وضعت آخر قطعة من ملابسها المطوية في حقيبة ظهرها الكبيرة، ثم أغلقت سحابها وهي ترفع الحقيبة فوق ظهرها لترتدي حمالتيها على كتفيها استعدادًا للرحيل. فتحت باب غرفتها وخرجت منها، حيث قابلت والدتها التي كانت ما تزال تقف في الصالة مكتفة ذراعيها أمام صدرها بضيق. "أنتي برضه مصممة على اللي في دماغك يا سحر؟ " قالت والدتها بنبرة معاتبة. طبقت سحر شفتيها وهي تدنو من والدتها، تحاول توضيح وجهة نظرها لها.
"ماما حبيبتي، خلينا نفكر بالعقل كده. أنا دلوقتي بقالي أربع سنين من ساعة ما اتخرجت من الكلية وأنا ليا شخصيتي المستقلة، صح؟ "صح،" أجابت والدتها بقله حيلة. "تمام. وإنتوا وبابا مفرضتوش عليا حاجة، وسافرت بلاد من كثرها مش بقدر أعدها. عملت بيزنس وجمعت فلوس وقابلت ناس واتعلمت حاجات كتير قوي. صح؟ "صح." "وإنتوا ربيتونى إني لازم يكون ليا شخصيتي وكياني. مظبوط؟
تنهدت والدتها، فهي محقة بكل حرف نطقته، لكنها مع ذلك لا توافق على رأيها بالرفض بتلك الصورة. "صح. بس إحنا نفسنا نفرح بيكي، ويكون ليكي بيت ومستقبل نطمن عليكي فيه. وعلام مفيش أحسن منه." تنهدت سحر ببطء وهي تستند بكفها فوق كتف والدتها، تستكمل إيضاحها الذي كررته للعديد من المرات. "إنتوا ليه المرة دي مش فاهميني؟
أنا آخر همي موضوع الجواز ده. أنا مش من الناس اللي كل حلمها أتجوز واحد وأستخبى وراه. أنا لازم يكون ليا حياتي وشخصيتي المستقلة. لازم أحقق ذاتي." "طب وإيه اللي يمنع تحقيقه مع جوزك وفي بيتك؟ "يا حبيبتي افهميني. أنا مش رافضة المبدأ، بس لازم أكون مقتنعة بالشخص اللي حتجوزه ده." "طب وعلام عيبه إيه؟ ده ضابط قد الدنيا، ويتمنى لك الرضا ترضي." حاولت سحر ضبط أعصابها، فهي لا تحب أن تغضب والديها، لكنها لن تجبر أبداً.
"يا ماما، انتي عارفة علام بالنسبة لي مجرد أخ. والله ما قادرة أشوفه غير كده. ابن عمتي ورجل محترم وكل حاجة، بس مش حاساه غير أخ ليا. كمان أنا شخصيتي مش ضعيفة. ونفسي اللي أتجوزه يبقى أقوى مني، مش أنا اللي أقوى منه." "يا بنتي علام مش ضعيف. ده بيحبك وعشان كده متساهل معاكي. لكن هو شخصيته قوية. ده ضاااابط."
أغمضت سحر عينيها محاولة البقاء على ثباتها، فيبدو أن إصرار والدتها لن ينتهي بسهولة، وعليها ترك المجال للتفكير أكثر من ذلك. "طب طالما عاجبك أوي كده، ما تجوزوه سمر أختي؟ "انتي بتهزري؟ هو مش عايز غيرك انتي. وبعدين سمر لسه صغيرة."
"خلاص يا ماما. واضح إنك لسه مصممة. وعشان كده أنا لازم أمشي دلوقتي عشان أفكر بهدوء. وإنتوا كمان تفكروا بهدوء. وكمان نسمة وحشتني. والواد مؤمن وحشني مووووت. أروح أزورهم في المنيا وأقعد معاهم شوية لحد ما نوصل لقرار وإنتوا تهدوا شوية." زمت والدتها شفتيها بتحسر وهي تلقي باللوم على ابنتها. "مؤمن! مش لو كنتي اتجوزتي كان معاكي زيه دلوقتي. يا بنتي هاودي، ده انتي داخلة على سبعة وعشرين سنة. واللي...
قاطعتها سحر بضيق وهي تعدد على أصابعها بتذمر. "واللي قدي اتجوزوا وفتحوا بيوت. رحاب وسمية ومنى ودلال بنت خالتي سوسن ومنيرة. و و و... عارفة يا ماما كل ده. وعارفة سني كويس. وعارفة إني مش كبيرة للدرجة دي. وإني لازم أختار اللي يكملني، مش أي جوازة والسلام عشان ما آخدش لقب عانس. أنا ماشية يا ماما. وسلميلي على بابا لما يرجع من الشغل. سلام."
خرجت سحر بضيق بالغ من تكرار والدتها لنفس الحديث كلما رأتها. هي تدرك جيداً أنها لا تريد سوى أن تسعد بزواجها، وكما تظن، أن تطمئن عليها برفقة زوج محب. لكنها لا تريد الزواج بتلك الصورة، خاصة من علام ابن عمتها السمج الذي رفضته ما يقرب من الخمس مرات، وما زال مصراً على الزواج منها وطلب يدها من والدها كلما أتيحت له الفرصة. اتجهت نحو محطة القطار لاستقلال القطار المتجه للمنيا لزيارة نسمة كما اتفقت معها مسبقاً. ***
بأحد البنايات المقسمة إلى مكاتب إدارية. مكتب محاسبة. جلست خلف مكتبها تهز ساقها بضيق وهي تسند فمها بكفها، وما زال مرفقها موضوعاً فوق سطح المكتب. "أنا مش فاهم إنتي متضايقة ليه دلوقتي يا دنيا؟ " هتف وائل بعدم فهم. رفعت دنيا كفها عن فمها وهي تلوح به بضيق، وقد اتسعت عيناها بذهول من رد فعل وائل الذي لا يتسم سوى بالبرود التام. "يا سلام! إنت بتهزر ولا بتتكلم جد؟ يعني إنت مش فاهم أنا متضايقة ليه كل ده؟
أمال وائل فمه جانبياً ثم زفر بتملل من تكرار دنيا لنفس المنوال بتذمرها الذي لا مبرر له. "إنتي مكبرة الحكاية على الفاضي يا دنيا بصراحة. يعني ما إنتي شايفة كل حاجة على إيدك أهو." أمالت دنيا رقبتها بتعجب وهي تحاول التماسك حتى لا تنفجر غضباً منه.
"وائل، بطل بروووود. أنا مطلبتش منك حاجة. ولا طلبات تعجيزية. أنا عارفة ظروفك ومقدرها، وبقالنا أكتر من أربع سنين أهو. لكن إنت مش بتاخد أي خطوة لقدام. وأنا تعبت من رفض الناس اللي بتتقدم لي بدون سبب. تعالى كلم بابا وأنا معاك واحدة واحدة لحد ما نقدر نفتح بيتنا وإيدي بإيدك. لكن مش معقول أفضل قاعدة كده وإنت ولا على بالك. لازم يبقى بينا ارتباط رسمي وأهلنا عارفين. إن شاء الله نقعد العمر كله بنجهز نفسنا."
"مش عارف. إنتي كده بتزنقيني." "بزنقك؟ إنت واعي بتقول إيه؟ وائل دي مجرد دبله. المهم تطلبني من بابا. أنا مش لاقية حجة أقولها لهم أكتر من كده. نفسهم يفرحوا بيا، ده أنا بنتهم الوحيدة." "سيبى الموضوع ده دلوقتي. نبقى نتكلم فيه بعدين. يلا نمشي دلوقتي."
تعالت أنفاسها بغضب منه، لم تعد تتحمل تلك الطريقة اللامبالية بعد الآن. فمنذ تخرجهم زاد ارتباطهما، حتى أنهما عملا بنفس المكتب سوياً ليتقابلا يومياً وتزداد أوتار الصلة بينهما لأربعة سنوات. لم يفكر فيهم وائل بجدية علاقتهم ولو لمرة واحدة ليتقدم رسمياً لخطبتها، بل كان دوماً متقاعساً خلف حجة الظروف وقلة الإمكانيات للزواج. فظلت دنيا في انتظار أن الظروف تتعدل ويستطيع التقدم إليها، لكن الكيل قد فاض بما فيه، وعليه أن يتخذ موقفاً إن كان يريدها حقاً، فعليه الذهاب لوالدها وطلب يدها حتى لو بقيت بقية عمرها تنتظره حتى تسمح ظروفه التي يتحدث عنها.
جلست دنيا بغيظ فوق مقعدها قائلة. "أنا قاعدة يا وائل ورايا شغل. روح إنت." بلا اهتمام أجابها وائل وهو يحمل هاتفه قبل خروجه من المكتب. "على راحتك." زفرت دنيا مطولاً بضيق، محاولة كتم غيظها من هذا "البارد" حارق الأعصاب، تحاول فهم لما أحبته طوال هذه السنوات فلا تجد له أي ميزة على الإطلاق، لتصبر نفسها بأنها تشعر بذلك لمجرد ضيقتها منه ومن تصرفه السلبي تجاهها. *** المنيا.
مشطت نسمة شعر مؤمن بعدما ألبسته ملابس نظيفة، وهي تنظر نحو عمر بابتسامتها العذبة التي تشرق دنياه. "خلاص يا بابي. مؤمن باشا جاهز للخروج." مال عمر بجذعه للأسفل قليلاً وهو يفتح ذراعيه لصغيره. "حبيب قلبي. يلا بينا." وقفت نسمة تتوسط خصرها بيديها متصنعة الحزن. "وأنا مش جايه معاكم ولا إيه؟ حمل عمر مؤمن فوق ذراعه ثم اقترب من زمردته الخالصة يداعبها بعشق. "وأنا أقدر. ده إنتي أولنا." "أيوة كده. حجيب شنطتي وجاية على طول."
نظر عمر بساعته يده متسائلاً. "هي سحر حتوصل إمتى؟ قضبت نسمة حاجبيها بتفكر مجيبة إياه بتخمين. "يمكن آخر النهار. مش عارفة بصراحة القطر حيوصل إمتى. هي أكيد حتتصل أول ما توصل." "تمام. أكيد حنكون رجعنا إن شاء الله." "إن شاء الله."
أصطحب عمر نسمة ومؤمن لقضاء اليوم بأحد المتنزهات. فبعد وفاة جدهما أصبح الوضع كئيباً للغاية، وعليه من وقت لآخر التنفيس عنهم بنزهة بسيطة وألا يترك العمل أثراً على حياتهم بصورة كبيرة، فأهم ما لديه هو عائلته. *** أمسكت (ريموت كنترول) الخاص بالتلفاز لتغلقه بتملل من مشاهدة تلك الأفلام المعادة، لتنهض من جلستها متجهة إلى غرفة نومها قائلة بملل. "عبده مش عايز تتغدى؟
رفع عبد الحميد وجهه تجاه زوجته ليخفضهما على الفور تجاه هاتفه الذي ما زال يقلب به مردفاً. "لا شكراً. كُلي إنتي يا أحلام." هي تعلم بالطبع طبعه الهادئ وحديثه القليل، لكنها ملت بالفعل من بقائها بمفردها طيلة الوقت. "طب تعالى حتى نقعد في الصالة نتفرج على فيلم ولا حاجة. أنا زهقت أوي." أردف عبد الحميد بدون أن يرفع بصره عن هاتفه. "طيب شوية كده. روحي إنتي وكمان شوية حاجي."
تركته أحلام بتملل لتعود مرة أخرى لتفتح التلفاز مجبرة نفسها على مشاهدة ما يعرضه بدون انتباه مطلقاً. تذكرت أحلام صديقاتها نسمة ودنيا وسحر وتركهم لها و ابتعادهم عنها بعد ما فعلته بنسمة، ليظل الندم باقي على ما اقترفته وتسببت بوحدتها لسنوات بعد انتهاء دراستهم. تمنت لو تعود يوماً لتصحح أخطائها ولا تخسرهم أبداً، فقد كانوا ونعم الصحبة والأخوات، لكنها أخطأت ودفعت ثمن خطيئتها غالياً لتبقى وحيدة بعيداً عنهن. ***
لم تكن دوماً الصحبة صحبة خير، بل هناك صحبة تبعث الشر بالنفس وتهيج الصدور والقلوب. جلس أحدهم بمجلسه ينفخ دخان أرجيلته في الهواء وهو يدفع بمبسمها بوجه صديقه معقباً بلهجة صعيدية قوية. "شد شد. أنا عارف بس إنت عامل في نفسك كده ليه؟ "سيبني في حالي الله لا يسيئك. أنا خلاص جبت أخرى." اعتدل صديقه باهتمام وهو يرفع من طرف جلبابه فوق ساقيه بعد أن عقدهما أسفله ليتساءل بفضول. "إيه اللي حصل يا أبو عمو؟
احكي لي. حتخبى عن صاحبك واخوك أبو المعاطي؟ رفع وجهه تجاه صديقه لتظهر ملامح الضيق على وجهه البيضاوي وعيناه القاتمتان. "الدنيا قافلة راحتها عليا. حتى حتة الأرض مش عارف أشتريها." رفع أبو المعاطي حاجبه بخيلاء وهو يسحب نفساً عميقاً من أرجيلته قبل أن ينفث دخانها للأعلى مردفاً. "وده اللي مضايقك يا أبو عمو. محلولة. إنت ناسي إن لك ورث." ضيق عنتر حاجبيه بإستراب بالغ مردفاً بعدم فهم. "أنا ليا ورث؟ فين ده؟
دنّ أبو المعاطي بوجهه من صديقه عنتر قائلاً. "ابن عم جدك. مش مات أديله شهرين. يعني لك في الميغة بتاعته دي. غلطان أنا؟ "ابن عم جدي؟ إزاي يا جدع؟ ده له وريث. يعني إحنا مالناش فيه؟ "لأ. ليكم يا أبو عمو. أنا سمعت إن جدك كان مسلفه فلوس كتير. يعني لكم فيه."
صمت عنتر متفكراً بحديث صديقه، بينما شعر أبو المعاطي أن تلك فرصة سانحة لبث حقده وسمه بنفس عنتر تجاه الوريث الوحيد لذلك الرجل، فهو لا ينسى معاملته القاسية معه حين طلب منه بعض المال كقرض له. "أنا حافهمك. جدك الله يرحمه كان مدي ولد عمه ده فلوس كتير بس من غير ما ياخد وصل بيهم. والراجل ده أكلهم عليه واشتغل بيهم وعمل كل اللي قدام عينيك ده. يبقى كل المال ده حقك. ورثك من جدك." "تفتكر؟
"طبعاً. عموماً متشيلش هم. أنا بنفسي حروح أكلمه وأخليه يرجع لك حقك. وساعتها تشتري الأرض عشانك وعشان أمك وخواتك." أومأ عنتر رأسه عدة مرات كما لو أن تلك هي الطريقة المثلى للوصول إلى (الميراث) الذي سيغير حياته ويبتاع الأرض التي يحلم بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!