انطلق أمجد بسيارته ليبدأ يومًا جديدًا، وقد غمرته فرحةٌ عامرة بعد النجاح الساحق لخططه الجهنمية أمس. ولم يتبقَّ له سوى أن يجني ثمار خطته الكبرى مع هبة والدكتور مصطفى، والتي كان يعلم أنها قد تحتاج إلى مزيد من الوقت ومزيد من التخطيط، إلا أن النتائج في النهاية سوف تصب في صالحه لا محالة. وقبل أن يذهب للمستشفى، كان عليه أن يقوم بتلك الزيارة السنوية المعتادة لمدرسته السابقة.
تلك المدرسة التي قضى فيها سنوات طفولته وصباه، وقد كانت تلك السنوات هي أحلك وأصعب سنوات حياته. فما مر به أمجد من اضطهاد وقسوة وعنف، كان كفيلاً لأن يصنع من ذلك الطفل مجرماً أو سفاحاً، إلا أن الذكاء الخارق الذي قد منحه الله له، قد حال دون ذلك. *** وسوف نأخذك عزيزي القارئ في رحلة عبر الماضي، لنكتشف سوياً ذلك الجزء المظلم من حياة أمجد. وُلد أمجد في إحدى القرى المعدمة بالريف، لأبوين فقيرين كانا يعملان في مجال الفلاحة.
وكانت فرحة تلك الأسرة بمولودهما الأول عارمة، خصوصاً مع ظهور علامات النبوغ الواضحة عليه منذ نعومة أظافره. فمعدل ذكاء أمجد وهو في سن الخامسة، كان يتفوق على ذكاء شاب متفوق في العشرين من عمره. فقد حفظ القرآن الكريم كاملاً، وبدأ في التبحر في شتى مجالات العلم المختلفة، وسط حالة من التكتم الشديد من أبويه، اللذان كانا يخشَيان عليه من الحسد.
وعاش أمجد سنواته الأولى في حالة من العزلة، ليس بسبب خوف أبويه فقط، ولكن لأنه كان دائم الخوف من الناس. ويرجع ذلك الخوف إلى إحساس أمجد بأنه مختلف عن باقي أقرانه، ليس بسبب ذكائه الفذ. ولكن بسبب "صفة خارقة" كان يتمتع بها، جعلته ينفر من كل الناس. وظل أمجد متكتماً على تلك "القدرة الخاصة" التي يتمتع بها، فظلت سراً دفيناً بداخله، حتى بلغ التاسعة من عمره. *** وفي يوم من الأيام...
قرر أمجد أن يصارح والدته بسر تلك القدرة الخارقة التي يتمتع بها. فأصابها ذعر شديد، وطلبت منه ألا يخبر أي مخلوق على الأرض عن امتلاكه لتلك القدرة الخارقة. فلو علم الناس بتلك القدرات التي يتمتع بها، فسوف تتحول حياته إلى جحيم لا ينتهي. وفي مساء نفس اليوم... بينما كان أمجد يجلس وحيداً في الحقل المجاور لمنزله، إذا به يجد فتى أنيق، يكبره بحوالي عامين، يقترب منه وهو يقول بنبرة ودودة: "أزيك يا أمجد؟ رد أمجد بارتباك: "انت مين؟
وعرفت اسمي ازاي؟ رد الفتى وهو يلتقط ورقة من جيبه ويناولها لأمجد: "ما تشغلش بالك بيا. الورقة اللي معاك دي فيها فزورة صعبة. لو عرفت تحلها، هاديلك العجلة بتاعتي. إيه رأيك؟ كان ذلك العرض مغرياً لدرجة أنست أمجد استفساراته حول الفتى، وجعلته يصب كل تركيزه لحل تلك الفزورة المعقدة. ومضت قرابة الساعة، حتى تمكن أمجد من حل ذلك اللغز الرياضي المعقد.
فما كان من الفتى إلا أن أثنى على أمجد، وأعطاه دراجته وصافحه ثم رحل، تاركاً أمجد وقد غمرته فرحة عارمة. مضت ساعة أخرى وأمجد يجوب أرجاء القرية بدراجته الجديدة، حتى استبد به التعب وقرر أن يعود للمنزل. لم يكن أمجد يعلم، بأن تلك الليلة هي آخر ليالي الفرح في طفولته، وأن الأقدار تخبئ له من الأهوال ما لا طاقة لأي طفل طبيعي على تحمله.
عاد أمجد إلى منزله، ليجده مقلوباً رأساً على عقب، ويجد أمه ملقاة على الأرض، غارقة في دمائها، تلفظ أنفاسها الأخيرة، أثر طعنة نافذة في صدرها. فوثب أمجد محاولاً إسعافها وإيقاف نزيف الدماء بيديه، وظل يصيح: "سامحيني يا أمي أنا السبب... أنا السبب." ردت أمه بصوت واهن: "عاهدني يا أمجد أن سرك ده مفيش مخلوق يعرفه، وأنك عمرك ما هتقطع الوصل اللي بينك وبين ربنا."
أنهت أم أمجد عبارتها، ثم فاضت روحها إلى بارئها، وهي بين أحضان أمجد، الذي ظل يردد والدموع تنهمر من عينيه كالسيل العرم: "ما تسيبينيش يا أمي. أنا ماليش غيرك. ما تسيبينيش يا أعز من روحي! مضت الدقائق بطيئة وموحشة، وقد استنتج أمجد كل ما حدث. فبسبب بوح أمجد بسره لأمه، نشب خلاف حاد بينها وبين أبيه، أسفر عن قيام الأخير بطعنها، ثم لاذ بالفرار. وقد صدق استنتاج أمجد، حيث ألقت الشرطة القبض على أبيه، الذي خر معترفاً بجريمته. ***
ومضت الأيام سريعاً. وانتقل أمجد ليعيش بصحبة جدته من أمه، والتي دفعها المرض اللعين إلى ترك القرية والعيش بجوار معهد الأورام بالقاهرة. وكان أمجد مجبراً على ترك القرية، وذلك بعد أن تم الحكم على والده بالسجن خمسة وعشرين عاماً. لتبدأ رحلته مع العذاب، حيث كان مطالباً بخدمة جدته المريضة، والعمل لتوفير لقمة العيش، والدراسة بتلك المدرسة اللعينة حيث كان منبوذاً من الجميع. فأقرانه ما انفكوا عن معايرته بأبيه المجرم...
قاتل زوجته! وقد استفزهم انعزال أمجد عنهم، والذي فسروه، بأنه نوع من التكبر بسبب نبوغه الحاد، على الرغم من كل محاولات أمجد لإخفاء ذكائه الفذ، بل والتظاهر بالغباء في العديد من المناسبات. حتى أنهم قد اعتادوا على ضربه وتعليقه من قدميه على أسوار المدرسة بعد انقضاء اليوم الدراسي، أمام أعين ومسامع المدرسين، الذين لم يحرك أحداً منهم ساكناً لنجدة ذلك الفتى المسكين. *** ونعود بك عزيزي القارئ إلى وقتنا الحالي.
حيث وصلت سيارة أمجد لنفس تلك الأسوار العتيقة، ليلقي عليها نظرة ساخرة وهو يدخل من أبواب المدرسة، وسط استقبال حافل من مدير المدرسة ومساعديه، وقد دار بينهم الحوار التالي. مدير المدرسة وهو يهرول في سعادة كبيرة مخاطباً أمجد: "أهلاً وسهلاً دكتور أمجد. واللهي النهاردة يوم تاريخي بسبب تشريفك لينا بالزيارة الكريمة دي." أمجد بامتعاض: "حضرت لي الكشف اللي طلبته منك؟
المدير بحماس: "الكشف جاهز يا أفندم. فيه أسماء 265 طالب بين ابتدائي وإعدادي وثانوي، كلهم ما دفعوش المصاريف." التقط أمجد الكشف من يد المدير وقال بلهجة آمرة: "عارف يا عبدالمعطي لو لقيت اسم واحد فيهم لحد من قرايبك أو معارفك أنا هاعمل فيك إيه؟ .... أنا هقعدك في بيتكم! فاهم؟ رد المدير بارتباك: "أقسم بالله يا أمجد بيه كلهم عيال غلابة وأهاليهم مش لاقية تاكل." أمجد: "كام المبلغ المطلوب؟ المدير: "109632 جنيه...
يعني تقريباً مية وعشرة ألف جنيه." أمجد وهو يخرج دفتر الشيكات من جيبه: "ده شيك بمية وعشرين ألف جنيه. بكرة ألاقي إيصالات سداد المصاريف دي على مكتبي في المستشفى. وخلي الباقي علشانك." هلل المدير وهو يشكر أمجد: "ربنا يخليك لينا يا دكتور. أنا عاوز... قاطعه أمجد بمنتهى الغطرسة: "خلاص يا عبد المعطي. مش عاوز صداع. يلا خد العصابة بتاعتك دي وانفضلوا امشوا. أنا عاوز أتمشى لوحدي في الحوش."
انطلق المدير وأعوانه في لمح البصر، تاركين أمجد يستعيد ذكرياته مع ذلك الفناء الرملي الواسع. *** حيث انفجرت إحدى ذكرياته العميقة. فعندما كان أمجد بالصف الثاني الإعدادي، وأثناء استعداده لتلقي التكريم لحصوله على المركز الأول في اختبارات الترم. فإذا بناظر المدرسة يقتحم الفصل، وينادي على أمجد قائلاً: "يا ترى جبت المصاريف المتأخرة؟ ولا هتطلع لي بحجة جديدة زي كل مرة؟
رد أمجد بارتباك: "بإذن الله هاجيبهم لحضرتك أول الشهر. حضرتك عارف إني بشتغل بس ستي عيانة أوي والدوا بتاعها غالي." الناظر بتذمر: "أنا ماليش دعوة. دي فلوس الحكومة ولازم تدفعهم. ومن النهارده ما تدخلش الفصل لحد ما تدفع المصاريف. وهتنزل تلم الزبالة من حوش المدرسة. مع كل العيال الزبالة اللي زيك... رد أمجد بنبرة متحدية: "ما تقلش عليا زبالة. أنا الأول على المدرسة دي كلها. ومش هانزل من الفصل! اشتعل الناظر جنوناً
وهو يقول: "انت بتتحداني يا مجرم يا ابن المجرم! ثم انهمر بعصاه المصنوعة من عود الخيزران المرن فوق ظهر وأكتاف أمجد المسكين. وكان صوت اختراق تلك العصا للهواء، كفيلاً لخلع قلب كل التلاميذ. وانخرط ذلك الناظر المتوحش بضرباته المتتالية على كل جزء من جسد أمجد، الذي ظل واقفاً متحدياً يغالب دموعه التي تحجرت في عينيه حتى احمر وجهه وسقط مغشياً عليه. مرت دقائق.
واستفاق أمجد ليجد نفسه بصحبة أحد الطلاب ضخام القامة، وقد حمله لغرفة الرعاية الصحية بالمدرسة. ففحصته الممرضة وقدمت له الإسعافات الأولية وهي تبكي، وتهمهم بعبارات السب لناظر المدرسة، التي لولا خوفها من بطشه، لكانت أبلغت السلطات عنه. واستحلفت ذلك الطالب الضخم أن يصطحبه حتى منزله، فأمجد لم تكن قدماه قادرة على حمله. وبالفعل قام الفتى الضخم بحمل أمجد حتى منزله، وفي أثناء الطريق، كانا قد تعارفا، وبدأت بينهما صداقة متينة.
ليصبح ذلك الفتى فيما بعد... هو أقرب شخص لقلب أمجد على ظهر الأرض... ذلك الفتى المدعو... سعيد! أو كما يُلقب في أوساط عالم الإجرام... "ديدا".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!