الفصل 5 | من 22 فصل

رواية الميراث الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
23
كلمة
2,750
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

لم تكن "سحر" بالشخصية الضعيفة أو سهلة التأثر. كل ما كان يشغلها بهذا الوضع المفزع هو كيف تهرب بـ "مؤمن" دون أن يصيبه أذى. أمسك الملثم الذي يجلس إلى جوارها فمها بيده الغليظة لدقائق، حتى أشار له الآخر الجالس بمقدمة السيارة بشريط لاصق عريض قائلاً: _إخرسها خالص هي والواد. رفعت "سحر" ذراعها وهي تنزع بقوة ذلك الغطاء الذي يلثم به وجهه، لينفلت اللثام عنه وترى وجهه المقيت.

دفع بالشريط اللاصق بغضب تجاه رفيقه وهو يعيد وضع اللثام على وجهه فورًا. حين أمسك رفيقه الشريط اللاصق ليضع منه قطعة بصعوبة فوق فمها، وهي تتلوى بكل الاتجاهات تحاول التملص منه. كانت تتشبث بكلتا يديها بـ "مؤمن" حتى لا يأخذوه منها ويتركوها، فمن الواضح أنهم يقصدون الطفل فقط. لم يجد هذا الغليظ بُدًا من تقييدهما معًا حتى لا تحاول الهرب منهم بعدما أمسكوا بطريدتهم.

أحاط جسدها وجسد "مؤمن" بهذا الشريط اللاصق ليمنعهما من التحرك بداخل السيارة للحفاظ على ما اقتنصوه اليوم. وسط حركة "سحر" المستمرة بمحاولة مستميتة لخلاصهما، استدار نحوها الشخص الملثم الجالس بمقدمة السيارة ليهوي فوق رأسها بقبضة يده بقوة، مسببًا ترنح رأسها على الفور ليغشى عليها أثر تلك الضربة القوية. ذُهل من يجلس إلى جوارها من عنف رفيقه مع تلك السيدة ليهتف باستهجان: _ليه يا "أبو المعاطي"؟ مش للدرجة دي يا خوي.

_والله زهقتني يا "هريدي"، مش راضية تسكت، وأنا دماغي مصدعة. تطلع "هريدي" تجاه "سحر" الغائبة عن الوعي، و"مؤمن" الذي انفجر باكيًا مرة أخرى عند رؤيتها بتلك الصورة، مرتعدًا بخوف من هؤلاء الملثمين من حوله. صرخ "أبو المعاطي" بعدم احتمال بـ "مؤمن": _إخرس ياض، مش ناقصة وجع دماغك أنت كمان. مش كفاية أبوك واللي عمله. كاد "أبو المعاطي" أن يضربه لولا أن أمسك "هريدي" بكفه تلك المرة قائلاً:

_والله لو مديت يدك تاني ما أنا مكمل معاك. حرام يا خوي. غمغم "أبو المعاطي" بصوت غير مفهوم، كما لو كان يسب "هريدي" لمنعه مما يريد فعله، لكنه مجبر على ذلك، فهو ما زال يريد مساعدته بعد. أراد "هريدي" فهم لم يتعامل بهذا العنف معهم، فما عرفه منهم أنهم سبيل لاسترداد مال "عنتر"، ولا داعي لهذه القسوة غير المبررة. _إلا قول لي يا "أبو المعاطي"، هو أبوه عمل معاك إيه؟ أجابه "أبو المعاطي" دون الالتفات إليه:

_بقى أنا "أبو المعاطي مخلوف" ييجي واحد زي "عمر" ده يهزقني ويقلل بقيمتي لما رحت له يسلفني فلوس. طب والله لأحرق قلبه على ولده ومرته. حرك "هريدي" رأسه بعدم فهم ليعيد تساؤله مرة أخرى: _يعني الحكاية مش حكاية ورث "عنتر" ولا إيه؟ _"عنتر" ده خايب، بيصدق أي حاجة تتقال له. وأهي فرصة نعلم "عمر" ده الأدب. ثم التفت بحِدة تجاه "هريدي" وقد لمعت عيناه ببريق غادر مخيف يهدده بحدة: _وعلى الله الكلام ده يخرج بره، فاهم ولااااااااا؟

أومأ "هريدي" بتخوف عدة مرات مرددًا بنبرة مهتزة: _فاهم يا خوي، فاهم. عاد "أبو المعاطي" ببصره تجاه السائق قائلاً: _هم، شوية، خلينا نوصل العزبة أوام. *** استقل "عمر" و "نسمة" السيارة بعد انتهاء جلستها مع طبيبتها النفسية. تساءلت "نسمة" بهدوئها الرقيق: _تفتكر "سحر" خلصت الشوبينج بتاعها؟ التفت إليها "عمر" وما زالت عيناه تتوهج بنظرات عشقه المتيم بها، فمهما مر العمر سيظل حبها قابعًا بقلبه، بل يزداد يومًا بعد يوم بقلبه.

قبض كفها الرقيق بين كفه بحنو مردفًا: _أولاً، صاحبتك دي بتحب اللف كتير قوي. خليها براحتها. ثانيًا بقى، جت لنا فرصة أخيرًا نبقى أنا وأنتِ لوحدنا. مش عايز تفكير في أي حاجة النهارده. "مؤمن" وأهو مع "سحر". نفك إحنا عن نفسنا شوية. ابتسمت "نسمة" فكم تعشق ترتيبه دومًا للأمور حتى يبقى معها ويشعرها بحبه لها. كم هي محظوظة بالفعل بوجود "عمر" بحياتها. _طيب، اللي تشوفه. حنروح فين؟

_إحنا الأول نروح نتغدى في مكان حلو وبعد كده نقضي بقية اليوم سوا. _أنا معاك. منين ما تروح، حتلاقيني معاك. تحرك "عمر" بالسيارة متجهًا إلى أحد المطاعم المعروفة بالبلدة ليقضي يومًا مع حبيبته وزوجته بمفردهما، فلم يستطع القيام بمثل هذا الأمر من قبل، فدومًا كان مسؤولاً عن جده وطفلهما طوال الوقت. *** بيت عبد الحميد.

جلست تلك السيدة الخمسينية النحيفة تظهر امتعاضها الشديد من تصرفات ولدها "عبد الحميد" معها، منصفًا لتلك المسماة زوجته عليها، فزمّت شفتيها بتهكم: _تو ما افتكرت تسأل عني وعن أبوك يا "عبده". هي خلاص حتنسيك أهلك. إيش حال ما إحنا ساكنين مع بعض في بيت واحد. كده تخلي مراتك تعزلك عننا.

تطلع "عبد الحميد" تجاه والدته بنظرات يملؤها اللوم، لكن لسانه لا يطاوعه أن يظهر لها أن تصرفاتها هي السبب بذلك، فهو لن ينتقصها بكلمة، فـعليه أن يقول لها قولاً كريمًا كما أمرنا الله عز وجل. لكن بقراره نفسه لن يظلم "أحلام" التي لم تُسئ لوالديه قط. فضل الصمت محاولًا الإصلاح بينهما حتى لا يظل بهذا التشتت بين والدته وزوجته. _ربنا يهدي النفوس يا ماما.

_لا مفيش ربنا يهدي النفوس دي. أنت تخلي مراتك تنزل لنا زي الأول. ما خلاص مكانتش كلمة. وأهي "مها" مرات أخوك يوميًا معانا. زفر "عبد الحميد" مطولاً يلتمس الصبر ليردف بانقياد مكرهًا: _حاضر يا ماما. اللي تشوفيه. بس بالله عليكي أنا مبقتش حمل زعل ومشاكل. وهي كمان "أحلام" غلبانة وعايزة تعيش يا ماما. متزوديهاش عليها. رفعت حاجبيها باستنكار مردفة بنبرة مستنكرة: _أنا! شوف الواد. وأنا مالي يا أخويا. هي في حالها وأنا في حالي.

حرك "عبد الحميد" رأسه عدة مرات بهدوء متمتمًا بصوت خفيض: _الله المستعان. حمل "عبد الحميد" هاتفه والمفاتيح الخاصة به صاعدًا نحو شقته ليبلغ "أحلام" بطلب والدته بعودة الأمور إلى مجرياتها وإنهاء حالة الخصام بينهما. *** توقفت السيارة أمام منزل "أبو المعاطي" ليترجل منها مطمئنًا أولاً أن لا أحد يتابعه، ملتفتًا يمنة ويسرة بخبث شديد.

بعد أن اطمأن لهدوء المحيط من حوله، أشار لأخيه "هريدي" ليلحقه خارج السيارة ليساعده بحمل "سحر" المتشبثة بـ "مؤمن" وموثقان سويًا بالشريط اللاصق الذي أحاطهما به "هريدي". ترجل بالفعل "هريدي" وقد علقت غصة بحلقه بعدما تأكد أن لا ذنب لهذه المرأة وولدها ولا حتى "عمر" بشيء، وأن كل ذلك بسبب حقد أخيه "أبو المعاطي" ورغبته في الانتقام من "عمر" لرفضه إقراضه بعض المال. انصاع "هريدي" مكرهًا لأخيه بحمل "سحر" و"مؤمن" إلى داخل (المندرة)

القبلية لمنزلهم بمساعدة "أبو المعاطي". دلفا إلى تلك الغرفة المتواضعة التي تحتوي على بساط أرضي خفيف وبعض الوسائد القطنية للجلوس والاتكاء عليها. وضعا "سحر" الغائبة عن الوعي و"مؤمن" الذي تشبث بـ "سحر" بقوة بهلع شديد، ليتركوهما بمفردهما قبل أن يخرجا مرة أخرى إلى الخارج وإغلاق الباب جيدًا حتى لا يتسنى لهما الهرب. حاول "هريدي" إثناء "أبو المعاطي" عما يفعله بضعف، فأخيه يتصف بالعنف أحيانًا ولا يتقبل النقد أبدًا.

_ما بلاش يا خوي، خليهم يروحوا لحالهم. رمقه "أبو المعاطي" بنظرة غاضبة تحمل اشمئزازًا كبيرًا من ضعف أخيه الذي لا يشبهه مطلقًا. _اشششش، أنت حتراجعني ولا إيه؟ قسماً لو اتكلمت تاني في الموضوع ده لحكون شايف شغلي وياك. بخضوع مجبر، نكس "هريدي" رأسه أرضًا وانصرف مبتعدًا في هدوء، بينما تحرك "أبو المعاطي" ليخبر "عنتر" بأنه أتمم المهمة بنجاح، وما عليهم الآن إلا طلب المال من "عمر". *** شقة أحلام.

تنحنح "عبد الحميد" محاولًا بدء حديثه مع "أحلام" بعد فترة من الصمت، فقد اعتادت على هدوئه جيدًا، وربما كان إحباطًا من اختيار حياته معها بعد معرفته بعدم قدرتها على الإنجاب، هكذا دومًا كانت تحدث "أحلام" نفسها. _أحم، بقولك يا "أحلام"، أنا عارف المشاكل اللي حصلت بينك وبين ماما و"مها"، بس ااا... ماما طلبت مني النهارده إنك يعني... تبقي تنزلي معاها زي زمان. عارفة، لو أنتي مش حابة، خلاص... ولا كأنك سمعتي مني حاجة.

نظرت "أحلام" بتمعن بملامح "عبد الحميد" المنتظر لبعض الوقت تتفكر بحديثه قبل إجابته. فعلى الرغم من معرفتها بقوة شخصية والدته حتى مع والده، وتدرك أيضًا نوايا "مها" الخبيثة دومًا، إلا أنها على استعداد لفعل أي شيء يرضيه، فهو بالفعل يستحق ذلك، لتردف عن طيب خاطر: _لو أنت عايز كده حبيبي، أنا معنديش مانع عشان خاطرك.

تبسم "عبد الحميد" براحة لتتبدل ملامحه القلقة لأخرى محبة، فهو بالفعل يحبها، يشعر بالضيق لأجلها هي وليس لأجله هو. هو يدرك حقًا لهفتها وشوقها لوجود طفل بينهما، تتمنى أن تشعر بإحساس الأمومة التي حرمت منها، لكنه يكفيه فقط وجودها بحياته، وربما كان ذلك سببًا قويًا بتوتر علاقته بوالدته لإصراره ألا يأتي بزوجة أخرى لتنجب له طفلًا وتحزن "أحلام" لذلك، حتى هو لا يرضى عنها بديلاً مطلقًا، فياليتها تدرك ذلك فيطمئن قلبها.

_لو نزولك تحت مش حيزعلك، انزلي. لكن لو في يوم اتضايقتي خلاص، مفيش داعي تيجي على نفسك أو على أعصابك. أومأت "أحلام" بخفة وهي تنهض من جلستها قائلة بحب: _أقوم بقى أحضر لك الغدا يا "عبده"، زمانك ميت من الجوع. *** عنتر. انتظر "عنتر" عودة "أبو المعاطي" ليخبره بما فعله، وهل استطاع بالفعل الإتيان بطفل "عمر" حفيد "صالح سليمان" أم لا. لم يطق "عنتر" الانتظار لأكثر من ذلك، فاتصل به قبل أن يصل "أبو المعاطي" إليه. _ها؟

طمني يا "أبو المعاطي"، عملت إيه؟ _خلاص يا أبو عمو، كله تمام. _فين هو؟ _في المندرة القبلية في دارنا. _طب أنا جاي لك طوالي. _اللي تشوفه يا أبو عمو. انطلق "عنتر" على الفور تجاه دار "أبو المعاطي" بغرب القرية، فقد تعاظم إحساسه بالقلق والاضطراب، فهذه أول مرة يقدم بها على فعل مثل هذا. توقف "أبو المعاطي" عن المضي قدمًا تجاه دار "عنتر"، فهو سيأتي إليه بعد قليل ولا داعي لأن يرهق نفسه.

لم يمر الكثير حتى ظهر خيال "عنتر" القوي في الأفق، استطاع "أبو المعاطي" تمييزه بسهولة، فـ "عنتر" طويل القامة عريض البنية له هيئة مميزة للغاية. هب "أبو المعاطي" واقفًا من جلسته المتكئة أمام باب (المندرة) حين رأى صديقه مقبلاً عليه يسرع بخطواته تجاهه. لم ينتظر "عنتر" ترحيب صديقه ليهتف به لاهثًا من جراء خطواته المتعجلة طوال الطريق: _فينه الواد؟ أجابه "أبو المعاطي" وسط ابتسامة منتصرة وخيلاء بما قام به لأجل صديقه مشيرًا

بإتجاه باب المندرة: _جوه يا أبو عمو. تقدم "عنتر" يفتح الباب بهدوء وتوتر بالغ للاطمئنان على الطفل الصغير أولاً. *** سحر. امتعض وجهها ألمًا وهي تفتح عينيها وتحاول الاستفاقة بعد تلك الضربة القوية التي تلقتها فوق رأسها. بدت لوهلة مشوشة للغاية لا تدرك أين هي أو ماذا تفعل، حتى تذكرت أن هناك اثنين ملثمين اختطفوها هي و"مؤمن"، لتفتح عينيها مذعورة من أن يكونا قد أخذا الطفل منها.

وعلى الرغم من أن وضعها مقيدة بهذا الشكل مع "مؤمن" ليس بأفضل حال، إلا أنها فور رؤيته معها همست براحة بداخلها: "الحمد لله". أعادت رأسها مرة أخرى إلى الخلف تحاول الاستفاقة بشكل أفضل من ذلك الألم الملم برأسها، لتتمتم بألم، فصوتها مكتوم للغاية بسبب هذا الشريط اللاصق فوق فمها: "آه، جاك كسر إيدك يا بعيد". بتلك اللحظة فُتح باب (المندرة)

لتسلط عيناها على الباب ومن يدلف منه وهي تضيق من عينيها بنظرات غاضبة تحاول معرفة من هذا الدالف إلى الغرفة. فتح "عنتر" باب (المندرة) ودلف إلى الداخل متخذًا خطوتين فقط قبل أن يفغر فاه بصدمة قوية وهو يطالع تلك المقيدة بالشريط اللاصق مع هذا الطفل الصغير وقد كمم فمها بقطعة أخرى منه، لكن ذلك لم يمنع رؤية غضبها وصراخها المكتوم تجاهه.

تهدج صدره فور رؤيتها بهذا الوضع ملقاة فوق الوسائد القطنية الأرضية وقد نمت نظراتها عن غضب غير محدود. للحظات قليلة تيبست أطرافه ناظرًا نحوها، ثم تدارك نفسه على الفور ليتراجع إلى الخلف مرة أخرى وهو يغلق باب (المندرة) بسرعة ملتفتًا نحو "أبو المعاطي" متسائلاً بغضب: _إيه ده؟ مين اللي جوه دي؟ ابتلع "أبو المعاطي" ريقه بتوتر من غضب "عنتر" العاصف، والذي يبدو أنه غير مأمون العواقب، فالشرر أخذ يتطاير من عينيه بمجرد سؤاله. _دي...

دي... دي أمه. جت معايا بالغلط. غصب عني يا أبو عمو. اتسعت عينا "عنتر" بذهول مردفًا باستنكار غاضب: _غلط؟ _أصل... ااا... أصلها فضلت ماسكة في الواد وما رضيتش تسيبه واصل. معرفتش أعمل إيه، جبتها معاه. ضرب "عنتر" جبهته بقوة بكف يده مردفًا بتحسر: _يا وقعتك السودا يا "عنتر". رحت في داهية خلاص.

لم يكن هذا ما فكر به، لقد ظن أن الأمر أسهل من ذلك كما صوره له "أبو المعاطي"، سوف يأتي بالطفل ويطلب ماله من "عمر" ويعيده إليه بنفس اليوم دون معرفة من الذي قام بفعل ذلك، لكن "أبو المعاطي" وضعه بورطة لا خروج منها، فـ أمه جاءت معه وبالتأكيد ستتعرف عليه هو و"أبو المعاطي" وسيزج بالسجن حتمًا. ليته سمع كلام والدته ولم يقدم على فعل مثل هذا. ليته لم يسعى خلف هذا الميراث.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...