انطلق أمجد نحو نقطة التجمع التي تم الاتفاق عليها في قلب إحدى المناطق الصناعية المهجورة بأطراف القاهرة. والتي تقع على بعد أمتار قليلة من مكان احتجاز زيتا. ووصل أمجد قبل الموعد المحدد بدقائق، وقد كانت المنطقة خاوية تماماً. حيث عم ظلام دامس وسكون لا يقطعه إلا نباح بعض الكلاب الضالة. وبعد دقائق... وصل أدهم وقد بدا عليه بعض التوتر، فحاول أمجد أن يخترق عقله بحثاً عن تفسير لما يقلقه، لكنه فشل! فاضطر أمجد لسؤاله بشكل مباشر:
في إيه يا أدهم؟ مالك متوتر كدا ليه؟ أنا حاولت أدخل دماغك عشان أعرف فيك إيه بس كالعادة ما وصلتش لأي حاجة وده معناه إنك شفت حاجة تخصني أنا! رد أدهم بهدوء، محاولاً إخفاء توتره: يا ابني إحنا داخلين مواجهة مسلحة عادي إني أتوتر. التقط أمجد فكرة كان قد استخرجها من عقل أدهم، فصاح مهللاً وهو يتطلع للدبلة التي تلمع في أصابع صديقه: ألف ألف مبروك يا دكتور ربنا يتمم لكم على كل خير ريـم دي بنت حلال وبتحبك أوي.
رد أدهم بابتسامة واسعة: عقبالك يا أمجد أنت وزيتا بس نخرج على خير الليلة وأنا هاعمل لكم أحلى فرح في العالم. وقبل أن يرد أمجد على أدهم... كانت سيارة سعيد ديدا، تلك الجيب العملاقة، قد وصلت في مشهد مهيب! فوقف كلا من أمجد وأدهم يطالعان للسيارة بانبهار شديد. وقد بدت سيارة سعيد وكأنها قطعة حربيه عملاقة، وقد كساها ذلك اللون الأخضر المموه. الذي يطابق ألوان زي جنود فرق الصاعقة المصرية! لكن سرعان ما انطفأت تلك الهيبة!
وزال ذلك الانبهار! وذلك بمجرد أن فتح سعيد باب سيارته ووطأت قدماه الأرض! فقد كان سعيد يرتدي فانلة قطنية واسعة وشورت رياضي أبيض، أقرب ما يكون للكلسون الصعيدي التقليدي. وقد انتعل في قدميه شبشباً! ومما زاد من فكاهة المشهد! أن سعيد كان يحمل بيده كيساً بلاستيكياً شفافاً، تظهر بداخله زجاجة زيت طعام وسكيناً صغيراً! اقترب سعيد من صديقيه بخطوات يملأها زهو غير مبرر، وناول كل منهما سلاحاً نارياً صغيراً. ثم قال وقد ارتسمت
على وجهه ابتسامة عريضة: مساء الفل يا رجاله جاهزين للطلعة؟ لم يتمالك أدهم غيظه، فصاح بإنفعال: إيه اللي انت لابسه ده يا سعيد؟ إحنا داخلين على اقتحام مش رايحين القناطر الخيرية! ثم التفت مخاطباً أمجد: هو انت طلبت من سعيد يتنكر في لبس شحات! رد سعيد على سخرية أدهم، وهو ما يزال محتفظاً بابتسامته الباردة: ده على أساس إنك لابس واقي رصاص ولافح على كتفك مدفع!
سكت سعيد للحظات، ليمنح أمجد فرصة لإنهاء تلك الضحكة العالية التي انفجرت منه. ثم استطرد سعيد، وهو ما يزال محتفظاً بنفس الابتسامة العريضة: يا عم أدهم انت ببدلتك دي ناقصك حزمة ورد وعلبة شوكولاتة وندخل نقرا فاتحة ونلبس دبل. لم يعقب أدهم على ما قاله سعيد، بل مد يده والتقط ذلك الكيس البلاستيكي من يد سعيد، وقال بتهكم: وايه ده اللي انت ماسكه في إيدك! زيت وسكينة مطبخ! انت داخل تطبخ يا سعيد! انت عاوز تجيبلي جلطة!
سعيد بنفس النبرة التهكمية: بعد الشر عليك يا دكتور بس حاسب يا نجم أنا في الطبيخ ما أقولكش حاجة فوق النمرة واحد تخلص بس الطلعة دي وهادوقك يا دكتور صينية مسقعة هتحلف بشرفها طول عمرك. وقبل أن يرد أدهم، تدخل أمجد ليقطع ذلك الحوار الساخر بصوت منفعل: ينفع نأجل الوصلة الكوميدية دي لحد ما نطلع زيتا من هنا! هنا سكت الجميع للحظة... فأستطرد أمجد: أنا هاخش أتعامل مع الحارس اللي على البوابة وانتوا تدخلوا ورايا
مجرد ما أديكوا الإشارة إن البوابة تمام. قال ذلك، وقد هم بالاقتراب من بوابة ذلك المخزن. إلا أن أدهم أوقفه، ثم نظر إلى ساعته، وقال: لحظة يا أمجد استنى لما العربية اللي واقفة هناك دي تتحرك. وبالفعل في غضون لحظات قليلة... كان مجموعة من أفراد العصابة قد استقلوا تلك السيارة، وانطلقوا مبتعدين عن الموقع! بعدها صاح أدهم: اتحرك دلوقتي يا أمجد. تقدم أمجد بهدوء من الرجل الواقف على البوابة، وها أن لمحه الرجل، حتى
رفع سلاحه وصاح بصوت غليظ: اقف مكانك! انت مين؟ وعاوز إيه؟ تقدم أمجد ببطء شديد، ثم رد أمجد بهدوء: أنا جاي أبلغك إن اللي انت خايف منه للأسف حصل! رد الرجل وقد ارتسمت على وجهه ملامح الذعر: انت تقصد إيه؟ اتكلم يا بني آدم. أمجد وهو يتصنع الانفعال: شد حيلك البقاء لله الحاج توفى أشرف أخوك لسه مكلمني حالا لأن تليفونك مقفول. ألقى الرجل سلاحه، وخر على الأرض باكياً. فسارعه أمجد بلكمة قوية على مؤخرة رأسه، فغاب عن الوعي.
كان كل ذلك مجرد خدعة من أمجد. حيث باغت أمجد ذلك الرجل بتلك الجملة التي أيقظت أكبر مخاوفه. فاستطاع أمجد أن يتوغل داخل عقله، وعرف أنه قد ترك والده على فراش الموت، ومن ثم استطاع أن يتعامل معه كما رأينا الآن. سارع أمجد بالتلويح لصديقيه، فقد تم تأمين دخولهما إلى المخزن. وبذلك ينتهي دور أمجد الرئيسي، ويبدأ دور سعيد ديدا! تقدم سعيد من البوابة، يتبعه صديقاه وكل منهما حاملاً سلاحه.
وكان سعيد قد نزع فانلته، وسكب على جسده زجاجة الزيت، التي جعلت جسده لزجاً، لدرجة تجعل من الصعب الإمساك به! وما إن دخل سعيد إلى المخزن، حتى صاح بصوت جهور: سلاموووو عليكووووو إحنا جايين ناخد البت اللي انتوا خطفتوها ونتوكل على الله ووعد مني يا رجالة مش هأذي أي حد فيكم. كان الموقف بعيداً عن أي منطق، فثلاثة رجال يقفون في مواجهة تسعة مجرمين مدججين بالسلاح. قد كانت تلك المعركة محسومة من قبل أن تبدأ!
إلا أن شيئاً عجيباً، وغير متوقعاً قد حدث! فلقد اندفع رجلان من العصابة باتجاه سعيد، وهما يهللان بفرحة عارمة: سعيد ديدا! انت فين يا راجل! نورت المخزن يا زعيم! احتضن سعيد الرجلين، بينما وقف باقي أفراد العصابة وهم في حالة ذهول، وقد بدأ بعضهم يهمس بصوت منخفض: هو ده فعلاً سعيد ديدا! وبينما كان سعيد يصافح الرجلين، استل أحد أفراد العصابة سلاحه وصوبه باتجاه رأس سعيد. لمح أمجد ذلك القناص، فصاح بصوت عالٍ: خد بالك يا سعيد!
وفي لمح البصر... كان سعيد قد تحرك من مكانه، وأشهر سلاحه، وأطلق النار مستهدفاً ساق الرجل، الذي انكب على الأرض قبل أن يضغط زناد سلاحه. كانت تلك الحركة البهلوانية، وذلك التصويب بالغ الدقة كافيين، لأن يتأكد الجميع، أن من يقف أمامهم هو بالفعل... سعيد ديدا! فالقى الجميع أسلحتهم، ورفعوا أيديهم للأعلى، معلنين عن استسلامهم. فلم يكن هناك أي أحد يجرؤ على مواجهة سعيد ديدا وهو حاملاً سلاحه.
فهو الأسرع والأدق تصويباً، والأكثر جراءة من بين كل المجرمين! انتهت تلك المواجهة سريعاً، فصاح أمجد: فين زيتا؟ مخبينها فين؟ تدخل أدهم قائلاً: أنا عارف هي فين. وعلى الفور تحرك أدهم يتبعه أمجد، وصعدا إلى إحدى الغرف في أعلى سطح المخزن. حيث كانت زيتا مكممة الفم، ومقيدة على أحد الكراسي. فأسرع الاثنان بفك وثاقها، وكمامة فمها، وهي تبكي وتهمهم بلغة غير مفهومة. وما إن تحررت زيتا، حتى ألقت بنفسها في حضن (أدهم) !!!!!!!
ثم قالت بصوت باكي: شكراً أدهم أنا كنت واثقة إنك تيجي تنقذني. اندهش الاثنان من ردة فعل زيتا الغريبة! خصوصاً أنها لم تلتقِ أبداً بأدهم! إلا أن صدمة أمجد كانت أقوى، فقد اختلطت دهشته مع إحساس عميق بالغيرة! لدرجة أن إحساسه بالغيرة، قد أشعل رأسه، مما أفقده القدرة على التوغل داخل رأس أدهم، أو حتى رأس زيتا! أما أدهم، فقد رفع يديه عالياً، وكأنه يقول لأمجد... ((أنا بريء، وماليش دعوة بالهبل اللي بتعمله حبيبتك)
تجمد المشهد للحظات... كتم امجد غيظه وخرج من الغرفة، تاركاً ادهم يحاول ازاحة زيتا بلطف من بين ذراعيه. ثم أعطاها منديلاً وهو يحاورها بلطف: "انتِ ليه عملتي كده يا زيتا؟ امجد أكيد اتضايق من تصرفك ده." ردت زيتا بصوت مختنق: "أنا مش طلبت منه ييجي ينقذني. خلاص، أنا مش عاوزة أشوف راجل ده. ومش عاوزة أعرفه تاني. أنا اليوم راجعة بلدي! في تلك الأثناء... كان امجد قد نزل إلى ساحة المخزن.
ليجد أن معركة بالأيدي قد أوشكت على الانتهاء بين سعيد وأفراد العصابة. حيث كان معظمهم قد افترش الأرض وهم في حالة إعياء شديد من جراء لكمات سعيد القوية. فسارع امجد لنجدة صديقه، وقد استل سلاحه وأطلق منه عياراً في الهواء. فما كان من الرجلين المتبقيين إلا أن لاذا بالفرار. اقترب امجد من سعيد وقال بازعاج واضح: "ايه اللي حصل يا سعيد؟ احنا سيبناك مع الاتنين صحابك. وباقي العيال رموا سلاحهم. والموضوع كان خلاص خلص!
هببت ايه يا أذكى أخواتك؟ بعد ما طلعنا نجيب زيتا؟ رد سعيد بصوت عليه الإعياء: "أبدا يا كبير. كان لازم أعلم على العيال دي. عشان الكل يعرف مين هو سعيد ديدا. فلميت السلاح كله ورميته. ورجعت لهم تاني. وقلت لهم اللي أمه جابت راجل ييجي يوريني نفسه." قاطعه امجد: "فالح قوي. مكنش له لازمة تعمل فيها 'فان دام'. أهم شلفطوا لك وشك." كان وجه سعيد منتفخاً من الضربات التي تلقاها، وقد شج رأسه وسال منها الدماء. في تلك اللحظة...
كان ادهم قد نزل وبصحبته زيتا، ثم انطلق جميعهم إلى المستشفى لعمل ما يلزم من إسعافات لـ "الفالح" سعيد ديدا. إلا أن زيتا قد رفضت أن تركب بصحبة امجد، واستقلت سيارة ادهم. وصل الجميع إلى المستشفى التي كانت شبه خاوية من الأطباء. وصعدوا إلى غرفة استقبال الطوارئ. حيث قام امجد باستدعاء "هبه" لتقوم بعمل الإسعافات اللازمة لـ "سعيد". وفي تلك الأثناء... حاول ادهم تلطيف الأجواء بين امجد وزيتا.
فطلب من امجد أن يفحص زيتا ويتأكد من أنها بخير. إلا أن الأخير رفض وقال بصوت عالٍ: "افحصها انت يا ادهم. دي واحدة مهندسهاش دم. أنا كنت بخاطر بحياتي عشانها. وهي كل اللي في دماغها إنها تغيظني بيك. بجد دي ما شافتش بربع جنيه تربية." وفي رد فعل غير متوقع... نهضت زيتا من مكانها، وقد طفح بها الكيل من إهانات امجد. ووقفت في مواجهة امجد، وكل علامات الغضب تقفز من وجهها، ثم صاحت بصوت عالٍ: "أنا متربية أحسن منك مستر امجد.
من اليوم مفيش 'زفتة'. مفيش خدامة. أنا بس أطمن على مستر سعيد وأشكره. بعدها أرجع بلدي." انصدم امجد من رد فعل زيتا وصاح فيها: "انتي أكيد اتجننتي. اتلمي يا زفتة، بدل ما أمسكك أكسر عضمك دلوقتي." في تلك اللحظة... كان رد فعل زيتا فعلاً غير متوقع بالمرة. فقد انفجرت بالبكاء، وقامت بصفع امجد صفعة قوية على وجهه. كانت تلك الصفعة كفيلة بأن يتجمد امجد في مكانه. وليس امجد فقط من تجمد، بل كل من كان بداخل تلك الغرفة.
لم يقطع هذه الحالة من التجمد سوى دخول هبه إلى الغرفة، وهي تقول بنبرة رقيقة: "مساء الخير. تحت أمرك يا دكتور امجد. فين الحالة اللي حضرتك عايز... وفجأة انخرس صوتها. ثم اندفعت في اتجاه سعيد، وقد تبدلت ملامحها من الابتسامة اللطيفة إلى الغضب الحاد. حيث رمقته بنظرة احتقار واضحة، وقالت باشمئزاز: "سعيد!!! انت بتعمل ايه هنا يا حيوان يا زبالة؟ رد سعيد بتلعثم: "أنا مش سعيد. أنا حزين. اصبري بس أفهمك الموضوووو...
وقبل أن يتم سعيد عبارته، كان قد تلقى صفعة قوية على وجهه. أعقبها وابل من الشتائم اللاذعة، كانت هبه تهمهم بها قبل أن تخرج من الغرفة، وقد انهمرت دموعها بغزارة. ليلحق سعيد بصديقه امجد، وينضم إلى قائمة المصفوعين حديثاً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!