علام جن جنونه، فكيف استطاع هذا التقني تغفيله بتلك الصورة؟ أم أنه ربما كذب خاله عليه؟ لكن لماذا يكذب عليه؟ فإن لم تكن بخير لما كان بهذا الهدوء وعدم الاكتراث. تحدث علام إلى نفسه بعدم تصديق: "ما هي لو مخطوفة أكيد خالي ما بيبقى مرتاح للدرجة دي... بس إزاي كلمته؟ أنا لازم أتأكد... لازم أتصل بيها."
أمسك بهاتفه يبحث عن اسم "سحر" المسجل بالهاتف ليحاول الاتصال بها، لكن من أول وهلة كان الهاتف مغلقاً. كرر المحاولة مرة أخرى وكانت نفس النتيجة، مغلقاً. أغلق الهاتف بانفعال قائلاً بحيرة شديدة: "لأ بقى... كده فيه حاجة مش مفهومة... يا إما خالي بيكدب عليا... يا إما هي اللي مش عايزة ترد عليا... لأ لأ... ليه يعني؟ مش هترد عليا ليه؟ يبقى لازم أكيد خالي بيكدب عليا... بس هيكذب عليا ليه؟ أكيد اللي خطفوها هددوه بحاجة... أيوه...
لازم كده... أنا لازم أسافر المنيا دي... لازم." *** دار عنتر بعد ترحيب فهيمة الحار بسحر والتزام عنتر الصمت التام مراقباً تلك المتطلعة حولها بإعجاب كما لو كانت سائحة تجول بطواف سياحي داخل دارهم. أمال فمه جانبياً بابتسامة ساخرة، فبالتأكيد هي تنظر للأمر من هذا الجانب، سائحة مغامرة لكنها لن تستطيع البقاء والعيش كما يعيشون، فهي مرفّهة مدللة ولن تقدر على حياتهم القاسية.
بعد أن اكتفت نظراتها من تفحص كل ما يحيط حولها، وصلت عيناها في النهاية لهذا الطويل الذي يقف مستنداً بأحد الجدران على يسارها مكتفاً ذراعيه وتعلو ثغره تلك الابتسامة الغريبة. ضاقت عيناها تستكشف معنى تلك الابتسامة الساخرة التي ظهرت جلية بوضوح على ملامحه، لتدرك بفطنتها على الفور ما قرأته بعينيه بمعنى (لن تقدري) لترفع سحر حاجبها الأيمن بتحدي وتقابله بابتسامة ساخرة هي الأخرى بمعنى (لا تعرفني حقاً)
أجابها عنتر رداً على ما فهمه بنظرتها بنظرة تالية وهو يعتدل وتتسع تلك الابتسامة المستهزئة بتحديها له كما لو يسألها بعدم تصديق (أحقاً ستقدرين؟ لا أظن) إشرأبت بعنقها وهي تهز رأسها بخيلاء اهتز معها شعرها الأسود، ثم أغمضت عينيها لوهلة وهي تدير رأسها عنه كما لو قالت (هاه... سترين) وللعيون لغة صامتة أبلغ من صوت الكلمات. قطع سيل التحدي بنظراتهم صوت الحاجة فهيمة متسائلة باستغراب: "إلا يا بنتي فين خلجاتك؟
هتقعدي بالهدوم اللي عليكي دي؟ تذكرت سحر فجأة أنها لم تأت بأي ملابس معها، حتى تناست تماماً أن تطلب من نسمة إرسال لها حقيبتها مع هريدي عند عودته، لتضم شفاهها بحيرة وهي تجيب الحاجة فهيمة: "أنا نسيت خالص موضوع الهدوم ده." ابتسمت الحاجة فهيمة وهي تدفع الهواء بكفها بألا تهتم سحر لذلك: "ولا يهمك... بكرة أخلي بتي تجيب لك جلابيتين مقاسك... بس دلوقتي هجيب لك جلابية من جلابايبي تستريحي بيها."
برفض تام رفعت سحر كفيها تلوح بهم أمام وجهها، فهي لا تريد الإثقال عليهم أكثر من ذلك: "لألأ... طبعاً... متكلفيش نفسك ولا بنتك يا طنط... أنا عادي أقعد كده... وهبعت أجيب هدومي." أجابتها الحاجة فهيمة باستنكار لرفض ضيافتها: "وده يصح أكده؟ ده أنتي ضيفتنا... معقول تقعدي مش مرتاحة كده؟ "معلش يا طنط... خليني على راحتي." "أبداً والله ما يحصل... لازم أجيب لك جلابية تريحك." قبل أن تتفوه سحر بمجادلة جديدة، قطع عنتر
تلك المحاولات برد قاطع: "بس خلاص... هاتي يا أمي الجلابية... وإنتي اسمعي الكلام... عندنا الحاجة فهيمة تطلب الطلب ينفذ." رفعت عيناها تجاه هذا القوي المصدر أمراً واجب النفاذ، لتجد نفسها منصاعة للأمر. غلبها حقاً بقوته الرادعة بقطع الحديث، فله هيبة تُحترم لم تمر عليها من قبل. لتبتلع ريقها بتوتر وهي تومئ بالإيجاب عما يريده، فهي ستعيش هنا بقوانينهم هم وعليها الطاعة، أو هكذا خُيل إليها. أردفت بهمس موافقة: "ماشي...
اللي تشوفيه يا حاجة فهيمة." بلحظات غيرت لقبها لمثل ما تفوه به هذا الطويل، لكنها لم تكن منزعجة من ذلك، بل أحبت فرض قوته وسيطرته على الموقف. غابت الحاجة فهيمة لبضع دقائق ثم عادت تحمل بيدها جلباب مطوي بعناية، مدته إلى سحر بود وحنو بالغ: "خدي يا بتي... اطلعي فوق غيري خلجاتك على راحتك... أنا فتحت لك أوضة البنات... هم محدش فيهم هنا... كلياتهم (كلهم) في بيوت أجوازهم."
إنصاعت سحر بابتسامة لطلب الحاجة فهيمة، لتصعد للدور العلوي الوحيد عن طريق سلم جانبي ضيق للغاية ذو درجات عالية نحو الأعلى، لتجد تلك الغرفة بسهولة فقد كانت الوحيدة التي فُتح بابها. *** البيت الكبير مر وقت طويل وما زالت نسمة متشبثة بمؤمن كمن يخشى أن يضيع أو يضل السبيل. فترة صمت تحمدت فيها على عودته سالماً واطمأنت بوجوده.
جلس عمر إلى جوارهما وهو يخشى أن تكون ليلة الأمس والليلة التي تسبقها قد تركت أثراً بالغاً بنفس نسمة الهشة، فقد وصلا لتلك المرحلة من الاستقرار النفسي بعد عناء شهور بعد وفاة جدهما. أحاط كتفها بذراعه بحنو وهو يضمهما إليه، فهو أيضاً كان مرتاعاً حقاً من أن يكون قد فقد مؤمن وخُطف بالفعل، لكنه أبى أن يظهر ذلك لها. لحظة شعرت نسمة أنها أفاقت من غيوبها، اجتاحت عقلها لتبدأ الصورة تظهر أمامها بوضوح.
دارت رأسها تجاه عمر قائلة بإحساس غريب، إحساس مختلط بين الطلب والأمر والترجي بذات الوقت، لقد كانت خائفة متعبة للغاية: "عمر... أنا عايزة أمشي من هنا." رفع هامته قليلاً ليستوضح الأمر منها أكثر: "تمشي من هنا... إزاي يعني؟ مش فاهم؟ دارت عيناها بأرجاء البيت أولاً، ثم نظرت إليه باستجداء واضح هذه المرة حتى كادت تبكي من اهتزاز نفسها المشوشة: "أمشي من البيت ده... لأ... أمشي من المنيا كلها... أنا تعبت... خلينا نمشي يا عمر...
عشان خاطري." مسح عمر على رأسها بخفة وحنو بالغ وهو يؤكد لها إيجاباً أن ما تريده سيُحقق، لكنه تساءل عن السبب: "لو ده اللي أنتي عايزاه هحقق طبعاً... أنا معنديش في الدنيا دي أهم منك... بس ليه... عايزة تمشي من هنا ليه؟ إجابته كانت مريحة لقلبها المتعب للغاية، لتسحب نفساً طويلاً أولاً قبل أن تجيبه: "كل حاجة في البيت ده بتفكرني بجدو... شايفاه في كل مكان... مش قادرة أنساه... وموضوع مؤمن ده خوفني أكتر...
أنا مش عايزة بيت كبير... أنا عايزة شقة صغيرة أعيش فيها معاك ومع مؤمن وأنا مطمئنة... أنا حاسة المكان هنا بيخوفني وطابق على نفسي." شعر عمر بصراعها النفسي المضطرب وإرادتها حقاً بالخروج من هذه الأزمة، ليومئ بتفهم مردفاً بابتسامته المطمئنة التي كانت جسرها المتين لبر الأمان لها: "من بكرة نروح مصر... أنا مش عايزك تتعبّي أبداً." "وحتعمل إيه في الشغل هنا؟
"هخلي مدحت يصفّي الشركة هنا وأبدأ في مصر شركة جديدة وكده كده نصيبي في ورث جدي لسه في البنك." "خد كمان الفلوس اللي جدي حطهالي لو عاوزها أنا مش عاوزاها." برفض قاطع أجابها عمر: "استحالة طبعاً... دي فلوسك هتفضل زي ما هي زي ما جدي كان عاوز." "مش مهم... زي ما تحب... المهم نمشي من هنا." "خلاص... أنا هرتب كل حاجة مع مدحت وأخليه يشوف لنا شقة في مصر بكرة ولا بعده بالكتير نكون هناك." *** دار عنتر
خرجت سحر من الغرفة بعد تبديل ملابسها بجلباب الحاجة فهيمة، وهي تشعر بالحرج الشديد، فقد كانت سحر تفوق الحاجة فهيمة طولاً بشكل واضح للغاية، فلم يناسبها جلبابها إطلاقاً، إلا أنها ما بيدها حيلة سترتديه مرغمة، فليس لديها بديلاً آخر. نظرت بعينيها السوداوين حولها لتطمئن أن لا أحد يتطلع إليها، وأعدلت الجلباب مرة أخرى تشده نحو الأسفل ربما يستطيل قليلاً.
إضطرت بالنهاية أن تتحرك تجاه السلم الضيق لتدنو إلى الطابق السفلي وهي ترفع رأسها بشموخ حتى لا تكون مادة للسخرية بتلك الهيئة. لكن ما خشته حدث بالفعل، فقد كان عنتر مترقباً حضورها بشغف تام، بمجرد أن استمع لصوت أقدامها تهبط درجات السلم، رفع رأسه تجاهها ليشاهد هيئتها غير المعتادة له.
كانت تظن أنها ستصبح سخريته الآن بهذا المنظر، لكن بالنسبة إليه كانت فاتنة فوق العادة بذلك الجلباب القصير الذي تغير تماماً عما كان يراه على والدته. بلحظة نبض قلبه بعنف، فهل سرقت قلبه بيومين تلك المتمردة؟ فور أن دنت سحر منه وهي تراه يتطلع نحوها بنظرات غير مفهومة، رفعت إصبعها محذرة مرددة: "عارف لو اتريقت ولا فتحت بوقك... إنت حر."
بتلك اللحظة فقط أدار عنتر وجهه يخفي ضحكة ساخرة حلت به، ربما هارباً من تلك المشاعر القوية التي اجتاحت قلبه. أراد أيضاً مشاكساتها قليلاً ليهمس مازحاً: "كأنك سارقها بالضبط." دفعت شعرها الأسود بكفها إلى الخلف بثقة وهي تردف بغرور: "وليه متقولش أميرة في بيت الأقزام؟ رفع عنتر رأسه بجدية محذراً بحده هذه المرة: "إلا أمي!!! لوحت بكفها برفض قاطع وقد تحلت نبرتها بتأسف بالغ وخشية من إغضابه: "لأ والله...
أنا قصدي الجلابية مش الحاجة خالص... آسفة جداً." تراخت شدة أعصابه لتتجلى ابتسامته الرائعة التي انتبهت لها سحر لأول مرة بإعجاب شديد، حين استطرد بجاذبية خجلت منها على الفور: "الجلابية آه.... عموماً دي تقعدي بيها في الدار لحد بكرة... ممنوع تطلعي بره الدار بالمنظر ده... أنا ممكن أصور قتيل فيها دي."
لم تعلم لماذا شعرت بتلك اللحظة باهتمامه بها بشكل خاص، كما لو وصلها إحساس منه بالغيرة ربما، شعور لم ترفضه مطلقاً بل أسعد قلبها للحظات، لترمى تلك العاصفة من المشاعر التي أتت بغير محلها لتتهرب بسؤالها عن والدته: "أمال... ااا... فين الحاجة فهيمة؟
بذكائه المعهود الذي لم تعرفه بعد عنه، استطاع إدراك تهربها ليعطيها تلك الفرصة بالهرب ليهدأ هو الآخر بعد تلك الأحاسيس المختلفة التي اجتاحت قلبه دفعة واحدة. أشار تجاه إحدى الغرف قائلاً: "أمي بتحضر الوكل في المطبخ... جهزي حالك... أمي في العزايم معندهاش فصال." لم تفهم ما يقصد حرفياً، لكنها ابتعدت مسرعة تجاه الغرفة التي أشار إليها لمساعدة والدته وبالتأكيد الهرب منه. *** بيت عبد الحميد
شعرت أحلام ببعض الراحة لمعرفتها بأن مها ستقضي اليوم بأكمله لدى عائلتها ولن تعود حتى المساء. جهزت طعام الغذاء وحملت طبقاً من الفاكهة التي قد أحضرها عبد الحميد بوقت سابق حتى تعطى منها والدة زوجها عندما تذهب إليها بعد قليل. اتصلت أولاً بـ عبد الحميد لتعرف موعد عودته: "ألو... أيوة يا عبده... إنت هتيجي إمتى؟ "يمكن أتأخر شوية يا أحلام... محتاجة حاجة؟ "لأ أبداً... قلت أشوف إنت جاي إمتى عشان أنزل تحت عند مامتك."
"لأ براحتك... انزلي اتسلي معاهم شوية ولما أجي نتغدى سوا." "خلاص ماشي... هنزل أنا دلوقتي... وهستناك تحت." "ماشي سلام بقى عشان مشغول أوي." "مع السلامة." حملت طبق الفاكهة وأغلقت باب شقتها متجهة لشقة حماها بالأسفل. كعادة والدة زوجها، تترك باب الشقة مفتوحاً بذلك النهار الحار بفصل الصيف، لأن شقتهم تكتسب حرارة عالية بهذا الوقت من العام.
لم تعد تدرى هل أصبحت خطواتها متمهلة للغاية أم أنها تتسلل حقاً لمعرفة ما يحدث من وراء ظهرها، عادة لم تستطع تغييرها بنفسها، أم أن النفس القديمة لا تتغير. دَلفت أحلام بخطوات غير محسوسة بالمرة، لم يُسمع لقدمها صوت لتتحرك بخفة بداخل الشقة. وبالطبع الشباك ألقت صيدها، فاستمعت بوضوح لصوت أم عبد الحميد تتحدث مع ابنتها شروق التي يبدو أنها أتت بزيارة منذ الصباح دون أن تدري.
جلست شروق إلى جوار والدتها تلومها بشدة، فشروق مختلفة تماماً عن والدتها، بل هي أقرب لوالدها بصفاته الهادئة الطيبة تماماً مثل زوجها عبد الحميد. لم ترضَ أبداً شروق عن تصرفات والدتها وهجومها دوماً على أحلام زوجة أخيها لمجرد عدم إنجابها حتى الآن وإصرار والدتها على إقناع عبد الحميد بالزواج من أخرى، لكنه رفض ذلك رفضاً تاماً. مطت شروق شفتها بضيق وهي تلوم والدتها بهدوء: "ليه كده يا ماما... ما تسيبيها في حالها."
"وهو أنا جيت ناحيتها؟ ما أنا ساكتة أهو." "يا ماما... أحلام غلبانة... وعبده عمره ما هيزعلها... سيبيهم براحتهم... هما أحرار." امتعضت سعاد وجهها وهي تلوح بوجه ابنتها بغضب: "بس يا خايبة... طالعة لأبوكي... دي غلبانة دي... دي ميه من تحت تبن... المهم... حسك عينك تجيبي لها سيرة إن مها حامل... دي عينها وحشة وممكن تحسدها... ما هي اللي زي دي لما الحاجة تبقى مش في إيدها بتبقى غياظة... وتحسدها ولا ممكن تأذيها عشان حامل ولا حاجة."
"ده كلام برضه يا ماما؟ ما مها زي أحلام متفرقيش بينهم كده... وهي يعني دي أول مرة مها تحمل... "لأ يا أختي مش أول مرة... بس أول مرة بعد ما اتأكدنا إنها خلاص مش هتجيب عيال... فهمتي." زفرت شروق بضيق لتلتزم الصمت، في حين استكملت سعاد تحذيرها: "أوعي تقولي لها حاجة... هي لو عرفت يبقى أنتي اللي قولتي لها... لحد ما حمل مها يثبت نبقى نشوف هنعمل إيه."
لم تجبها شروق، فهي مرغمة على الصمت حتى لو لم تكن موافقة على تصرف والدتها، فهي لن تتحمل لومها وتسلطها الذي يخشاه الجميع. تهدلت ملامح أحلام بتعاسة من ظن والدة زوجها بها وأنها حقودة لتلك الدرجة. هي تتمنى أن ترزق بأطفال بالفعل، فهذا حلمها الذي تتمنى تحقيقه، لكن أن يخفوا حقيقة حمل مها عنها بتلك الصورة لم تكن لتتوقعها نهائياً.
صعدت تجاه شقتها مرة أخرى دون أن يشعر بها أحد لتقضي بقية اليوم بانتظار عبد الحميد بإحباط تام وتعاسة لا توصف. *** دار عنتر وسط تجمع عائلي دافئ، تناولت سحر طعام الغذاء مع عائلة عنتر، حين تجمعت على الطاولة الخشبية المستديرة المسماة (الطبلية) فهيمة وولدها وإحدى أختيه صباح وأولادها الصغار.
رفعت سحر رقبتها وهي تحاول أن تستمد بعض الهواء المنعش لرئتيها بعد أن أصابتها تخمة من تناول هذا الكم من الطعام الدسم ذو الأصناف المتنوعة الشهية. تراجعت خطوة للخلف وهي تردف بصوت متخم: "بجد مش قادرة... خلاص مش قادرة آخد نفسي." لم تمهلها فهيمة فرصة للتراجع وهي تقذف بقطعة من اللحم طيب المذاق بفمها ككرم زائد منها لاستكمال طعامها: "والله ما يحصل... خدي دي مني أنا... ده أنتي مكلتيش واصل... شكل الوكل مش عاجبك؟ باندهاش بالغ
هتفت سحر وهي تمزح بخفة ظل: "يا خبر... ده تحفة... بس أنا بني آدمة وربنا مش فيل... هاكل إزاي بس... مش قادرة خلاص." عقبت صباح بمزاح وألفة سريعة مع سحر: "طالما جيتي عند أمي... تبقي خلاص بقيتي من الأفيال اللي بتقولي عليهم دول... مش شايفانا قد إيه." كانت صباح تتمتع بطول فارع كأخيها عنتر، وسمينة إلى حد بسيط مما أعطاها مظهراً قوياً كامرأة صعيدية كما تتخيله سحر تماماً، بخلاف والدتهم النحيلة الضئيلة الحجم.
ضحكت سحر وهي تشعر بألفة حقيقية بوجودها مع تلك العائلة التي لا تعرفها ولا يعرفونها جيداً، ومع ذلك رحبوا بوجودها الغريب بحفاوة غير طبيعية وكرم على غير المتوقع. تفكرت سحر للحظات وهي تنظر بنظرة خاطفة مرة أخيرة على أصناف الطعام التي حضرتها فهيمة بعناية. لتتمعن قليلاً بحديث عنتر السابق حين أكد لها أنها لن تستطيع تحمل معيشتهم، فكيف يستنكر ذلك وتلك هي معيشتهم؟
فمعنى ذلك أن ما قاموا به اليوم هو غير المألوف في العادة، وأن معيشتهم أبسط من ذلك بكثير، ونظراً لوجودها تكلفوا الكثير والكثير لأجلها. تحلت ملامحها بجدية وهي تطلب من فهيمة برجاء متواضع: "الصراحة يا حاجة فهيمة تسلم إيدك ده أحلى أكل أكلته في حياتي... بس ممكن لو سمحتي أنا عايزة أقعد معاكم زي ما أنتم... متكلفوش نفسكم في أي حاجة زيادة... عايزة أعيش نفس حياتكم بكل تفاصيلها بعد إذنك." انتفض عنتر بضيق أولاً، قاطعاً والدته
قبل أن تهم بالرد على سحر: "كيف ده؟!!!! إنتي في دارنا... ميصحش... أنتي ضيفة وعلى راسنا ولازم تاخدي واجِبك وزيادة." تطلعت به سحر بحيرة، أليس هو من تحداها بالأساس؟ ألا يعلم أنها يجب أن تخوض التجربة كما اتفقا؟ ثم أردفت متعجبة: "إنت بتتكلم جد؟ ما هو... قطعت حديثها حتى لا تفسر سبب وجودها والتحدي الذي اتفقا عليه، حين نظر لها عنتر نظرة تعني (أحقاً؟ ثم اعتدل هاتفاً بقوة ومهابة لاقت له: "كلامي ميتردش...
طول ما إنتي هنا إنتي ضيفتنا كلنا ومفيهاش كلام الحكاية دي." وللمرة الثانية وجدت نفسها توافقه دون جدال أو مراجعة، وهي تشعر بالسعادة وليس فرض رأيه بالقوة. شعرت بأنهم يرحبون بها بشدة وأن رفضها لكرمهم إهانة لهم. أومأت برأسها بهدوء لتستكمل حديثها الذي استطاعت تغييره بسهولة بسؤال الحاجة فهيمة: "بس المحشي ده تحفة... عايزة أعرف سره بقى... أصل معاكم واحدة لا تفقه شيئاً في المطبخ أبداً."
شعرت الحاجة فهيمة بالإطراء، فأخذت تصف لها بالتفصيل كيف صنعته، وهي تنظر نحوها شاردة تماماً، تومئ برأسها تفهماً مع ابتسامة عريضة، بينما هي غير منتبهة إطلاقاً، خاصة وهي تشعر بتلك العينين الثاقبتين تراقبانها من بعيد، لتتصنع أنها لم تنتبه لتطلعه إليها.
ابتسامتها العذبة وسمارها الجذاب جعل منها أيقونة رائعة ملفته للغاية. شرد عنتر بتفاصيلها وهي غير منتبهة إليه بالمرة تحدث والدته عن الطعام ومذاقه الشهي. هام رغماً عنه بها حتى ارتسمت ابتسامة دون أن يدري فوق ثغره عندما تبتسم هي، ليتمنى لتلك اللحظة ألا تنتهي أبداً، وإلا عليه الانتباه لنفسه وما يفعله. *** أبو المعاطي جلس فوق أحد أسطح البيوت القديمة يسحب أنفاساً من أرجيلته ليعدل مزاجه كما يعتقد، حين تقدم نحوه
أحد أمثاله من سيئي النفوس: "كيفك يا أبو عمو." تطلع به أبو المعاطي ليردف بلا اهتمام: "أهلاً." "جايب لك مصلحة إنما إيه... متخرجش براك." زفر أبو المعاطي الدخان من فمه بتملل قبل أن يردف باقتضاب: "وكيف يا ناصح هعمل أي مصلحة وأنا هربان كده؟ تعجب صديقه جمعة من اختفائه ذاك: "والله أنا مش خابر إنت ليه متداري... ما صاحبك داير في البلد أهه ولا على باله." ضيق أبو المعاطي عينيه بدون فهم ليعقب بتساؤل: "صاحبي مين؟ عنتر؟
"وهو فيه غيره." غمغم أبو المعاطي متحدثاً لنفسه دون أن يستطيع جمعة تفسير ما يقول: "الله... هو مش عمر بلغ عنه... ولا يكون خد الفلوس... ولا إيه الحكاية... أفاقه جمعة بصوته الغليظ: "جرى إيه يا جدع... ما تخليك معايا أمال... معايا في المصلحة دي ولا إيه؟ أراد أبو المعاطي التأكد أولاً ليردف بلا اهتمام: "ماشي... ماشي... ورايا بس حاجة كده الأول وبعدين نشوف." "خلاص يا أبو عمو... حجيك بكرة عشية نتفق." "طيب... طيب."
رحل عنه جمعة ليعيد أبو المعاطي تفكيره مرة أخرى بـ عنتر، تخوفاً من ألا يعطيه حقه بالمال إذا كان قد أخذه من عمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!