الفصل 7 | من 17 فصل

رواية المتناقض الفصل السابع 7 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
19
كلمة
1,238
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

كانت تلك اللحظة هي نقطة تحول في كل شيء. ففيها استطاع أمجد أن يخترق عقل أدهم بمنتهى السهولة، وكأن أدهم أراد له ذلك. في لمح البصر كان أمجد قد غاص إلى أعمق نقطة داخل عقل أدهم ليرى فيها حب أسطوري يحمله قلب ذلك الفتى المسكين لمعشوقته، ريم الحديدي. وقد غلف ذلك الحب ألم وحسرة الفراق القهري، لأن الله لم يأذن له أن يراها بعد أن اكتشفت سر قدرته على تبصر أحداث المستقبل.

كانت نظرات أدهم تحمل كل معاني الاستسلام والقبول لما يريده أمجد، شريطة ألا يخبر ريم بتواجده بالمنزل. ظل الصمت للحظات أثناء ما كان أدهم يفك وثاق أمجد. قبل أن يهمس أمجد في أذنه: -ما تخافش يا أدهم. -أنا مش هأقول لريم هانم إنك موجود في البيت هنا. -بس مجرد ما تمشي ريم، عاوزك تخرج من هنا ومش عاوز أشوف وشك تاني أبداً. -مفهوم؟ رد أدهم بتلعثم: -حاضر يا دكتور أمجد. -أنا هاختفي من حياتك للأبد.

-بس صدقني، ده شيء مش في مصلحة أي حد. خرج أمجد منتشياً وسار بخطوات سريعة إلى بهو الفيلا ليستقبل ريم قائلاً: -أهلاً وسهلاً يا ريم هانم. -نورتي فيلتي المتواضعة. ردت ريم: -أهلاً بيك. -أنا جيت زي ما حضرتك طلبت مني في المكالمة عشان تقولي فين أدهم؟ صمت أمجد للحظة وهو يغوص داخل عقل ريم، وقد صدمه أنه اكتشف أن حب ريم لأدهم لا يمكن وصفه، فهو لم يرَ أبداً أنثى تحمل كل هذا الحب في قلبها. استجمع أمجد اتزانه وقال:

-لا يا ريم هانم، أنا معرفش أدهم فين دلوقتي. -أنا بس بنقلك رسالة منه. ردت ريم بلهفة: -رسالة إيه؟؟؟ أمجد: -هو بيقولك إنه لا عمره حب ولا هيحب غيرك. -وأنه كان يتمنى يقولك كده من أول لحظة اتقابلتوا فيها. انهمرت دموع ريم وهي تقول: -وأنا عاوزاك تبلغه إني.... ثم سكتت قليلاً وقد تحول صوتها الحزين إلى نبرة متشككة: -هو أنا إيه يضمن لي إن حضرتك فعلاً تعرف أدهم وإنه فعلاً قالك الرسالة دي؟ رد أمجد بكل هدوء:

-أنا وأدهم معرفة قديمة، وهو حكالي على كل اللي حصل بينكم. -بأمارة الحفرة اللي في طريق مصر السويس، اللي كان مفروض... يقتلك فيها. ردت ريم وقد هدأ توترها بعض الشيء: -بس الموضوع ده مصر كلها عارفاه. أمجد بثقة: -ويا ترى مصر كلها عارفة إنكم انتوا الاتنين عيطوا وانتوا ماسكين إيدين بعض جوه الحفرة؟ هنا هدأت ريم تماماً، فلم يكن هناك أي مخلوق على وجه الأرض يعلم بتفاصيل تلك اللحظة. فاقتربت من أمجد وقالت بصوت متضرع:

-معاك حق يا دكتور، طمنت قلبي. -أرجوك بلغ أدهم إني بعشقه وهأفضل أستناه يرجع لي لآخر لحظة في عمري. شعر أمجد بقمة الحسد تجاه أدهم، وتمنى لو أنه يجد أنثى تعشقه مثل هذا العشق، حتى وإن كلفه ذلك كل ما يملك. انتهى اللقاء، وودع أمجد ريم حتى سيارتها، وقد وعدها أن يظل مرسالاً للحب بينها وبين أدهم إلى أن يجمع الله بينهما من جديد.

-كان أدهم يسترق السمع وقد اعتصره الشوق لريم، وما إن خرجت من الفيلا حتى ركض ليجلس مكانها ويستنشق من بقايا أنفاسها التي عطرت الغرفة. إلى أن دخل أمجد وهو يقول بصوت هادر مخاطباً أدهم: -انت مجنون يا ابني؟ -حد يسيب واحدة بتحبه كل الحب ده؟ -بجد أنت عيل غبي جدا. رمقه أدهم بنظرة نارية وهو يقول: -أنت مش فاهم أي حاجة ومش ممكن تفهم. -بس وربي وما أعبد، لو حصل وحاولت تأذي ريم، فانا هاقتلك... فاهم!

-وما تزعلش نفسك أوي، أنا مش هأعترض طريق حياتك تاني. -أنا حاولت أعمل منك بني آدم، بس أنت مفيش فايدة فيك. -هتفضل كده... إنسان مغرور وتافه. قال أدهم تلك الكلمات ثم انطلق كالسهم مغادراً، وقد ترك أمجد وسعيد وقد غمرتهم حالة من الصمت التام. وقد حضّر سعيد لتلقي سخط أمجد على ما بدر منه. وبالفعل استدار أمجد وهو يرمق سعيد بنظرة نارية، بينما كان يتسلل إلى عقله ليعرف السر وراء انقلاب صديق عمره عليه.

وقد تمكن من استرجاع كل الحوار الذي دار بين أدهم وسعيد، إلا أن ذلك الحوار كان يحمل له مفاجأة من العيار الثقيل. فلقد قص أدهم على سعيد ومضة لما سيحدث بالمستقبل القريب جدا. وأخبره بأن دكتور/ أمجد سيجري جراحة ناجحة لأحد حكام العرب وينقذ حياته. وفي أثناء تلك العملية الجراحية، سوف يموت أحد الضباط المصريين الأكفاء نتيجة لجراحة فاشلة يجريها له جراح آخر أقل كفاءة من أمجد.

وأن أدهم كان ينوي تغيير ذلك الواقع، بحيث يقوم أمجد بإجراء العملية الجراحية للضابط المصري، بينما يقوم الجراح الآخر بالعملية الجراحية لذلك الحاكم العربي. وكان تنفيذ ما يسعى إليه أدهم يعد ضرباً من المستحيل، فالسلطات المصرية لن تسمح لأمجد بترك عملية ذلك الحاكم للاهتمام بإجراء عملية لذلك الضابط. لذلك فقد أدرك أدهم أنه لن يستطيع إنجاح مخططه إلا بمساعدة أمجد، خصوصاً وأنه يتمتع بأذكى عقل بشري على وجه الأرض.

أصاب أمجد الكثير والكثير من الارتباك والحيرة بعد أن عرف ما يسعى إليه أدهم. ولم يكن أمجد بحاجة لمعرفة دوافع أدهم وراء ذلك المخطط، فهو يعلم تماماً بأن ذلك الحاكم هو طاغية مستبد أذل شعبه الذي يعيش الآن أسوأ عصوره وقد استشرى فيه الفقر والذل والظلم. -انتهت تلك الليلة المليئة بالأحداث، وبات أمجد يفكر في طريقة ينفذ بها مخطط أدهم، ولكن من دون أن يكون مجبراً على التعامل مع أدهم.

فقد اعتاد أمجد أن يدير كل شيء بدون مساعدة من أحد، وهو قادر على إنجاح أي خطته بمفرده، دون أي مساعدة من أحد، حتى ولو كانت تلك المساعدة سوف تأتي من مستبصر للمستقبل. وظل أمجد يفكر بكل هدوء في خطة من خططه الشيطانية حتى انهارت قواه وغلبته النعاس. -واثناء نوم أمجد رأى حلماً غريباً مزدوجاً. فقد رأى أمه تحتضنه بكل حب، وقد بدا عليها السرور والفرح، وأخبرته بأن أدهم هو ذلك الصبي الذي أعطاه دراجته في ليلة وفاتها.

وأنه لو لم يفعل ذلك، لكن أمجد قد عاد إلى المنزل مبكراً كعادته، حيث يشاهد شجارها مع والده، ولكانت تلك الطعنة القاتلة ستكون من نصيبه هو. وأخبرته بأن أدهم هو من ترك له ذلك المظروف المالي. هنا شهق أمجد وقد تذكر تلك الجملة التي كتبها له أدهم: (قد اختار الله أن نشترك في نفس البداية) وقد فهم معناها أخيراً.

فلم يكن أدهم يشير في خطابه إلى أنهم عاشوا نفس البداية المتعثرة في حياتهما، بل كان يشير إلى أن اسميهما يحملا نفس البداية، حرف (أ) وفجأة استيقظ أمجد ليجد نفسه محاطاً بالعديد من الضباط، وقد قال كبيرهم: -إحنا آسفين يا دكتور أمجد على اقتحام بيتك بالشكل ده، بس الموضوع خطير ولازم تيجي معانا حالا. رد أمجد: -أنا مش هاتحرك من مكاني إلا لما أفهم انتوا عاوزين مني إيه. رد كبير الضباط مخاطباً طاقم الحرس بصوت حاد:

-انتوا واقفين تتفرجوا عليا؟ هاتوه بالقوة وحطوه في العربية. فما كان من أمجد إلا أن وثب من فراشه والتهم ملابسه سريعاً، ثم قفز في إحدى تلك السيارات الجيب ذات الستائر السوداء، التي مضت تنهب الأرض في طريقها إلى أحد المستشفيات الرئاسية رفيعة المستوى. وفي الطريق للمستشفى... علم أمجد أن أحد الحكام العرب قد تعرض لمحاولة اغتيال أثناء زيارته لمصر، مما أسفر عن إصابته بطلق ناري في رأسه.

وقد استقر رأي الحكومة المصرية على حتمية أن يقوم دكتور أمجد بعمل جراحة عاجلة له. وفي لمح البصر، كان أمجد يعبر رواق تلك المستشفى العسكري متجهاً إلى غرفة العمليات. إلا أن حدثاً جللاً قد أثار ذعره. فقد كانت جثة أدهم تستقر في أحد الغرف المجاورة، وقد كانت الدماء تسيل منها كنهر متدفق. صرخ أمجد بصوت مدوي: -مين المجرم اللي عمل كده! فرد عليه أحد أفراد الأمن: -دي جثة الإرهابي اللي حاول يقتل الحاكم العربي.

لم تستطع قدما أمجد أن تحملاه، فخر على ركبتيه ودموعه تسابق دماء أدهم في سريانها. وببطء احتضن أدهم وهو يردد: -سامحني يا أدهم... أنا السبب... أنا السبب. كان وجه أدهم ناضراً ومبتسماً، وكأنه يقول: لا تحزن يا صديقي، فأنا الآن في مكان أفضل. وفجأة هب أمجد واقفاً، وقال لكل المحيطين به: -أنا مش هأعمل العملية دي، ولو عملتها، فانا قسماً بالله هاقتلكم الراجل ده. كبير الضباط بنبرة حازمة: -حياتك يا دكتور، قصاد حياة الراجل ده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...