كنا قد تركنا سعيد وهو يحكي لأدهم تفاصيل بداية معرفته مع هبه. وقد وصلنا لذلك المشهد. عندما كانا يحظيان بأول لقاء رومانسي شاعري في أحد المطاعم الشعبية بحي السيدة زينب. وقد استبد بهما الجوع، فأنهمكا في افتراس أطباق "الفشة" و"الكرشة". لدرجة أن الزيوت والشحوم قد امتدت من أطراف أصابعهما حتى وصلت إلى مرفقيهما. وبات من الصعب، بل من المستحيل، إحصاء عدد البقع التي زينت ملابسهما. واثناء تلك المعركة المحتدمة،
بادرت هبه بالكلام وقالت: ده الموضوع طلع بجد بقا. انت جايبني هنا عشان تاكل. أومأ سعيد برأسه وقال مبتسماً: أومال انتي فاكرة إيه. أنا ما بعرفش أرغي على معدة فاضية. وبعدين اللي يسمعك بتقولي كده. يقول البت ما أكلتش! وانتي اللهم صلي على النبي. ضاربة لوحدك تلات أطباق كرشة! شهقت هبه وقالت باندهاش: انت بتبصلي في اللقمة. اللي باكلها يا سعيد! طب يا سيدي شكراً. مالكش فيه بقا. آكل اللي في نفسي. وانا هدفع تمن اللي أكلته.
انفجرت ضحكة مدوية من سعيد، وقال: انتي عارفة اللي ما بيدفعش. بيعملوا إيه فيه. بيتسيخ! ردت هبه باندهاش أكبر: يعني إيه... بيتسيخ؟ سعيد بنفس الابتسامة: بيتسيخ يعني. بيحطوه على "السيخ" الحديد. زي الشاورمة كده. ردت هبه بدلال: وانت هتسبني "أتسيخ" يا سعيد؟ رد سعيد بحزم: آه. آه يا هبه. لو ما أكلتيش وانتي ساكتة. هسيبهم "يسيخوكي". قطبت هبه حاجبيها وقالت بغيظ: أنا كان معايا حق. لما قلتلك. إنك ما عندكش إحساس. كمل طفح يا سعيد.
أنا خلاص نفسي اتسدت. الحمام فين؟ رد سعيد ساخراً: حمام إيه يا قرنفلة! انتي فاكرة نفسك في "بيتزا هت"! امسحي إيديكي في هدومك. زفرت هبه في حنق واضح، وقامت بالفعل مسح يديها في أطراف ملابسها. بينما ظل سعيد يتطلع إليها بكل إعجاب، حتى أنهى عشاءه، ونادى على إحدى الفتيات ممن يعملون في المطعم. فأسرعت الفتاة ومعها أبريق كبير من الماء وصابونة، وناولتها لسعيد. وكانت الفتاة تستعد لصب الماء لسعيد حتى يغسل يديه، إلا أن هبه وقفت،
وقالت مخاطبة للفتاة: عنك انتي يا آنسة. أنا هصب الميه لسعيد. تهللت أسارير سعيد، وهو يرى هبه قد غارت من الفتاة، وانتابته فرحة عارمة وهو يتخيل نفسه "سي السيد" في فيلم "بين القصرين". إلا أن تلك الفرحة لم تدم طويلاً. فلقد تعمدت هبه أن تسكب الماء على بنطلون سعيد، ليبدو وكأنه... قد بال على نفسه. صاح سعيد وهو يحاول تفادي المياه: يا جذمة. يا بنت الصندل. إيه اللي هببتيه ده! ردت هبه، وهي تضحك بشكل طفولي جداً: أحسن. تستاهل.
عشان تبقى تقولي. امسحي إيديكي في هدومك! كان وقع ضحكات هبه على مسامع سعيد كوقع السحر. فقبل أن تطلق تلك الضحكة الطفولية، كان يستعد لقطع رقبتها. أما بعدها... فهو لا يتمنى أي شيء من هذه الدنيا، سوى أن يضمها برفق إلى ضلوعه. فما كان منه في النهاية... إلا أن أمسك يدها برفق، وانتزع الإبريق، ووقف وقد تشابكت أصابعه في أصابع هبه. وخرجا سوياً من المطعم. إلا أن هبه استوقفته وصاحت فجأة: على فكرة احنا ما حاسبناش على الأكل. سعييييد.
هو انت متعود تاكل سحت؟ فاقترب سعيد من أذنها وهمس: المطعم ده بتاعي. يا أم لسان. عاوز يتحش بالمنجل. فردت هبه بنفس الضحكة العذبة، وقالت: هي إيه الخروجة. اللي كلها قلة قيمة دي. الصبر من عندك يا رررررب. وخرجا الاثنان بالفعل من المطعم، وأمضيا بقية الليل يتجولان في شوارع حي السيدة زينب. وقد قص كل منهما قصته للآخر، وتعاهدا على أن يلتقيا مجدداً.
وتوالت اللقاءات والحوارات، وزاد التقارب بينهما، حتى أيقن كلاهما أنه قد وجد ضالته المنشودة في الآخر. فاتفقا على الزواج، ولكن أمراً ما حدث، وغير من مسار الأحداث. لتنقلب قصتهما الجميلة إلى قصة حزينة مؤلمة. وما أن وصل سعيد في سرده إلى تلك الذكرى الأليمة، حتى لمعت عيناه بالدموع. فانتفض أدهم محاولاً إلهاؤه، وقال: وحد الله يا سعيد. إحنا كنا ماشيين كويس. ليه النكد ده بس. بسرعة شديدة استرد سعيد رباطة جأشه وقال ساخراً:
لا إله إلا الله. في إيه يا أبو الدكاترة. انت فاكرني بعيط على هبه. يا عم الحاج أنا بعيط من الجووووع. انفجر أدهم ضاحكاً، وقال: انت مصيبة بجد يا سعيد. وياريت تبطل تناديني دكتور أدهم. إحنا خلاص بقينا إخوات. من هنا ورايح اسمي ادهم. رد سعيد ضاحكاً: ادهم حاف كده! رد أدهم: لأ. ادهم بالجبنة. قطب سعيد حاجبيه وقال بجدية واضحة: ياااااه على تقل دمك. يا أبو الأدهايم. خصيمك النبي يا شيخ. ما تهزر تاني. أفيهاتك كلها قديمة وواقعه.
رد أدهم بابتسامة واسعة: ماشي يا عم سعيد. قبوله منك. يا خفيف الظل يا مرح. وانتهى حوارهما الباسم بأن خرج أدهم ليحضر وليمة العشاء التي طلبها سعيد. وما أن خرج حتى وجد مفاجأة غير متوقعة بإنتظاره. وفي نفس تلك الأثناء. كان أمجد قد نزل خلف زيتا، وقد لحق بها على بوابة مبنى المستشفى. وكانت زيتا مازالت تبكي وتنتحب، فاقترب منها وهو يصيح: زيتا. انتي يا مجنونة استني. أنا مش هجري وراكي. الناس بتتفرج علينا. يا زييييتا.
لم تلتفت زيتا له، بل أسرعت في خطواتها، مما اضطر أمجد لأن يصيح في أفراد أمن البوابة الخارجية: اقفلوا البوابة. ما تخلوش الآنسة دي تخرج. وبسرعة البرق، وثب أفراد الأمن وأغلقوا البوابات، وضربوا أجهزة الإنذار. لتجد زيتا نفسها محاصرة داخل المستشفى، وقد وصل إليها أمجد. وبحركة سريعة، وثب في مواجهتها، واحتضنها بقوة. بينما كانت زيتا تقاومه، وتدفعه عنها، وهي تقول بصوت باكي: اتركني يا أمجد. ابعد. أنا أكرهك. أكرهك. أكررررر.
وقبل أن تنهي كلمتها، كان أمجد قد ألصق شفتيه لتحتضن شفتيها بكل قوة. في مشهد استمر لبضع لحظات، كانت كافية لأن تتوقف زيتا عن البكاء، وتهدأ انتفاضة جسدها الذي أنهكه البكاء. مسح أمجد على شعرها برقة وحنان ثم قال بصوت هامس: أنا آسف. وبجد أنا بحبك. وكل أملي إنك تسامحيني. قال أمجد ذلك، ثم التفت ليجد عشرات من أفراد الأمن قد التفوا حوله. بينما تتدلى أعناق كل المرضى والعاملين من نوافذ المبنى، وقد جذبهم صوت أبواق الإنذار.
فابتسم أمجد وهو يمسك بيد زيتا وقال: عاجبك الفضايح دي يا زيتا. مصر كلها بتتفرج علينا. وقبل أن ترد زيتا. كان أمجد قد جلس على ركبتيه وأخرج علبة مجوهرات صغيرة من جيبه. ثم فتحها وقدمها إلى زيتا وهو يقول: تتجوزيني يا زيتا؟ التقطت زيتا الخاتم الماسي من داخل العلبة ووضعته في إصبعها. ثم رفعت يديها تلوح لجمهور الحاضرين وقالت وهي تركع على ركبتيها: موافقة حبيبي. ده أجمل يوم في عمري. احتضنها أمجد بقوة وكلاهما جالس على ركبتيه.
بينما تعالت التصفيقات والزغاريد من أرجاء المبنى. وانتهى المشهد بأن اصطحب أمجد خطيبته زيتا إلى المنزل. لم يشعر أمجد بمثل هذا القدر من الفرح في كل حياته السابقة. فرغم كل النعم التي قد منحها الله لأمجد، إلا أنه قد اكتشف اليوم... أن الحب هو أعظم هدية قد منحها الله له. فقال بصوت هادئ: ألف حمد وشكر ليك يا رب. عهد عليا من اللحظة... إني أتوب عن أي معصية. وأكون من عبادك الشاكرين.
وقبل أن يدخل أمجد إلى منزله، استوقف زيتا قائلاً: بصي يا روح قلبي. من النهارده ولحد يوم فرحنا... أنتي هتعيشي هنا... في الفيلا لوحدك. مش هاينفع أعيش معاكي... زي زمان. ردت زيتا بحزن واضح: اومال انت هتعيش فين؟ رد أمجد: هاقعد عند سعيد. وما تقلقيش، دول كام يوم... نرتب فيهم إجراءات الفرح. وبعدها هنعيش سوا. أومأت زيتا بالموافقة وجمعت لأمجد حقيبة فيها ملابسه ومتعلقاته، ثم ودعته. وانطلق أمجد عائدًا لصديقيه سعيد وأدهم.
إلا أن أمرًا ما كان يشغل باله. فقال في سره بغيظ واضح: ماشي يا أدهم. إن ما ربيتك... ما أبقاش أنا أمجد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!