الفصل 15 | من 17 فصل

رواية المتناقض الفصل الخامس عشر 15 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
21
كلمة
1,282
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

كنا قد تركنا المشهد المتجمد بعد أن تلقى سعيد صفعة قوية من هبة التي خرجت باكية من غرفة الطوارئ. لينضم سعيد إلى صديقه أمجد في قائمة المصفوعين حديثاً. وما إن خرجت هبة حتى تبعتها زيتا، تاركين كلاً من أمجد وسعيد وقد وضعوا أيديهم على أصداغهم غير مصدقين لما قد حدث منذ لحظات بسيطة. بينما انتابت أدهم موجة ضحك عارمة، كان قد فشل في منع انفجارها. إلا أن عدوى تلك الموجة قد أصابت كلاً من أمجد وسعيد.

فانفجر الجميع في حالة من الضحك الهستيري. وانتهى المشهد بأن خرج أمجد ليلحق بزيتا، بينما اضطر أدهم إلى تضميد جراح سعيد بنفسه. وفي أثناء ذلك، دار بينهما الحوار التالي: أدهم: بص يا سعيد. القلم اللي خده أمجد كان منطقي إلى حد ما. إنما القلم اللي لسعتهولك الاخت هبة، ده كان تصرف غريب جداً. رد سعيد باقتضاب: ما غريب إلا الشيطان يا دكتور. تعمّد أدهم إغاظة سعيد، فقال وهو يتحسس موضع أصابع هبة على صدغ سعيد:

ما شاء الله، وشك نور يا سعيد. الله أكبر. خسارة إننا ما صورناش اللقطة دي. فطن سعيد إلى محاولة أدهم لاستفزازه، فأبتسم ليفسد على أدهم متعته، وقال بصوت هادئ: ضرب الحبيب زي أكل الزبيب. وأنا بموت في الزبيب يا دكتور. رد أدهم بابتسامة خبيثة: أووووبا، ده الموضوع طلع كبير. وفيه حب وغراميات. طب ما تحكي يا عم. والا انت بتكسف؟ سعيد بابتسامة أكثر سخرية: في دي عندك حق. أنا فعلاً شاب خجول. بس انت خلاص ما بقتش غريب. فأنا هاحكيلك.

بس اظبط لنا القعدة الأول. رد أدهم باندهاش: اظبطها إزاي يعني؟ سعيد بحماس: اطلبلنا اتنين كيلو كباب على كفتة. وطاجن عكاوي. وتلات أطباق شربة كوارع. رد أدهم: وطبق الشوربة التالت ده لمين؟ سعيد مبتسماً: التلات أطباق شوربة دول ليا أنا لوحدي يا دكتور. رد أدهم بسخرية: وبالنسبة للحلو، سعادتك تؤمر بإيه؟ سعيد وهو يفكر بعمق: ممكن طبق بسبوسة بالقشطة. ولا أقولك، بلاش. عشان ما أبوظش الدايت بتاعي. ثم تنهد بقوة وقال: آه يا هبة.

عارف يا دكتور، أنا وهبة كنا بنحب بعض. ومتفقين على الجواز. ده احنا حتى كنا متفقين نجيب 6 عيال. وأول عيل هنسميه "أوس". رد أدهم باندهاش: أوس! اسم جديد وغريب. سعيد بحماس: جديد إيه يا دكتور. ده اسم من أيام سيدنا النبي. ابتسم أدهم وقال: آآآآه، انت قصدك "أنس". على اسم سيدنا "أنس ابن مالك". قاطعه سعيد: لا يا دكتور، أنا قصدي "أوس ابن الخزرج". ده كان من الصحابة بتوع سيدنا النبي. والنبي كان بيحبه أوي. رد أدهم:

أنا منبهر بثقافتك الواسعة دي. بس وعهد الله يا سعيد، لو قلت نص كلمة تاني عن الدين، هاجيب بكرة بلاستر وألفها على بوقك. رد سعيد: تمام أوي. اقفل بوقي براحتك. وابقى اخللي حد يحكيلك بقا حكايتي مع هبة. تراجع أدهم وقال مداعباً سعيد: يا عم أنا بهزر معاك. ويلا بقا احكيلي القصة من أولها. لمعت عينا سعيد وقد بدأ يستعيد ذكرى أول لقاء جمعه مع هبة، واندفع يحكي لأدهم تفاصيل ذلك المشهد. بدأت قصة سعيد وهبة منذ أكثر من عام.

ففي إحدى الليالي. كان سعيد يقضي سهرته في أحد الملاهي الليلية الفاخرة. والذي بالمصادفة، كان نفس الملهى حيث ترقص "سحر"، أخت هبة الكبرى. وفي تلك الليلة، حضرت هبة إلى الملهى لتقترض من أختها بعض النقود لشراء بعض المراجع الطبية. وجلست على إحدى الطاولات الجانبية تنتظر انتهاء أختها من تقديم فقرتها الراقصة. وما إن لمحها سعيد حتى صاح فيها بصوت مجلجل: انتي يا بت، تعالي هنا. اقتربت هبة وهي ترتعد، وقالت بصوت متحشرج:

حضرتك بتكلمني أنا؟ رد سعيد: لا بكلم الحيطة اللي وراكي. أيوه بكلمك انتي. هو انتوا خلاص ما بقاش عندكوا ريحة الدم؟ مفيش نقطة خشية من ربنا. زاد ارتباك هبة، وقالت بصوت يكاد لا يسمع من شدة خوفها: أقسم بالله أنا ما فاهمة أي حاجة. ولا عملت أي حاجة. قاطعها سعيد: إيه الفجور اللي انتوا فيه ده؟ لابسة حجاب! ما طول عمركوا بتلبسوا ممرضة، أو ظابط، أو حتى تلميذة في المدرسة. إنما توصل للتريقة على الدين، ده مش هاسمحه بيه أبداً. ردت هبة

ومازال الرعب يملأ قلبها: ماله لبسي بس؟ أنا مش فاهمة. إيه اللي مضايق حضرتك بس؟ صرخ سعيد في وجه هبة: غوري يا بت! اقلعي اللبس الطاهر ده. والا ورحمة أبويا، هاقوم أفلقك نصين. لم يكن هناك أحد يجرؤ على التدخل ومواجهة سعيد. فكل رواد ذلك الملهى يعرفون جيداً من هو سعيد ديدا، ويعرفون ما هو قادر على فعله. إلا أن إحدى الساقطات، والتي كانت بالمصادفة ترتدي زي ممرضة.

قد رق قلبها عندما رأت دموع هبة المتلاحقة، وقررت أن تنقذها من براثن سعيد. فتدخلت، وهي تزيح هبة، وتخاطب سعيد بكل ميوعة: جرا إيه يا سعيد باشا؟ مين اللي معكر مزاج البرنس بتاعنا؟ البت دي مش شغالة هنا أصلاً. دي أخت سحر الراقصة. شعر سعيد وكأن سطلاً من الماء المثلج قد أُلقي فوق رأسه. فأزاح الساقطة جانباً، وقال بصوت هادئ مخاطباً هبة: أنا آسف يا عروسة. أنا كنت فاكرك واحدة من البنات اللي شغالين هنا. وكنت...

وقبل أن يتم سعيد عبارته، كانت هبة قد استدارت، واندفعت تركض حتى خرجت من الملهى. تابعها سعيد بعينيه، وهو ينادي عليها: انتي يا بت، ردي عليا. يا بت، يا سخامة البرك. وظل سعيد يصيح، وهو يسير خلف هبة، حتى خرج هو الآخر من الملهى. وتسارعت خطواته حتى لحق بهبة وقطع عليها الطريق. وقبل أن ينطق حرفاً، شاهد ملامحها الجميلة، وقد غمرتها دموع غزيرة، لدرجة أنها سالت على وشاحها وملابسها. فأمسكها برفق من ذراعها وقال بكل تأثر:

ورب الكعبة أنا بقرة. جحش. وبغل. سايق عليكي النبي تسامحيني. نظرت إليه هبة بكل استياء، وقالت بصوت ممزوج بالبكاء: حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ. ربنا ينتقم منك. زاد إحساس سعيد بالندم، وقال متوسلاً: أقسم بالله إنك لو ما سامحتينيش، فأنا عمري ما هاسامح نفسي. ما تشيلينيش ذنبك بقا يا آنسة. ردت هبة بنفس الاستياء: هو اللي زيك بيحس أصلاً! طب يا سيدي، أنا مش مسامحاك. ولا عمري هاسمحك. وربنا يأخدك انت وامثالك.

اندهش سعيد من كل هذا الكم من الغضب والألم الذي سببه لهبة. فعبر إلى منتصف الطريق، ووقف في مواجهة السيارات القادمة، وقد كان من سوء حظه أن هذا الطريق هو طريق سريع. صاح سعيد بصوته الجهوري: قسماً برب العزة، أنا مش هتحرك من مكاني ده، إلا لما تسامحيني. أو ربنا ينتقم مني عشان ترتاحي. رمقته هبة بنظرة مستهزئة، ثم استدارت وأكملت سيرها. وما هي إلا لحظات قليلة. حتى دوى في المكان صوت أزيز فرامل إحدى السيارات المسرعة.

فالتفتت هبة بسرعة نحو مصدر الصوت، لتجد جسد سعيد طائراً في الفضاء، قبل أن يعود ليرتطم بعنف في الأرض، وقد سالت الدماء من كل موضع بجسده. هرولت هبة في اتجاه سعيد وصاحت بفزع: إيه اللي انت عملته ده! الله يخرب بيت سنينك. رد سعيد وهو مبتسم: برضو بتدعي عليا، أبو أم لسانك ده يا شيخة. قالت هبة بصوت متلهف: انت كويس طيب! سعيد مبتسماً: مسمحاني الأول. ردت هبة بصوت حنون: مسمحاك يا زفت. بس رد عليا، حاسس بإيه؟ رد سعيد محاولاً

أن يستند على هبة لينهض: لا يا هبة، أنا مش كويس. أنا جعان. جعااااان. أسندته هبة لينهض، وقالت وهي تبتسم: ده وقت هزار يا حلوف انت. عشان تصدقني لما قلت لك إنك ما بتحسش. كان المارّة قد أمسكوا بسائق الشاحنة التي دهست سعيد. فاقترب منهم ببطء، وهو يتكئ على كتف هبه، ثم قال بصوته الجهوري مخاطباً السائق المسكين: "انت اسمك إيه ياض؟ رد السائق بذعر واضح وبلكنة شامية:

"أوس. اسمي أوس. والله العظيم ما شفتك. الله يخلي لك المدام. ما تتصل بالشرطة." رد سعيد وقد تحولت ملامحه إلى قمة السعادة: "هي لسه ما بقتش المدام، بس أنت قدّام المشيئة. وعهد الله لو تم المراد، هسمي أول عيل أجيبه منها أوس، على اسمك. وجميلك ده عمري ما هنساه لك أبداً. روح يا شيخ، ربنا يستر طريقك." وفي لمح البصر كان السائق قد اختفى من أمام سعيد وهو يكبر ويهلل ويدعو له بالزواج السعيد من هبه.

بينما تبدل لون وجه هبه من القمحي إلى الأحمر القاني، وقد أخرسها الخجل. فانتهز سعيد الفرصة وقال: "ما تيجي نحتفل بالمناسبة السعيدة دي. وأعزمك على أكلة فشة وكرشة عندنا في السيدة." ردت هبه وهي تمنع نفسها من الابتسام: "هو ده آخرك؟ فشة وكرشة!! بس أقولك على حاجة، أنا فعلاً هاموت من الجوع." وبالفعل، استقل الاثنان سيارة سعيد، وذهبا إلى مطعم شعبي في قلب السيدة زينب.

لتكتشف هبه ذلك الجانب المشرق من شخصية سعيد. فالكل يحبه ويحترمه، وقد عاملوها باحترام وحب لم تشهده قط في كل حياتها السابقة. وتكتشف أيضاً أنها أول فتاة يقدمها سعيد لأهل منطقته، وقد شعرت في أعماقها أنها أيضاً ستكون الأخيرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...