني جايه وفي ايدك ورقة طلاقك من عصام بيه." ردت شروق باندهاش: "اشمعنا يعني! هو انت عاوز تتجوزني؟ نظر اليها امجد باحتقار ولم يرد عليها، وانطلق مغادرا مكتبه. ثم غلق الباب بعنف، وقال مخاطبا انجي: "الزباله اللي في مكتبي دي ما تجيش تاني الا وورقه طلاقها في ايدها، مفهوم!
اندهشت انجي من هذا الطلب العجيب، وحاولت ان تستفهم من امجد عن ما يحدث، الا انه كان قد غادر مسرعا ليقفز في سيارته مغادرا، فقد اكتفى من احداث ذلك اليوم السخيف. *** ظلت شروق تفكر في ما طلبه امجد، وقد اوحى لها عقلها الملوث. بأن امجد شأنه كشأن معظم الرجال، الذين يلهثون من اجل علاقه معها، الا انه يريد ان تكون تلك العلاقه في اطار شرعي.
فاستغلت فرصه خروجه وقامت بنزع ملابسها، ثم جلست عاريه في وضع مثير، منتظره عوده امجد، وانهاء الامر دون اللجوء للطلاق الذي سوف يكلفها الكثير من العناء. الى جانب فقدها لحصتها من الميراث بعد موت زوجها الحالي، ذلك الكهل الاحمق المدعو. عصام بيه. إلا أنها فوجئت بدخول إنجي عليها، وقد كانت لحظة صاعقة لكلتيهما. فشروق كانت تتمنى لو أن الأرض انشقت إلى نصفين وابتلعتها قبل أن تضع نفسها في ذلك الوضع المخجل المهين.
أما إنجي، فقد رسم عقلها سيناريو ساذج بأن تلك العاهرة شروق قد جمعتها منذ لحظات علاقة آثمة مع ذلك السافل الحيوان المدعو... أمجد! تجمدت إنجي للحظات قبل أن تستجمع ما تبقى من أعصابها وقالت بصوت باكي: عشيقك بلغني أقول لك. ما تجيش هنا تاني يا زبالة. إلا لما يبقى معاكي ورقة طلاقك. ثم استطردت بأسى واضح: والصراحة إن انتوا الاتنين أزبل من بعض.
وانتهى المشهد بأن ارتدت شروق ملابسها في أقل من دقيقة، ثم انطلقت مغادرة مكتب أمجد في صمت مطبق. بينما قامت شروق بجمع كل متعلقاتها الشخصية من مكتبها، وقامت بإرسال رسالة على هاتف أمجد كتبت فيها: "إنت إنسان قذر، وأنا ما يشرفنيش اشتغل في مكان مشبوه زي ده، واعتبر إن الرسالة دي هي استقالتي." عاد أمجد إلى منزله محملاً بهم كبير بعد أن قرأ رسالة إنجي الصادمة.
وزاد من همه أن تذكر ما فعله مع تلك الخادمة المسكينة زيتا، والتي كان وجودها مؤنسًا له في وحدته. وها هو قد فقد زيتا... وفقد إنجي... وفقد احترام كل العاملين بالمستشفى من جراء موقفه الحقير مع الممرضة. شعر أمجد بغضب شديد، فلو لا تلك "القدرة الخارقة" التي منحها الله له، لكانت حياته سهلة مثل سائر البشر. إلا أنه مطالب بكتمان سر تلك القدرة، وتحمل نظرة الكراهية والاشمئزاز من كل المحيطين به، نتيجة لتصرفاته التي يراها الجميع...
تصرفات حمقاء ظالمة! ومضى الوقت بطيئًا مملاً. وقد كان أمجد قد أخذ حمامًا باردًا وهدأت أعصابه قليلاً. ثم قام فجمع كل ما فاته من صلوات. ثم ذهب ليعانق دواءه السحري الوحيد... زجاجة الويسكي الفاخرة! احتسى أمجد الكثير من الخمر حتى سقط على فراشه وغط في نوم عميق. وفي وسط الظلام الحالك، وبينما كان أمجد مستغرقًا في نوم عميق. استشعر جسمًا معدنيًا باردًا يلكزه في جبهته!
اجتهد أمجد ليفتح عينيه بصعوبة، إلا أنه انتفض فجأة وقد استيقظت كل حواسه دفعة واحدة. فقد كان هناك رجل يقف على أعتاب سريره، قد صوب فوهة سلاحه الناري إلى جبهة أمجد! صرخ أمجد في ذعر: "إنت مين!؟ "ودخلت هنا إزاي!؟ "وعاوز مني إيه!؟ أجابه الرجل بصوت هادئ وهو يشعل إنارة الغرفة: "أنا الراجل اللي عارف عنك كل شيء." "حتى سرك اللي محدش يعرفه." بدأ عقل أمجد يعمل بسرعة صاروخية، فقال وقد استعاد الكثير من هدوئه: "الصوت ده...
"والشكل ده مش غريب عليا." "أتصور إننا معرفة قديمة... صح؟ قاطعه الرجل بصوته الهادئ: "أرجوك يا دكتور أمجد، ما تحاولش تستخدم قدرتك الخارقة على قراءة الأفكار دلوقتي." "تقريبًا انت ناسي إن الخمرة هي الشيء الوحيد اللي بيفقدك القدرة دي! هنا تسمر أمجد في ذهول وقال باندهاش: "انت إزاي عرفت إني بقدر أقرأ أفكار الناس!؟ "وإزاي عرفت إن الخمرة بتلغي القدرة دي جوه عقلي!؟ "وعاوز مني إيه يا...
ثم هدأ للحظة واستطرد قائلاً: "إنت اسمك إيه؟ رد الرجل بكل هدوء: "أنا الشخص اللي في إيده إنه يغير حياتك كلها." "بس إنت لازم تسمع كلامي وتنفذه بالحرف الواحد." "مفهوم!؟ كانت تلك العبارة... هي نفس جملة أمجد الشهيرة، التي طالما استخدمها لإخضاع كل من حوله. فضحك أمجد وقال بسخرية: "ما عاش ولا كان اللي أمجد عبد المنعم يخضع له!! ثم كرر سؤاله: "هو إنت مكسوف تقولي اسمك؟ رد الرجل بنفس الهدوء: "للأسف المرة دي هتخضع يا دكتور أمجد."
"وإلا فـ أنا هاكون مضطر أدمر لك كل حياتك." ثم استطرد قائلاً: "وبالمناسبة أنا اسمي أدهم!!! دكتور أدهم!!! بادله أمجد بنفس الهدوء، وقد هب واقفاً في مواجهة أدهم: "أيووووه افتكرت." "إنت أدهم اللي بيسموك المستبصر!!! "الراجل النصاب اللي مفهم الناس إنه بيشوف المستقبل!!! تجمد المشهد وكلامه يتبادل الآخر نظرة كلها تحدي، لتعلن تلك اللحظة الفارقة عن أولى جولات الصراع بين أقوى رجلين على وجه الأرض. فأحدهما قارئ للأفكار...
بينما الآخر قارئ للمستقبل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!