الفصل 2 | من 22 فصل

رواية الميراث الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
29
كلمة
2,402
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

قضت "سحر" ساعات طويلة بهذا القطار لتصل لوجهتها بالنهاية، ظلت تتعمق وتفكر بحديث والدتها هذا الصباح، وكذلك بإصرار والدها هذه المرة بقبولها الزواج من ابن عمتها. هي تعلم مبررهم جيداً، أن العمر يمر عليها دون ونيس، وأنهم بالنهاية يريدون الاطمئنان عليها قبل مماتهم. لكن ذلك ليس مبرراً إطلاقاً للموافقة على ربط حياتها بهذا النرجسي الأناني. نعم، هي تراه هكذا، فلم تعتقد يوماً أن تعلقها بها بتلك الدرجة ما هو إلا رغبة في إرضاء نفسه المتعالية بعد رفضها له عدة مرات. هو يتصنع قوة واهية لا تناسبه حتى مع عمله كضابط بالشرطة، إلا أنها تراه ضعيف الشخصية، منساق خلف أهوائه ومطامعه للحصول على ما يبتغيه فقط. يرفض مجرد فكرة أن إحداهن ترفض من هو مثله بمركزه ومكانته.

نفضت تلك الأفكار عن رأسها بعد توقف القطار بمحطتها التي تبتغيها، لتحمل حقيبة ظهرها الكبيرة مترجلة من القطار وهي تلمح تلك اللافته الكبيرة المشيرة باسم البلدة (المنيا) . لم تكن تلك أول زيارة لها للمنيا، لهذا كانت على دراية كاملة إلى أين تتجه بالفعل. خرجت من محطة القطارات لتستقل إحدى السيارات متجهة صوب بيت "نسمة" و"عمر" بأطراف البلدة. ***

دلفت "دنيا" إلى داخل شقة والديها البسيطة بأحد الأحياء الشعبية وهي تضع مفتاحها بعلاقة خشبية متواضعة خلف باب الشقة كما اعتادت هي ووالديها على ذلك. خلعت حذائها لتريح قدميها بعد عناء يوم عمل طويلة تبعه سير بلا هدف لتهدأ نفسها من رد فعل "وائل" الغير مكترث قبل وصولها إلى شقتهم. انتبهت والدتها لقدومها لتتقدم نحوها على عجل بابتسامة سعيدة لتهمس إليها بغبطة: "دنيا...

كويس أوي إنك جيتي. غيري هدومك بسرعة وإلبسي فستان حلو كدة. فيه ضيوف في الصالون مع أبوكي." رفعت "دنيا" وجهها تتفحص ملامح والدتها السعيدة، فهي تدرك جيداً تلك الملامح وما تخفي وراءها لتتسائل بشك قريب للتأكد: "ضيوف مين؟! أجابت والدتها بنفس النبرة الهامسة: "عريس... جه هو وأمه من شوية. ربنا ييسر لك الحال يا بنتي يا رب." تأكد ظنها على الفور لتحاول كظم ضيقها، فما كان ينقصها إلا زيارة مثل تلك الآن. "تاني يا ماما؟

مش أنا قلت لكم مش عايزة أتجوز دلوقتي؟! تلاشت ملامح السعادة المرتسمة على وجه والدتها وهى تنهره بقوة: "بس بقى... بلاش كلام فاضي. هو أنتي عُدتي صغيرة؟ إللي زيك معاهم عيال دلوقتي. يلا غيري هدومك وحصليني على الصالون ومتكسفيش أبوكي قدام الناس. يلا إتحركي."

بتذمر بالغ دلفت "دنيا" إلى غرفتها الصغيرة، فإلى متى ستظل تحارب بمعركة وحدها لكل من يتقدم للزواج منها بينما "وائل" لا يهتم. لقد سأمت من اختلاق الأسباب والأعذار للرفض ونفذت كل أفكارها، فماذا ستفعل الآن؟ لن تحرج والدها أمام ضيوفهم، لهذا تحركت بآلية باتجاه خزانتها لتبدل ملابسها لمقابلتهم وهي تأمل بداخلها أن تنتهي تلك الزيارة غير المرغوب فيها بسرعة. ***

بعد وصول "سحر" جلست بالمقاعد المصنوعة من الخيزران بالحديقة في انتظار عودة "عمر" و"نسمة" بعدما علمت من (سعيدة) إحدى العاملات بالبيت أنهم قد خرجوا منذ الصباح ولم يعودوا بعد. لكن لم يمر الوقت الكثير حتى عادوا جميعاً إلى البيت ليتفاجئوا بوصول "سحر". اقتربت "نسمة" بغبطة بخطوات متعجلة ترحب بقدوم "سحر": "سحوووره... حمد الله على السلامة."

نحت "سحر" همومها جانباً وهي تنهض من جلستها ليغلب طبعها المازح الذي تناسته مع تراكم المشاحنات الأخيرة لتهتف مازحة: "جري إيه يا ست؟ هو أنتوا تعزموني وتطفشوا ولا إيه؟ ضحكت "نسمة" برقة وهي تدنو من "سحر" تحتضنها بشوق: "حبيبتي يا سحور. معلش بقى غصب عني. إتأخرنا وإحنا راجعين. الطريق كان واقف خالص." أمسكت "سحر" مزاحها اللاذع، فطبع "نسمة" أرق من أن يتحمل مزاحها، لتكتفي ببعض الكلمات المرحة من وقت لآخر فقط.

"طب هو فين الأستاذ مؤمن؟ وحشني أوي." أشارت "نسمة" على "عمر" الذي تأخر عنها بضع خطوات حتى ترحب بصديقتها أولاً: "مع عمر. أصله راح في النوم وإحنا راجعين بالعربية." نظرت "سحر" تجاه "عمر" الذي يحمل طفله النائم كالملائكة بين ذراعيه ليتبع ذلك ملامح الإحباط على وجهها مردفة: "إيه ده؟ يعني مش هلعب معاه النهارده؟ يا خسارة." ثم تداركت "سحر" نفسها حين تذكرت أنها لم ترحب برؤيتها لـ"عمر":

"سوري يا عمر. لما بتيجي سيرة مؤمن بنسى الناس كلها. أنت إزيك؟ أومأ "عمر" بدبلوماسية مرحباً بـ"سحر"، فطبعُه ثقيل للغاية حين يتعامل مع الجنس الآخر، فهو لم ولن يهتم إلا بحبيبته وشريكة روحه "نسمة" فقط. ومن لديه قطعة "زمرد" نادرة ليبحث عن الزجاج من دونها. "أهلاً يا سحر حمد الله على السلامة." ثم نظر تجاه "نسمة" يحثها على التوجه إلى داخل البيت: "مش ندخل جوه بقى. ولا إيه؟

بترحيب شديد أشارت "نسمة" لـ"سحر" بالتوجه إلى داخل البيت لترتاح من مشقة الطريق وأيضاً لوضع "مؤمن" بفراشه. كانت تود لو أن تبقيا لتتسامرا طوال الليل، لكن "نسمة" آثرت أن ترتاح "سحر" الليلة بغرفتها أولاً، وفي الصباح لن تترك حديثاً إلا وسوف تتحدث به لاشتياقها لصديقتها العزيزة. ***

جلست "دنيا" بتملل بغرفة الصالون الخاصة بهم تناظر هذا الرجل الذي أتى بصحبة والدته للتعرف إليهم بزيارة مسبقة قبل التقدم لخطبتها بشكل رسمي. لم يكن هذا الشخص يعلم الكثير عنها، بل مما عرفته من حديثهم أن إحدى الجارات قد رشحت "دنيا" كعروس مناسبة له. لم تتفوه بأي شيء مطلقاً طوال جلستها، بل اكتفت بملاحظتهم والإنصات لحديثهم مع والديها فقط. حتى أوضحت والدة العريس نقطة أثارت انتباه والدة "دنيا" على الفور:

"وبإذن الله يا حبيبتي شقتك حتبقى جاهزة من مجاميعه في بيتنا. ما هو اسم النبي حارسه الباشمهندس سامي ابني ليه شقته في البيت عندنا." اعتدلت والدة "دنيا" متسائلة بتوجس، أرسمت ابتسامة خفية على ثغر "دنيا" فقد علمت أن تلك الزيجة لن تتم الآن: "ليه يا حبيبتي؟ هو دنيا حتسكن معاكم في بيت العيلة؟ "آه، أمال إيه. بقى الباشمهندس سامي تبقى عنده شقة ترد الروح ويروح يدور على شقة بره؟!

ألقت والدة "دنيا" نظرة خاطفة على زوجها، ليحاول هو الآخر الاستفسار بدقة وسط متابعة "دنيا" المستمتعة بنهاية تلك الورطة دون أن تتدخل بشيء. "أعذريني يا حاجة أم سامي. هي عيشتها معاكم ولا حتقعد في شقتها لوحدها؟ "لا يا أخويا. البيت ما شاء الله خيره كتير وكل سلايفها معايا طول اليوم. ومتقلقش يا حاج. زيها زيهم وزي بناتي يا حاج." تنهد والد "دنيا" فقد حدث ما تخوف منه، ليزفر بضيق قبل أن يكمل حديثه:

"معلش يا حاجة. أنا بنتي ولا تعرف تعيش في بيت عيلة. ولا تقدر على الخدمة طول اليوم. فربنا يرزقكم ببنت الحلال إللي تناسبكم." تضايقت السيدة للغاية وهي تعقب بنبرة محتقنة من رفضهم لولدها "الباشمهندس": "ليه ليه؟ هو إحنا مش قد المقام ولا إيه؟ يلا يا باشمهندس سامي. البنات على قفا مين يشيل." بدون أي رد فعل من هذا العريس نهض من جلسته وهو يتبع أمه مباشرة نحو الخارج وقد علت قسماتهم الضيق البالغ.

عادت والدة "دنيا" إلى زوجها وابنتها بعد إيصالهم لباب الشقة بإحباط: "كان نفسي ربنا يتمها على خير. ده مهندس ومن عيلة كويسة. بس يا خسارة الحلو ميكملش. الواحد متعقد من موضوع بيت العيلة ده." بحزن دفين أجابها "عبد الراضي" زوجها: "لله الأمر من قبل ومن بعد. نصيبها كدة. أنا خلاص مش ضامن أنها تعيش مرتاحة في وسط بيت العيلة. ما إحنا جربنا وما طولناش منهم إلا المشاكل."

أيقظت تلك الزيارة تساؤلات "دنيا" عن رفض والديها القاطع أن تتزوج ببيت العائلة، لتعيد تساؤلها مرة أخرى على مسامعهم: "هو إيه إللي حصل زمان عشان تكرهوا أوي بيت العيلة كدة؟ أجابتها والدتها بإقتضاب: "بيت العيلة ده مبيجبش إلا المشاكل ويفرق الناس من بعضها. يلا. إللي حصل حصل. ما نابنا بس إلا الشحططة وبُعدنا عن أهلنا بلاد."

أيقنت "دنيا" أن وحدتهم بتلك البلد بعيداً عن أهل والدتها ووالدها واستقلالهم بالمعيشة هنا بعيداً عن الجميع ما هو إلا رد فعل لإنقاذ أسرتهم الصغيرة من (بيت العائلة) ومشاكلها كما يقولون، لكنها لم تدرك بعد تفاصيل ذلك. لكن يكفيها الآن أن بسبب بيت العائلة تخلصت من عريس آخر لم تكن لتجد سبباً مقنعاً لرفضه هذه المرة. ***

تنحنح "عنتر" بقوة قبل أن يدلف إلى داخل الدار تحسباً لوجود إحداهن ممن يتراودن على دارهم بغية مساعدة والدته الحاجة "فهيمة". وبالطبع فور سماعه صوته أسرعت إحدى السيدات بتغطية وجهها بشال أسود تخبئه كنوع من السترة عن الغريب حين دلف "عنتر" يعيد نحنحته مرة أخرى وهو يلقي السلام منكساً عينيه بالجانب المقابل. "سلامو عليكو يا حاجة." براحة وهدوء ردت والدته الحاجة "فهيمة" السلام:

"وعليكم السلام. تعالي يا عنتر محدش غريب. دي خالتك أم عوني." ليوجه "عنتر" حديثه لتلك السيدة: "يا مرحب. إزيك يا خالة. وإزاي ولدك؟ بخير؟ "في نعمة والله يا ابني. طب أفوتك أنا يا ست أم عنتر وأبقى أجيكِ وقت تاني." "بيتك ومطرحك يا خيتي. بيتك ومطرحك."

خرجت السيدة أم عوني ليجلس "عنتر" على الأريكة الخشبية متكئاً على مسندها القنطى السميك وهو يرفع ساقيه إلى الأعلى جاعلاً إحداهما أسفله والأخرى يرفعها قليلاً بعدما رفع طرف جلبابه السماوي سانداً مرفقه فوق ركبته بأريحية. "كنت عايزك في كلمتين ياما." "خير يا وليدي." "أنا نويت أطلب ورثي من (دار سليمان) نظرت والدته تجاهه لبرهة بعدم فهم قبل أن تستطرد باستنكار: "ورث؟ ورث إيه؟ إحنا مالناش أي ورث عندهم؟!

أسقط ساقه ليتعدل عاقداً ساقيه أسفله وهو يتحدث بجدية وقوة: "لأ لينا ياما. أبو المعاطي قالي إن جدي سلفه كتير. وإحنا محتاجين الورث والفلوس. يبقى نطالب بحقنا." نهرته والدته بقوة: "والله ما حييجيب داغك إلا مشيك ورا أبو المعاطي. إحنا لا لينا فلوس ولا غيره عند دار سليمان." "ياما اسمعيني." قاطعته والدته: "متخليش الفلوس تعمي عنيك. أوعى الطمع يا وليدي. إحنا مش عايزين منهم مال. حلالهم. مالناش فيه."

"أنتي بس إللي طيبة زيادة عن اللزوم ياما." "اسمع كلامي يا عنتر. بلاش منه الكلام الفاضي ده. محناش ناقصين مشاكل مع دار سليمان." لم يجد "عنتر" بداً من إنهاء هذا الحوار لأن والدته لن تقتنع إطلاقاً لمطالبته بحقهم. لكنها بالطبع ستسعد حين يأتي به ويشتري الأرض التي يحلمون بها. "خلاص ياما. يصير خير." *** استكمل "علام" مكالمته مع خاله "زكي" بعصبية فائقة حاول ألا يظهرها بحديثه معه ليهز ساقه بقوة ضاغطاً بأسنانه فوق شفتيه بضيق.

"يعني إيه يا خالي؟ هو ينفع تسيبها تروح تقعد عند صاحبتها بالشكل ده؟ ليه؟ إحنا فين هنا؟ "خليها شوية يا علام. يمكن نفسيتها تهدى وتلاقي إن مفيش زيك. ساعتها توافق من غير ضغط." "إنت شايف كدة يا خالي؟ أنا مش فاهم بس. سحر ليه رافضة بالصورة دي؟ هو أنا غريب عنها ولا متعرفنيش؟ "هي بتقول إنها حاسة إنكم زي الإخوات." "طب تديني الفرصة بس. وأنا طبعاً أقدر أغير دماغها خالص."

"طبعاً يا ابني. هو فيه زيك. بس معلش. اصبر عليها شوية لحد ما توافق برغبتها. أنا مقدرش أغصب عليها." "لما نشوف يا خالي. عموماً أنا برضه مش مرتاح لموضوع سفرها ده. وبكرة حكلمها وأعقلها وأخليها ترجع." "زي ما تشوف يا علام." "مع السلامة يا خالي." "مع السلامة." أنهى "علام" مكالمته مع خاله وهو مصر على التحدث إليها بالغد لإجبارها على العدول عن عنادها وعليها العودة لبيت والدها فوراً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...