الفصل 18 | من 22 فصل

رواية الميراث الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
18
كلمة
3,602
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

شعرت نسمه بالإعياء التام لظنونها التي اجتاحت نفسها. لكنها مع ذلك لم تخبر عمر بما يجول بخاطرها، واكتفت بملاحظة تصرفاته بصمت تام. ليشعر هو الآخر بأن نسمه بها شيء مختلف، فهي دوماً شارده حزينه، لا يدري ما السبب الذي جعل حالتها النفسية بهذا التراجع.

خلال تلك الأيام الماضية، تقابل عمر مع نورهان بمكتبه لبدء العمل على تلك المناقصة التي أشارت إليها. وبدأ بالفعل بتجهيز المواد اللازمة للتوريد، كما نص العقد الذي ألزم بتوريد الفواكه لهذا المصنع الكبير للمواد الغذائية خلال فترة قصيرة، وإلا عليهم دفع شرط جزائي كبير للغاية. تعامل عمر مع نورهان بمهنية شديدة، حتى أن أغلب اجتماعاتهم كان يحضرها المحامي القانوني بمكتبه ليراجع معهم كل التفاصيل الخاصة بالعقد والتوريد.

في الصباح، تجهز عمر للذهاب لمكتبه، كما كان يفعل بالأيام الماضية. حين وقفت نسمه بوجه شاحب للغاية من خلفه تسأله بطريقة غريبة، ربما تحمل نبرة شك أو اتهام. "إنت رايح فين؟ استدار عمر تجاهها مجيباً إياها بتعجب من حالتها وطريقتها. "رايح المكتب. نسمه، إنتى مالك؟ تحسي إنك مش طبيعية؟ زاغت عيناها بعيداً عنه، فلن تظهر له ما بداخلها حتى تتأكد من كل شيء أولاً، كما أوصتها أحلام بألا تنساق خلف شكوك وتهدم كل شيء.

"لا مفيش، أنا بس بسألك عشان حقابل أحلام ونتمشى شوية." اندهش عمر بغرابة وهو يهتف بعدم فهم. "أحلاااام؟!!!!! وإيه إللى فكرك بيها بعد كل ده؟ "هي جت تزورني واعتذرت لي وخلاص." لوح عمر بكفيه بتعجب حقيقي من زوجته طيبة القلب. "بالسهولة دي... خلاص؟ "خدي بالك منها يا نسمه، إنتى نسيتى عملت إيه." "المسامح كريم." حاول عمر تنبيه زوجته الساذجة من أن تكون أحلام قد عادت لتؤذيها مرة أخرى.

"متنفعش طيبتك الزايدة دي يا حبيبى. أحلام ممكن تخدعك تاني وتحاول تأذيكى أنتي أو مؤمن. بلاش يا نسمه." بوقت آخر كانت لتتفق تماماً معه، لكن ريبتها وشكها به جعلها عنيدة للغاية، خائفة بشكل هستيري، ولا تجد سوى أحلام إلى جوارها، فدنيا وسحر بعيداً جداً عنها. لتهتف بعناد. "لا متخفش عليا. أنا بقيت بعرف مين بيكدب عليا ومين لأ."

أسلوبها المتواري شعر به عمر أنها تقصد شيئاً آخر دون أن يدري ما هو. وبنفس الوقت لم يشأ أن يعارضها حتى لا تنتكس مرة أخرى، وعليهما زيارة الطبيبة النفسية الجديدة التي أوصت بها طبيبتها النفسية بالمنيا. أضطر عمر على موافقتها باستسلام مؤقت. "زي ما تحبي حبيبى. المهم متزعليش." ودعها عمر متجهاً للمكتب، لتهاتف نسمه أحلام لمقابلتها على الفور حتى يتسنى لهما مراقبة عمر كما اتفقتا سوياً. *** بيت ناجح...

وقف جميع أفراد العائلة ومعهم دنيا بشرفات البيت المواجهة للطريق في انتظار عودة الجد ناجح بعد رحلته إلى مكة لأداء فريضة العمرة. هي بالكاد رأت صورته معلقة بالشقة، لكنها وقفت تنتظر عودته بشغف شديد، ليس لأمر الميراث مطلقاً، بل لما عرفته عنه من قوة وحكمة.

توقفت إحدى السيارات أمام البيت مزدوج السلم الخارجي خاصتهم، ليتعالى هتاف الأبناء والأحفاد فرحاً بعودة الجد ناجح. ترجل من السيارة كهل طويل البنية نحيف الوزن، بخلاف بقية العائلة الممتلئة الأجسام. يرتدي جلباب رمادي واضعاً عباءة بنية اللون فوق كتفيه زادت من هيبته.

رفع الجد رأسه للأعلى بابتسامة خفيفة ملوحاً لهم رداً على هتافهم الحار، ثم دلف إلى داخل البيت بهدوء وبطء. أسرع الجميع بالدخول لاستقبال الجد بحفاوة أحبتها دنيا للغاية، وهي ترى الجميع يلتف بحب وود حقيقي تجاه هذا الكهل الذي دلف للشقة للتو. بينما وقفت هي تطالعهم من بعيد، فهو لا يعرفها بعد. ولم يكن الأمر بالصعوبة ليتعرف عليها الجد، ليؤشر لها ماداً ذراعه نحوها بعدما أفرغ من سلامه للجميع قائلاً.

"أهلاً أهلاً ببنت الغالي. إزيك يا بنتي وإزاي راضي؟ بتأدب شديد اقتربت دنيا وهي ترد تحيته. "الحمد لله يا جدو. حمد الله على السلامه." "الله يسلمك." ثم نظر لأبنائه ممتاز ومصطفى وإخلاص. "تعالوا نقعد يا ولاد، أحسن تعبت من المشوار والسفر." التف الجميع حول الجد ليروي لهم بغبطة عن رحلة عمرته وما رآه بمكة والمدينة، تلك الرحلة التي أعادت إليه الروح وراحة النفس التي كان يسعى إليها. *** نسمه...

قابلت نسمه أحلام بالقرب من البناية التي تقطن بها، ومعها مؤمن. لتتجها نحو مكتب عمر الجديد، فربما بهذه الزيارة تستطيع أن تدرك ما إذا كان عمر قد تغير نحوها، أم أنه مازال باقياً على عهدهما. كلما كانت تدنو من الحي الذي يقع به مكتبه، كلما انخفضت دقات قلبها وازدادت شحوباً. هي تخشى معرفة ما يخبئه لها القدر، فليت المقدر المحتوم يقع دون انتظاره. وقفت نسمه بالزاوية المقابلة للبناية وهي تتطلع نحوها بتخوف.

"حاسة إن قلبي حيقف يا أحلام." "تحبي نروح؟ "لأ لأ... أنا عايزة أعرف." أخذت أحلام تكذب كل شيء لتطمئن نسمه قليلاً. "أنا برضه بقولك كل ده ولا حاجة. إطمني وحتعرفي وتتأكدي إنك فاهمه غلط، وإن مفيش حاجة من إللي في دماغك دي." أجابتها بتمني من قلبها أن كل شيء يكون كذباً وافتراء عليه، فهي لن تتحمل الدنيا بدونه.

لكن يشاء القدر بوصول نورهان إلى المكتب بنفس التوقيت، لتقف لبرهة تضبط من خصلات شعرها المموج قبل أن تدلف إلى داخل البناية بتغنج شديد، وهي تكاد تترنح من ضربات كعب حذائها المدبب. تلك الضربات التي وقعت بقلب نسمه بدون انتظار، تخطفه معها لتتيبس محلها وهي تطالع تلك المتلونه صاعدة إلى مكتب زوجها. تلاشت كل الكلمات وهي تشير بصدمة تجاه الفراغ الذي خلفته نورهان خلفها، ناظرة إلى أحلام التي زمّت شفاها بإحباط تام.

أخذت نسمه تهمهم بنبرة مختنقة، وقد حالت العبرات بعيونها القططية. "هـ.... هـ.... هي... هي يا أحلام. هي إللي في الصورة؟ لم تجد أحلام ما تجيب به صديقتها، لكنها فزعت للغاية وهي ترى نسمه قد سحبت روحها ووقعت أرضاً فاقدة للوعي. التف المارة نحوهم، وقد حاولت إفاقتها لكنها لم تقدر، فاقترح أحدهم نقلها لأحد المستوصفات الصحية القريبة.

أمسكت أحلام جيداً بيد مؤمن تتبع هؤلاء الأشخاص الذين حملوا نسمه إلى المستوصف، وقد تخوفت للغاية من أن يكون قد أصابها مكروه. *** مكتب عمر... دَلفت نورهان إلى المكتب وسط تلك الأعين التي تراقب خطواتها وهي تتهادى بدلال، قبل أن تطرق باب المكتب. سمعت صوت عمر هاتفاً بالسماح لها بالدخول. "اتفضل." فتحت نورهان الباب بابتسامة عريضة امتعض لها وجه عمر على الفور، فليس بينهما موعد حتى تأتي إلى مكتبه اليوم.

"أستاذة نورهان، أهلاً. اتفضلي." أغلقت نورهان الباب من خلفها وهي تردف بنبرة معاتبة مرققة من صوتها بنعومة. "إيه أستاذة نورهان دي؟ ما خلاص بقى يا عمر. شيل الألقاب دي. هو إحنا بقينا أغراب؟ "معلش برضه، الاحترام واجب." قالها عمر بنبرة يقصد بها الالتزام بالحدود بينهم. وقف من جلسته متجهاً نحو باب المكتب كي يتركه مفتوحاً، فلا داعي لإغلاقه.

فهمت نورهان مقصده لتعترض طريقه هامسة بنبرة مثيرة للغاية تحاول بها الإيقاع بعمر، حلمها الذي لم تتنازل عنه بعد انتهاء دراستهم، تلك السنوات التي لم يشعر حتى بوجودها مطلقاً، وما كان عليه سوى السعي خلف تلك الساذجة المدعوة نسمه. "عمر... بلاش تبقى دايماً بعيد. أنا مش عارفة إنت خايف ليه؟ أبعدها عمر عن طريقه باشمئزاز منها وهو ينظر تجاهها بتقزز ساخط. "احترمي نفسك. وإفهمي إنتى بتتعاملي مع مين. مش أنا اللي أقع مع واحدة من عينتك؟

احتدمت نورهان لرفضه لها وإهانتها بتلك الصورة لتردف بحده. "فوق يا عمر من إللي إنت فيه. كفاية بقى ربط نفسك بواحدة مريضة زي بسمة دي. شوف مين اللي يقدر يسعدك و... قاطعها عمر بعنف وهو يقلل من قيمتها مدافعاً عن زوجته. "بس بس... أوعي تجيبي سيرتها على لسانك القذر ده. تكوني إيه إنتى عشان تتكلمي عنها؟ دي فوق دماغك."

أثارت حنقه بشدة ليتجه نحو باب المكتب ليخرج منه ويعود بوقت لاحق تكون تلك البغيضة قد رحلت. لكنه قبل أن يرحل نظر إليها بنظرة جانبية باحتقار بالغ قائلاً. "وإسمها نسمه... مش... بسمه." خرج من المكتب كافت متجهاً إلى مكتب المحاسبة الذي يعمل به وائل، مبتعداً عن تلك البغيضة. بينما ضربت نورهان قدمها بتذمر لتشبث عمر بتلك قليلة الشأن ويتركها هي، هي التي يسعى الجميع لنيل رضاها والتقرب منها.

لم تجد بُد سوى الانتقام منه حتى يعود إليها طالباً السماح والغفران. اتجهت لدرج مكتبه تحاول فتحه، لكنها وجدته مغلقاً بالمفتاح، لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيها الغليظتان وهي تخرج دبوساً من شعرها لتفتح به الدرج بسهولة كما لو أنها اعتادت فعل ذلك من قبل. أخذت تقلب بمحتويات الدرج حتى وجدت غايتها، لتمسك بالملف وقد لاحت على وجهها إمارات الشماتة، فلا أحد يستطيع مجابهتها مهما كان. *** المستوصف...

بصعوبة أخذت نسمه تفتح عينيها بوهن شديد. شعرت بالفزع لوهلة وهي تبحث عن مؤمن، فهي ليس لديها استعداد لخسارته مرة أخرى. تنهدت براحة لوجوده إلى جوارها برفقة أحلام. أخذت أحلام تربت على كتفها بهدوء مؤازرة إياها. "سلامتك يا حبيبتي." دَلفت الطبيبة إلى الغرفة الصغيرة التي استلقت بها نسمه وهي تتحلى بابتسامة مجاملة. "إيه يا ستي، بتحبي تقلقي الناس عليكي ليه؟ هاه، مش نتغذى وناكل كويس ولا إيه؟

أومأت نسمه بخفة وهي تدير وجهها التعيس بالجانب الآخر. لتقذف الطبيبة الخبر بدون النظر إلى نسمه مطلقاً، بل أخذت تدون بعض المقويات والأدوية بدفترها قائلة. "عموماً يا مدام، الحمل لسه في البداية ولازم تاخدي بالك من الغذا بتاعك أكتر من كدة." التفتت لها نسمه بفزع متفاجئة مما تتفوه به تلك الطبيبة. لكن تفاجؤها لم يكن شيئاً أمام تفاجؤ أحلام التي هوى قلبها بسماعها هذا الخبر. انتفضت نسمه محاولة الجلوس وهي تتساءل بعدم تصديق.

"أنا حامل؟ إزاي ده... وإمتى؟ ضحكت الطبيبة بطريقة مستفزة للغاية وهي تلوح بالورقة تجاه أحلام. "أهو يا ستي، ربنا عاوز كدة. مبروك. هاتوا الدوا ده ضروري وتتغذى كويس." أمسكت أحلام بقائمة الأدوية التي أعطتها لها الطبيبة ومازالت تشعر بالذهول تماماً. ثم رسمت ابتسامة خفيفة تجاه نسمه قائلة. "حروح أجيب الدوا وأرجعلك عشان نركب ونروح على طول. خلي مؤمن هنا."

أومأت لها نسمه بالتفهم وهي تحمل مؤمن ليجلس إلى جوارها فوق الفراش بانتظار عودة أحلام، وهي تشعر بأنها مغيبة تماماً كما لو كانت تحلم، وأنها لا تعيش كل هذا بواقعها. بعد قليل عادت أحلام تحمل حقيبة بلاستيكية بها بعض الأدوية لترافق نسمه بعد ذلك إلى شقتها مرة أخرى. *** بيت ناجح... دعى الجد ناجح حفيدته للجلوس إلى جواره وسط ترقب الجميع لإنهاء إجراءات الميراث التي أرسل لوالدها بطلبه لإعادة الميراث لهم.

جلست دنيا تتفحص أعين الجميع التي تنتظر قرار الجد واجب التنفيذ بخصوص الميراث الذي يخص والدها، وعليها بعد حصولها عليه العودة مرة أخرى إلى القاهرة. توقفت عيناها تجاه ناجح الذي وقف منتظر حديث جده باهتمام بالغ، لتشعر دنيا بغصة علقت بقلبها، فعليها الرحيل بعد انتهاء تلك الإجراءات، حزن عميق سكن قلبها، هي لا تود الرحيل بل تريد البقاء إلى جوارهم هنا، خاصة هو ذو الابتسامة المحببة. هل كُتب الفراق بالنهاية دون حتى البدء؟

سترحل غريبة كما أتت غريبة. صوت الجد الحازم أخرجها من أفكارها وهو يوجه حديثه إليها. "شوفي يا بنت راضي، أنا فعلاً عاوز أرجع الميراث بتاع أبوكي عشان أخلص من ذنب مربوط في رقبتي." كادت كاميليا تقفز فرحاً لانتهاء كل شيء وستعود تلك النحيفة لحياتها لتبقى هي وناجح معاً وتتاح لها فرصتها معه مرة أخرى. أكمل الجد حديثه واضعاً شرطاً واجب النفاذ لتنفيذ تلك الوصية التي يوصى بها. "بس... أنا عندي شرط لده؟

انتبهت دنيا للغاية لما يتفوه به الجد، فلم تكن تظن أن هناك شرطاً لحصولها على ميراث والدها. كذلك ترقب الجميع دون إدراك ما يقصده الجد. تساءلت دنيا باستراب. "شرط؟ شرط إيه؟ رفع الجد بصره تجاه ناجح قائلاً. "شرطي إنك تتجوزي ناجح ابن ممتاز ابني." وقع تلك المفاجأة أطلق أصواتاً عديدة بنفس الوقت، كان أبرزهم رفض قاطع من عمتها إخلاص وابنتها كاميليا وهمهمات من البعض دون فهم مغزى ذلك، هل هو رفض أم قبول؟

لكن الصدمة كانت بنظرة دنيا وناجح، ربما يريدان ذلك حقاً، لكن ليس إجباراً بتلك الصورة. (لكن ما الذي يهم الآن؟ هكذا قالها ناجح بداخله، لترتسم ابتسامة لطيفة فوق ثغره تبعها بغمزته الشقية لدنيا، ثم اصطنع الضيق هاتفاً برفض مزيف. "هو إيه ده؟ وأنا مالي أنا؟ هو الجواز بالعافية يا جدي؟ أنهى ثورته المصطنعة بغمزة أخرى تجاه دنيا، لتوارى هي الأخرى ضحكتها السعيدة بثورة زائفة أيضاً. "لا حرام بقى يا جدو... مينفعش كدة. أنا ليا رأي...

مش كدة؟ صرخ بهما الجد بصرامة لتنفيذ أمره، خاصة بعد تلك العبارات المستنكرة من حوله. "هي كلمة، ومحدش يقدر يراجعني في كلامي. بكرة كتب كتاب ناجح ودنيا والفرح كمان أسبوعين. خلص الكلام." تظاهرت دنيا بالطاعة والاستكانة، وناجح أيضاً كالمغلوب على أمرهما. "اللي تشوفه يا جدي." "خلاص... كل واحد يروح يشوف حاله وأنا حكلم راضي ييجي بكرة هو وأمك نكتبوا الكتاب."

دلف بعدها الجد إلى غرفته وعاد كل منهم لشقته بالأعلى، وسط تذمر شديد من كاميليا التي دلفت لغرفتها بشقة الجد بغضب عارم. لم يبق سوى إسماعيل وكريم الصغير وناجح، الذي اقترب من دنيا قائلاً بمزاح. "يلا أهو أكسب فيكي ثواب." نظرت له دنيا بغيظ قائلة. "ده إنت يا عيني اللي محدش راضي بيك، فقلت أجبر بخاطرك." توقعت استكمال مناوشتهم اللطيفة حين همس بعشق. "الله يجبر بخاطرك. هو أنا كنت أطول."

رفعت له عيناها لترى حقاً نظرات هائمة عشقاً بها، لتنكس رأسها خجلاً بسعادة لا توصف، ثم دلفت مسرعة إلى غرفتها وسط أعين إسماعيل المراقبة لهما. *** شقة نسمه... جلست نسمه بضعف شديد حين أقبلت أحلام نحوها بكوب من العصير قد أعدته خصيصاً لها فور عودتهم إلى الشقة، لتصر عليها احتساءه بشدة. "اشربي حبيبتي عشان تتقوي كدة." "لا يا أحلام، ماليش نفس خالص." "لاااااا...

ما هو مينفعش. إنتى ضعيفة أوي ومحتاجة أي حاجة تقويكي. مش شايفة وشك عامل إزاي." باستسلام لأحلام أمسكت نسمه بالكوب لتحتسي العصير كله وهي تبتلع غصة بحلقها ونار بقلبها لا تستطيع تحملها. "لازم أواجهه... لازم. لو مش عاوزني يقولي، مش يقابلها كدة من ورايا. أنا... بعد كل اللي بينا ده... يخونى يا أحلام." حاولت أحلام تهدئة نفس نسمه قليلاً. "اهدّي كدة. مفيش داعي تخربي بيتك. يمكن بينهم شغل؟

ولا الحكاية متستاهلش الانفعال ده. اهدّي كدة وفكري الأول قبل ما تتسرعي." تهدجت أنفاس نسمه وأرجعت رأسها للخلف، فلم تعد تحتمل حقاً، لقد أصبحت مجهدة للغاية. نظرت أحلام لساعة يدها ثم أردفت بضيق. "معلش يا حبيبتي. أنا لازم أروح. عبده زمانه راجع من الشغل." أغمضت نسمه عينيها وتفهمت أحلام أنها تدرك مقصدها، فانصرفت عائدة إلى شقتها تاركة نسمه بوهنها وأفكارها المحزنة. *** دنيا...

أخذت تدور وتدور بسعادة بالغة. حقيقة لم تكن تتوقع هذا الشرط، ولم تتوقع فرحتها به، ولم تتوقع رؤية نظرة العشق بعينيه. كم كان رقيقاً حالماً كما كانت تتمنى، تلك الكلمة التي تنبع من القلب والتي انتظرتها لسنوات وسنوات.

لأول مرة تشعر بحب حقيقي يعصف بها. لم يكن ما مرت به من قبل يسمى عشقاً مطلقاً، لقد كانت صغيرة لا تدرك ولا تعي ما معنى تلك الكلمة ولا تلك الأحاسيس، فما تشعر به اليوم مختلف تماماً عما كانت تظن أنها عاشت به من قبل.

أمسكت دنيا هاتفها لدعوة صديقاتها لعقد قرانها بالغد. اتصلت بالبداية بـ سحر وأبلغتها بذلك بسعادة تفوق الوصف حقاً، ثم حاولت الاتصال بـ نسمه، لكن هاتفها كان مغلقاً، فقررت الاتصال بـ عمر لتخبره بموعد عقد قرانها بالغد وعليهم الحضور دون تأخير. *** مكتب المحاسبة... جلس عمر يتأفف من تصرفات تلك المقيته التي أجبره وائل على التعامل معها، ليصب غضبه عليه، فهو السبب الرئيسي للتعامل مع مثل تلك الغير سوية.

"مش معقول يا أخي. إنسانة حقيرة ومستفزة. إيه ده؟ ما تروح ترمي بلاها على غيري. أنا راجل متجوز وبحب مراتي." كان يشعر وائل بأنه محق بما يقول، لكنه حاول التملص من كونه السبب، لمعرفتهم بعضهم ببعض، وربما يشعر ببعض الغيرة من تفضيل نورهان لـ عمر عنه، ليمزح بسماجة أثارت حنق عمر أكثر. "حد يطول. وبعدين يعني هي نسمه عارفة حاجة ما تفك كدة وتمشي أمورك؟ "إنت بتستعبط؟

لا ده طبعي ولا نسمه تستاهل مني كدة. وبعدين تطلع مين دي اللي تقارن نفسها بـ نسمه؟ بس بس ده أنت كل يوم بيطلع فيك صفات أوحش من اللي قبلها." دق هاتف عمر برقم دنيا لينظر نحو شاشة هاتفه باستراب قاطعاً حديثه مع وائل ليجيب هذا الاتصال. "ألو... دنيا... إزيك." انتبه وائل لذكر اسم دنيا ليتابع تلك المكالمة باهتمام بالغ مصنعاً البرود كعادته. "إزيك يا عمر. برن على نسمه تليفونها مقفول." "مقفول؟ غريبة ليه؟

"مش عارفه. عموماً أنا بتصل عشان تبلغها إن كتب كتابي بكرة على ابن عمي في بني سويف. لازم تيجوا. ضروري." وإلى الأحداث بقية. انتهى الفصل الثامن عشر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...