تحميل رواية الميراث بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وضعت آخر قطعة من ملابسها المطوية في حقيبة ظهرها الكبيرة، ثم أغلقت سحابها وهي ترفع الحقيبة فوق ظهرها لترتدي حمالتيها على كتفيها استعدادًا للرحيل. فتحت باب غرفتها وخرجت منها، حيث قابلت والدتها التي كانت ما تزال تقف في الصالة مكتفة ذراعيها أمام صدرها بضيق. "أنتي برضه مصممة على اللي في دماغك يا سحر؟" قالت والدتها بنبرة معاتبة. طبقت سحر شفتيها وهي تدنو من والدتها، تحاول توضيح وجهة نظرها لها. "ماما حبيبتي، خلينا نفكر بالعقل كده. أنا دلوقتي بقالي أربع سنين من ساعة ما اتخرجت من الكلية وأنا ليا شخصيتي ال...
رواية الميراث الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
علام جن جنونه، فكيف استطاع هذا التقني تغفيله بتلك الصورة؟ أم أنه ربما كذب خاله عليه؟ لكن لماذا يكذب عليه؟ فإن لم تكن بخير لما كان بهذا الهدوء وعدم الاكتراث.
تحدث علام إلى نفسه بعدم تصديق: "ما هي لو مخطوفة أكيد خالي ما بيبقى مرتاح للدرجة دي... بس إزاي كلمته؟ أنا لازم أتأكد... لازم أتصل بيها."
أمسك بهاتفه يبحث عن اسم "سحر" المسجل بالهاتف ليحاول الاتصال بها، لكن من أول وهلة كان الهاتف مغلقاً. كرر المحاولة مرة أخرى وكانت نفس النتيجة، مغلقاً.
أغلق الهاتف بانفعال قائلاً بحيرة شديدة: "لأ بقى... كده فيه حاجة مش مفهومة... يا إما خالي بيكدب عليا... يا إما هي اللي مش عايزة ترد عليا... لأ لأ... ليه يعني؟ مش هترد عليا ليه؟ يبقى لازم أكيد خالي بيكدب عليا... بس هيكذب عليا ليه؟ أكيد اللي خطفوها هددوه بحاجة... أيوه... لازم كده... أنا لازم أسافر المنيا دي... لازم."
***
دار عنتر
بعد ترحيب فهيمة الحار بسحر والتزام عنتر الصمت التام مراقباً تلك المتطلعة حولها بإعجاب كما لو كانت سائحة تجول بطواف سياحي داخل دارهم.
أمال فمه جانبياً بابتسامة ساخرة، فبالتأكيد هي تنظر للأمر من هذا الجانب، سائحة مغامرة لكنها لن تستطيع البقاء والعيش كما يعيشون، فهي مرفّهة مدللة ولن تقدر على حياتهم القاسية.
بعد أن اكتفت نظراتها من تفحص كل ما يحيط حولها، وصلت عيناها في النهاية لهذا الطويل الذي يقف مستنداً بأحد الجدران على يسارها مكتفاً ذراعيه وتعلو ثغره تلك الابتسامة الغريبة.
ضاقت عيناها تستكشف معنى تلك الابتسامة الساخرة التي ظهرت جلية بوضوح على ملامحه، لتدرك بفطنتها على الفور ما قرأته بعينيه بمعنى (لن تقدري).
لترفع سحر حاجبها الأيمن بتحدي وتقابله بابتسامة ساخرة هي الأخرى بمعنى (لا تعرفني حقاً).
أجابها عنتر رداً على ما فهمه بنظرتها بنظرة تالية وهو يعتدل وتتسع تلك الابتسامة المستهزئة بتحديها له كما لو يسألها بعدم تصديق (أحقاً ستقدرين؟ لا أظن).
إشرأبت بعنقها وهي تهز رأسها بخيلاء اهتز معها شعرها الأسود، ثم أغمضت عينيها لوهلة وهي تدير رأسها عنه كما لو قالت (هاه... سترين).
وللعيون لغة صامتة أبلغ من صوت الكلمات.
قطع سيل التحدي بنظراتهم صوت الحاجة فهيمة متسائلة باستغراب:
"إلا يا بنتي فين خلجاتك؟ هتقعدي بالهدوم اللي عليكي دي؟"
تذكرت سحر فجأة أنها لم تأت بأي ملابس معها، حتى تناست تماماً أن تطلب من نسمة إرسال لها حقيبتها مع هريدي عند عودته، لتضم شفاهها بحيرة وهي تجيب الحاجة فهيمة:
"أنا نسيت خالص موضوع الهدوم ده."
ابتسمت الحاجة فهيمة وهي تدفع الهواء بكفها بألا تهتم سحر لذلك:
"ولا يهمك... بكرة أخلي بتي تجيب لك جلابيتين مقاسك... بس دلوقتي هجيب لك جلابية من جلابايبي تستريحي بيها."
برفض تام رفعت سحر كفيها تلوح بهم أمام وجهها، فهي لا تريد الإثقال عليهم أكثر من ذلك:
"لألأ... طبعاً... متكلفيش نفسك ولا بنتك يا طنط... أنا عادي أقعد كده... وهبعت أجيب هدومي."
أجابتها الحاجة فهيمة باستنكار لرفض ضيافتها:
"وده يصح أكده؟ ده أنتي ضيفتنا... معقول تقعدي مش مرتاحة كده؟"
"معلش يا طنط... خليني على راحتي."
"أبداً والله ما يحصل... لازم أجيب لك جلابية تريحك."
قبل أن تتفوه سحر بمجادلة جديدة، قطع عنتر تلك المحاولات برد قاطع:
"بس خلاص... هاتي يا أمي الجلابية... وإنتي اسمعي الكلام... عندنا الحاجة فهيمة تطلب الطلب ينفذ."
رفعت عيناها تجاه هذا القوي المصدر أمراً واجب النفاذ، لتجد نفسها منصاعة للأمر. غلبها حقاً بقوته الرادعة بقطع الحديث، فله هيبة تُحترم لم تمر عليها من قبل. لتبتلع ريقها بتوتر وهي تومئ بالإيجاب عما يريده، فهي ستعيش هنا بقوانينهم هم وعليها الطاعة، أو هكذا خُيل إليها.
أردفت بهمس موافقة:
"ماشي... اللي تشوفيه يا حاجة فهيمة."
بلحظات غيرت لقبها لمثل ما تفوه به هذا الطويل، لكنها لم تكن منزعجة من ذلك، بل أحبت فرض قوته وسيطرته على الموقف.
غابت الحاجة فهيمة لبضع دقائق ثم عادت تحمل بيدها جلباب مطوي بعناية، مدته إلى سحر بود وحنو بالغ:
"خدي يا بتي... اطلعي فوق غيري خلجاتك على راحتك... أنا فتحت لك أوضة البنات... هم محدش فيهم هنا... كلياتهم (كلهم) في بيوت أجوازهم."
إنصاعت سحر بابتسامة لطلب الحاجة فهيمة، لتصعد للدور العلوي الوحيد عن طريق سلم جانبي ضيق للغاية ذو درجات عالية نحو الأعلى، لتجد تلك الغرفة بسهولة فقد كانت الوحيدة التي فُتح بابها.
***
البيت الكبير
مر وقت طويل وما زالت نسمة متشبثة بمؤمن كمن يخشى أن يضيع أو يضل السبيل. فترة صمت تحمدت فيها على عودته سالماً واطمأنت بوجوده.
جلس عمر إلى جوارهما وهو يخشى أن تكون ليلة الأمس والليلة التي تسبقها قد تركت أثراً بالغاً بنفس نسمة الهشة، فقد وصلا لتلك المرحلة من الاستقرار النفسي بعد عناء شهور بعد وفاة جدهما.
أحاط كتفها بذراعه بحنو وهو يضمهما إليه، فهو أيضاً كان مرتاعاً حقاً من أن يكون قد فقد مؤمن وخُطف بالفعل، لكنه أبى أن يظهر ذلك لها.
لحظة شعرت نسمة أنها أفاقت من غيوبها، اجتاحت عقلها لتبدأ الصورة تظهر أمامها بوضوح.
دارت رأسها تجاه عمر قائلة بإحساس غريب، إحساس مختلط بين الطلب والأمر والترجي بذات الوقت، لقد كانت خائفة متعبة للغاية:
"عمر... أنا عايزة أمشي من هنا."
رفع هامته قليلاً ليستوضح الأمر منها أكثر:
"تمشي من هنا... إزاي يعني؟ مش فاهم؟"
دارت عيناها بأرجاء البيت أولاً، ثم نظرت إليه باستجداء واضح هذه المرة حتى كادت تبكي من اهتزاز نفسها المشوشة:
"أمشي من البيت ده... لأ... أمشي من المنيا كلها... أنا تعبت... خلينا نمشي يا عمر... عشان خاطري."
مسح عمر على رأسها بخفة وحنو بالغ وهو يؤكد لها إيجاباً أن ما تريده سيُحقق، لكنه تساءل عن السبب:
"لو ده اللي أنتي عايزاه هحقق طبعاً... أنا معنديش في الدنيا دي أهم منك... بس ليه... عايزة تمشي من هنا ليه؟"
إجابته كانت مريحة لقلبها المتعب للغاية، لتسحب نفساً طويلاً أولاً قبل أن تجيبه:
"كل حاجة في البيت ده بتفكرني بجدو... شايفاه في كل مكان... مش قادرة أنساه... وموضوع مؤمن ده خوفني أكتر... أنا مش عايزة بيت كبير... أنا عايزة شقة صغيرة أعيش فيها معاك ومع مؤمن وأنا مطمئنة... أنا حاسة المكان هنا بيخوفني وطابق على نفسي."
شعر عمر بصراعها النفسي المضطرب وإرادتها حقاً بالخروج من هذه الأزمة، ليومئ بتفهم مردفاً بابتسامته المطمئنة التي كانت جسرها المتين لبر الأمان لها:
"من بكرة نروح مصر... أنا مش عايزك تتعبّي أبداً."
"وحتعمل إيه في الشغل هنا؟"
"هخلي مدحت يصفّي الشركة هنا وأبدأ في مصر شركة جديدة وكده كده نصيبي في ورث جدي لسه في البنك."
"خد كمان الفلوس اللي جدي حطهالي لو عاوزها أنا مش عاوزاها."
برفض قاطع أجابها عمر:
"استحالة طبعاً... دي فلوسك هتفضل زي ما هي زي ما جدي كان عاوز."
"مش مهم... زي ما تحب... المهم نمشي من هنا."
"خلاص... أنا هرتب كل حاجة مع مدحت وأخليه يشوف لنا شقة في مصر بكرة ولا بعده بالكتير نكون هناك."
***
دار عنتر
خرجت سحر من الغرفة بعد تبديل ملابسها بجلباب الحاجة فهيمة، وهي تشعر بالحرج الشديد، فقد كانت سحر تفوق الحاجة فهيمة طولاً بشكل واضح للغاية، فلم يناسبها جلبابها إطلاقاً، إلا أنها ما بيدها حيلة سترتديه مرغمة، فليس لديها بديلاً آخر.
نظرت بعينيها السوداوين حولها لتطمئن أن لا أحد يتطلع إليها، وأعدلت الجلباب مرة أخرى تشده نحو الأسفل ربما يستطيل قليلاً.
إضطرت بالنهاية أن تتحرك تجاه السلم الضيق لتدنو إلى الطابق السفلي وهي ترفع رأسها بشموخ حتى لا تكون مادة للسخرية بتلك الهيئة.
لكن ما خشته حدث بالفعل، فقد كان عنتر مترقباً حضورها بشغف تام، بمجرد أن استمع لصوت أقدامها تهبط درجات السلم، رفع رأسه تجاهها ليشاهد هيئتها غير المعتادة له.
كانت تظن أنها ستصبح سخريته الآن بهذا المنظر، لكن بالنسبة إليه كانت فاتنة فوق العادة بذلك الجلباب القصير الذي تغير تماماً عما كان يراه على والدته. بلحظة نبض قلبه بعنف، فهل سرقت قلبه بيومين تلك المتمردة؟
فور أن دنت سحر منه وهي تراه يتطلع نحوها بنظرات غير مفهومة، رفعت إصبعها محذرة مرددة:
"عارف لو اتريقت ولا فتحت بوقك... إنت حر."
بتلك اللحظة فقط أدار عنتر وجهه يخفي ضحكة ساخرة حلت به، ربما هارباً من تلك المشاعر القوية التي اجتاحت قلبه. أراد أيضاً مشاكساتها قليلاً ليهمس مازحاً:
"كأنك سارقها بالضبط."
دفعت شعرها الأسود بكفها إلى الخلف بثقة وهي تردف بغرور:
"وليه متقولش أميرة في بيت الأقزام؟"
رفع عنتر رأسه بجدية محذراً بحده هذه المرة:
"إلا أمي!!!"
لوحت بكفها برفض قاطع وقد تحلت نبرتها بتأسف بالغ وخشية من إغضابه:
"لأ والله... أنا قصدي الجلابية مش الحاجة خالص... آسفة جداً."
تراخت شدة أعصابه لتتجلى ابتسامته الرائعة التي انتبهت لها سحر لأول مرة بإعجاب شديد، حين استطرد بجاذبية خجلت منها على الفور:
"الجلابية آه.... عموماً دي تقعدي بيها في الدار لحد بكرة... ممنوع تطلعي بره الدار بالمنظر ده... أنا ممكن أصور قتيل فيها دي."
لم تعلم لماذا شعرت بتلك اللحظة باهتمامه بها بشكل خاص، كما لو وصلها إحساس منه بالغيرة ربما، شعور لم ترفضه مطلقاً بل أسعد قلبها للحظات، لترمى تلك العاصفة من المشاعر التي أتت بغير محلها لتتهرب بسؤالها عن والدته:
"أمال... ااا... فين الحاجة فهيمة؟"
بذكائه المعهود الذي لم تعرفه بعد عنه، استطاع إدراك تهربها ليعطيها تلك الفرصة بالهرب ليهدأ هو الآخر بعد تلك الأحاسيس المختلفة التي اجتاحت قلبه دفعة واحدة. أشار تجاه إحدى الغرف قائلاً:
"أمي بتحضر الوكل في المطبخ... جهزي حالك... أمي في العزايم معندهاش فصال."
لم تفهم ما يقصد حرفياً، لكنها ابتعدت مسرعة تجاه الغرفة التي أشار إليها لمساعدة والدته وبالتأكيد الهرب منه.
***
بيت عبد الحميد
شعرت أحلام ببعض الراحة لمعرفتها بأن مها ستقضي اليوم بأكمله لدى عائلتها ولن تعود حتى المساء.
جهزت طعام الغذاء وحملت طبقاً من الفاكهة التي قد أحضرها عبد الحميد بوقت سابق حتى تعطى منها والدة زوجها عندما تذهب إليها بعد قليل.
اتصلت أولاً بـ عبد الحميد لتعرف موعد عودته:
"ألو... أيوة يا عبده... إنت هتيجي إمتى؟"
"يمكن أتأخر شوية يا أحلام... محتاجة حاجة؟"
"لأ أبداً... قلت أشوف إنت جاي إمتى عشان أنزل تحت عند مامتك."
"لأ براحتك... انزلي اتسلي معاهم شوية ولما أجي نتغدى سوا."
"خلاص ماشي... هنزل أنا دلوقتي... وهستناك تحت."
"ماشي سلام بقى عشان مشغول أوي."
"مع السلامة."
حملت طبق الفاكهة وأغلقت باب شقتها متجهة لشقة حماها بالأسفل.
كعادة والدة زوجها، تترك باب الشقة مفتوحاً بذلك النهار الحار بفصل الصيف، لأن شقتهم تكتسب حرارة عالية بهذا الوقت من العام.
لم تعد تدرى هل أصبحت خطواتها متمهلة للغاية أم أنها تتسلل حقاً لمعرفة ما يحدث من وراء ظهرها، عادة لم تستطع تغييرها بنفسها، أم أن النفس القديمة لا تتغير.
دَلفت أحلام بخطوات غير محسوسة بالمرة، لم يُسمع لقدمها صوت لتتحرك بخفة بداخل الشقة.
وبالطبع الشباك ألقت صيدها، فاستمعت بوضوح لصوت أم عبد الحميد تتحدث مع ابنتها شروق التي يبدو أنها أتت بزيارة منذ الصباح دون أن تدري.
جلست شروق إلى جوار والدتها تلومها بشدة، فشروق مختلفة تماماً عن والدتها، بل هي أقرب لوالدها بصفاته الهادئة الطيبة تماماً مثل زوجها عبد الحميد.
لم ترضَ أبداً شروق عن تصرفات والدتها وهجومها دوماً على أحلام زوجة أخيها لمجرد عدم إنجابها حتى الآن وإصرار والدتها على إقناع عبد الحميد بالزواج من أخرى، لكنه رفض ذلك رفضاً تاماً.
مطت شروق شفتها بضيق وهي تلوم والدتها بهدوء:
"ليه كده يا ماما... ما تسيبيها في حالها."
"وهو أنا جيت ناحيتها؟ ما أنا ساكتة أهو."
"يا ماما... أحلام غلبانة... وعبده عمره ما هيزعلها... سيبيهم براحتهم... هما أحرار."
امتعضت سعاد وجهها وهي تلوح بوجه ابنتها بغضب:
"بس يا خايبة... طالعة لأبوكي... دي غلبانة دي... دي ميه من تحت تبن... المهم... حسك عينك تجيبي لها سيرة إن مها حامل... دي عينها وحشة وممكن تحسدها... ما هي اللي زي دي لما الحاجة تبقى مش في إيدها بتبقى غياظة... وتحسدها ولا ممكن تأذيها عشان حامل ولا حاجة."
"ده كلام برضه يا ماما؟ ما مها زي أحلام متفرقيش بينهم كده... وهي يعني دي أول مرة مها تحمل...؟"
"لأ يا أختي مش أول مرة... بس أول مرة بعد ما اتأكدنا إنها خلاص مش هتجيب عيال... فهمتي."
زفرت شروق بضيق لتلتزم الصمت، في حين استكملت سعاد تحذيرها:
"أوعي تقولي لها حاجة... هي لو عرفت يبقى أنتي اللي قولتي لها... لحد ما حمل مها يثبت نبقى نشوف هنعمل إيه."
لم تجبها شروق، فهي مرغمة على الصمت حتى لو لم تكن موافقة على تصرف والدتها، فهي لن تتحمل لومها وتسلطها الذي يخشاه الجميع.
تهدلت ملامح أحلام بتعاسة من ظن والدة زوجها بها وأنها حقودة لتلك الدرجة. هي تتمنى أن ترزق بأطفال بالفعل، فهذا حلمها الذي تتمنى تحقيقه، لكن أن يخفوا حقيقة حمل مها عنها بتلك الصورة لم تكن لتتوقعها نهائياً.
صعدت تجاه شقتها مرة أخرى دون أن يشعر بها أحد لتقضي بقية اليوم بانتظار عبد الحميد بإحباط تام وتعاسة لا توصف.
***
دار عنتر
وسط تجمع عائلي دافئ، تناولت سحر طعام الغذاء مع عائلة عنتر، حين تجمعت على الطاولة الخشبية المستديرة المسماة (الطبلية) فهيمة وولدها وإحدى أختيه صباح وأولادها الصغار.
رفعت سحر رقبتها وهي تحاول أن تستمد بعض الهواء المنعش لرئتيها بعد أن أصابتها تخمة من تناول هذا الكم من الطعام الدسم ذو الأصناف المتنوعة الشهية.
تراجعت خطوة للخلف وهي تردف بصوت متخم:
"بجد مش قادرة... خلاص مش قادرة آخد نفسي."
لم تمهلها فهيمة فرصة للتراجع وهي تقذف بقطعة من اللحم طيب المذاق بفمها ككرم زائد منها لاستكمال طعامها:
"والله ما يحصل... خدي دي مني أنا... ده أنتي مكلتيش واصل... شكل الوكل مش عاجبك؟"
باندهاش بالغ هتفت سحر وهي تمزح بخفة ظل:
"يا خبر... ده تحفة... بس أنا بني آدمة وربنا مش فيل... هاكل إزاي بس... مش قادرة خلاص."
عقبت صباح بمزاح وألفة سريعة مع سحر:
"طالما جيتي عند أمي... تبقي خلاص بقيتي من الأفيال اللي بتقولي عليهم دول... مش شايفانا قد إيه."
كانت صباح تتمتع بطول فارع كأخيها عنتر، وسمينة إلى حد بسيط مما أعطاها مظهراً قوياً كامرأة صعيدية كما تتخيله سحر تماماً، بخلاف والدتهم النحيلة الضئيلة الحجم.
ضحكت سحر وهي تشعر بألفة حقيقية بوجودها مع تلك العائلة التي لا تعرفها ولا يعرفونها جيداً، ومع ذلك رحبوا بوجودها الغريب بحفاوة غير طبيعية وكرم على غير المتوقع.
تفكرت سحر للحظات وهي تنظر بنظرة خاطفة مرة أخيرة على أصناف الطعام التي حضرتها فهيمة بعناية.
لتتمعن قليلاً بحديث عنتر السابق حين أكد لها أنها لن تستطيع تحمل معيشتهم، فكيف يستنكر ذلك وتلك هي معيشتهم؟ فمعنى ذلك أن ما قاموا به اليوم هو غير المألوف في العادة، وأن معيشتهم أبسط من ذلك بكثير، ونظراً لوجودها تكلفوا الكثير والكثير لأجلها.
تحلت ملامحها بجدية وهي تطلب من فهيمة برجاء متواضع:
"الصراحة يا حاجة فهيمة تسلم إيدك ده أحلى أكل أكلته في حياتي... بس ممكن لو سمحتي أنا عايزة أقعد معاكم زي ما أنتم... متكلفوش نفسكم في أي حاجة زيادة... عايزة أعيش نفس حياتكم بكل تفاصيلها بعد إذنك."
انتفض عنتر بضيق أولاً، قاطعاً والدته قبل أن تهم بالرد على سحر:
"كيف ده؟!!!! إنتي في دارنا... ميصحش... أنتي ضيفة وعلى راسنا ولازم تاخدي واجِبك وزيادة."
تطلعت به سحر بحيرة، أليس هو من تحداها بالأساس؟ ألا يعلم أنها يجب أن تخوض التجربة كما اتفقا؟ ثم أردفت متعجبة:
"إنت بتتكلم جد؟ ما هو..."
قطعت حديثها حتى لا تفسر سبب وجودها والتحدي الذي اتفقا عليه، حين نظر لها عنتر نظرة تعني (أحقاً؟) ثم اعتدل هاتفاً بقوة ومهابة لاقت له:
"كلامي ميتردش... طول ما إنتي هنا إنتي ضيفتنا كلنا ومفيهاش كلام الحكاية دي."
وللمرة الثانية وجدت نفسها توافقه دون جدال أو مراجعة، وهي تشعر بالسعادة وليس فرض رأيه بالقوة. شعرت بأنهم يرحبون بها بشدة وأن رفضها لكرمهم إهانة لهم.
أومأت برأسها بهدوء لتستكمل حديثها الذي استطاعت تغييره بسهولة بسؤال الحاجة فهيمة:
"بس المحشي ده تحفة... عايزة أعرف سره بقى... أصل معاكم واحدة لا تفقه شيئاً في المطبخ أبداً."
شعرت الحاجة فهيمة بالإطراء، فأخذت تصف لها بالتفصيل كيف صنعته، وهي تنظر نحوها شاردة تماماً، تومئ برأسها تفهماً مع ابتسامة عريضة، بينما هي غير منتبهة إطلاقاً، خاصة وهي تشعر بتلك العينين الثاقبتين تراقبانها من بعيد، لتتصنع أنها لم تنتبه لتطلعه إليها.
ابتسامتها العذبة وسمارها الجذاب جعل منها أيقونة رائعة ملفته للغاية. شرد عنتر بتفاصيلها وهي غير منتبهة إليه بالمرة تحدث والدته عن الطعام ومذاقه الشهي. هام رغماً عنه بها حتى ارتسمت ابتسامة دون أن يدري فوق ثغره عندما تبتسم هي، ليتمنى لتلك اللحظة ألا تنتهي أبداً، وإلا عليه الانتباه لنفسه وما يفعله.
***
أبو المعاطي
جلس فوق أحد أسطح البيوت القديمة يسحب أنفاساً من أرجيلته ليعدل مزاجه كما يعتقد، حين تقدم نحوه أحد أمثاله من سيئي النفوس:
"كيفك يا أبو عمو."
تطلع به أبو المعاطي ليردف بلا اهتمام:
"أهلاً."
"جايب لك مصلحة إنما إيه... متخرجش براك."
زفر أبو المعاطي الدخان من فمه بتملل قبل أن يردف باقتضاب:
"وكيف يا ناصح هعمل أي مصلحة وأنا هربان كده؟"
تعجب صديقه جمعة من اختفائه ذاك:
"والله أنا مش خابر إنت ليه متداري... ما صاحبك داير في البلد أهه ولا على باله."
ضيق أبو المعاطي عينيه بدون فهم ليعقب بتساؤل:
"صاحبي مين؟ عنتر؟"
"وهو فيه غيره."
غمغم أبو المعاطي متحدثاً لنفسه دون أن يستطيع جمعة تفسير ما يقول: "الله... هو مش عمر بلغ عنه... ولا يكون خد الفلوس... ولا إيه الحكاية...؟"
أفاقه جمعة بصوته الغليظ:
"جرى إيه يا جدع... ما تخليك معايا أمال... معايا في المصلحة دي ولا إيه؟"
أراد أبو المعاطي التأكد أولاً ليردف بلا اهتمام:
"ماشي... ماشي... ورايا بس حاجة كده الأول وبعدين نشوف."
"خلاص يا أبو عمو... حجيك بكرة عشية نتفق."
"طيب... طيب."
رحل عنه جمعة ليعيد أبو المعاطي تفكيره مرة أخرى بـ عنتر، تخوفاً من ألا يعطيه حقه بالمال إذا كان قد أخذه من عمر.
رواية الميراث الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
دنيا ...
بعد ساعات ممله قضتها "دنيا" بإنتظار توقف القطار بمحطتها المنشودة. فلم تكن تظن أن الطريق بهذا الطول وأن الرحله ستستغرق كل هذا الوقت.
شعرت بإختناق شديد من هذا الجو الحار الرطب مع طول رحلتها، جعل وجهها يشع حرارة ويتصبب عرقاً.
أخذت تتحسس وجهها الملتهب فبشرتها حساسه للغايه وقد توهجت وإلتهبت بفعل حرارة الطريق الطويل بهذا القطار.
خرجت من القطار حامله حقيبتها الورديه الثقيله، خارجه من المحطه وهى تحمل ورقه صغيرة دون عليها عنوان بيت عائلتهم الذى ستذهب إليه.
أوقفت إحدى سيارات الأجرة بالبدايه لتطلب من السائق بعد وضع حقيبتها بحقيبه السيارة أن يتجه بها صوب هذا العنوان ليتخذ طريقه إلى هناك مباشرة.
***
دار عنتر ...
أصرت "فهيمه" أن تجلس "سحر" خارج المطبخ بإنتظار صنعها لكوبين من الشاى الساخن، بينما ساعدتها إبنتها "صباح" بغسل الأوانى بعد إنتهائهم من تناول الطعام.
جلست "سحر" فوق الأريكة الخشبيه تنتظر بصمت ومازالت تتطلع بكل التفاصيل حولها، بينما وقف "عنتر" قباله الباب ينظر تجاه الطريق بلا هدف.
تذكرت "سحر" هاتفها الذى قد أخذه منها لتهتف بتذكر.
"يااااا ... أبو عمو .... "
ضيق "عنتر" نظرته متعجباً من هذا اللقب الغريب الذى أطلقته عليه للتو، ذلك اللقب الذى لا يطلقه عليه سوى "أبو المعاطي".
إستدار وهو يقضب حاجبيه بإستراب مستنكراً هذا اللقب.
" أبو عمو .... !!!!!!! ...... إيه "أبو عمو" ده .... ؟؟?"
إنتبهت "سحر" للحظه متفكره ثم أردفت بسذاجه للغايه.
" مش ... ده إسمك ؟!! ... أنا سمعتهم بيقولوا لك كدة ...!!!"
إقترب "عنتر" بإندهاش ساخر من سذاجتها.
" وهو فيه حد فى الدنيا ... إسمه ... " أبو عمو" ....؟؟؟"
قلبت "سحر" شفتيها للأسفل وهى تغمض عيناها بلا مبالاة.
" وأنا إيش عرفنى ... ما أنتوا أساميكوا غريبه ... ومش يمكن يعنى عندك ولد وإسمه "عمو" ..."
شعرت بغبائها لوهله متداركه نفسها بتصنعها أنها على حق وهى تلعن نفسها من داخلها على غبائها الغريب الذى حل بتفكيرها المنطقى دوماً.
إتسعت إبتسامته تدريجياً حتى إنقلبت لضحكه مقهقهه عاليه رنانه أشعرتها بالحرج الشديد من تفكيرها الغبى، خاصه عندما قال.
" "عمو" ....!!!! فيه حد يسمى إبنه "عمو" ...!؟؟؟"
لم تجد بُد من الإفصاح عن ضحكتها التى لاحت على غبائها الجديد عليها لتشاركه الضحكه الذى أخذ يتعالى بدون توقف كما لو أصابتها عدوى ما.
بعد أن حجمت ضحكتها قليلاً بدت تتسائل بغرابه عن إسم مضيفها ببيته بالفعل، فهى حتى الآن لا تدرك ما إسمه حقاً.
" أمال إنت مين بجد ... ؟؟؟ إسمك إيه يعنى ؟!!"
وقف "عنتر" وقد إستقام بهامته طولاً وهو يجيب بفخر شديد ففخامه الإسم تحكى واقع.
" "عنتر" إسمى ... "عنتر" ..."
تلك الإندهاشه التى إرتسمت على ملامحها كانت جديرة بالفعل لإلتقاط صورتها كمثال لعدم التصديق.
فكل قسماتها كانت تصرخ بالإندهاش من الإسم فلم تكن تتخيله على الإطلاق.
لكنه بالفعل يليق به.
بضحكه قصيرة للغايه هتفت تعيد الإسم لتعتاد على تلفظه بهدوء.
" "عنتر" إسمك ... "عنتر" ..."
أكمل "عنتر" مزاحه ساخراً.
" أمال كنتى فاكرة إن إسمى إيه يعنى ...؟؟ "توتو" ...!!!!"
" لا تمام ... تمام ... مفيش مشكله ... طب يا "عنتر" بيه ... أنا عايزة الموبايل بتاعى ..."
تذكر عنتر هاتفها الذى وضعه بغرفته ليشير بإصبعه متذكراً.
" أيوة ... أيوة .... عندى فوق ... ثوانى حچيبهولك ..."
أسرع "عنتر" تجاه غرفته للإتيان بهاتفها، بينما أقبلت "صباح" برفقه والدتها يحملان صينيه وضع عليها أكواب الشاى لتبدأ أحاديثهم البسيطه معها.
***
أحلام ....
قضت "أحلام" ساعات بمفردها بشقتها تتحسر على حالها ووحدتها لتخرج مرة أخرى صور صديقاتها بتحسر تتمنى أن تعيد علاقتها معهم وتعتذر منهم عما بدر منها.
عاد "عبد الحميد" متأخراً بإرهاق شديد من عمله متفاجئاً بوجود "أحلام" بشقتهم بعدما أخبرته أنها ستنتظره بشقه والديه.
أشفق على حال زوجته الذى تغير تماماً بعد تيقنها أن حملها أصبح مستحيلاً، فهى أصبحت هشه حساسه للغايه، وحزينه طوال الوقت.
" مساء الخير يا "أحلام" .... "
" مساء الخير يا "عبده" .... "
أجابته بنبره تعيسه ثم نهضت بآليه متجهه صوب المطبخ وهى تستأنف حديثها.
" عقبال ما تغير هدومك .. ححضر لك العشا ..."
أوقفها "عبد الحميد" متسائلاً بحنو.
" مالك يا "أحلام" ... فيه حاجه مزعلاكى ...؟!"
ضمت شفاهها بقوة وانكسرت ملامحها ببكاء مكتوم كما لو كانت تنتظر تلك اللحظه للإنفجار.
" أنا تعبت ... تعبت يا "عبده" ومش عارفه ليه ... ليه بس ... أنا عارفه إنى مكنتش أحسن واحده فى الدنيا ... بس ... بس ... ليه دايماً حزينه ونفسى مكسورة ... فين أصحابى ... فين حبايبى ... حتى ماما من ساعه ما سافرت السعوديه لـ"حاتم" أخويا وهى نسيتنى ... كان نفسى فى حته عيل يونسنى وياخد بيدى لما أكبر ... كل ده واستحملت وسكت ... لكن ... لكن ..."
إزداد نشيجها ونحيبها وهى تتذكر حديث والدته عنها لتستأنف حديثها الموجع.
" حتى مامتك و"مها" يخبوا عليا إن "مها" حامل عشان خايفين أحسدها ... للدرجه دى أنا وحشه .... يخبوا عليا وإحنا عايشين مع بعض فى بيت واحد ... وشنا فى وش بعض ... هو أنا وحشه أوى كده يا "عبده" ....؟!!!"
تألم كثيراً لبكاء زوجته و إنهزامها بتلك الصورة ليربت بحنو على ظهرها قائلاً بهدوء صوته المريح للنفس.
" لا يا "أحلام" ... ومين فين مش بيغلط ... ده ربنا غفور رحيم ... وكل شئ عند ربنا لحكمه عنده ... ولو أراد يبقى عندنا دسته عيال مفيش حاجه حتمنعه ... لكن محدش بياخد أكتر من نصيبه ... ربنا رايد لينا الخير ... إستغفرى ربنا ... وإتوضى كدة وصلى ركعتين تهدي نفسك ... وبإذن الله ربنا حيلهمك الصبر والفرج ... مش كدة ولا إيه ...؟!"
ربما هو الشئ الوحيد المشرق بحياتها لتنظر إليه وهى تحمد الله بسرها على وجوده معها، أومأت بإيجاب ثم دلفت لتصلى لله لفك كربها وهدوء نفسها.
بينما أخذ يتفكر "عبده" بحل ما يبعدهم عن تلك المشاحنات الدائمه بين زوجته ووالدته التى لا تصيبه إلا بالضيق والحزن.
***
دار عنتر .....
قلب "عنتر" غرفته رأساً على عقب بحثاً عن شريحه الهاتف التى أخرجها مسبقاً منه، لكنه لم يجدها مطلقاً.
حمل الهاتف بيده وهبط إلى الدور السفلى حيث جلست ثلاثتهن تتحدثن وتتسامرن وأطفال "صباح" يركضون حولهم.
بدا "عنتر" متضايق بشده بصورة لفتت نظر "سحر" فتلك النظرة ذاتها التى رأتها بعيناه بأول ليله قابلته بها، متضايق بشده ويحمل هماً كبيراً.
إنتبه إليه الجميع حين تسائل بإنفعال.
" يامه ... مش شفتيش شريحه التليفون إللى كانت فوق ...؟"
ببساطه شديدة وعدم إدراك عما يتحدث حقاً أجابت "فهيمه".
" شر ... إيه يا وليدى ... إيه إللى راح منيك ...؟"
" الشريحه يامه ... شريحه ...!!!"
" شكلها كيف ...؟"
أشار بعقله أصابعه واصفاً إياها لوالدته.
" صغيرة إكدة ... زى حته البلاستيك ..."
" لا يا وليدى ... مش شفت ..."
مسح "عنتر" بضيق فوق جبهته وهو يضرب بكفه بقوة فوق ساقه محاولاً إيجاد حل.
عقبت "صباح" تحاول تذكير والدتها.
" طب مش يمكن يامه تكونى وانتى بتنضفى أوضه "عنتر" تكونى رميتيها ولا حاچه ....؟؟"
بقله حيله أجابتها والدتها.
" يمكن يا بتى ... أنا نضفتها إمبارح ... بس مانيش عارفه شكل إللى بيقول عليها دى واصل ..."
زفر "عنتر" بضيق وهو يكاد يدور غضباً حول نفسه، فكيف يضيع أمانه عنده، كيف سيستطيع إعادتها لها.
إبتسمت "سحر" وهى تلاحظ هاتفها قابضاً عليه بكفه بقوة ثم أردفت بهدوء تام.
" عادى يعنى مش مشكله الشريحه ... المهم التليفون ... الشريحه أجيب غيرها عادى أنا مسجله كل حاجه على الموبايل نفسه ... متضايقش نفسك كدة ..."
هو يريد تقبل الأمر لكنه ثقيل للغايه على نفسه، فهو لا يضيع أمانه أبداً. قبض ملامح وجهه بضيق ليلتزم الصمت للحظات ثم إقترب منهم قليلاً ومد إليها بالهاتف قائلاً بحزم.
" التلفون أهو ... عشر دقايق حچيب لك واحده چديده وأرچع ..."
حاولت "سحر" إيقاف "عنتر" وإخباره أن الأمر لا يستحق كل هذا الضيق لكنه كان كالقطار المنطلق ولم تلحق حتى أن تنطق بكلمه.
" إستنـ......."
أعادتها "صباح" للجلوس مرة أخرى وألا تهتم لـ"عنتر" وهى تعقب مازحه.
" مخه صعيدى بقى ... سيبيه يعمل إللى يريحه ..."
جلست "سحر" مرة أخرى ومازال ذهنها معلق بهذا "الحجرى" الذى خرج للتو.
***
دنيا ....
توقفت السيارة التى قد إستأجرتها لتنظر "دنيا" حولها فتجد على يمينها طريق يفصل بينها وبين النيل بمظهر بهى تلاقت به إنعكاس ضوء القمر على مياهه الساكنه.
ثم إلتفتت إلى يسارها لتجد بنايه من أربع طوابق مصممه بشكل غريب نوعاً، فهناك مدخل رئيسى لتلك البنايه ذات بوابه حديديه مطعمه ببعض أشكال النحاس الأصفر وأيضاً هناك سُلمان آخران سُلم بكل جانب من البنايه يصل للدور الأول كما لو أن أحدهم أراد سُلم منفصل للوصول لشقته.
تعجبت "دنيا" كثيراً فيبدو أن الوضع لا يبشر بالخير لتهمهم بداخلها.
" شكلهم مش طايقين بعض أساساً ... بيت عيله .. بيت عيله يعنى ... ربنا يستر ..."
سحبت حقيبتها الورديه ذات العجلات لتتقدم نحو المدخل الرئيسي لتلك البنايه، تطلعت بعجاله لهذا المدخل البسيط وهى تصعد الدرجات متخوفه فهى غريبه عن كل ساكنيه وعن البلده كلها أيضاً.
مع صعودها تلك الدرجات العريضه بدأت تستمع للعديد من الأصوات المتداخلة، لم يكن مشادة ما أو ما شابه لكن يبدو أنهم عدد كبير من البشر يقطنون بالأعلى.
وقفت لبرهه تفكر كيف تقتحم مجلسهم بتلك الصورة فيبدو أن الباب مفتوحاً حتى تستطيع سماع أصواتهم بهذا الوضوح.
لكن الصدفه حلت لها تلك المشكله على الفور بقدوم أحد الأطفال يركض فوق درجات السلم.
أرتسمت إبتسامه مصطنعه على وجه "دنيا" وهى تطالع هذا الطفل السمين ذو الوجه الممتلئ قبل أن تسأله بلطف.
" اااا ... إزيك ... مش ده برضه بيت عيله "الأسيوطى" ...؟؟"
بفظاظه غريبه لا تليق بطفل صغير أجابها.
" أيوة ... أنتى مين وعايزة إيه ...؟؟"
لم تكترث لفظاظته فهو فى النهايه طفل ولن تعلق على طريقته.
" أنا "دنيا" ... أنا إللى جايه من مصر عشان ..أاا ..."
قاطعها الطفل مرة أخرى بفظاظه وهو يلوح بكفه لتصمت وقد عقص وجهه بإمتعاض.
" أيوة أيوة ... ماما قالت إن فيه واحده جايه ..."
ثم صرخ بصوت مزعج صائحاً منبهاً بقيه عائلته بالأعلى.
" ماماااااااا .... يا خااااالى ... البت المعصعصه بتاعه مصر جت ...."
إستقامت "دنيا" بإندهاش بالغ من هذا الطفل الفظ سليط اللسان، وكيف أيضاً يصفها بتلك الكلمه الغريبه ( معصعصه) هى ليست نحيفه لتلك الدرجه.
تلاشت إبتسامتها وهى تمط شفتيها جانبياً بضيق وهى تغمغم بسخط.
" شكلها زيارة فل ..."
تركها هذا الطفل مسرعاً إلى خارج البيت وهى تتبعه بعيناها المندهشتان حين إستمعت جمله ترحاب موجهه إليها آتيه من الأعلى.
دارت بوجهها بإتجاه هذا الصوت الأنثوي المكتوم بإنتباه.
" أهلاً وسهلاً ... إطلعى واقفه عندك ليه ...؟"
نظرت "دنيا" تجاه تلك المرأه الممتلئه أيضاً والتى تشبه هذا الطفل إلى حد كبير لتحاول رسم نفس الإبتسامه المصطنعه على وجهها تقبلاً لترحيبها.
ثم أومأت برأسها إيجاباً وهى تحمل حقيبتها محاوله الصعود بها درجات السلم العريض.
تفاجأت بتلك السيدة تهتف بصوت عالى ظنت "دنيا" أنه يخرج من أنفها فمخارج حروفها مكتومه للغايه.
" يا "إسماعيل" ... تعال شيل منها الشنطه ..."
ربما كانت تحتاج "دنيا" لذلك حقاً لكنها كانت محرجه للغايه ولا تدرى بعد من هذا "إسماعيل" فربما زوجها أو ولدها الآخر لتهتف برفض.
" لا لا ... مفيش داعى ... هى ...ااا ..."
لم يمهلها هذا الشخص الممتلئ أيضاً من التحدث كثيراً ليعلق سريعاً وهو يحمل الشنطه بخفه للغايه.
" هاتى هاتى ... حمد الله على السلامه ..."
تركت "دنيا" الحقيبه وهى تبتسم بلطف مجامله لهذا الشاب وهى تحرك رأسها بإيماءه خفيفه ثم تبعتهم نحو الأعلى بإحساس مختلط ما بين التخوف والفضول للتعرف بتلك العائله.
***
عنتر ....
إتجه مسرعاً نحو ذلك المتجر الصغير الذى يبيع ما يلزم الهواتف بقريتهم ليبتاع شريحه جديده بدلاً من تلك التى فُقدت منه.
لم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً وكان "عنتر" بطريق عودته إلى الدار مرة أخرى لكنه صوتاً ما أوقفه حين نادى بإسمه فى الظلام.
هو يدرك ذلك الصوت جيداً ولن ينساه، بل كانت تلك فرصه لا تعوض لتلقين صاحب الصوت درساً لن ينساه ويستحقه على ما خدعه به.
توقف "عنتر" وقد تحلت ملامحه بجمود غاضب منتظراً ظهور هذا الخائن للصداقه وهو يضيق عيناه بإتجاه الحقل إلى جواره فلابد أنه مختبئ به.
لم يخيب ظنه حين لاح خياله الملثم يدنو منه وهو يعيد هتافه بإسمه مرة أخرى.
" "عنتر" ... كيفك يا أبو عمو ...؟"
لحظه الإنتقام قد حلت ولابد أن ينال عقابه على ما فعل حين همس "عنتر" بغيظ.
" "أبو المعاطى" .... چيت لقضاك ..."
حين أصبح أبو "المعاطى" بالقرب الكافى من "عنتر" كانت قبضته ردها أسرع من فمه ليضربه بلكمه قويه ترنح لها "أبو المعاطى" للخلف بضعه خطوات قبل أن يسقط أرضاً.
تملس "أبو المعاطى" فكه الذى لكمه به "عنتر" بكفه وهو يحركه ليتأكد بأنه لم يكسرة بفعل قبضته القويه لينهض بإنفعال صارخاً.
" إنت إتچننت .... بقى بعد كل إللى عملتهولك تضربنى .... مكنش العشم يا أبو عمو ..."
صاح به "عنتر" غاضباً من بين أسنانه وهو يعيد ضربه مرة أخرى.
" عملتهولى ... !!!!! ده إنت حسابك تقيل ..."
أدرك "أبو المعاطى" أن "عنتر" لن يعطيه حقه من نقود "عمر" ولهذا يعنفه حتى يبتعد وينسى خوفاً من مطالبته بحقه ليجد أن لا سبيل آخر سوى مقاتلته عوضاً عن ماله.
" بقى إكدة ... طيييب ...."
حاول "أبو المعاطى" ضرب "عنتر" عده مرات لكن محاولاته كانت كلها فاشله فـ"عنتر" أقوى منه ومرواغ بارع فلم يستطع المساس به مطلقاً فى حين آلمه ضربه للغايه ليركض "أبو المعاطى" هارباً مبتعداً عن طريقه وهو يتوعد له بأنه لن يترك حقه.
" ماشى يا أبو عمو ... مسيرنا نتقابل ... وآخد حقى منك ..."
قالها وإختفى مرة أخرى داخل الحقل ليعدل "عنتر" من وضعيه جلبابه عائداً إلى الدار غير عابئ بهذا الوضيع الجبان.
سعدت "سحر" بتلك الشريحه على الرغم من رفضها بالبدايه شعوره بالضيق من أمر بسيط لتتصل مباشرة بـ"نسمه" تطلب منها تجهيز حقيبه ملابسها لحين إرسال أحدهم للإتيان بها.
***
دنيا ...
حجبت تلك السيدة التى لا تعرف من هى بعد وهذا الشخص المدعو "إسماعيل" الرؤيه أمامها وهى تسير خلفهما تصل لنصف طولهما وعرضهما معاً.
دلفت إلى داخل الشقه وهى مازالت لا ترى ما بالداخل مطلقاً حتى تنحى "إسماعيل" جانباً واضعاً الحقيبه إلى جوار الحائط لتظهر لها مجموعه من الأشخاص مختلفى الأعمار لكنهم جميعاً يتسمون ببنيه جسمانيه واحده متقاربه، فكلهم بلا إستثناء ممتلئى القوام بدرجات متفاوتة لتدرك مقصد الطفل الذى قابلته بالأسفل حين نعتها بـ" المعصعصه" فهى نحيفه للغايه بالنسبه لهم جميعاً.
حاولت من باب اللباقه ألا تظهر إندهاشها من تلك العائله وترسم إبتسامه لطيفه على محياها ترحيباً بهم.
وقفت تلك السيدة التى قابلتها بالبداية وقد تحلى وجهها الممتلئ بإبتسامه ودوده قبل توجيه حديثها إليها بتعريفها على العائله.
" نورتى بيت جدك يا حبيبتى ... إنتى ... "دنيا" صح ...؟؟! كان "راضى" بيقول لجدك .. "دنيا" إللى حتيجى ..."
" أيوة ... أنا "دنيا" ..."
إستطردت السيدة قائله.
" وأنا بنت عم أبوكى ... يعنى أعتبر عمتك ... عمتك "إخلاص" ..."
أومأت "دنيا" بترحيب.
" تشرفنا يا عمتو ..."
" دول بقى ... عندك ده أخويا "مصطفى" كبير العيله بعد أبويا إللى هو عم أبوكى جدك يعنى ... وده إبنه "إسماعيل" ... ودى بنته "شيرين" ..."
ثم أكملت تشير بإتجاه عائله أخرى.
" دول بقى يا ستى ولادى ... "كاميليا" و "كامل" و"كمال" والصغنن اللى قابلتيه تحت "كريم" ..."
إتسعت عيناها دهشه و إعجاب بسجع أسمائهم وهى تومئ لهم بالترحيب.
ثم عادت عمتها "إخلاص" بإستكمال تعريفها ببقيه العائله.
" ودى بقى "سوسن" مرات أخويا "ممتاز" وبنتها "بدريه" ... وبس كدة ..."
مع تعريفها لهم جميعاً بذات الوقت تشتت "دنيا" للغايه فكيف ستستطيع حفظ كل تلك الأسماء والتفريق بينهم لتشعر بالتوتر للحظات وبقيت هادئه نوعاً فكم شعرت بالغربه وسط كل تلك العائله الكبيرة.
وقفت كالطائر المبلل وسط الأمطار لا يدرى أن يذهب أو ماذا يفعل خاصه والجميع يتطلع بها بتلك الصورة، تريد لو تنشق الأرض وتبلعها من شده الحرج فهى لا تحسن التصرف أبداً.
تشتت ذهنها حتى أنها نسيت تماماً أن تسأل أين جدها هذا أو ما يسمى بعم والدها الذى أرسل بطلبها لإعادة ميراث والدها له فكل هؤلاء أبنائه وأحفاده لكن أين هو.
قطع تطلعهم المستفز بها صوت لإمرأه مسنه آتى من إحدى الجوانب لا تدرى "دنيا" بعد إلى أين يؤدى.
بصوت حاد مهتز يبدو عليه كبر السن هتفت موبخه "إخلاص".
" هو إيه إللى وبس كدة ... ليه ... عدمتينى يا "إخلاص" ...!!!!"
بصدمه وضعت "إخلاص" يدها فوق فمها لتبرر كلمتها قائله.
" متأخذينيش يا ماما ... والله سُها عليا ... إكمنك مش قاعده معانا بس ..."
ثم إستدارت تجاه "دنيا" تعرفها بها بتمجيد زائد عن الحد مراضاة لها.
" ودى بقى يا ستى ... ست الكل ... أمى حبيبتى وتاج راسى ... إللى عمرى ما أنساها أبدااااا ... "بدريه" ..."
شعرت "دنيا" بأن هذا الإسم قد مر عليها من قبل فدارت بعينيها تبحث عن أخرى بهذا الاسم بينهم لكنها لم تتذكر.
دورانها برأسها باحثه بينهم بعدم إدراك وربما ببلاهه أطلق ضحكاتهم الساخرة فى حين عقبت "سوسن" زوجه عمها.
" متتلخبطيش يا بنتى ... إحنا سمينا بنتنا "بدريه" على إسم ماما الحاجه ..."
تنفست "دنيا" براحه وتفهم وقد إتسعت إبتسامتها نوعاً فربما ستستطيع حفظ أسمائهم يوم ما.
أشارت لهم الحاجه "بدريه" بالإفساح لها بالجلوس.
" قوم يا واد يا "كامل" خلينى أقعد ... ووسعوا لبنت "راضى" تقعد ... أنتوا حتسيبوها واقفه كدة ...!!!!"
نهض الطفلين "كمال" و"كامل" لتجلس الجده وتشير لـ"دنيا" بالجلوس إلى جوارها.
بهدوء جلست "دنيا" إلى جوار الجده"بدريه" تستمع إلى أحاديثهم التى لا تفقه منها شئ أبداً عن أُناس لا تعرفهم.
تجمعهم الكبير بتلك الأجواء الحارة وطول مسافه سفرها أشعرها بالحرارة بصورة كبيرة وتوهج وجهها بحمره شديده لتبدأ تلوح بكفها باحثه عن نسمه هواء تلطف من توهجها قليلاً.
سألتها الجده.
" إنتى حرانه ولا إيه ... شكلك مش واخده على الجو بتاعنا ..."
بتلقائيتها المعهوده أجابتها "دنيا".
" الجو رهيب .. مش قادرة والله حاسه وشى مطلع نار ... مفيش خيار أعمل ترطيب لوشى شويه أحسن ممكن يلتهب ..."
أجابتها الجده بجديه وهى تطلب من إبنتها "إخلاص".
" لا مفيش خيار ... قومى يا "إخلاص" هاتيلها فلفل أخضر من إللى جبناه الصبح ...."
لم تنفك "دنيا" عن الإندهاش بكل حرف تنطقه لتشير لعمتها برفض طفولى.
" فلفل ... لالالالا ... مش عايزة يا طنط .. شكراً مش عايزة ... أنا حتصرف ..."
ثم إنتبهت أخيراً أنها لم تسأل عن الجد لتسأل بإستراب فهى لم تره حتى الآن.
" أمال فين جدو ... هو مش هنا ولا إيه ...؟?"
أجابها عمها "مصطفى".
" الحاج راح العمرة وجاى كمان عشر أيام ... أهى فرصه كويسه تقعدى مع عيال عمامك ... ولا إيه ...؟?"
كان تساؤله أشبه بالأمر لتومئ "دنيا" رأسها بالإيجاب تخوفاً منه.
وضعت "كاميليا" إبنة عمتها "إخلاص" ساقاً فوق الأخرى بعجرفه وهى تتسائل.
" أمال بنت عمى حتبات فين ... فوق ..؟"
أجابت الجده دون الرجوع لأحد.
" لأ ... حتبات فى الأوضه القبليه ... البيت واسع ... فوق للعيال الصغيرة مع أمك ..."
زمت "كاميليا" فمها بإستياء قائله.
" وأنا كمان عايزة أبات معاكم هنا ... ما أنا مش صغيرة عشان أبات فوق مع أمى ... يبقى أبات هنا معاكم ....!!!"
ضحكت "إخلاص" لتخفى طريقه إبنتها الجافه بالتعامل قائله.
" صغيرة إيه بس ... دة أنتى عروسه ما شاء الله تبارك الله عليكى خمسه وعشرين سنه تبقى صغيرة إزاى .. باتى حبيبتى فى بيت جدك ... وماله .."
لم يناقشها أحد فغرف البيت واسعه ولن يكترث أحد من يبيت بأى غرفه.
نظر العم "ممتاز" بساعه يده قائلاً.
" مش يلا ننام ولا إيه ... الحاجه مش بتحب تسهر ..."
كانت كلمته كناقوس إشارة لنهوض الجميع إلى شققهم بالأعلى، بينما بقيت الجده و"كاميليا" و"إسماعيل" وبالطبع "دنيا".
أشارت الجده إلى الغرفه التى ستبيت بها "دنيا" لتحمل حقيبتها إليها لترتاح من عناء تلك السفرة المرهقه ليتجه الجميع لغرفهم للنوم.
رواية الميراث الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
بالبهو الكبير أخذت نسمه تدور وتدور حول نفسها باحثه عن ولدها مؤمن الذى إختفى فجأه من أمام أعينها.
كاد قلبها يتوقف للمرة الثانية إثر إختفاءه.
لم تجد حلاً مجدياً سوى أن تصرخ منادية عمر للبحث معها عن ولدهم الضائع.
لتصرخ بصوت عال للغايه تستنجد به ليغيثها.
"عمر" .... "عمررررررر"
لكن الغريب أنها تستمع لصدى صوتها الرنان وجميع من حولها إختفوا أيضاً.
جميع العاملين بالبيت حتى هو.
عمر أيضاً إختفى ولم يعد له وجود بهذا المكان المخيف الذى أصبحت تهاب وجودها به.
ركضت بكل قوتها تبحث عنهما عمر و مؤمن.
ظلت تركض بلا هدف تبحث عنهما أو أى شئ يدلها على مكانهما.
لكن لا فائدة.
خارت قواها لتهوى على ركبتيها مناديه بصراخ بإسم زوجها وولدها اللذان إختفيا من حولها فهى لا تستطيع تحمل غيابهما.
يا "عمرررررر" ... يا "مؤمن"
ظلت تردد إسميهما بصراخ باكى عدة مرات حتى شعرت بيد حانيه تضرب كتفها عدة مرات.
فتحت نسمه عينيها لتجد عمر إلى جوارها ينظر إليها قلقاً محاولاً تهدئه إنفعالها.
دارت بعينيها من حولها لتدرك أن ذلك لم يكن سوى حلماً مفزعاً أو كما يسمى ( كابوس) وأنها ممددة فوق فراشها وإلى جانب زوجها المفزوع من تأثرها البالغ.
هدئ عمر من روعها قليلاً بنبرة حانيه.
إهدى حبيبى ... دة حلم مش أكتر ... إستعيذى بالله من الشيطان الرجيم
تهدجت أنفاسها لتدرك أنها كانت تحلم وأن كل شئ على ما يرام.
لكنها إنتفضت متسائله.
"عمر" ... "مؤمن" فين يا "عمر"
متخافيش ... فى أوضته ... أنا لسه مطمن عليه دلوقتى ... متقلقيش
أغمضت عيناها براحه نوعاً ثم عادت تنظر تجاه عمر قائله.
"عمر" ... أنا مش عايزة أقعد هنا ... أنا خايفه هنا أوى
بإذن الله "مدحت" يلاقى شقه كويسه وننقل هناك على طول
هتفت نسمه بقله صبر.
لا ... نروح فندق أو أى حاجه ... مش عايزة أقعد هنا
لو كانت طلبت عيناه لما تأخر عنها فهى الغاليه التى لا يرفض طلباً لها.
حتى لو أن ذلك سيؤرقه كثيراً إلا أن راحتها هى ما يسعى إليه.
أجابها بتفهم.
حاضر حبيبى ... بكرة نجهز شنطنا ونسافر و"مدحت" يخلص براحته
علت ثغرها بسمه راحه و إمتنان لما يفعله فى سبيل راحتها فقط.
لتستسلم نسمه لنوم عميق مرة أخرى بينما إستكمل عمر سهرته متفكراً فى عمله الذى سيتغير كاملاً بعد سفرهما للقاهرة.
***
دنيا
بعد أن دلفت تلك الغرفه التى أشارت إليها الجده بدريه جالت بنظرها حولها تستطلع تلك الغرفه الذكورية بالكامل.
فكل ما بها يوحى بأن صاحبها كان ذكر بالتأكيد.
فألوان الحوائط الممزوجه بين اللونين السماوي والرمادي وتلك الصور المعلقه لبعض لاعبين الكرة و غيرهم من الرياضيين.
إقتربت نحو آله رياضيه ما بتعجب.
فعلى الرغم من أن الغرفه توحى بأن صاحبها كان يستخدم تلك الأدوات الرياضيه بل ومحب للرياضه بوجه عام إلا أن العائله بأكملها صفاتها الجسمانيه لا توحى بذلك بل العكس تماماً.
لم تكترث لتلك الأشياء كثيراً.
تقدمت نحو الشرفه لتلقى نظرة خاطفة على شاطئ النيل القريب بمظهر مريح للنفس للغايه.
تلمست وجهها الملتهب متذكره أن عليها ترطيبه بأى صورة فهى لن تتحمل أكثر من ذلك.
فتحت حقيبتها الورديه باحثه عن أى مرطب أو ملطف لبشرتها من كل تلك العبوات التى وضعتها بها دون تمعن لتخرج منها عبوة لماسك ملطف لم تستخدمه من قبل لتجدها فرصه ملائمه لاستخدامه وتجربته.
أخرجت منامه قطنيه أيضاً من ملابسها المطويه بداخل الحقيبه لتبدل ملابسها أولاً قبل وضع الماسك لتشعر بالراحه بعد هذا اليوم الشاق.
نظرت أولاً على العبوة الخارجيه لهذا الماسك لتجد أن من تعليمات الإستخدام هو وضع هذا المستحضر على وجهها ما يقارب من العشرون دقيقه قبل غسل وجهها جيداً.
بدأت تضع تلك الماده بغزارة فوق بشرتها الملتهبه لتزيد من إحساسها بالتلطيف والراحه حتى إنتهت تماماً من إمتلاء وجهها بالكامل بتلك الماده ذات اللون الأخضر وما عليها الآن سوى الإنتظار لتلك العشرون دقيقه لتستغل تلك الفترة القصيرة بالإستلقاء فى الظلام للشعور بالمزيد من الإستجمام.
***
أبو المعاطى
كان يتحرك بغيظ شديد كالضبع المجروح فهو لن يترك عنتر ينجو بفعلته فقد ضربه بشدة وهو من كان يساعده بالوصول للمال.
نعم المال الذى رفض إعطاءه نصيبه منه.
هو فاكر إنه ورثه عن چد ولا إيه ....!!!! لاااا ... دة أنى أغفلقها عليه وعلى إللى خلفوه ... والله ما أنا سايبك يا عنتر الـ*** بس تيچى تحت ضرسى وأنى مش حعتقك
دق بابه بعدة طرقات ليفتح باب غرفته فوق السطح الذى كان يتوارى به بعد هروبه.
"چمعه" .... إدخل
دلف جمعه متعجباً من تلك الكدمات بوجه أبو المعاطى ليتسائل بفضول.
إيه إللى حُصل يا أبو عمو ... مين إللى حط عليك إكدة ....؟؟!
ضايقه السؤال أكثر ليمتعض وجهه بقوة وهو يردف بغضب.
مالكش صالح أنت ... إيه ... چاى ليه الساعه دى ....؟!!
إنت نسيت ولا إيه ... المُصلحه إللى قلت لك عليها .... معايا ولا إيه ....؟!!
تفكر أبو المعاطى قليلاً.
ولما لا فهو مفلس للغايه ويحتاج للمال بالفعل فليقوم بتلك الـ(مُصلحه) حتى يستطيع إيجاد فرصه مناسبه للانتقام من عنتر.
ماشى ... وإيه بقى المُصلحه دى ...؟؟!
إلتفت جمعه برأسه يميناً ويساراً بحكم العادة قبل أن يهمس بأذن أبو المعاطى.
مقبرة ... فيه مقبرة مليانه مساخيط ( آثار) ... تيچى معانا ننقب ( نحفر) فيها ونطلِعهُم
برقت عينا أبو المعاطى طمعاً بتلك ( المُصلحه ) الذى ستقذف به إلى الثراء السريع حتماً ليبتسم بدهاء وسعاده مردفاً.
نِطَلِع أبوهم
***
بعد مرور وقت طويل سقطت به دنيا غافيه دون أن تعى فقد أصابها الإرهاق من سفرها الطويل منذ الصباح.
حتى أنها غفت ومازالت تضع الماسك ذو اللون الأخضر على وجهها.
تحرك مقبض غرفتها ليُفتح بهدوء ليصدر الباب صريراً أثناء فتحه لتفتح دنيا عيناها بتثاقل شديد إثره.
نظرت بأعين نصف مفتوحه تجاه الباب لتجد خيالاً أسود يقترب تجاهها.
للحظه توهمت بأن هذا من وحى خيالها فقط.
لكن هذا الخيال إقترب كثيراً منها حتى ألقى بجسده إلى جوارها فوق السرير الكبير لتدرك أنها لم تتوهم ذلك وأن هناك شبح أسود يجلس إلى جوارها.
إنتفضت فزعه صارخه وقد هبت فوق ركبتيها ليظهر وجهها الأخضر بإنعكاس ضوء القمر المتسلل من زجاج الشرفه ليقابلها هذا الشبح بصرخه قويه أخرى منتفضاً بفزع من هيئتها لتستمع لصوت الشبح مردداً بتخوف.
سلام قولا من رب رحيم ... أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ... أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق
تلجمت الكلمات بحلقها وهى تتابع بفزع هذا الشبح الذى يستعيذ برؤيتها.
أليس من المفترض أن تستعيذ هى من رؤيته.
شعرت بإرتعاش أطرافها وإبتلعت الكلمات بحلقها لا تدرك ما عليها التفوه به لتغمغم بصوت خفيض للغايه.
" هو أنا لو صرخت ... الشبح حيلبسنى زى ما ماما بتقول "
لكن صوتها لم يكن خفيضاً بتلك الصورة ليستمع الشبح إليها ليزفر بقوة أولاً ثم يهتف بحنق.
اووووف .... منك لله يا شيخه قطعتى خلفى ... لما أنا شبح أمال أنتى إيه عفريته ... أستغفر الله العظيم ... وقفتى قلبى منك لله ... أنا طالع أتخمد بره ... معرفش إن فيه حد بايت هنا
نظرت نحوه دنيا ببلاهه وقد بدأت تتضح ملامحه بشكل مبهم حين تحرك تجاه ضوء القمر المتسلل لتسأله بتعجب.
إيه ده ... يعنى إنت مش شبح وجن وكدة ...!!!
أمال فمه جانبياً بتذمر وهو يرفع إحدى الوسائد من فوق السرير مجيباً دنيا وهو يتجه إلى خارج الغرفه.
بصى يا ماما للمرايه الأول وشوفى مين فينا الجن والعفريت ... ناقصه هبل على المسا .... إيه الليله الخضراء دى
خرج المتذمر من الغرفه مغلقاً الباب من خلفه لتبقى دنيا مندهشه لبعض الوقت قبل أن تضئ مصباح الغرفه متجهه للتسريحه لترى عما يتحدث هذا "الشبح" لتنتفض مفزوعه من هيئتها.
شعرها ثائر بجميع الإتجاهات ووجهها تلون كاملاً بالماسك الأخضر الذى تيبس فوقه فقد نسيته تماماً لتسرع لإزالته وهى تشعر بالحرج الشديد مما حدث.
***
فى صباح اليوم التالي
بيت عبد الحميد
بعد تفكر أثقل عليه كثيراً فتلك الخطوة ستسبب له الكثير من المتاعب لكنه بنفس الوقت سيشعر بالراحه والإستقرار مع زوجته.
تناول عبد الحميد طعامه بهدوء وصمت تام وهو مازال يعيد حساباته مرة أخرى قبل أن يخبر والديه بقراره.
لم تشتهى أحلام الطعام قط بل أخذت تعبث بسكين صغير كانت تقطع به الخبز منذ قليل وهى تطالع عبد الحميد من فترة لأخرى ترى تجهمه وإنشغال فكره.
تلك الفكرة المستحوذة على تفكيرها بأنه تعيس بوجوده معها يتمنى لو تتاح له الفرصه بالبعد عنها والزواج مرة أخرى لينجب أطفالاً.
دوماً ما شعرت بالذنب وتأنيب الضمير لتخاذلها بذلك لكن ما باليد حيله.
أراد عبد الحميد مفاتحتها بما يجول بخاطره لكنه تريث حتى يتحدث مع والديه أولاً.
بينما إنتهزت أحلام فرصه صمته لتطلب منه هذا الطلب الذى فكرت به ملياً.
"عبده" ... كنت عايزة أقولك حاجه
بإنتباه شديد تطلع نحوها مرحباً.
أه طبعاً ... قولى
كنت عايزة أحاول أقابل أصحابى يمكن يسامحونى ونرجع زى زمان بدل الوحده إللى أنا فيها دى
ربما أصابت أحلام تلك المرة.
فوجود أصدقائها حولها ربما سيجعلها تتخطى كل تلك الحواجز النفسية.
لكنه تسائل بقلق.
تفتكرى بعد إللى حكيتيهولى ده .. ممكن يرضوا .... ؟!!
يا ريت يا "عبده" .... أدينى حجرب ... حروح لـ"دنيا" هى أسهل واحده فيهم وممكن تقربنا كلنا من بعض ... لكن "سحر" جامدة ... و"نسمه" مش عارفه حتسامحنى ولا لأ ...!!!
عموماً طالما أخدتى طريق الصلح ... بإذن الله ربنا يجمعكم تانى
يا رب ... أنا النهارده حروح بيت "دنيا" وأشوف هى فين ... يعنى مش عارفه إتجوزت مثلاً ولا لأ .. وكدة
تمام ... ااا ... أقولك حاجه ... روحى لها وأستنينى لما أخلص شغل أحود عليكى ... أنا أصلاً حاخد نص يوم النهارده
طيب ... زى ما تشوف
وجدها عبد الحميد فرصه ملائمه للعودة وبدأ حديثه مع والديه بغير وجود أحلام.
***
منذ صلاة الفجر جلست نسمه تحضر حقائب السفر واضعه ملابسهم بها وأهم إحتياجاتهم كما إتفقت مع عمر بالأمس فاليوم سيعودون إلى القاهرة للبقاء بأحد الفنادق حتى تجهيز شقه ملائمه لهم.
إستيقظ عمر ليجد نسمه تنتظره بحماس طفل صغير مبتهجه للغايه.
وهذا ما أسعده بالفعل وأشعره أنه يسير بالطريق الصحيح.
صباح الخير يا "نسمه"
صباح الفل على عيونك ... يلا نفطر عشان نلحق نوصل مصر بدرى بدرى
ده إيه الحماس ده ... ماشى يا روحى ... نفطر ونسافر
أنا جهزت كل حاجه والباقى "سعيده" حتخلصه ... وشنطه "سحر" جاهزة ممكن نسيبها مع "عبد القادر" ولما ييجى إللى حتبعته يبقى ياخدها
بإعجاب شديد أثنى عمر على تركيزها اليوم.
تخطيط وترتيب وجمال كمان ... دة أنا حظى من السما يا ربى ... طب منسيتيش حاجه ...؟!!
ضيقت نسمه بين حاجبيها ثم هتفت بضحكه أسعدت قلبه قبل أن تسعد هى بذاتها.
"مؤمن" ... نسيت أجهز "مؤمن"
ضحك عمر بسعاده حقيقيه فلو يدرى أن عودتهم للقاهرة ستسعدها بهذا القدر لما توانى للحظه بفعل ذلك.
إتخذت نسمه خطوات متعجله لغرفه مؤمن لتجهيزة أيضاً بينما راقبها عمر بأعين مبتهجه لتغير أحوالها أخيراً.
***
دنيا
ضوء الشمس الساطعة الذى إخترق زجاج الشرفه أقلق نومتها لتفتح عيناها بتثاقل ثم تعيد إغماضهما مرة أخرى.
ثم إنتبهت أنها ليست بغرفتها لتفتح عيناها على وسعهما متذكرة أين هى الآن.
إعتدلت فوق فراشها وهى تتذكر آخر موقف حدث معها بالأمس.
إبتسمت ساخرة من نفسها ومن مظهرها ليله الأمس ثم تسائلت مندهشه.
" يا ترى مين إللى دخل الأوضه إمبارح ده ... ولا أنا كان بيتهيألى ولا إيه ..."
نهضت من فراشها مبدله ملابسها بأخرى تتناسب مع وجود عائله بأكملها تنتظرها بالخارج.
مشطت شعرها بعنايه قبل أن تخرج إلى المرحاض الخارجى فهى لا تعلم من ستقابله بالخارج ولا تريد تكرار ما حدث بالأمس ويفزع من مظهرها قاطنى البيت.
بعد بضعه خطوات إستمعت لصوت طفل ما.
توقعت دنيا أنه نفس الطفل الذى قابلها بالأسفل بالأمس حاولت جاهده تذكر إسمه لكن ذلك كان صعب للغايه على ذاكرتها السمكيه.
إستمعت لصوته وهو يحاول إيقاظ أحدهم.
إصحى بقى ... ده أنت نومك تقيل بشكل
مع إقترابها من الصاله الخارجيه وجدت أحدهم يستلقى فوق الأريكة الكبيرة الموضوعه بمنتصف الصاله وقد غطى رأسه بوسادة.
إتسعت عيناها بإدراك أن هذا الشخص لابد أنه من إقتحم غرفتها بالأمس فهو يرتدى قميص أسود وبنطال بنفس اللون هو بنفسه "الشبح".
تذمر "الشبح" من طريقه هذا المستفز الصغير ليصيح به بحده.
يا أخى غور من وشى على الصبح هى ناقصاك إنت كمان ... مش كفايه معرفتش أنام ولا أرتاح
أنت إيه إللى نيمك هنا ... منمتش فى أوضتك ليه ...؟!!!!
لن ينتهى من حديث هذا المستفز الذى لن يكف عن الثرثرة فأمسك بالوساده يضربه بها ليتركه بحاله ربما يستطيع النوم ولو لساعه واحده فقد وصل إلى البيت قرابه الفجر.
إمشى يالا يا سمج يا سخيف ... قوم من هنا روح عند أمك فوق
أخذ يدب الطفل بتذمر طفولى حتى شعرت دنيا للحظات أنه طفل بالفعل رغم حديثه الذى لا يناسب عمره.
طب والله لأقول لأمى ... أنا داخل عند "كاميليا"
تركه الطفل الذى مازالت لا تتذكر دنيا إسمه بعد ليغلب عليه عدم قدرته على النوم فيعتدل جالساً وهو يغمغم بسخط.
" منك لله ياض ... طيرت النوم من عينى ... "
تأملت دنيا ملامح هذا الشاب حسن المظهر الرياضي إلى حد كبير.
مختلف تماماً عن بقيه العائله لتتسائل بداخلها ما إذا كان من العائله أم لا.
رفع بصره تجاه دنيا التى شردت تتأمله ليدرك أن تلك هى الضيفه التى أخبروه بمجيئها إبنه عمه "راضى" ليهتف ساخراً.
الله ... ما أنتى حلوة أهو ... أمال ليه بتتحولى بالليل وبتبقى خضراء ... تكونيش قريبه الرجل الأخضر
إنتبهت دنيا لسخريته منها لتفيق من شرودها بإستحسانها لمظهره وأرادت أن ترد إليه سخريته منها.
أه ... أنا وهو قرايب ...
ونظرت نحوه تقصده بكلماتها لينهض واقفاً وقد زادت ملامحه وسامه بعد إتساع إبتسامته ليظهر وجهه المدبب الشكل المنمق للغايه.
بقى كدة ... ده بدل ما تتأسفى على إللى جرى لى ... ده أنا قلبى كان حيقف يا شيخه
توسطت دنيا خصرها بكفيها بتحدى.
ليه بقى إن شاء الله ... شفت عفريت
اه ... تنكرى ... بقى أدخل أوضتى الساعه ثلاثه الفجر ألاقى واحده خضراء ومنكوشه قاعدة لى فى الضلمه ... تبقى إسمها إيه ...؟!!
تذكرت دنيا هيئتها لتعطيه العذر حقاً فإكتفت بإبتسامه خجله وقد نكست عيناها من شده الحرج.
أكمل "الشبح" بإبتسامه محاولاً إزاحه الحرج بينهم.
عموماً حصل خير ... أنا إبن عمك "ممتاز"
رفعت دنيا بصرها متسائله.
أيوة يعنى إنت إسمك إيه ....؟؟!
إضطرب للحظه ثم أجابها بمزاح.
"شادى"
لأ بجد
"فادى"
قبل أن تعيد دنيا سؤالها بجديه كان صوت الطفل الذى عاد مرة أخرى ينادى هذا "الشبح" قائلاً.
يا "ناجح" .... "ناااااااجح"
تضايق ناجح للغايه وهو يدفع بالطفل من وجهه بكفه إلى الخلف قليلاً بمزاح ممزوج ببعض الغضب.
إيييييه ... بتحفظ إسمى ولا إيه ...!!!!!
إنتبهت دنيا لإسمه لتردد بصوت مسموع وهى تحاول إمساك ضحكتها من الإنفلات.
إسمك " ناجح ممتاز ناجح" .... ألف ألف ألف مبروك
أكمل ناجح موجهاً حديثه لإبن عمته.
إتبسطت يا خفيف .. أدينا بدأناها تريقه
ضحكت دنيا وهى تعتذر بشده عن عدم قدرتها على التحمل لأكثر من ذلك.
أسفه بجد ... القافيه حكمت
إلتفت ناجح تجاهها ليبتسم إبتسامه جانبيه خفيفه وقد تحلت بعيناه نظره غير مفهومه ليردف.
المهم ضحكتى ... ولا يهمك يا ستى ... أظن تعارُفنا مع بعض عمرك ما حتنسيه بعد كدة
أبداً .. أبداً
لاحت بسمه هادئه على ثغرها بعدما تماسكت قليلاً ليطالعها ناجح بنظرات معجبه للغايه كما لو كانا يعرفان بعضهما البعض من قبل.
قطع تلك اللحظه الغير مفهومه بأول لقاء لهما صوت كاميليا التى أتت من إحدى الغرف بالجانب الأيمن من الشقه الكبيرة ترحب بناجح بحراره شديدة ليقابله ناجح بفتور تام.
"ناجح" ... إنت جيت إمتى ... حمد الله على السلامه
الله يسلمك
ااا ... وحشتنا جدااااا ... أنا فضلت مستنياك كتير أوى ... و ...
معلش يا "كاميليا" أنا مضطر أدخل أنام أصلى منمتش طول الليل
ثم نظر تجاه دنيا بنظرة خاطفه قائلاً.
منه لله إللى كان السبب
بتلهف شديد تسائلت كاميليا.
ليه ... إيه إللى حصل .. منمتش ليه ...؟!!!
إتجه ناجح لغرفه جده وهو يردف بإبتسامه عريضه.
من الخضه ... منمتش من الخضه
حركت كاميليا كتفيها بعدم فهم لترتسم إبتسامه خفيفه على ثغر دنيا وتبقى شارده للحظات بهذا الشبح الغريب.
لم يمر الكثير حتى تجمعت بقيه العائله معاً مرة أخرى وحاولت دنيا تذكر بعض الأسماء والتقرب منهم رويداً رويداً.
إستمعت لمحادثاتهم بإنصات للتعرف عليهم جيداً وعلمت أن ناجح يعمل بمشروع خاص به بالقاهرة أقامه مع شريك له عبارة عن صاله للألعاب الرياضيه فهو خريج كلية التربيه الرياضيه.
ولهذا السبب فهو الوحيد الذي يتسم بالطابع الرياضى دون عن بقيه العائله.
رواية الميراث الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
دار عنتر ...
وضعت "صباح" أخت "عنتر" جلبابين مطويين إلى جوار سحر ثم أردفت بإبتسامه صافيه.
_ أمي قالت لي إنك مش معاكي خلجات. جبت لك جلابيتين جداد واصل.
بإمتنان شديد ألقت "سحر" نظرة سريعة على تلك الملابس المطوية، فعلى كل الأحوال هي بالطبع أفضل من هذا الجلباب القصير الذي ترتديه.
ثم عقبت بخجل شديد لم تدري بعد من أين اكتسبته، فهي تكتشف بنفسها صفات جديدة لم تدركها بنفسها من قبل إلا بهذا البيت.
_ ما كانش ليه لزوم خالص. أنا حجيب هدومي النهارده. تعبتكم معايا أوي.
وصلت الحاجة "فهيمة" بتلك اللحظة وقد استمعت لتعقيب "سحر" الأخير.
_ وده يصُح برضك. ده أنتي ضيفتنا. وربنا العالم دخلتي قلوبنا مرة واحدة إكدة.
أكدت "صباح" مقولة والدتها قائلة.
_ والله صدقتي يا مه. فيكي حاجة ما شاء الله تدخل القلب طوالي.
لم تجاملهم "سحر" بل لفظت بما تشعر به حقيقة وهي تعقب على حديثهم.
_ أنا والله اللي مبسوطة جداً ومرتاحة جداً وأنا معاكم هنا.
صمتت "سحر" لوهلة تراجع نفسها كثيراً قبل سؤالها عن "عنتر"، فهي لم تره منذ الصباح ثم تراجعت خجلاً من ذلك متعجبة للغاية من نفسها وتفكيرها غير المنطقي وغير المعتاد مطلقاً بالنسبة إليها.
شعرت بسعادة تدق قلبها على حين غرة وهي تستمع لطلب الحاجة "فهيمة".
_ تعالي معايا يا "صباح" نخلص وكل العشا. وأنتي يا بنيتي لو مفيهاش أذية تاخدي الشاي لـ"عنتر" السطح.
تهللت تقاسيمها بسعادة وهي تلبي طلبها بحماس مردفة.
_ تمام. مفيش مشكلة. هو فوق على السطح.
_ أيوة يا بنيتي. جنب بناني الحمام.
تغيرت ملامحها لأخرى مذهولة متحلية ببعض البلاهة بدون فهم لتتساءل بتعجب.
_ فين. واقف فين.
ابتسمت "صباح" وهي تعيد شرح ما قالته والدتها للتو.
_ بناني الحماااام. جمع بنيه. يعني بيوت الحمام اللي فوق السطح.
أدركت "سحر" ما تقصده الحاجة "فهيمة" بعد إيضاح صباح لذلك لتردف بتفهم.
_ ااااه. برج الحمام. اه عرفته تمام. أصلي أول مرة أعرف كلمة بناني الحمام دي.
_ لا دي كلمة عادية قوي. إنتي بس اللي مش واخده عليها.
_ ممكن صح.
ثم أسرعت بتلهف تحمل الصينية التي وضع عليها كوب الشاي الساخن لتردف وهي تتخذ خطوات متعجلة تجاه السلم الضيق.
_ أطلع له الشاي بقى أحسن يبرد.
غابت عن نظرهن على الفور ليدلفا إلى داخل المطبخ لاستكمال أعمالهم.
البيت الكبير ...
وضع "عمر" آخر حقيبة لهم بمؤخرة سيارته قبل أن يجلس بمقعده وهو يلقي بنظرة على "مؤمن" الغارق بالنوم بالأريكة الخلفية ثم اتجه ببصره تجاه زمردته الغالية "نسمه".
قبض كفها بين راحته يمدها من قوته لتتسع ابتسامتها ببداية جديدة ربما تحمل لهم الخير.
ثم همس "عمر" بنبرة محبة حنونة.
_ جاهزة حبيبي.
_ أها. جاهزة. بإذن الله جاهزة.
أومأ لها بابتسامة لينطلقا بطريق عودتهم إلى القاهرة، تلك الرحلة التي يأملان بها أن تكون هي العتبة الجديدة ببناء حياتهم واستقرارها بعد مشقة وحزن مضى بعد فراق جدهما.
تركا حقيبة "سحر" مع حارس البيت قبل انطلاقهم بطريقهم.
شركه نورهان ....
دلف "وائل" يتلفت بتفحص لتلك الشركة باهتمام شديد وهو يقلب عيناه بين أرجائها في انتظار السماح له بمقابلة زميلته "نورهان".
خرج السكرتير الخاص بها من تلك الغرفة الفخمة المؤثثة بعناية فائقة وهو يشير له بالدخول لمقابلتها.
_ اتفضل يا أستاذ "وائل". الأستاذة "نور" مستنية حضرتك.
_ شكراً.
دلف إلى داخل غرفة مكتبها ليجدها جالسة خلف مكتب زجاجي أنيق رائع زاد من بريق عيناه المنبهر.
وقفت "نورهان" بهدوء زادها رقة لتتقدم نحوه تمد ذراعها نحوه لمصافحته بأطراف أصابعها بدلال.
_ هاي "وائل". مبسوطة قوي إنك جيت.
تنفس "وائل" بقوة وهو يصافحها مردفاً بضحكة بلهاء ونظرات معجبة للغاية.
_ وهو أنا أقدر مجيش.
نظرت له بفتور ثم أشارت له على المقعد المقابل للمكتب كأنما تبعث رسالة خفية بمعنى إلزم حدك، فهي في النهاية صاحبة شركة وهو مجرد محاسب بأحد المكاتب.
_ اتفضل أقعد.
ابتلع ريقه وهو يرفع من حاجبيه ويخفضهما بتفهم، فقد توقع أن يجلسان بأريحية فوق تلك الأريكة الجانبية كأصدقاء مقربين ربما.
استطردت "نورهان" حديثها بسؤال.
_ ها. بدأت في اللي قلت لك عليه.
_ الحقيقة لسه. أنا... كنت جاي عشان أكمل المعلومات والبيانات اللي عندي.
_ أوك. اللي انت حتحتاجه حيجيلك بيه بيان طبعاً.
_ تمام. كنت عايز تقارير الضرايب بتاعة الشركة وكمان ا...
قطع حديثه رنين هاتفه ليرفع إصبعه مستأذناً "نورهان" بالرد أولاً.
تابعت "نورهان" تلك المكالمة حتى بدأت تنصت باهتمام بالغ بعد معرفتها بهوية صاحب المكالمة.
_ أيوة يا "عمر". حتوصل إمتى. أه تمام. أه عارفه. خلاص. أجيلك بالليل. توصل بالسلامة يا حبيبي. في رعاية الله. سلم على "مؤمن" و "نسمه" لحد ما أشوفك بقى. سلام.
أنهى المكالمة واضعاً الهاتف بجانبه حين تساءلت "نورهان" بفضول شديد واهتمام فائق بخلاف طريقتها الفاترة قبل المكالمة.
_ ده "عمر سليمان" صح.
_ اه هو.
أكملت "نورهان" بنفس الاهتمام.
_ هو راجع القاهرة ولا إيه. مش انت بتقول عايش في الصعيد.
اعتدل "وائل" بأريحية وهو يجد مجالاً للحديث الودود مع تلك الأنثى الجذابة.
_ آه ده راجع يستقر هنا. يعني... حصل شوية مشاكل عائلية هناك وفكر ييجي يستقر هنا أحسن.
برقت عيناها بوهج وهي تردف بسعادة.
_ مشاكل عائلية. إيه ده هو طلق مراته.
ضيق "وائل" حاجبيه باستراب وهو يردف نافياً بغموض.
_ لالالالا. مش قصدي كده خالص.
مَطّت "نورهان" شفتيها لتعيد هدوء نفسها بانضباط، فعليها حثه على الحديث بدون إثارة شكوكه مطلقاً وعليها استدراجه ليخبرها بكل التفاصيل.
نهضت من مقعدها الوثير لتهتف بتغنج أثار لعاب "وائل" بشدة، فهو لم يستطع مقاومة إغراء فتاة كـ"نورهان".
_ ما تيجي نقعد هنا أريح. تعالي يا "وائل".
نهض "وائل" بدون تفكير يتبع "نورهان" التي جلست واضعة ساقها فوق الأخرى بتغنج ليجلس إلى جوارها بإعجاب بالغ حين استطردت "نورهان" حديثها.
_ عارف. أنا وحشتني جداً أيام الدراسة. عشان كده ببقى عايزة أعرف كل التفاصيل عن الزملاء بصراحة.
_ اه. اه طبعاً.
_ قول لي بقى. ماله "عمر".
_ طب. ااا... نخلص الشغل وبعدين نحكي.
أطلقت "نورهان" ضحكة رقيقة أدركت بها وقوع هذا المغفل بحبالها بسهولة، فيبدو أنه ساذج للغاية.
دفعت بالأوراق فوق الطاولة وهي تردف بعذوبة أطاحت برزانته المتبقية.
_ وهو الشغل حيروح فين. إحنا أصحاب يا "لوئه" مش كده. الشغل كده كده حخلص. خلينا ندردش سوا شوية ونطلع من مود الشغل الكئيب ده.
_ وماله.
أقاما جلسة مطولة يتحدثان ويتسامران ويتضاحكان، كانت "نورهان" فائزة لا محالة بتلك الجلسة بينما لم يكن "وائل" منتبهاً سوى لشيء واحد فقط، كيف يستميل تلك الرائعة إليه فقط.
دار عنتر ....
لقد تفهمت الآن لم يقف بهذا الموضع فقط، استطاعت رؤية تلك المساحات الخضراء الشاسعة من حولهم، كم من منظر بهيج مريح للنفس للغاية.
تلك الطيور الناعمة تطير بالسماء ثم تعود أدراجها لبيوتها مرة أخرى بسكينة وصفاء.
هي خلقت لتلك الحرية والتحليق، ثم تعود لبيتها الذي تشعر به بالدفء والأمان.
تمنت للحظة أن تكون مثل تلك الطيور لتشعر بتلك الراحة.
تقدمت نحو "عنتر" الذي لم ينتبه بالبداية لوجودها ثم سمع وقع تلك الخطوات الخفيفة ليلتف برأسه باتجاهها.
بلحظة تيقن أدرك أن تلك "المتمردة" سرقت قلبه، فلم تكن رؤيته لها كرؤيته لبقية الفتيات مطلقاً، لقد شعر بخفقات قلبه تضرب بقوة لمجرد رؤيتها فقط.
هي "سحر" وبالفعل سحرته منذ وهلة لقائهما الأولى.
ابتسم بخفة لوجودها، فربما كان لخطأ قام به سبباً بما لم يكن يتخيله بأحلامه حتى.
قدمت له "سحر" كوب الشاي باضطراب جعلها تحجم عن الحديث تماماً، فلم تشعر بالتخبط لرؤيته دون حتى حديث بينهم.
أمسك "عنتر" بكوب الشاي وهو ينظر مرة أخرى تجاه أحد الحقول قاطعاً الصمت بينهما قائلاً.
_ شايفه الأرض دي. للأسف هي دي حلمي اللي بيضيع مني.
نظرت "سحر" تجاه الحقل الذي ينظر إليه بعدم فهم لتتساءل بحيرة وقد تحلى سؤالها بنبرة شك.
_ انت زعلان عشان ما أخدتش الفلوس من "عمر".
التفت إليها على الفور برفض قاطع حتى لا تفهمه بصورة خاطئة بعدما شعر بأنها تشك بأمره.
_ لا والله. أنا كنت فاكر إن ليا حق عنده. غير كده. ولا أفكر حتى آخد حاجة مش من حقي. أنتي لسه ما تعرفنيش زين. لو فيها موتي عمري ما أعمل حاجة أجور بيها على حق حد بالباطل.
تأملت "سحر" للحظات طريقة "عنتر" بالحديث ومنطقيته بانتقاء عباراته لتتساءل بفضول.
_ "عنتر" هو انت متعلم مش كده.
ابتسم "عنتر" بسخرية وهو يجيبها مستهزئاً من محدودية التفكير عندها.
_ وهو عشان ما سكنّا في الصعيد يبقى كلنا جهلة متعلمناشِ.
شعرت "سحر" بالإحراج الشديد بأفكارها السطحية بالفعل لتبادر بالاعتذار.
_ لا طبعاً مقصدش. أنا آسفة أنااااا...
قاطعها "عنتر" ليعفيها من حرجها موضحاً.
_ مش قلت لك إنك لسه متعرفنيش زين. أنا خريج كلية زراعة. أخدت الأرض دي إيجار من ثلاث سنين. على أمل أني أشتريها لما يخلصوا. بس خسرت كتير قوي عشان عملت مشروع كان حيكسبني دهب. كلفته كتير ولسه مشتغلش. وصاحب الأرض حيبيعها لغيري. وكل تعبي حيروح في الهوا.
أبدت "سحر" اهتمام بالغ بذكرى هذا المشروع فقد كان حلمها هي أيضاً مشروع قائم على مزروعات من هذا القبيل إلى جانب عملها بالبورصة.
_ إيه طبيعة المشروع ده اللي صرفت عليه كل فلوسك دي.
_ صوبة. عملت صوبة كبيرة. بس حتروح مني. عشان كده لما "أبو المعاطي" الله ياخده قال لي إن جدي سلف جد "عمر" فلوس وإني ليا عنده ورث. قلت أطالب بيه يمكن أشتري الأرض اللي بنصرف منها كلاتنا.
أدركت الآن لم تصرف هذا التصرف غير المسؤول فقد كان يحاول إنقاذ أرضه. لكن ذلك ليس مبرر كافٍ لهذا التسرع.
صمتت قليلاً تتأمل الأرض الخضراء من حولهم ثم اقترحت أمراً أثار ذهوله للغاية.
_ إيه رأيك أشتري الأرض وأشاركك.
لم يكن ذهولاً بل تعدى ذلك حتى باتت ملامحه غاضبة حادة بصورة لا معقولة ليهتف بها بصوت هادر فقد شعر بأنها تهينه وتجرح كرامته.
_ هي حصلت. حتصرفي على كمان. أنا غلطان إني بحدثك.
أنهى عبارته واستدار لينصرف مبتعداً عنها.
"كيف فهمها بتلك الصورة". هكذا حدثت نفسها لتتراجع على الفور وهي تحاول اعتراض طريقه توضح له ما تقصده حقاً.
_ استني بس ميبقاش مخك صعيدي أمال.
رمقها بحدة وهو مازال بنفس انفعاله.
_ أنا صعيدي ومخي صعيدي. ولا انتي مش واخده بالك.
_ اوووه. إفهمني. أنا قصدي. أنا محوشة فلوس بتاعتي من شغلي وكنت عايزة أعمل مشروع زي اللي انت بتقول عليه ده. بس أنا معنديش خبرة في الموضوع ده خااالص. وانت حل مشكلتك شريك. فأنا حشاركك. أنا براس المال. وانت بالخبرة والمجهود. بس كده. مكبر الحكاية أوي ليه كده.
ربما ما اقترحته فكرة جيدة تستحق الدراسة لكنه عاد ورفض مرة أخرى قائلاً.
_ لا برضه. معندناش حريم يشتغلوا كده.
فغرت فاها بذهول وهي تردد نفس كلمته باستياء.
_ حريم.
ثم اعتدلت بوجه ممتعض تستكمل حديثها.
_ لا يا باشمهندس. أنا مش حريم من اللي انت بتقول عليهم دول. أنا مش زي أي حد انت تعرفه.
لقد كانت محقة حقاً، حتى هو لا يستطيع أن ينكر ذلك ليهمس بهيام محدثاً نفسه بصوت خفيض لم يدرك أنها تستطيع سماعه بالفعل.
_ ولا زي أي حد في الدنيا.
ارتبكت "سحر" للغاية واكتسى وجهها بحمرة خجل قلما تحدث لها لتنكس عيناها المتحدية له محاولة التغاضي عما سمعته للتو.
أفاق "عنتر" من هيامه وهو يلعن نفسه سراً على ما صدر منه للتو ليكمل بعملية.
_ عموماً ممكن أفكر. وأنتي كمانِ. عشان مترميش فلوسك في الأرض. لازم تتأكدي الأول.
بدون تفكير مطلقاً أجابته.
_ لا متقلقش. أنا واثقة فيك.
لم يكن يتخيل أنها ستنطقها يوماً بعد ما حدث وسببه لها بالبداية، الثقة. تلك الكلمة التي تعني الكثير من القوة بداخلها. قوة الأمان والاطمئنان لكلا الطرفين، أن يطمئن أن هذا الطرف لن يخذله مطلقاً، لن يخون لن يتهاون أو يتواطئ. أهي تصفه بمحل ثقتها. إنها لكبيرة بحقه حقاً.
اتسعت ابتسامته بفخر لما نطقته للتو، بينما تعجبت هي بالفعل من نفسها لإحساسها بالأمان والثقة معه، هذا الذي خطفها بيوم ما.
البيت الكبير ....
وصل "هريدي" إلى البيت الكبير كما أوصاه "عنتر" ليعيد حقيبة "سحر" إليها.
تقابل "هريدي" مع الحارس طالباً منه الحقيبة والذي أتى بها على الفور ليعود مرة أخرى لدار عنتر بالقرية ليصل الحقيبة إلى صاحبتها.
علام ....
اتخذ طريق سفره إلى المنيا للبحث عن ابن خاله "سحر" وعليه إيجادها فاستقل سيارته إلى هناك مباشرة.
أحلام ....
بداخلها لهفة وشوق غير محدود، تماماً كطفل منتظر قدوم العيد، ارتدت ملابسها بعد عناء طويل في انتقاء أفضلهم وأجملهم واتخذت طريقها إلى الطريق الذي تمنت منذ سنوات أن تسلكه مرة أخرى.
إنها ذاهبة للقاء "دنيا".
كل خطوة تخطوها يتراقص بها قلبها فرحاً، ثم تعود لتتوجس أن ترفض "دنيا" اعتذارها ولا تسامحها على ما اقترفته بحق "نسمة".
لكنها عادت وتركت تلك المشاعر السلبية التي تجتاحها جانباً لتسعد ولو مؤقتاً بما ستفعله، فربما يتحسن حظها وتعود البسمة لحياتها.
صعدت تلك البناية التي تقطن بها "دنيا" بعجالة فلم تعد تطيق الانتظار.
طرقت الباب وانتظرت قليلاً حتى سمعت صوت والدتها قادم نحوها.
فتحت أم "دنيا" الباب لتقف متفاجئة للحظات ثم رحبت بها بتوجس قليلاً، فمنذ حادثتها بالجامعة وما علمته من "دنيا" وما فعلته بـ"نسمة" لم ترها مرة أخرى.
_ "أحلام". إزيك يا حبيبتي. عاملة إيه.
ابتسمت "أحلام" بهدوء مجيبة.
_ الحمد لله يا طنط. أنتي أخبارك إيه. و "دنيا" عاملة إيه.
_ الحمد لله. ااا... اتفضلي يا "أحلام".
تقدمت "أحلام" إلى الداخل في انتظار والدة "دنيا" التي أشارت لها بالتقدم قائلة.
_ ادخلي يا "أحلام". هو انتي غريبة. ما انتي عارفة البيت كويس.
دلت إلى غرفة الصالون التي كثيراً ما جمعتهم جميعاً بها في السابق.
وقفت أم "دنيا" قليلاً ثم أردفت.
_ حجيب لك حاجة تشربيها.
_ لالا. مفيش لزوم يا طنط. أنا بس كنت عايزة "دنيا".
جلست أم "دنيا" بمقابلها ثم قالت معتذرة.
_ معلش والله. "دنيا" سافرت البلد عند أهل أبوها شوية كده. خير يا حبيبتي فيه حاجة.
إحباط شديد أصابها ظهر جلياً على ملامحها وهي تجيبها.
_ كان نفسي أقابلها وأعتذر لهم كلهم على اللي حصل ونرجع أصحاب زي ما كنا. أنا عارفة إنني غلطت. بس أخدت جزائي والله يا طنط.
رق قلبها للغاية لها وهي ترى الانكسار بعينيها لتردف بحنو.
_ اللي فات مات يا "أحلام". وعموماً حديكي رقمها. كلميها في التليفون. ومحدش عارف يمكن. ليه لأ.
عقبت "أحلام" قائلة.
_ مع حضرتك رقم "نسمه" برضه أو "سحر".
_ أيوة حبيبتي معايا.
سجلت "أحلام" أرقامهم بهاتفها لكن أم "دنيا" أصرت أن تبقى معها قليلاً يتحدثون، فلها وقت بعيد لم تقابلها فيه.
بيت عبد الحميد ....
انتهز "عبد الحميد" فرصة غياب "أحلام" وعاد إلى بيت والديه مرة أخرى لإلقاء قنبلته التي يفكر فيها، فلم يعد هناك سبيل آخر بعد كل تلك المشاحنات التي لا تنتهي.
كل ما أراده فقط هو العيش بهدوء وسكينة ورضا بما قسم له بالدنيا، فهو يجاهد نفسه كثيراً للوصول لحالة الرضا بقضاء الله وهذا فقط ما سيكسبه راحة البال التي يسعى إليها.
دلف إلى شقة والديه ليتنهد بضيق، فكان يتمنى أن ينهي تلك المسألة بين والديه فقط لكنه فوجئ بوجود أخته "شروق" أيضاً وزوجة أخيه "مها".
ألقى "عبد الحميد" التحية أولاً قبل أن يجلس إلى جوار والده.
_ سلامو عليكو.
_ وعليكم السلام.
تطلعت به والدته بتعجب لعودته بوقت مبكر للغاية لتردف متسائلة.
_ راجع بدري يعني يا "عبده". مش عوايدك.
دار بعينيه بين وجوه الجميع المتطلعة نحوه ليتخذ قراره بالحديث ويحدث ما يحدث.
_ أنا جاي أكلمكم في موضوع ضروري. وأهو كلكم هنا عشان تسمعوني.
_ اتكلم يا ابني.
_ الصراحة. أنا نويت أسيب البيت هنا وحاخد "أحلام" ونقعد في شقة بره. أنا خلاص معدتش مرتاح.
شهقت والدته بقوة وهي تضرب صدرها بكفها بتحسر.
_ مراتك عايزاك تعزل عننا يا "عبده". شوف ابنك بيقول إيه يا "سيد".
أشار لها زوجها ضاماً أصابعه للانتظار قليلاً حتى يوضح مقصده ليتساءل بطيبة بالغة.
_ اصبري بس يا "سعاد" لما نفهم. ليه يا ابني إيه اللي حصل. حد زعلك ولا زعل مراتك.
انفعلت "سعاد" بقوة وهي تهتف بزوجها بنبرة غاضبة.
_ زعلها ده إيه. هو حد جه جنبهم ولا داس لهم على طرف.
قطع "عبد الحميد" جدالهم الحاد برد قاطع.
_ هو كده. طول الوقت محسسني إني مقصر أنا وهي. وبتحسرونا على حالنا طول الوقت. حتى حمل "مها" خبيتوه عليها خايفين منها. ليه. أنا كل اللي نفسي فيه أعيش مرتاح البال بس. إيه. كتير عليا. ولا لازم طول الوقت تفكروني إني خلاص حعيش لوحدي طول عمري ومش حجيب عيال.
رمقت "سعاد" ابنتها "شروق" بغضب، فلابد أنها هي من أخبرته بحمل "مها" لا غيرها لتشير لها "شروق" نافية أنها لم تخبره قط، ثم عادت ببصرها تجاه والدها مردفة بتهكم واضح.
_ ما انت لو كنت سمعت كلامي واتجوزت كان زمانك مرتاح وعندك عيال. لكن انت مش هاين عليك تزعل السنيورة بتاعتك.
_ وأزعلها ليه. نصيبنا كده. وأنا راضي بنصيبي معاها. شفتي بقى. أهو هو ده اللي بقولكم عليه. أنا حر. اتجوز متجوزش أنا حر. حد شريكي.
أومأ "السيد" بالإيجاب تفهماً لما يقصده ولده لينفعل لأول مرة بحياته منصفاً ولده الذي عانى الكثير والكثير مع والدته السليطة لينهي جدالهم بحدة.
_ خلااااص. خلصنا. اعمل اللي يريحك يا ابني. وعيش مرتاح البال.
صرخت به "سعاد" على ما تفوه به.
_ "سييييد" انت بتقول إيه.
صرخ بها "السيد" بانفعال لتصمت تماماً خشية منه لأول مرة بحياتها.
_ اخرسي خااالص. وسيبيه يعمل اللي عايزة. و"أحلام" غلبانة وأنتى طهقتيهم في عيشتهم. وعلى الله أسمع كلمة تانية في الموضوع ده.
مع صمت الجميع مندهشين من ثورة "السيد" التفت "السيد" تجاه "عبد الحميد" قائلاً.
_ خد مراتك وشوف شقة إيجار واعمل اللي يريحك يا ابني. وإن كان على فلوس المقدم بتاع الشقة أنا حديهولك لحد ما ربنا يفرجها عليك.
وأخيراً شعر "عبد الحميد بالراحة للتخلص من تسلط والدته وعليه الآن إخبار "أحلام" بما حدث لتبدأ بتجهيز نفسها للعيش بشقة جديدة.
رواية الميراث الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
فى المساء ...
نسمه ... راحه إجتاحت نفسها وهى تدلف إلى داخل الفندق برفقه "عمر" وولدهما. بُعدها عن البيت الكبير الذى أصبح قلعه لكل ذكرياتها الحزينه جعلها تشعر بالإسترخاء الذى لم تشعر به منذ فترة طويلة.
رتبت "نسمه" بعض أغراضهم الضروريه لحين الإنتقال لشقتهم التى يجهزها "عمر" بينما تلقى "عمر" إتصالاً من "وائل" لمقابلته بعد ساعه لقضاء بعض الوقت معه.
____________________________________
المنيا ...
لم يكن السفر من نصيبهما وحدهما بل قد وصل "علام" إلى المنيا أخيراً للبحث عن "سحر" التى تتهرب منه أو ربما هى فى خطر وخاله لا يريد إخباره بهذا.
إتجه مباشرة لعنوان البيت الكبير حيث كانت تمكث "سحر" مع صديقتها "نسمه" للبحث عنها هناك أولاً.
نظر بعين حاقدة لمظهر البيت الفخم من الخارج فلم يكن يتخيل أن صديقتها تعيش بمثل ذلك الثراء والبذخ. أثار ذلك ضغينه بنفسه الحقوده فهو بالنهايه ضابط صغير لا يملك سوى شقه تركها له والديه للزواج بها، لكن ذلك ما لا يتمناه بل يتمنى لو إستطاع الوصول لهذا الثراء والمعيشه المترفه وربما كان وجود "سحر" بحياته سيوصله لذلك بصورة سريعه فهى ماهرة للغايه بعملها بالبورصه حتى أنها إستطاعت جمع مبلغ لا بأس به بفترة قصيرة من العمل بهذا المجال.
تقدم نحو الحارس وقد عقص وجهه بإشمئزاز ليتهف بنبرة حاده أشبه بالصراخ:
_ إنت يا بنى آدم .... إنت يا *****.
نظر "عبد القادر" بإستياء تجاهه فلما يسُبه بتلك الألفاظ وهو القادم لبيتهم.
أجابه "عبد القادر" بضيق:
_ خير ... إنت مين وعاوز إيه ...؟!!
صب "علام" حقدة على أصحاب هذا الثراء على الحارس البسيط ليصرخ بغضب هادر أخاف "عبد القادر" بشده:
_ إتكلم كويس إنت مش عارف إنت بتكلم مين .... أنا الرائد "علام صبحى" يا ***** ...
_ أهلاً يا بيه ... إللى ما يعرفك يجهلك ...
أكمل "علام" بنبره آمره:
_ ناديلى صاحب البيت ده أوام ...
_ سافر يا بيه ...
إحتدت نظراته تجاه الحارس وهو يندهش من سفر صاحب البيت ليردف:
_ هاتلى مراته ولا أى حد ...
_ كلهم سافروا يا بيه ....
لم يجد بُد من سؤاله مباشرة عن "سحر" لكن طريقته كانت غامضه أشبه بالتهديد حتى لا يتفوه "عبد القادر" سوى بالحقيقه:
_ الست "سحر" ... جوه ... ولا سافرت هى كمان ...؟!!!!!
_ مخابرش يا بيه .... فيه حد شييع ( أرسل) وخد حاچاتها الصبح ...
_ حد ....!!!! حد مين ده ....؟؟!
_ مخابرش يا بيه... حد من العزبه القبليه إللى نواحينا إهنه ...
أومأ "علام" رأسه بخفه ثم ترك الحارس وأبتعد متفكراً أن سحر مازالت هنا وعليه إيجادها. ولهذا عليه سؤال ضابط شرطه هذه المنطقه عن بعض المعلومات التى يحتاجها للبحث عنها.
_____________________________________
المقهى ...
جلس "وائل" برفقه "عمر" بسعاده بالغه فقد إشتاق لصديقه كثيراً.
_ ياااه ... إيه الغيبه دى كلها يا "عمر" ...
_ ما أنت عارف الظروف ... حعمل إيه بس ... كمان تعب "نسمه" خوفنى إنى أسافر مرة وأسيبها ما إنت فاهم ...
_ فاهم طبعاً الله يكون فى عونك ...
تذكر "عمر" ما قد أخبرته به "نسمه" من قبل بخصوص "دنيا" ليهتف بصديقه موبخاً إياه:
_ إنت صحيح مزعل "دنيا" ليه ...؟!! مش تتلم بقى وتتقدم لها رسمى وتبطل شغل البرود إللى أنت فيه ده ....!!!!
زم "وائل" شفتيه بإستياء وهو يتسائل بتملل:
_ اااه ... هى إشتكت لك ....؟؟!
_ لا إشتكت لى ولا حاجه ... بس إنت مش شايف إنك طولت أوى ورابطها جنبك من غير لازمه ...؟!!!
إعتدل "وائل" وقد تجلت بملامحه النفور الشديد وهو يجيبه بوقاحه أكثر منها صراحه:
_ بص يا "عمر" ... أنا حاسس إنها متنفعنيش ... مش قادر أتخيل إن واحده خرجت معاها وإتكلمت معاها وحبينا بعض والكلام ده قبل الجواز تكون هى دى إللى تصون بيتى وإسمى ... حسيت إنها مش هى إللى تنفع تكون مراتى ....
إنفعل "عمر" بغضب شديد فهو بالفعل ليس لديه أخوات لكنه يعتبر كلاً من "دنيا" و"سحر" أختيه ولا يرضى أن تتعامل إحداهن بتلك الصورة حتى لو من صديقه المقرب وحيد ليهتف به بغضب:
_ إنت بتستعبط ... مش دى إللى إنت قعدت تلف وراها وتعشمها بجوازكم لما الظروف تسمح ... والبنت منطقتش ولا حملتك فوق طاقتك وصبرت عليك أربع سنين .. دلوقتى جاى تقول متنفعنيش وكلام فاضى من ده .... !!!
ثم أكمل يذكره بما كان يقوله له بالماضى:
_ ولا نسيت لما كنت بتقولى مينفعش نلعب ببنات الناس ... إيه كان كلام وبس ... شويه شعارات وقتها ... ولما تبقى الحكايه بتاعتك يطلع الزفت من جواك ...
لوح "وائل" بذراعه تجاه "عمر" يحاول أن يصمته أو يهدئه قليلاً فالأعين أصبحت تلاحقهم من حولهم:
_ إيه يا جدع ... إنت حتفضحنا ولا إيه ... ما بالراحه شويه ... الوقت كان غير الوقت ... و أنا كان قصدى وقتها على "نسمه" ...
_ أينعم "نسمه" خارج أى مقارنات ... لكن ده هو ده ... وهى مغلطتش لما حبتك ... إنت إللى غلطت عشان عشمتها ومكنتش راجل وقد كلمتك ...
ضاق "وائل" عينيه بحده محذراً "عمر" من التطاول عليه وإهانته:
_ "عمر" ....!!!!
_ بس بقى ... بلا "عمر" بلا بتاع ... قول إنك مش قد إلتزامك وكلامك ... الراجل بس إللى يرتبط بكلمته مش يعلق بنات الناس بيه وفى الآخر يسيبهم ....
زفر "وائل" بقوة فهو لم يجد أى شئ يرد به على حديث "عمر"، ليعقب "عمر" منبهاً إياه:
_ وخد بالك ... "دنيا" بنت ممتازة ومش بعيد تلاقيها قريب أوى إتخطبت ولا إتجوزت ....
أمال "وائل" فمه جانبياً بإبتسامه ثقه واهيه:
_ لا .. معتقدش ... "دنيا" بتحبنى على فكرة ... وصعب أووووى إللى بتقول عليه ده ...
_ خليك كدة على عَمَاك وبكرة تشوف لما تضيع منك ...
مل "وائل" من توبيخ "عمر" له ليحاول تغيير مجرى الحديث بينهم قائلاً:
_ خلاص بقى ... بقولك صحيح ... إنت ناوى تعمل إيه بقى فى مصر ... أما أنا عندى فكرة مشروع ... لا وإيه والشريك حاضر وجاهز كمان يمضى معاك عقد ...
_ مشروع إيه ... وشريك إيه ... مين إللى قالك إنى عايز شريك أصلاً ...؟!؟
_ مش لما تعرف مين الشريك ... دى كانت زميلتنا فى الدفعه ... إسمها "نورهان صادق" ... مش فاكرها ...؟؟!!
_ لا والله مش واخد بالى ...
_ عموماً إستقر كدة وبعدين أقابلكم ببعض يمكن تتفقوا دى سيده اعمال شاطره جداً دلوقتى ...
_ ربنا يسهل ... ربنا يسهل ... خلينا بس فى موضوعك إنت و "دنيا" ...
أغمض "وائل" عيناه بتذمر فيبدو أن هذا الموضوع لن ينتهى إلى هذا الحد.
____________________________________
بعد أسبوع ...
بحث "علام" بصورة كثيفه دون التوصل لـ"سحر" مطلقاً فالوصف الذى أخبره به الحارس كان مبهم للغايه ولم يستطع معرفه بأى قريه أو ما هو مكانها تحديداً، وبخلال تلك الأيام المنصرمه كان يتابع بغلظه مع ضابط الشرطه بتلك الناحيه الذى حاول مساعدته كثيراً لكنه كان يشعر بالثقل من "علام" المتعالى على الجميع كما لو كان قسم الشرطه كله يعمل لديه.
قرر "علام" المرور سيراً باحثاً عن "سحر" والتى لابد أنها مختبئه منه بعدما تأكد من خاله "زكى" أنها تهاتفهم من وقت لآخر تطمئن عليهم ويطمئنوا عليها.
حاول سؤال خاله عن رقم هاتفها لكن والد "سحر" شعر بالتسلط الشديد من "علام" فتخوف على إبنته منه وحاول إقناع "علام" أن كل شئ قسمه ونصيب ولا يجب الضغط عليها، كما أنها تعمل بتجربه جديده كما إعتادت من فترة لأخرى كما أخبرته.
أثناء سيرة إصطحب معه إثنان من الشرطيين لمرافقته أثناء مروره بالقريه لتزيد من هيبته بوجودهم بزيهم الخاص بالشرطه.
إرتدى نظارته الشمسيه السوداء لتزيده وقاراً وخشيه وسار بالطريق ومن خلفه الشرطيين كحمايه له.
لم يُخفى على أهل القريه هويه ذلك الضابط الواضحه وهو يأمر ويعنف كل من يمر به بخيلاء وغرور.
وقف عند أحد الجسور الصغيرة التى تربط جانبى القناه (الترعه) ينظر حوله بدون هدف كما لو تناسى أنه يبحث عن "سحر" من الأساس فقد أعجبه للغايه دور الضابط المخيف الذى يهرع الجميع لتلبيه أوامره خشيه من قوته.
لاحظ "أبو المعاطى" ذلك الضابط وهو يقف أمام باب (المندره) ليسأل أخيه "هريدى" بخفوت شديد:
_ ماله الضابط ده ... عمال يلف ويلف من صباحيه ربنا ... بيدور على إيه ....؟!!
نظر إليه "هريدى" بحيره، هل يخبره بأنه يبحث عن تلك السيده التى نزلت ضيفه ببيت "عنتر" أم يكتفى بالتظاهر بعدم معرفته شئ عن الأمر فـ"أبو المعاطى" لن يتعامل مع أمر كهذا بصفاء نيه مطلقاً.
حسم "هريدى" أمره بالنهايه بألا يخبره تجنباً لشره ليرفع كتفيه ويهدلهما قائلاً:
_ مخابرش يا أخوى ....
أمال "أبو المعاطى" فمه بلؤم ليشعر ببعض التخوف من وجود ضابط قوى كهذا بقريتهم ليحاول التقرب منه ومعرفه عما يبحث ليطمئن على أعماله الغير مشروعه التى يقوم بها.
تقدم لخطوات تجاه "علام" وهو يأشر بيديه على رأسه بخنوع يلقى السلام عليه:
_ سلامات يا باشا ... منورنا يا كبير والله ...
رمقه "علام" بازدراء من أعلاه لأسفل قدميه ثم أدار وجهه بالجهه المقابله بتقزز.
إتسعت إبتسامه "أبو المعاطى" وهو يزيد من خنوعه أمام "علام":
_ أى خدمه يا كبير ... أؤمرنى يا باشا ... تحت أمر معاليك ...
شعر "علام" بالزهو لتمجيد "أبو المعاطى" له بتلك الصورة ليشير إلى أحد الشرطيين قائلاً بتعالى:
_ هاتوه ... هاتوه ...
أمسكه الشرطى من ذراعه يدفع به تجاه "علام":
_ تعالى هنا كلم البيه ...
_ تحت أمرك يا بيه ...
إلتفت "علام" إليه يسأله:
_ إنت إسمك إيه ....؟!!
_ "أبو المعاطى" يا بيه ...
_ قولى يا "أبو المعاطى" مشفتش فى العزبه واحده كدة من مصر ... خمريه كدة وشعرها إسود ...
لاحت صورة "سحر" بمخيله "أبو المعاطى" على الفور فليس هناك غيرها بالتأكيد، شعر بالسعاده تغمرة فاليوم يستطيع الإنتقام من "عنتر" على ما قام به من ضرب وإذلال له وعدم إعطاءه نصيبه من مال "عمر".
إصطنع "أبو المعاطى" بمكر شديد محاوله التفكير ثم هتف كمن تذكر شيئاً للتو:
_ أيوة يا بيه ... شفتها ...
رفع "علام" هامته بإنتباه متسائلاً بقوه:
_ شفتها فين ...؟!! إنطق ...!!!
_ شفتها فى دار "عنتر سليمان" يا بيه ...
_ مين "عنتر سليمان" ده ...؟!!
_ واحد بلدياتنا يا بيه ...
لمعت عينا "علام" وإحتدت بقوة كعينى ثعبان يستعد للهجوم على فريسته.
_ ورينى بيته ده فين ... بسرررعه ...
_ حاضر يا بيه ... أنا حوصلك ...
رافق "أبو المعاطى" "علام" ومن معه ليدله على بيت "عنتر" وبالتأكيد سيقبض عليه لخطفه تلك السيدة ويحقق إنتقامه منه دون أن يتعب نفسه مطلقاً.
_____________________________________
أحلام ...
بعدما أخبرها "عبد الحميد" بقرار تركهم بيت والديه إنشغلت "أحلام" تماماً بنقل محتويات شقتها لشقه جديده إستأجرها "عبد الحميد".
بعد إنصراف "عبد الحميد" إلى عمله كمراقب فنى بأحد المصانع جلست "أحلام" تعبث بهاتفها حتى أخرجت رقم "دنيا" الذى أخذته من والدتها لتتردد قليلاً قبل أن تضغط عليه للإتصال بها.
ضغطت بالنهايه وقد ملؤها الحماس لتلك المهاتفه للغايه.
بعد قليل إستمعت لصوت "دنيا" الرفيع تجيب إتصالها:
_ ألو ....ألو ....
_ "دنيا" ....
_ أيوة أنا .... مين معايا ...؟!!
_ نسيتى صوتى خلاص كدة ... أنا "أحلام" يا "دنيا" ... نسيتينى خالص كدة .... !!!!
تفاجأت "دنيا" للغايه بمهاتفه "أحلام" بعد سنوات من البُعد والغياب:
_ "أحلام" .....!!!!!!! .... معقوله ....!!!!!
_ معقوله أوى ... وحشتينى أوى يا "مانجه" ...
ضحكت دنيا للغايه فكيف تذكرت عشقها للمانجو لتذكرها بإسم قد أطلقته عليها بوقت ما.
_ "مانجه" .... يااااه .... إنتى لسه فاكرة ... أخبارك إيه يا "أحلام" ...؟!!
_ الحمد لله .... وحشتونى أوى كلكم ... أنا عارفه إنكم زعلانين منى ... بس بجد وحشتونى ونفسى نرجع زى زمان ....
رق قلب "دنيا" لصديقتها وعودة أيام جميله كانت تجمعهم بالجامعه لتتنهد قائله:
_ اااه ... زمان ... كنا حلوين أوى ... أنا مش زعلانه منك ... وعمرى ما بعرف أزعل من حد ... يمكن "سحر" ولا "نسمه" ... لكن أنا مش زعلانه منك ... خلاص إللى فات مات يا "أحلام" ....
كادت تقفز "أحلام" فرحاً بحديث "دنيا" لكن مازال أمامها خطوتين كل منهما أصعب من الأخرى، "سحر" و "نسمه".
_ حبيبتى يا "دنيا" كنت متأكدة من قلبك الطيب ..... تفتكرى "سحر" و"نسمه" ممكن يسامحونى ..؟!!!
_ بصى ... إن كان على "نسمه" دى زى حالاتى كدة ... كلميها ولا روحى لها وهى حتسامحك على طول ... و"سحر" سيبيها عليا أنا حكلمهالك ...
_ "نسمه" ....!!!! بس "نسمه" مشوارها بعيد عليا أوى ...
_ لااااا .... إسكتى ... مش نقلت من كام يوم ... ورجعت القاهرة ... أصبرى حبعت لك عنوانها الجديد هى لسه مكلمانى وبعتتهولى ... روحى لها يا "أحلام" ... ويا ريت نرجع زى زمان ...
_ بجد نقلت ... طيب إبعتيلى عنوانها وححاول أروح لها ...
_ يا ريت يا "أحلام" ... وانا حكلم "سحر" ولما أخلص موضوع يخص بابا هنا نرجع كلنا زى زمان ... و"سحر" كمان ترجع لأنها مسافره برضه ...
_ يا ريت يا "دنيا" ... يا ريت .... رقمى معاكى أهو كلمينى بقى زى زمان ...
_ طبعاً حكلمك ... ونرجع كلنا زى الأول ....
بعد إنتهاء تلك المكالمه أرسلت "دنيا" عنوان "نسمه" الجديد لـ "أحلام" ثم إستعدت بإرتداء تنوره ورديه وكنزه بيضاء ورفعت جانب شعرها بمشبك يحمل زهرة ورديه زادت من رقه مظهرها للغايه.
بينما تحمست "أحلام" لزيارة "نسمه" لإعادة أوصال صداقتهم التى قطعت مرة أخرى بعد سنوات.
____________________________________
دار عنتر ...
مرور تلك الأيام ببيت "عنتر" وقضائها وقت طويل معه ومع والدته وأختيه وأبنائهم شعرت "سحر" بألفه غير مسبوقة، حتى أن الجميع أصبح يعاملها كفرد من العائله ولم تعد الضيفه المتطفله عليهم.
إرتدت "سحر" إحدى الجلابيب التي أحضرتها لها "صباح" بهذا الصباح المنعش ولملمت شعرها الأسود للأعلى وعقصته بعشوائية أبرز عيونها السوداء ذات السحر المصرى الأصيل الذي سلب أغوار هذا الـ"عنتر" بلا شفقه ولا رحمه بقلبه النابض.
وجودها معهم طوال الوقت أشعل نيران عشق بقلبه لتلك المتمرده بصورة لم يكن يتخيل أنه قد يميل إلى إحداهن بتلك الصورة وبتلك السرعه أيضاً.
قضى سبعه أيام بالجنه برفقتها بالفعل، ينتظر طلتها يومياً وحديثها الشيق الذي لا يُمَل منه، ضحكتها البسيطه الساحرة وخجلها الواضح عند تلاقى أعينهما بوسط حديث ما.
عصف بقلبه قوتها وجرئتها بعملها بعكس خجلها الذي يظهر له هو فقط، نعم شعر بذلك إنها تخصه وحده ببعض أفعالها دون غيره ليشعر بدون تصريح بأنه أصبح يمثل لها شيء ما بداخلها.
بينما شعرت هى بأنه قد أسِرها ليخرج "سحر" أخرى معه، "سحر" تختلف تماماً عن التى إعتادت عليها، فله فقط تلين وتخجل وتنصاع لطلبه ورأيه بدون نقاش، هى المتمرده الجريئه أصبحت أسيرة قلبها وهوى "عنتر".
دارت حول نفسها بإعجاب ثم خرجت من غرفتها الصغيرة لتهبط درجات السلم الضيق إلى الأسفل.
بالطبع جالت ببصرها بحثاً عنه أولاً لترتخى ملامحها المبتهجه بإحباط شديد حينما وجدت الحاجه "فهيمه" فقط تلملم بعض الوسائد لترتيبها فوق الأريكة.
تلاشت إبتسامتها العريضه لتحتل إبتسامه باهته مصطنعه فوق ثغرها وهى تردد:
_ صباح الخير يا حاجه "فهيمه" ...
_ صباح الخير يا بنيتي .... إيه ... نويتى تخبزى وياي (معى) زى ما قولتى عشيه ( الأمس) ...؟؟!!
أومأت رأسها بالإيجاب مردفه بإحباط:
_ اه ... طبعاً يا حاجه ... ده أنا حتى لبست الجلابيه بتاعه "صباح" مخصوص أهو ....
سمعت صوته يدق حروف كلماته بقلبها قبل أذنيها حين هتف من خلفها:
_ لايقه عليكى قوى ....
إتسعت إبتسامتها بقوة وهى تلتفت إلى الخلف وقد شعرت بقلبها يتراقص فرحاً برؤيته:
_ إنت هنا .... !!!!! ... أنا قلت خرجت روحت الأرض ....
أجابها بعشق صادق قبل أن ينتبه لنفسه:
_ مقدرش من غير ما أصبح عليكم الأول ...
تنحنح متداركاً نفسه:
_ إحم ... أنا قاعد بره يامه ... لو عوزتوا حاچه نادي عليّ ...
سألته الحاجه "فهيمه":
_ مش حتُفطُر الأول ....؟؟!!
أجابها بنبره منخفضه قبل أن يخرج من الدار:
_ بعد شوي ... لما تخبزوا الأول ... أحب أفطر من عمايل إيديكم ...
أنهى عبارته ناظراً نحو "سحر" ثم خرج من باب الدار مباشرة لتشرد "سحر" بإبتسامه عذبه هادئه فبالتأكيد يقصدها هى، "سينتظر ما تصنعه له بيديها ... " هكذا رددت بداخلها بسعاده بالغه.
____________________________________
غرفه الفرن ...
حاولت "سحر" أن تقلد الحاجه "فهيمه" بكل الخطوات التى تقوم بها للحصول على رغيف خبز بالنهايه فـ "سحر" على الرغم من مهارتها بمجال الأعمال إلا أنها عكس ذلك تماماً فى إعداد الطعام وما شابه.
أخذت تنظر كثيراً للحاجه "فهيمه" وتتابعها خطوة بخطوة حتى النهايه لتقلدها بسعاده ولم يخلو الأمر من مزاح كلتاهما على ما تصنعه "سحر" بالنهايه بأشكال بعيده كل البعد عما تقوم به تلك المرأه الماهرة حقاً.
أعادت "سحر" رأسها للخلف من شدة ضحكاتها لما صنعته يداها منذ قليل وهى تسخر من نفسها قائلة:
_ طب والله طالع لها زلومه زى الفيل شوفى ....
ضحكت الحاجه "فهيمه" لخفه ظل "سحر" لكنها أردفت تستحسن عملها بلطافه:
_ ربنا يحسن ما بين إيديكى يا بنيتى ... دى زى العسل ... كملى بس كملى ...
_ والله أنتى إللى زى العسل ... إكدبى عليا يا حاجه إكدبى أنا قابله ....
_ بكرة تشوفى حتبقى أشطر واحدة فى الدنيا كلها ...
كان دعائها صادق من القلب لتبتسم "سحر" بود تجاه تلك السيده اللطيفه للغايه.
_ أنتى إنسانه جميله أوى يا حاجه والله ... مش راضيه تكسرى بخاطرى مع أنى بوظت لك الخبيز كله ...
_ ده شهد مكرر ... بوظى إنتى بس وإحنا ناكل ... ولا يهمك ... إلا .... قوليلى يا بنيتى ... إنتى متكلمين عليكى ....؟!!
أجابتها "سحر" بسؤال على سؤالها إتسمت به بالبلاهه قليلاً:
_ متكلمين عليا ليه ...؟؟!
_ لا يا بتى ... يعنى حد متكلم عليكى ....؟؟؟
_ أيوة ما أنا مش فاهمه ليه حد يتكلم عليا ...؟؟؟ هو أنا عملت حاجه ...؟؟؟
_ يا بتى إفهمينى ... إنتى مخطوبه ... مقرى فاتحتك ... حد عاوز يتچوزك يعنى ...؟؟؟
بعد شرح مفصل فهمت "سحر" مقصد الحاجه "فهيمه" لتردف مجيبه:
_ ااااااه ... لا يا حاجه مفيش لا قرايه فاتحه ولا خطوبه .... أنا مقرى عليا المعوذات مش الفاتحه ....
كانت ضحكه "عنتر" أسبق لأذنيها لترفع بصرها تجاه الشباك الصغير وتطالعه وهو ينظر تجاهها وقد إتسعت إبتسامته لخفه ظلها:
_ المعوذات .. ليه ... عملتى فى الناس إيه ....؟؟؟
_ أنا ... ده أنا طيبه وغلبانه ...
ضحك "عنتر" وهو يعلق مبتعداً:
_ إيوة ما أنا عارف زين الطيبه دى ...
إختفى "عنتر" عن ناظرها ويبدو أنه إبتعد عنهم لتعقب الحاجه "فهيمه":
_ سيبك منيه (منه) ما هو كمانِ قاعد يا حبه عينى لا چواز ولا خطوبه ... من يومه شقيان بيشتغل عشان يچوز خواته ... حتى الأرض إللى كان حاطط أمله فيها حتتباع يا حبه عينى ... ربنا يعوض عليكى وعليه يا رب ...
إنتبهتا لصوت "عنتر" الجهورى وهو يهتف بأحدهم بقوة:
_ إستنى إهنه ... هى وكاله من غير بواب ولا إيه ....؟؟؟
لحق ذلك صوت إقتحام للدار من الخارج بصوت أفزع "سحر" والحاجه "فهيمه" لتسرع الحاجه "فهيمه" فى البدايه بالخروج لمعرفه ماذا يحدث بالخارج تبعتها "سحر" بعدها مباشرة.
رواية الميراث الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
أظلمت تقاسيم وجهه بقوة وهو يتقدم تجاه دار "عنتر" بصحبة "أبو المعاطي" وأفراد الشرطة المصاحبين له.
فور أن لاحظ "أبو المعاطي" "عنتر" جالساً بذلك المقعد بجانب الدار، توارى عن أعين "عنتر" وانسل مبتعداً عن "علام" حتى لا يلاحظه "عنتر" ويدرك أنه هو من وشى به.
شعر "علام" بالسطوة المطلقة وفرط القوة المتملكة به، فجعلته يقتحم الدار عنوة بدون استئذان، ضارباً الباب الخارجي بقدمه.
لينتبه له "عنتر" على الفور، فهب من جلسته بجانب الدار ليتصدى لهذا المقتحم الغادر وهو يهتف بحده:
_ عندك إنت وياه... راح وين إنت؟
رمقه "علام" بازدراء شديد وهو يشير إلى أفراد الشرطة من خلفه:
_ امسكوا الـ... ده.
أسرع أفراد الشرطة بالإمساك بـ"عنتر" الذي أخذ يتملص من قبضة هؤلاء الشرطيين، وهو يكظم غضبه بقوة يريد فهم ما يحدث ومنع هؤلاء المتطفلين من اقتحام داره بهذا الشكل.
_ أنا مفاهمش حاجة... إنتوا مين وعاوزين إيه؟
قرب "علام" من "عنتر" وهو يعقص أنفه باشمئزاز، ثم أردف بنبرة تهديدية:
_ حتعرف دلوقتي يا... خفيف.
فور استدارته لاقتحام الدار، وجد امرأة متقدمة بالسن تقف قباله الباب. توقع أنها أمه بالتأكيد، لكن ما أثار اندهاشه هو وجود "سحر" من خلفها ترتدي جلباباً مزركشاً غريب الشكل لم يعتاد عليها مطلقاً بهذا المظهر.
دهشتها لم تقل عن دهشته، فتردد اسمه بصوت خافت:
_ علام...!
التزم الجميع الصمت لبرهة حين أدرك "عنتر" أنها تعلم من هذا الرجل المصاحب لأفراد الشرطة، ليتابع الحديث بينهم باهتمام بالغ حين تساءلت "سحر" باستراب عن وجود هذا المدعو "علام" بهذه البلدة:
_ إنت بتعمل إيه هنا؟
تقدم "علام" لخطوات بسيطة ليصبح بمواجهة "سحر"، مفتعلاً الاهتمام بأمرها والاشتياق لها:
_ إنتِ كويسة؟ عملوا فيكي حاجة الـ... دول؟
لم يمهلها فرصة للرد، واستدار ليصرخ بقوة بوجه "عنتر" ليظهر لها قوته وجسارته وقدرته بالبحث عنها وإيجادها:
_ ده إنت نهارك أسود... عشان تعرف إنت بتتعامل مع مين.
ثم أشار بحركة تهديدية وهو يمسح بذقنه بإصبعيه الإبهام والسبابة:
_ أدي دقني أهي لو شفت النور ده تاني وعرفت تخرج من السجن... خدوه على البوكس، يلا.
قبل أن يتحركوا لخطوة واحدة وهم يدفعون بـ"عنتر" الذي أخذ يثور ويزأر بقوة بزمجرة من تعنتهم معه، خطت "سحر" خطوات متعجلة لتقف حائلاً بين "علام" و"عنتر"، وقد اتسعت عيناها بقوة تنهر "علام" عن فعله وطريقته الفجة دون فهم وإدراك للموقف.
تحدثت بنبرة حادة قوية شرسة إلى حد بعيد كالقطة البرية:
_ بس إنت وهو... فيه إيه يا علام؟ تاخده فين؟ وليه؟ هو إيه؟ مفيش قانون في البلد؟
خلع "علام" نظارته الشمسية، ولاحت ملامحه المتعجبة من تصرف "سحر" وهو يبرر فعلته بضحكة خفيفة سرعان ما انمحت من وجهه الجاد، ليتحدث بنبرة مستكينة مترددة:
_ جرى إيه يا سحر؟ إنتِ بتدافعي عنه؟ هو مش ده اللي خطفك؟ وأنا جيت لحد عندك أهو وعرفت مكانك وحخلصك منه.
بتهكم شديد، رفعت "سحر" حاجبيها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها بتعجب قائلة:
_ يا سلام! إيه القصة التافهة دي؟ مين اللي ألفها لك؟ خطف إيه وهبل إيه؟ الناس دي عازميني في بيتهم، ضيفة عندهم، تقوم تيجي وتبهدلهم بالشكل ده؟ هي دي شكراً اللي بتقولها لهم؟
تهدج صدر "علام" محاولاً كبت انفعاله من سخرية "سحر" منه، ليعيد كلماتها بعدم فهم:
_ ضيفة؟ ضيفة إزاي؟ صاحبتك قالتلي في التليفون إنك اتخطفتي؟
ابتسامة جانبية ساخرة تحلت فوق ثغرها وهي تميل برأسها للجانب قليلاً قبل أن تردف باستهزاء، ضاغطة بقوة على حروف كلماتها اللاذعة كمن تطرده وتطلب منه الرحيل:
_ لأ، متخفش عليا. أنا مبتخطفش. بالسلامة إنت بقى يا علام.
ضم "علام" شفتيه بصورة عصبية متأملاً ملامح "سحر" المتهكمة، ليتملكه غيظ شديد، لكنه تمالك ذلك الشعور رغماً عنه وهو يأمر الشرطيين بترك "عنتر" ويطلب منهما العودة لسيارة الشرطة:
_ سيبوه... روحوا إنتوا.
امتثلوا لأمره مباشرة، لينظر باستكانة تجاه "سحر" الشرسة قبل أن يحاول الاعتذار من "عنتر" وأمه على فهمه الخاطئ بطريقة تقربه من "سحر":
_ اعذروني يا جماعة... يعني كان المفروض أعمل إيه لما أعرف إن خطيبتي اتخطفت؟ أقف أتفرج وأنا مربع إيدي يعني؟
بهتت ملامح "عنتر" لسماعه ما وصف به نفسه، ليتجه ببصره تجاه "سحر" وقد علت عيناه نظرة متسائلة عن صحة حديثه، فهي لم تلبث منذ دقائق كانت تنفي ذلك بحديثها مع والدته.
تلاقت عيناها بعينيه المتسائلتين، لتومئ بخفة بالنفي وهي تجيب "علام" بانفعال صارخ لتؤكد لـ"عنتر" كذب حديثه:
_ خطيبة مين؟ إيه الكلام الفارغ ده؟ إنت الظاهر دماغك بتتهيأ لك حاجات مبتحصلش كتير اليومين دول.
شعر "علام" بالحرج للمرة الثانية، ليحاول كبت غضبه لاسترضاء تلك المنفعلة بلين:
_ بالراحة بس... مش أنتي كنتي بتفكري وخلاص حنعلن الخطوبة؟
_ لا خطوبة ولا غيره... افهم بقى يا علام. أنا وأنت منفعتش بعض خااااالص. فيا ريت نخلص من الموضوع ده وميتفتحش تاني نهائي، فاهمني؟
قبض "علام" كفه بقوة ثم أردف بجدية:
_ طب يلا غيري هدومك الغريبة دي وتعالي معايا أروحك البيت.
أغمضت "سحر" عيناها وهي تمط شفتيها برفض طلب "علام"، مردفة برد قاطع:
_ لأ، أنا قاعدة هنا... عندي شغل مع شريكي "عنتر"، ومش حمشي من هنا. اتكل إنت على الله.
قلب "علام" نظراته الغاضبة بين "سحر" و"عنتر" الذي رسم فوق ثغره ابتسامة منتصرة لاختيار "سحر" للبقاء معهم، معدلاً هامته بزهو زاد من غيظ "علام" المنفعل بحده.
أعاد "علام" ارتداء نظارته الشمسية فوق عينيه ليعود بخطواته الضاربة الأرض بقوة إلى سيارة الشرطة المتوقفة ببداية القرية، متخذاً نفس طريق العودة.
ضربت الحاجة "فهيمة" بكفيها مرددة بطيبة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله... تعالوا افطروا يا ولاد.
_ چايين ياما.
دلفت الحاجة "فهيمة" إلى داخل الدار، ليبقى "عنتر" منتظراً لـ"سحر" التي تبدلت ملامحها الشرسة بأخرى أكثر لطافة ووداعة، وهي تتساءل بابتسامة عذبة:
_ مش نمضي العقود بقى عشان نبقى شركا رسمي ولا إيه؟
بسمة عريضة خطت ملامحه بسعادة، ثم أردف بانصياع لأمر تلك المشاكسة:
_ وماله... نمضي العقود. بس كان نفسي نمضي عقود تانية كمان مع عقود الأرض.
أدركت "سحر" تلميح عنتر، لتتظاهر بعدم الفهم متسائلة بابتسامة تنم عن فهمها لمقصده:
_ عقود؟ عقود إيه؟ هو إحنا بينا عقود تانية؟
_ هو مفيش... بس حيبقى فيه إن شاء الله. ولااااا... أنتي مش عايزة تشاركينى في حاجة تاني؟
دفعت كتفها بلامبالاة ضاحكة وهي تعقب:
_ أفكر.
ثم دلفت إلى داخل الدار مسرعة، لتتجلى ابتسامته العذبة بشقاوة تلك المشاكسة المتمردة على كل شيء.
---
بإسبوع كامل استطاعت "دنيا" فهم ارتباط، أو بمعنى أدق، إلزام الجميع بالبقاء يومياً وطوال الوقت بشقة الجد الغائب "ناجح". فتلك قوانين بيت العائلة أن يبقى الجميع سوياً طوال الوقت، وأن يكون الآمر الناهي بينهم هو الجد الكبير عم والدها الحاج "ناجح"، الذي أرسل لوالدها ليعيد إليه ميراثه عن والده الذي اقتصه منه.
هذا الجد الغائب حتى الآن، ولم تره بعد لسفره معتمراً بيت الله الحرام.
جلست مستمعة لمزاح أولاد عمتها "إخلاص"، اللذين استطاعت حفظ أسمائهم أخيراً، لكنها أخذت تتطلع نحو باب الشقة المفتوح بين الحين والآخر، فـ"ناجح" ولد عمها "ممتاز" لم يظهر هذا الصباح.
لا تدري الآن لم افتقدت مزاحه معها، فهو كلما رآها يمزح معها ويسخر من بعض كلماتها ووصفها بأسلوب لطيف، وهي أيضاً لم تترك فرصة إلا وكانت بالمرصاد له ساخرة أو ضاحكة، فله أسلوبه المميز الذي جعله الابن المفضل والحفيد المفضل بتلك العائلة.
بعد مرور القليل من الوقت هتف الصغير "كريم":
_ ناجح جه.
بالطبع التفت الجميع تجاه الدالف نحوهم، لكن تلك الابتسامة التي أشرقت بوجه "دنيا" كانت مميزة للغاية عن تلك التي تصطنعها طوال الوقت معهم.
ربما لم يلحظها أحد سوى اثنين فقط من هذا الجمع الضخم. فقد أدرك "إسماعيل" ذلك التحول باهتمام "دنيا" بحضور ابن عمه العزيز، ليتابع بنظره "ناجح" لمعرفة ما بداخل كل منهما تجاه للآخر.
لكن تلك العيون الساخطة التي كادت تلهب "دنيا" بنيران مشتعلة كانت لـ"كاميليا" التي لاحظت بتلك الأيام الماضية اهتمام "ناجح" بتلك الدخيلة، كما لاحظت اهتمامها به، لترمقها بنظرة غيورة حاقدة للغاية، لكنها سرعان ما حولت وجهها تجاه "ناجح" وقلبها يقفز فرحاً بعودته من الخارج.
دلف "ناجح" وهو يبحث بعينيه المبتسمة قبل وجهه على تلك الصغيرة التي جعلت هذا البيت مبهجاً للغاية بمكوثها لأيام قليلة فقط.
اتسعت ابتسامته الشقية برؤيتها، ليخصها بغمزة خفيفة عند دخوله، لم تلاحظها سوى "كاميليا" و"دنيا" التي تورّدت وجنتاها خجلاً من تلك الحركة على الفور، لتنحي وجهها عنه مصطنعة انشغالها بمشبك شعرها الوردي.
أسرع التوأم "كامل" و"كمال" بالتهافت على "ناجح" لحمل الأغراض التي يحملها وسط سعادة غامرة:
_ هات هات يا ناجح... جبت إيه المرة دي؟
مد "ناجح" ذراعيه لهما بالأكياس التي يحملها وهو يطالبهم بتوخي الحذر:
_ خدوا بالكم فيه آيس كريم.
بصوت متمايل عقبت "كاميليا" بنظرات عشق هائمة:
_ إيه ده؟ إنت جبتلنا آيس كريم؟ ده أنا بحبه أوى أوى أوى.
بلحظات كان كل الحلوى موزعة بين أيدي الجميع يلتهمونها بنهم شديد، بينما أسرعت "كاميليا" لتناول المثلجات التي تحبها للغاية ويكفيها أن "ناجح" من ابتاعها لهم.
أمسكت "كاميليا" بعلبة من المثلجات وهمت لفتحها، حين أسرع "ناجح" بخطفها من يدها بسرعة قائلاً:
_ لا... المانجا لـ "دنيا" هي اللي بتحب المانجا وأنا جايبها لها مخصوص.
رفعت "دنيا" رأسها باندهاش شديد لتذكره ما تحبه، ذلك الأمر الذي مر خاطفاً حين ذكرت عشقها للمانجو بحديث عابر منذ يومين.
بينما كادت "كاميليا" تصيب "دنيا" بسهام قاتلة بألسنة اللهيب النابعة من نظراتها النارية لها ولـ "ناجح"، لتترك المثلجات من يدها بانفعال دافلة إلى الداخل بغضب شديد.
اقترب "ناجح" من "دنيا" ماداً يده بعلبة المثلجات خاصتها، ليعصف بقلبها المضطرب، فاهتمامه بتلك التفاصيل الصغيرة التي تخصها لم يحدث لها من قبل، حتى من البارد "وائل" لم يهتم أبداً لمعرفة ما تحب وما تكره.
أمسكت "دنيا" بعلبتها بسعادة حين سألته بهدوء:
_ وأنت فين؟ مش بتحب الايس كريم ولا إيه؟
أجابها، وليته ما أجابها، فقد كانت نبرته وصوته الهائم مخجلين لها بصورة هائلة وهو ينطق بهيام:
_ بحبه... بحبه أوى.
لاحت ابتسامة جانبية خفيفة بثغر "إسماعيل" وهو يطالع هذا الثنائي الفريد، فمع ظنه بعاطفة ولدت من جديد بين قلبيهما، إلا أنهما ما زالا يتعاملان كالقط والفأر أمام الجميع، وربما أمام أنفسهم أيضاً.
عادت "كاميليا" بخطوات قوية تضرب الأرض بثقل شديد، لتفتح أحد الأكياس مخرجة منها عبوة من المثلجات بنكهة الشيكولاتة، ثم عادت إلى الداخل مرة أخرى وهي تلوح بكتفها مبعدة وجهها عنهما لتظهر استيائها لهما.
---
كاد أن ينفث لهيباً غاضباً من رد فعل "سحر" معه، ليسرع بخطاه مبتعداً عن تلك القرية وهو يلعن بداخله "عنتر" و"سحر" بغيظ شديد.
اقترب من المندرة الخاصة بـ "أبو المعاطي" باحثاً عنه لينفث به غضبه حينما اختفى من جواره قرابة دار "عنتر".
لم يكن من طبعه طرق الأبواب، فاقترب ليدفع الباب بعنف كما اعتاد، حين سمع حواراً أثار اهتمامه بين شخصين بالداخل، فانتظر قليلاً لسماع كل شيء دار بينهما بالتفصيل أولاً.
جلس "أبو المعاطي" مع صديقه "جمعة" يتناوبون مبسم تلك الأرجيلة بينهم حتى تعبأت الغرفة بدخانها السام.
أعاد "أبو المعاطي" جزعه للخلف، ثم استند بمرفقه على إحدى الوسائد بجانبه وهو يفاوض "جمعة" على حصة أكبر من تلك التي خصصها له:
_ هو أكده... ياخد النص يا ماليش صالح بالحكاية دي. دي فيها حبس يا بوي.
_ متبقاش طماع أمال يا أبو المعاطي... ده أنت بتنقب بس، والآثار دي والمساخيط اللي فيها حييجي واحد يبيعها يعني كيف يبقى النص بالنص. كل واحد له نسبة أمالِ.
_ لا... هوه أكده. ويا عاجبك... يا لأ. بس يكون بعلمك... أنا لو طلعت بره الحكاية دي حبلغ عنكم كلياتكم. آه... فيها لا أخفيها.
_ إنت بتهددني يا أبو المعاطي؟
برقت عينا "علام" بوهج طامع، فالآن يستطيع الوصول لما كان يطمح إليه، حلم الثروة والمال التي كان يسعى إليه يأتي إليه على طبق من ذهب.
دفع باب المندرة بقدمه بقوة ليدلف إلى الداخل مسبباً ذعراً شديداً بنفسهم ليصبح ذا سلطة ونفوذ عليهم بقوته ومكانته.
هلع "أبو المعاطي" ومن معه لتتسع عيونهم بتخوف وقد جف حلقهم تماماً، فقد انتهى أمرهما تماماً الآن.
أمسك "علام" بمقدمة جلباب "أبو المعاطي" متحدثاً من بين أسنانه بوجه غاضب:
_ إيه حكاية الآثار دي كمان؟ وعلى الله تكذب... حتبقى نهايتكم على إيدي.
بارتباك شديد أخذ "أبو المعاطي" يتلجلج بالحديث مخرجاً همهمات متحشرجة تماماً:
_ ااا... هههوو... والله يا باشا... إنت... أنا...
نظر نحوه "علام" بتهديد من معرفته بما تحدثوا به منذ قليل:
_ أنا سمعت كل حاجة... والأحسن لكم تتكلموا بهدوء وتفهموني كده واحدة واحدة لو عايزين الموضوع ده يكمل.
شعر "أبو المعاطي" بطمع هذا الضابط بما وجدوه، وعليه استغلال طمعه ليكملوا النقب بتلك المقبرة تحت حمايته:
_ كله تحت أمرك يا باشا... ده إحنا خدامينك.
_ أيوة كده... أقعد بقى إنت وهو وقولولي حكاية الآثار دي بالتفصيل الممل.
---
بمنتصف هذا اليوم وبعد تناول وجبة الغذاء والتفافهم جميعاً بهذا المجلس المربع يتحادثون، أقبلت الجدة "بدرية" بعد انتهائها من محادثتها مع الجد "ناجح" قائلة:
_ جدكم بيسلم عليكم... أهو خلاص كلها كام يوم ويرجع بالسلامة.
_ بإذن الله.
دق هاتف "دنيا" برقم "سحر" الجديد لتحمل هاتفها وهي تستأذنهم بالرد:
_ بعد إذنكم.
أومأ لها الجميع بابتسامة تفهم، بينما أخذت "كاميليا" تهمس بأذن والدتها تشكو لها بتذمر:
_ شايفه يا ماما... منزلش عينه من عليها إزاي؟
_ شايفه شايفه... وبعدين اسكتي إنتي يا هبلة... هو حيلاقي زيك فين؟ وهى دي تيجي فيكي إيه المسلوعة دي؟
_ مش قادرة يا ماما... أنا خايفة لا تخطفه مني.
_ اصبري بس... أهو جدك كلها كام يوم ويرجع ويديها نصيب أبوها وتغور في داهية، وخلاص يرجع ناجح مفيش حد قدامه غيرك إنتي يا حبيبتي.
_ تفتكري... يا رب يا ماما جدو يجي بسرعة بقى ويزيح الهم التقيل ده من هنا... خلاص معدتش طايقاها.
وجدت "دنيا" فرصة جيدة للغاية للحديث مع "سحر" عن "أحلام"، خاصة وهي تتحدث إليها بسعادة حقيقية تخبرها بما حدث اليوم وزيارة "علام" إليهم وما فعله "عنتر" معها.
بالبداية شعرت "سحر" بالضيق من ذكر شيء يخص "أحلام"، لكن "دنيا" حاولت كثيراً لإقناع "سحر" أن "أحلام" ربما تغيرت وأنها تحتاج لفرصة جديدة وبداية جديدة مثل الجميع.
فتقبلت "سحر" الأمر، لكنها شرطت أن ذلك لن يحدث إلا بعد تقبل "نسمة" له أولاً. سعدت "دنيا" للغاية، فربما يجمعهم الزمن مرة أخرى بعد تفرقهم.
رواية الميراث الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
الشقه الجديده ....
كم هدأت نفس نسمه بعد إنتقالها لتلك الشقه الجديده وشعرت بالإطمئنان بها ، وتفائلت بمكوثها بها ، وشعرت بأنها أخيراً إستطاعت تخطي جميع العقبات السابقه وحان وقت الإستقرار بحياتها وحياه عمر ...
هدوء نفس نسمه المضطربه عاد بالإيجاب على عمر أيضاً فقد بدأ يفكر بجديه ويخطط لعمله الجديد بالقاهرة حيث سينقل أعمال عائلته كلها إليها بعد إقامته بها ...
بعد إصرار شديد من وائل بعرضه لمشاركه بينه وبين زميلتهم تلك حدد وائل اليوم موعد لمقابلته بنورهان لبحث أفكارها وأعمالها ومعرفه إذا كانت تناسبه أم لا ...
لهذا إتجه عمر لأحد الكافيهات لمقابله وائل ونورهان بعدما إطمئن على وضع نسمه ومؤمن بالشقه الجديده ...
نسمه...
دلت نسمه إلى المطبخ لتبدأ بتحضير وجبه الغذاء حتى يعود عمر من عمله الطارئ الذى أخبرها به ...
بعد مرور بعض الوقت دق جرس الباب لتظن أن عمر قد عاد مرة أخرى وربما قد نسى شيئاً قبل خروجه ...
تقدمت نسمه خطوات بسيطه لتفتح الباب وتقف مذهوله للحظات غير مصدقه لما رأته للتو ...
همست بإندهاش فتلك مفاجأة لم تكن تتخيلها أبداً ..
معقول .... أحلام ....!!!!
عمر ...
صف عمر سيارته إلى جوار تلك الكافيتريا التى إتفق مع وائل لمقابلته بها ...
أوصد سيارته وهو يستكمل مكالمته بمهنيه فائقه ...
تمام يا مدحت ... عموماً خلص إنت الأوراق دى وإبعتهالى ... وطبعاً نصيب نسمه لوحده بعيد عن أى شغل ...
دلف إلى داخل الكافيتريا ومازال يتحدث مع مدحت عبر الهاتف ليتفق معه على بعض الأمور الهامه بالعمل الذى كان حريصاً للغايه بنصيب نسمه من الميراث فلن يقحمه بأعماله حرصاً على مالها الخاص كما أوصاه جده قبل مماته ....
دار بعيناه بعجاله باحثاً عن وائل ليطمئن أنه لم يأتي بعد فجلس بأريحيه بإحدى الزوايا بإنتظاره ...
لم يمر القليل ودلف وائل بصحبه نورهان إلى الكافيتريا حين بحث وائل عن عمر أولاً لكن أعين نورهان كانت قد أسرع لتلمحه جالساً بالزاويه لتؤشر لـ وائل بعينيها قائله بإهتمام دون أن تبعد نظرها عن عمر ..
أهو يا وائل .. قاعد هناك أهو .....
إبتسم وائل وهو يلوح تجاه عمر لينتبه لمجيئهم ثم تقدم بخطوات مختاله كما لو كان ظفر برفقه ملكه متوجه يتجه بصحبتها نحو صديقه ...
أنهى عمر مكالمته مع مدحت على الفور حين إنتبه لهما لتلمع عيناه ببريق ساخط على صديقه غاضباً بشده لرؤيته لتلك المتكلفه التى تخطو تجاهه بدلال منفر للغايه ...
فهيئتها لا توحى بالعمل نهائياً بل هى لا تتعدى فتايات الهوى بإحدى السهرات الخارجه ...
كظم غيظه من صديقه الذى ألح عليه بشده لهذا اللقاء وحمد الله كثيراً بداخله أن نسمه لا تدرى بتلك المقابلة شيئاً فهو لم يرد شغل تفكيرها بعمله ....
إقتربت نورهان بإبتسامه عريضه وهى تمد كفها الطويل ذو الأظافر الملونه تجاه عمر تصافحه بحبور ....
إزيك يا عمر .. مش فاكرنى ولا إيه ... ؟!!!!
تطلع عمر بكفها الممتد تجاهها ليرتفع ببصره تجاهها بإشمئزاز مردداً وهو يبقى ذراعه ملاصقاً له ...
أهلاً .. معلش مبسلمش ....
جلست نورهان بإندهاش دون إنتظار لدعوته لها بالجلوس لتردف بإستراب من إسلوبه الفظ ...
غريبه ... مبتسلمش ليه ... هو أنا حاكلك ....؟؟!!
هو كدة وخلاص ...
جلس وائل إلى جوار نورهان محاولاً تلطيف الأجواء التى شُحنت بدون سبب ...
لا يا ستى ... عمر أصله مُحافظ شويه ...
ثم إستكمل وهو يغمز لـ عمر بطرف عينه ليهدئ من حده الأمور قليلاً ...
إيه يا عمر... مش تطلب لنا حاجه ولا إيه ....؟!!
حاول عمر التحلى بإبتسامه مجامله على الرغم من إحساسه بالرفض للتواجد مع تلك السيدة لا يدرك حقاً ما سبب ذلك لكنه شعر بالضيق والنفور فور رؤيته لها ...
أردف عمر بإبتسامه خفيفه مصطنعه للغايه ...
أه طبعاً ...
ثم أشار للنادل لتلبيه طلباتهم ، وبعد إنصراف النادل عن طاولتهم طلب عمر من وائل مرافقته قليلاً ومازالت تلك الإبتسامه مرتسمه على وجهه الممتعض ...
ممكن كلمه يا وائل لو سمحت ...؟؟!!
أه طبعاً ... أكيد ...
إبتعد كلاهما قليلاً ليهمس عمر محتداً بغضب تجاه صديقه مؤنباً إياه بشده ...
إيه ده يا وائل ... هى دى ... إنت عايزنى أتشارك مع دى ... إنت إتجننت ...؟!!
تطلع وائل بـ نورهان لوهله ثم أعاد وجهه تجاه عمر بإستراب من إنفعاله الغير مبرر ...
مالها يا عمر ... إنت مالك مشدود كدة ليه ... هى حره يا سيدى فى لبسها وطريقتها ... بس إللى أأكدهولك إنها شاطره أوى فى شغلها ....
زفر عمر بضيق غير مصدقاً لما يتفوه به وائل قليل الخبره ...
مش باين ... وأنا أصلاً خلاص جهزت مكتبى ... أنا مش محتاج شريك يا وائل ...
إفهم بس وميبقاش دماغك ناشفه ... إسمع منها وشوف طريقتها ... معجبتكش ... خلاص ...
تنفس عمر بضيق ليعود إلى الطاوله بصمت مضطراً للإستماع لأرائها أولاً قبل أن يُكوّن فكرة نهائيه عن التعاون معها الذى مازال لا يحبذه بالمره ...
شعرت نورهان بضيق عمر فأصرت على شرح وجهه نظرها وفكرة مشروعها بإستفاضه بالغه لـ عمر ...
الشقه الجديده ...
وقفت نسمه بأعين متسعه لا تصدق أنها ترى أحلام حقاً ، جزء منها سعيد برؤيتها بعد تلك القطيعه لسنوات طويله فما كان بينهم ليس معرفه سطحيه مرت مرور الكرام لكنها كانت صديقتها المقربه لسنوات طويلة ...
وجزء آخر مازال يحمل ألماً مما سببته لها وإفترائها عليها وخيانتها لصداقتهم ...
وقفت بحيره تنظر إليها بصدمه وبعض التوجس من زيارتها لها ببيتها الجديد ...
شعرت أحلام بتلك الحيرة بين عقل نسمه وقلبها لتقطع تلك الحيرة بإبتسامه رجاء وهى تردف بمحبه ...
مفيش إتفضلى ... ولا أنتى لسه زعلانه منى ...؟!! أنا جايه لحد عندك عشان أقولك حقك عليا ... والمسامح كريم ...
تفوق قلبها على حيره عقلها لتلمع عيونها بعبره خفيفه تأثراً برؤيتها لها بعد تلك السنوات ثم إرتسمت إبتسامه صافيه على ثغر نسمه وهى تفتح ذراعيها لصديقتها تدعوها للإقتراب بداخل أحضانها فـ نسمه لها قلب رقيق متسامح للغايه ...
إرتمت أحلام بأحضان صديقتها لتزيل هموم سنوات طويله قبعت بداخلها لتتحرر الآن مطلقه العنان لبكائها شوقاً وندماً على ما فات ...
أنا كنت عارفه إن قلبك طيب ... وأنا فعلاً زعلانه على إللى عملته ...
دعتها نسمه للدخول وإنهاء هذا العتاب المؤلم ...
خلاص يا أحلام ... الأيام بتنسى ... تعالى إدخلى ...
دلت أحلام إلى داخل الشقه ثم جلست على أحد مقاعد الصالون ومازالت عيناها تتبعان نسمه بإشتياق ...
لاقتها نسمه بإبتسامتها العذبه التى أشرقت وجهها ثم بدأت تساؤلها عن أحلام ...
أخبارك إيه يا أحلام ... ؟!!
تنهدت أحلام بمزيج متناقض بين الراحه لرؤيه صديقتها ومسامحتها بعد فراق طويل وبين حسرة على حالها وحياتها لتخرج تنهيدتها المتحسرة مردفه ...
الحمد لله على كل حال ....
هدوء أحلام ورضوخها كان مقلق للغايه لدى نسمه فـ أحلام كانت دوماً قويه لتسألها بتوجس ...
مالك يا أحلام ... إنتى ليه حزينه ومكسورة كدة مش زى ما كنتى زمان ....؟!!!!!!
وجدتها أحلام فرصه لتخبرها بزواجها من عبد الحميد جارهم القديم الذى تقدم لخطبتها بعدما تماثلت للشفاء من وقعه سقوطها من فوق السلم ...
عاشت بعدها ببيت عائلته بهدوء حتى بدأت معاناتها بعد معرفتها بعدم قدرتها على الحمل ...
حتى أنها قامت بكل شئ ليساعدها على ذلك من وصفات طبيه وعلاج وعمليات جراحيه وغيرها الكثير من الوصفات الشعبيه لكن لا شئ يجدى بالمرة ...
حزنت نسمه كثيراً على حال أحلام وشعورها بحرمانها من الأمومة التى تتمناها ....
الكافيتريا ....
حاولت نورهان إظهار براعتها بمجال سوق الأعمال ، لكن مع ذلك لم يشعر عمر بالإرتياح مطلقاً لأن يتمم شراكه معها فحاول الرفض بلباقه شديده حتى لا يسبب لها أو لـ وائل الحرج ...
حقيقى ممتاز جداً ... بس أنا فعلاً مش بفضل الشراكه خالص ... طول عمري على كدة ...
لكن نورهان لن تترك تلك الفرصه الذهبيه لتضيع من يدها بتلك السهولة فقررت اللعب بآخر أوراقها ...
طب أنا عندي إقتراح ... إحنا ممكن نجرب نعمل صفقه واحده مع بعض ... إرتحت فيها اوك ... مرتحتش خلاص ... هى صفقه واحدة كتجربه وخلاص ... ها قولت إيه .. أظن مفيش حِجه بقى ... ولا إيه يا وائل ...؟!!
أثار طلبها إنتباه وائل وإهتمامه خاصه عندما طلبت رأيه ليهتف مؤيداً ....
أنا شايف إن ده إقتراح ممتاز ومناسب جداً ... مش كدة يا عمر ...؟!!
صمت عمر قليلاً لتهتف نورهان بحماس واضعه عمر تحت الأمر الواقع ...
خلاص ... إتفقنا ... مبروك يا عمر ...
أخرجت نورهان هاتفها من حقيبتها الصغيرة لترفع يدها عن آخرها وهى تعقب بسعاده ...
يلا بقى ناخد سيلفى الإتفاق ...
نظرت بشاشه هاتفها لتجد عمر متجهم للغايه لتلتفت نحو عمر تحثه على الإبتسام ...
ما تضحك يا عمر ... هو الضحك بفلوس ولا إيه ...!!!!
نكزه وائل ليبتسم قليلاً رغماً عنه وقت إلتقاط تلك الصورة ...
إستطاعت نورهان إلتقاط الصورة أخيراً لكنها إنتبهت لـ وائل الذى أخذ يهتف مصطنعاً الحزن ...
إستنى يا نور ... أنا مطلعتش معاكم ...!!!
إندهشت نورهان بصورة مزيفه للغايه قائله ..
يا خبر ... إزاى ده ... يلا تانى ...
وإلتقطت لهم صورة تجمع ثلاثتهم معاً بدلاً من تلك التى ظهرت بها هى و عمر فقط ، طلب منهم عمر بعد ذلك الذهاب لمكتبه الجديد للعمل هناك فهو لا يحبذ الأعمال بالأماكن العامه ليرحل تاركاً إياهم ...
الشقه الجديده ....
تجاذب أطراف الحديث بينهم جعل الوقت يمر دون أن تدرى كلاً منهما به ، لم تنتبه نسمه إلا على صوت مؤمن الناعس وهو يتقدم نحوهم ...
ماما ....
إلتفتت له نسمه بحنو وهى تحمله فوق ساقيها تضمه بأحضانها حتى يستفيق جيداً من نومته ...
صباح الخير يا حبيب ماما ... تعالى ...
إندهشت أحلام للغايه وأخذت تطلع تجاه مؤمن بنظرات متفاجئه للغايه حين همست بخفوت ...
إيه ده ... إبنك ...!!! إنتى خلفتى يا نسمه ...؟!!!
لم تستطع نسمه تحديد نيه أحلام حقيقه لتجيبها بتوجس ...
أيوة ... مؤمن إبنى ...
إعتدل مؤمن ينظر لتلك الضيفه التى تزورهم لأول مرة لتتعلق أعين به أحلام بصمت تام وعلت ملامحها نظرات حزينه للغايه ثم هتفت بعد برهة ...
تعالى ... تعالى يا مؤمن ... أنا خالتو أحلام ... صاحبه ماما ...
نظر مؤمن لكفيها الممدودين إليه ثم تطلع بوالدته لتؤشر له بالذهاب إليها قائله ...
روح يا مؤمن ... روح لخالتو أحلام ...
دنا مؤمن من أحلام لتحمله بعاطفه قويه فوق ساقيها ثم ضمته بشده إلى صدرها ليرتجف قلبها بتمنى لو كان لديها طفل كـ مؤمن ....
أشفقت نسمه للغايه على حال صديقتها بموجه من المشاعر المنكسرة لم يخرجهما منها إلا رنين هاتف نسمه معلناً وصول بعض الرسائل المتتاليه ....
أمسكت نسمه بهاتفها وهى تطالع محتوى تلك الرساله لتنقلب ملامحها لأخرى فزعه للغايه مما جعل أحلام تشعر بالقلق من محتوى تلك الرساله ..
أجلست أحلام مؤمن إلى جوارها لتتسائل بقلق ...
خير يا نسمه ... فيه حاجه ولا إيه ....؟!!
رفعت نسمه وجهها تجاه أحلام وهى مذهوله للغايه ثم تهدجت أنفاسها حتى شعرت بصعوبه فى التنفس لكن لم تجد سوى أحلام تلقى لها بحموله خوفها ...
شوفى .. شوفى يا أحلام ..
أمسكت أحلام بهاتف نسمه وهى تنظر لملامحها التعيسه ثم ألقت نظرة على تلك الرسائل المرسله إليها من رقم غريب كانت فحواها ...
(( يا ريت متبقيش عقبه قصاد عمر وحياته وفرحته ...هو إستحملك كتير أوى ....إستحمل تعبك ونفسيتك المريضه إللى خنقته .... عمر دلوقتى لازم يعيش مع اللى بيحبه ... إبعدى عنه فى هدوء كفايه اللى عيشتيه فيه الفترة إللى فاتت ... على فكرة أنا و عمر بنحب بعض وحنتجوز قريب أوى ... يا ريت لو بتحبيه وتتمنى له السعاده تبعدى وكفايه عليه ضغط اكتر من كدة ...)
ربما كانت تلك الرساله تحمل العديد من المعانى وربما أيضاً تتحلى بالكثير من الأكاذيب التى يصعب على نسمه تصديقها فما بينهم أقوى من رساله تصلها من رقم غريب ...
لكن تلك الصورة المرفقة بهذه الرساله كانت هى من شقت قلبها نصفين حين رأت عمر برفقه إحداهن بمقهى ما ...
حاولت أحلام تهدئه نسمه التى شحب وجهها تماماً ، ما تعلمه أحلام جيداً أن عمر لن يفعل ذلك بـ نسمه مطلقاً لتحاول تبرير سبب تلك الصورة وإيجاد سبب مقنع لها حتى تطمئن قلب نسمه وأن الأمر يبدو طبيعيا بها وأن من أرسلت تلك الرساله تسعى للإيقاع بينها وبين عمر وخلق فجوه أو إصطناع مشكله ...
لا يا نسمه ... أنا مصدقش أبدا إن عمر يعمل كدة .. أكيد فيه تفسير للصورة دى ...!!
تحركت عينا نسمه بعشوائية محاوله التحدث لكنها أحست بثقل يطبق أنفاسها وهى تخرج همهمات متحشرجه إستطاعت أحلام فهمها بصعوبه ...
ااا .. أمال ... قاعد معاها ليه ... كدة لوحدهم ... ده ...عمره ما عملها ...!!!!
ما هو عشان كدة لازم تتأكدى منه الأول .. بلاش تتسرعى ...
أومأت نسمه بالإيجاب لكنها تحلت بالصمت ليدور بعقلها العديد والعديد من التوجسات الخائفه لن يمحيها إلا سؤال عمر عنها ...
وما عليها الآن سوى إنتظار عودته لسؤاله ...
بعد مرور بعض الوقت إضطرت أحلام للرحيل تاركه نسمه تتخبط بأفكارها بإنتظار عوده عمر ...
مر الوقت وهى تنتظر لكنها لم تهنأ أو ترتاح مطلقاً بل ظلت متأهبه لعودته بفارغ الصبر لتنتفض من جلستها حينما إستمعت لصوت باب الشقه الذى فتح للتو ...
حاولت رسم إبتسامه زائفه وهى تنظر بتمعن بملابسه التى تماثل تلك التى كانت بالصورة لتعصف الفكرة برأسها أنه كان برفقه تلك الفتاه اليوم ...
أفاقت من شرودها بصوته الحنون الذي أربكها أكثر فهل هو صادق أم مخادع كبير ...
مالك حبيبى ... إنتى كويسه ... شكلك مرهق أوى ليه كدة النهارده ...؟!
كادت شفاهها تتحرك بدون صوت او كلمات حتى إستجمعت جأشها قليلاً وهى تسأله ...
إنت كنت فين النهارده يا حبيبى ...؟!!
قبل أن يجيبها شعرت بإضطراب وبروده بجسدها تماماً لكنها كانت بمنتهى التحفز فى إنتظار إجابته ...
كانت تتمنى وترجو من داخلها أن يخبرها أنه كان مع إحداهن لعمل ما ، أرادت ذلك وبشده أن يكون صريح معها ويطمئن قلبها المختنق ...
تفكر عمر لوهله أنه لا داعى لإخبارها بوجوده مع تلك المتلونه التى تدعى نورهان ويثير غيرتها التى يعلمها جيداً ، فهى أخيراً فى حاله إستقرار نفسى وصلت إليه بعد عناء شديد ولا داعى لخوض إضطراب جديد هى فى غنى عنه ولا يوجد سبب حقيقى لذلك ...
اا ... كنت فى شغل ... قابلت وائل عشان شغل فى المكتب الجديد ...
إتسعت عيناها بصدمه وتثلج جسدها حتى كادت تفقد الوعى ، إنه يكذب عليها ، لم يخبرها بأنه كان مع إحداهن ، بل قال لها إنه كان برفقه وائل ...
شعرت بغصه بحلقها وإلتواء شديد بأمعائها وإجتاحتها رغبه عارمه بالتقيؤ ...
حاولت كبح تلك الرغبه لكنها كانت أقوى منها لتضع كفها فوق فمها مسرعه بالركض نحو المرحاض لتتقيأ وتفرغ كل ما تحتويه معدتها كما لو أن معدتها أيضاً لم تعد لتتحمل ...
لحقها عمر بتخوف وهو يتسائل بقلق ..
مالك حبيبى ... إنتى تعبانه ...؟!!!
وسط كل آلامها همهمت بالنفى ..
لأ مفيش حاجه ... شويه برد ...
غسلت وجهها برويه ثم خرجت من المرحاض متأمله عمر الذى يبتسم تجاهها بحنو ليزيد حيرتها بأمره ...
دلت بعد ذلك لغرفتهما تصطنع النوم هرباً من بقائها معه وهى مازالت لا تصدق أنه كذب عليها ويخفى عنها شيئاً لتبدأ الشك بأن فحوى تلك الرساله حقيقى وأنه مل منها ولم يعد يحبها كالسابق ....
بعد مرور ثلاثه أيام ...
سحر ...
بدأت سحر العمل فعليا مع عنتر بعدما قامت بشراء قطعه الأرض الزراعيه ومشاركه عنتر بها ، شعرت بالإنبهار التام من مهارته وحرفيته وتمكنه من الإلمام بكل شئ يخص الصوبه الزراعيه و كيفيه عملها ...
علام ...
لاحظ سحر من وقت لآخر فقد بقى بالقريه لمتابعه أعمال الحفر والتنقيب بتلك البقعه التى أخبره بها أبو المعاطى بحثاً عن الآثار لتزيد إشتعال نفسه من عنتر الذى فضلته سحر عليه خاصه وهو يرى مدى سعادتها بحضوره ...
تلك السعاده التى يلحظها لأول مرة على سحر مما زاد سخطه على عنتر فقرر عند الإنتهاء من إخراج تلك الآثار أن يلفق تهمه لـ عنتر بالإتجار بالآثار ليزج به بالسجن ويتخلص منه نهائياً بعد وضع قطعه من تلك الآثار بدار عنتر ...
وقفت سحر بداخل الصوبه الزراعيه تسأل عنتر بحماس عن كيفيه زراعه تلك المحاصيل بها ...
برافو عليك على فكرة ... مكنتش عارفه إنك مهندس شاطر كدة ...
إتسعت إبتسامته لمدحها له ليشيد هو الآخر بتلك الأنثى الفريده من نوعها ...
الصراحه أنا إللى مكنتش أعرف إنك شاطرة قوى قوى إكدة ... وذكيه قوى كمانِ ...
ضمت شفاهها بخيلاء ثم علقت بسعاده على مدحه لها ...
تعرف .. كنت فاكره إنك حتضايق لما أشتغل معاك ... يعنى ... جو الراجل الصعيدى بقى إللى بيرفض ويتحكم وكدة ....
لا ... ما أنى برضه متعلم وفاهم ... يمكن لو دى رغبتك وحبيتى الراحه فى الدار بعيد عن العيون دى كلاتها (كلها) أكيد حكون مبسوط ... لكن طالما بتحبى إكدة .. وماله ... أنا يهمنى برضه إنك تكونى مبسوطه وسعيدة باللى بتعمليه ...
بس عارف إحنا ممكن نعمل كمان مصنع صغير جنب الصوبه حيفرق فى شغلنا أوى ....
دق قلبه بشدة فلم يعد يقوى على الإنتظار فبكل حرف تنطق به حتى لو كان رسمياً للغايه أو بنطاق العمل إلا أنه أصبح متيم به وبطريقتها وأسلوبها وحيويتها التى أكسبت المكان من حوله بروح وحيويه تشبهها تماماً لتكون إجابته مختلفه تماماً عن توقعها بسؤالها عن المصنع ...
سحر .... تتچوزينى ...؟!!!
توقفت سحر عن الإستطراد فى الحديث وهى تطالعه بنفس متهدج وضربات قلب قويه ...
تيبست للحظات وهى تنظر إليه بتفاجئ تام ثم لاحت إبتسامتها تتسع تدريجياً وأصابها الخجل لتتلجم كلماتها وهى تومئ بالموافقه بسعاده لم تكن تظن أنها ستشعر بها يوماً ..
ثم همست بصوتها المبحوح الساحر ...
موافقه ....
علت ضحكه عنتر بقوة فقد مر بعض الأوقات عليه تصور أنها سترفض لإختلاف معيشتها عن معيشتهم هنا بالقريه ...
ثم هتف بحماس بالغ ...
يا الله ....... الليله أسافر أطلب يدك من الحاچ فى مصر ....
على طول كدة ....؟!!
ده أنا إكدة أبقى متأخر كتير قوى .... قوى ....
طب إستنى أمهد الموضوع لبابا وماما ... ونبقى نسافر لهم يوم سوا ...
زين ... وأكون خَبِرت أمى وخواتى كمان ييجوا معاى ...
ثم أكمل بنفس الحماس وبهيام شديد بتلك السمراء المتمرده ...
لأنى وربى ما راچع بيكى إلا وإنتى مرتى على سنه الله ورسوله ...
لم تقوى سحر على البقاء لأكثر من ذلك من شده خجلها لتعود إلى الدار وتبقى بقيه اليوم برفقه والدته فلم تكن تدرى أن للفرحه شعور مبهج للقلب بتلك الصورة ....
رواية الميراث الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب
شعرت نسمه بالإعياء التام لظنونها التي اجتاحت نفسها. لكنها مع ذلك لم تخبر عمر بما يجول بخاطرها، واكتفت بملاحظة تصرفاته بصمت تام. ليشعر هو الآخر بأن نسمه بها شيء مختلف، فهي دوماً شارده حزينه، لا يدري ما السبب الذي جعل حالتها النفسية بهذا التراجع.
خلال تلك الأيام الماضية، تقابل عمر مع نورهان بمكتبه لبدء العمل على تلك المناقصة التي أشارت إليها. وبدأ بالفعل بتجهيز المواد اللازمة للتوريد، كما نص العقد الذي ألزم بتوريد الفواكه لهذا المصنع الكبير للمواد الغذائية خلال فترة قصيرة، وإلا عليهم دفع شرط جزائي كبير للغاية.
تعامل عمر مع نورهان بمهنية شديدة، حتى أن أغلب اجتماعاتهم كان يحضرها المحامي القانوني بمكتبه ليراجع معهم كل التفاصيل الخاصة بالعقد والتوريد.
في الصباح، تجهز عمر للذهاب لمكتبه، كما كان يفعل بالأيام الماضية. حين وقفت نسمه بوجه شاحب للغاية من خلفه تسأله بطريقة غريبة، ربما تحمل نبرة شك أو اتهام.
"إنت رايح فين؟"
استدار عمر تجاهها مجيباً إياها بتعجب من حالتها وطريقتها.
"رايح المكتب. نسمه، إنتى مالك؟ تحسي إنك مش طبيعية؟"
زاغت عيناها بعيداً عنه، فلن تظهر له ما بداخلها حتى تتأكد من كل شيء أولاً، كما أوصتها أحلام بألا تنساق خلف شكوك وتهدم كل شيء.
"لا مفيش، أنا بس بسألك عشان حقابل أحلام ونتمشى شوية."
اندهش عمر بغرابة وهو يهتف بعدم فهم.
"أحلاااام؟!!!!! وإيه إللى فكرك بيها بعد كل ده؟"
"هي جت تزورني واعتذرت لي وخلاص."
لوح عمر بكفيه بتعجب حقيقي من زوجته طيبة القلب.
"بالسهولة دي... خلاص؟"
"خدي بالك منها يا نسمه، إنتى نسيتى عملت إيه."
"المسامح كريم."
حاول عمر تنبيه زوجته الساذجة من أن تكون أحلام قد عادت لتؤذيها مرة أخرى.
"متنفعش طيبتك الزايدة دي يا حبيبى. أحلام ممكن تخدعك تاني وتحاول تأذيكى أنتي أو مؤمن. بلاش يا نسمه."
بوقت آخر كانت لتتفق تماماً معه، لكن ريبتها وشكها به جعلها عنيدة للغاية، خائفة بشكل هستيري، ولا تجد سوى أحلام إلى جوارها، فدنيا وسحر بعيداً جداً عنها. لتهتف بعناد.
"لا متخفش عليا. أنا بقيت بعرف مين بيكدب عليا ومين لأ."
أسلوبها المتواري شعر به عمر أنها تقصد شيئاً آخر دون أن يدري ما هو. وبنفس الوقت لم يشأ أن يعارضها حتى لا تنتكس مرة أخرى، وعليهما زيارة الطبيبة النفسية الجديدة التي أوصت بها طبيبتها النفسية بالمنيا.
أضطر عمر على موافقتها باستسلام مؤقت.
"زي ما تحبي حبيبى. المهم متزعليش."
ودعها عمر متجهاً للمكتب، لتهاتف نسمه أحلام لمقابلتها على الفور حتى يتسنى لهما مراقبة عمر كما اتفقتا سوياً.
***
بيت ناجح...
وقف جميع أفراد العائلة ومعهم دنيا بشرفات البيت المواجهة للطريق في انتظار عودة الجد ناجح بعد رحلته إلى مكة لأداء فريضة العمرة. هي بالكاد رأت صورته معلقة بالشقة، لكنها وقفت تنتظر عودته بشغف شديد، ليس لأمر الميراث مطلقاً، بل لما عرفته عنه من قوة وحكمة.
توقفت إحدى السيارات أمام البيت مزدوج السلم الخارجي خاصتهم، ليتعالى هتاف الأبناء والأحفاد فرحاً بعودة الجد ناجح. ترجل من السيارة كهل طويل البنية نحيف الوزن، بخلاف بقية العائلة الممتلئة الأجسام. يرتدي جلباب رمادي واضعاً عباءة بنية اللون فوق كتفيه زادت من هيبته.
رفع الجد رأسه للأعلى بابتسامة خفيفة ملوحاً لهم رداً على هتافهم الحار، ثم دلف إلى داخل البيت بهدوء وبطء. أسرع الجميع بالدخول لاستقبال الجد بحفاوة أحبتها دنيا للغاية، وهي ترى الجميع يلتف بحب وود حقيقي تجاه هذا الكهل الذي دلف للشقة للتو. بينما وقفت هي تطالعهم من بعيد، فهو لا يعرفها بعد.
ولم يكن الأمر بالصعوبة ليتعرف عليها الجد، ليؤشر لها ماداً ذراعه نحوها بعدما أفرغ من سلامه للجميع قائلاً.
"أهلاً أهلاً ببنت الغالي. إزيك يا بنتي وإزاي راضي؟"
بتأدب شديد اقتربت دنيا وهي ترد تحيته.
"الحمد لله يا جدو. حمد الله على السلامه."
"الله يسلمك."
ثم نظر لأبنائه ممتاز ومصطفى وإخلاص.
"تعالوا نقعد يا ولاد، أحسن تعبت من المشوار والسفر."
التف الجميع حول الجد ليروي لهم بغبطة عن رحلة عمرته وما رآه بمكة والمدينة، تلك الرحلة التي أعادت إليه الروح وراحة النفس التي كان يسعى إليها.
***
نسمه...
قابلت نسمه أحلام بالقرب من البناية التي تقطن بها، ومعها مؤمن. لتتجها نحو مكتب عمر الجديد، فربما بهذه الزيارة تستطيع أن تدرك ما إذا كان عمر قد تغير نحوها، أم أنه مازال باقياً على عهدهما.
كلما كانت تدنو من الحي الذي يقع به مكتبه، كلما انخفضت دقات قلبها وازدادت شحوباً. هي تخشى معرفة ما يخبئه لها القدر، فليت المقدر المحتوم يقع دون انتظاره.
وقفت نسمه بالزاوية المقابلة للبناية وهي تتطلع نحوها بتخوف.
"حاسة إن قلبي حيقف يا أحلام."
"تحبي نروح؟"
"لأ لأ... أنا عايزة أعرف."
أخذت أحلام تكذب كل شيء لتطمئن نسمه قليلاً.
"أنا برضه بقولك كل ده ولا حاجة. إطمني وحتعرفي وتتأكدي إنك فاهمه غلط، وإن مفيش حاجة من إللي في دماغك دي."
أجابتها بتمني من قلبها أن كل شيء يكون كذباً وافتراء عليه، فهي لن تتحمل الدنيا بدونه.
لكن يشاء القدر بوصول نورهان إلى المكتب بنفس التوقيت، لتقف لبرهة تضبط من خصلات شعرها المموج قبل أن تدلف إلى داخل البناية بتغنج شديد، وهي تكاد تترنح من ضربات كعب حذائها المدبب.
تلك الضربات التي وقعت بقلب نسمه بدون انتظار، تخطفه معها لتتيبس محلها وهي تطالع تلك المتلونه صاعدة إلى مكتب زوجها.
تلاشت كل الكلمات وهي تشير بصدمة تجاه الفراغ الذي خلفته نورهان خلفها، ناظرة إلى أحلام التي زمّت شفاها بإحباط تام.
أخذت نسمه تهمهم بنبرة مختنقة، وقد حالت العبرات بعيونها القططية.
"هـ....هـ....هي... هي يا أحلام. هي إللي في الصورة؟"
لم تجد أحلام ما تجيب به صديقتها، لكنها فزعت للغاية وهي ترى نسمه قد سحبت روحها ووقعت أرضاً فاقدة للوعي.
التف المارة نحوهم، وقد حاولت إفاقتها لكنها لم تقدر، فاقترح أحدهم نقلها لأحد المستوصفات الصحية القريبة.
أمسكت أحلام جيداً بيد مؤمن تتبع هؤلاء الأشخاص الذين حملوا نسمه إلى المستوصف، وقد تخوفت للغاية من أن يكون قد أصابها مكروه.
***
مكتب عمر...
دَلفت نورهان إلى المكتب وسط تلك الأعين التي تراقب خطواتها وهي تتهادى بدلال، قبل أن تطرق باب المكتب.
سمعت صوت عمر هاتفاً بالسماح لها بالدخول.
"اتفضل."
فتحت نورهان الباب بابتسامة عريضة امتعض لها وجه عمر على الفور، فليس بينهما موعد حتى تأتي إلى مكتبه اليوم.
"أستاذة نورهان، أهلاً. اتفضلي."
أغلقت نورهان الباب من خلفها وهي تردف بنبرة معاتبة مرققة من صوتها بنعومة.
"إيه أستاذة نورهان دي؟ ما خلاص بقى يا عمر. شيل الألقاب دي. هو إحنا بقينا أغراب؟"
"معلش برضه، الاحترام واجب."
قالها عمر بنبرة يقصد بها الالتزام بالحدود بينهم. وقف من جلسته متجهاً نحو باب المكتب كي يتركه مفتوحاً، فلا داعي لإغلاقه.
فهمت نورهان مقصده لتعترض طريقه هامسة بنبرة مثيرة للغاية تحاول بها الإيقاع بعمر، حلمها الذي لم تتنازل عنه بعد انتهاء دراستهم، تلك السنوات التي لم يشعر حتى بوجودها مطلقاً، وما كان عليه سوى السعي خلف تلك الساذجة المدعوة نسمه.
"عمر... بلاش تبقى دايماً بعيد. أنا مش عارفة إنت خايف ليه؟"
أبعدها عمر عن طريقه باشمئزاز منها وهو ينظر تجاهها بتقزز ساخط.
"احترمي نفسك. وإفهمي إنتى بتتعاملي مع مين. مش أنا اللي أقع مع واحدة من عينتك؟"
احتدمت نورهان لرفضه لها وإهانتها بتلك الصورة لتردف بحده.
"فوق يا عمر من إللي إنت فيه. كفاية بقى ربط نفسك بواحدة مريضة زي بسمة دي. شوف مين اللي يقدر يسعدك و..."
قاطعها عمر بعنف وهو يقلل من قيمتها مدافعاً عن زوجته.
"بس بس... أوعي تجيبي سيرتها على لسانك القذر ده. تكوني إيه إنتى عشان تتكلمي عنها؟ دي فوق دماغك."
أثارت حنقه بشدة ليتجه نحو باب المكتب ليخرج منه ويعود بوقت لاحق تكون تلك البغيضة قد رحلت. لكنه قبل أن يرحل نظر إليها بنظرة جانبية باحتقار بالغ قائلاً.
"وإسمها نسمه... مش... بسمه."
خرج من المكتب كافت متجهاً إلى مكتب المحاسبة الذي يعمل به وائل، مبتعداً عن تلك البغيضة.
بينما ضربت نورهان قدمها بتذمر لتشبث عمر بتلك قليلة الشأن ويتركها هي، هي التي يسعى الجميع لنيل رضاها والتقرب منها.
لم تجد بُد سوى الانتقام منه حتى يعود إليها طالباً السماح والغفران. اتجهت لدرج مكتبه تحاول فتحه، لكنها وجدته مغلقاً بالمفتاح، لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيها الغليظتان وهي تخرج دبوساً من شعرها لتفتح به الدرج بسهولة كما لو أنها اعتادت فعل ذلك من قبل.
أخذت تقلب بمحتويات الدرج حتى وجدت غايتها، لتمسك بالملف وقد لاحت على وجهها إمارات الشماتة، فلا أحد يستطيع مجابهتها مهما كان.
***
المستوصف...
بصعوبة أخذت نسمه تفتح عينيها بوهن شديد. شعرت بالفزع لوهلة وهي تبحث عن مؤمن، فهي ليس لديها استعداد لخسارته مرة أخرى.
تنهدت براحة لوجوده إلى جوارها برفقة أحلام. أخذت أحلام تربت على كتفها بهدوء مؤازرة إياها.
"سلامتك يا حبيبتي."
دَلفت الطبيبة إلى الغرفة الصغيرة التي استلقت بها نسمه وهي تتحلى بابتسامة مجاملة.
"إيه يا ستي، بتحبي تقلقي الناس عليكي ليه؟ هاه، مش نتغذى وناكل كويس ولا إيه؟"
أومأت نسمه بخفة وهي تدير وجهها التعيس بالجانب الآخر. لتقذف الطبيبة الخبر بدون النظر إلى نسمه مطلقاً، بل أخذت تدون بعض المقويات والأدوية بدفترها قائلة.
"عموماً يا مدام، الحمل لسه في البداية ولازم تاخدي بالك من الغذا بتاعك أكتر من كدة."
التفتت لها نسمه بفزع متفاجئة مما تتفوه به تلك الطبيبة. لكن تفاجؤها لم يكن شيئاً أمام تفاجؤ أحلام التي هوى قلبها بسماعها هذا الخبر.
انتفضت نسمه محاولة الجلوس وهي تتساءل بعدم تصديق.
"أنا حامل؟ إزاي ده... وإمتى؟"
ضحكت الطبيبة بطريقة مستفزة للغاية وهي تلوح بالورقة تجاه أحلام.
"أهو يا ستي، ربنا عاوز كدة. مبروك. هاتوا الدوا ده ضروري وتتغذى كويس."
أمسكت أحلام بقائمة الأدوية التي أعطتها لها الطبيبة ومازالت تشعر بالذهول تماماً. ثم رسمت ابتسامة خفيفة تجاه نسمه قائلة.
"حروح أجيب الدوا وأرجعلك عشان نركب ونروح على طول. خلي مؤمن هنا."
أومأت لها نسمه بالتفهم وهي تحمل مؤمن ليجلس إلى جوارها فوق الفراش بانتظار عودة أحلام، وهي تشعر بأنها مغيبة تماماً كما لو كانت تحلم، وأنها لا تعيش كل هذا بواقعها.
بعد قليل عادت أحلام تحمل حقيبة بلاستيكية بها بعض الأدوية لترافق نسمه بعد ذلك إلى شقتها مرة أخرى.
***
بيت ناجح...
دعى الجد ناجح حفيدته للجلوس إلى جواره وسط ترقب الجميع لإنهاء إجراءات الميراث التي أرسل لوالدها بطلبه لإعادة الميراث لهم.
جلست دنيا تتفحص أعين الجميع التي تنتظر قرار الجد واجب التنفيذ بخصوص الميراث الذي يخص والدها، وعليها بعد حصولها عليه العودة مرة أخرى إلى القاهرة.
توقفت عيناها تجاه ناجح الذي وقف منتظر حديث جده باهتمام بالغ، لتشعر دنيا بغصة علقت بقلبها، فعليها الرحيل بعد انتهاء تلك الإجراءات، حزن عميق سكن قلبها، هي لا تود الرحيل بل تريد البقاء إلى جوارهم هنا، خاصة هو ذو الابتسامة المحببة. هل كُتب الفراق بالنهاية دون حتى البدء؟ سترحل غريبة كما أتت غريبة.
صوت الجد الحازم أخرجها من أفكارها وهو يوجه حديثه إليها.
"شوفي يا بنت راضي، أنا فعلاً عاوز أرجع الميراث بتاع أبوكي عشان أخلص من ذنب مربوط في رقبتي."
كادت كاميليا تقفز فرحاً لانتهاء كل شيء وستعود تلك النحيفة لحياتها لتبقى هي وناجح معاً وتتاح لها فرصتها معه مرة أخرى.
أكمل الجد حديثه واضعاً شرطاً واجب النفاذ لتنفيذ تلك الوصية التي يوصى بها.
"بس... أنا عندي شرط لده؟"
انتبهت دنيا للغاية لما يتفوه به الجد، فلم تكن تظن أن هناك شرطاً لحصولها على ميراث والدها. كذلك ترقب الجميع دون إدراك ما يقصده الجد.
تساءلت دنيا باستراب.
"شرط؟ شرط إيه؟"
رفع الجد بصره تجاه ناجح قائلاً.
"شرطي إنك تتجوزي ناجح ابن ممتاز ابني."
وقع تلك المفاجأة أطلق أصواتاً عديدة بنفس الوقت، كان أبرزهم رفض قاطع من عمتها إخلاص وابنتها كاميليا وهمهمات من البعض دون فهم مغزى ذلك، هل هو رفض أم قبول؟
لكن الصدمة كانت بنظرة دنيا وناجح، ربما يريدان ذلك حقاً، لكن ليس إجباراً بتلك الصورة.
(لكن ما الذي يهم الآن؟) هكذا قالها ناجح بداخله، لترتسم ابتسامة لطيفة فوق ثغره تبعها بغمزته الشقية لدنيا، ثم اصطنع الضيق هاتفاً برفض مزيف.
"هو إيه ده؟ وأنا مالي أنا؟ هو الجواز بالعافية يا جدي؟"
أنهى ثورته المصطنعة بغمزة أخرى تجاه دنيا، لتوارى هي الأخرى ضحكتها السعيدة بثورة زائفة أيضاً.
"لا حرام بقى يا جدو... مينفعش كدة. أنا ليا رأي... مش كدة؟"
صرخ بهما الجد بصرامة لتنفيذ أمره، خاصة بعد تلك العبارات المستنكرة من حوله.
"هي كلمة، ومحدش يقدر يراجعني في كلامي. بكرة كتب كتاب ناجح ودنيا والفرح كمان أسبوعين. خلص الكلام."
تظاهرت دنيا بالطاعة والاستكانة، وناجح أيضاً كالمغلوب على أمرهما.
"اللي تشوفه يا جدي."
"خلاص... كل واحد يروح يشوف حاله وأنا حكلم راضي ييجي بكرة هو وأمك نكتبوا الكتاب."
دلف بعدها الجد إلى غرفته وعاد كل منهم لشقته بالأعلى، وسط تذمر شديد من كاميليا التي دلفت لغرفتها بشقة الجد بغضب عارم.
لم يبق سوى إسماعيل وكريم الصغير وناجح، الذي اقترب من دنيا قائلاً بمزاح.
"يلا أهو أكسب فيكي ثواب."
نظرت له دنيا بغيظ قائلة.
"ده إنت يا عيني اللي محدش راضي بيك، فقلت أجبر بخاطرك."
توقعت استكمال مناوشتهم اللطيفة حين همس بعشق.
"الله يجبر بخاطرك. هو أنا كنت أطول."
رفعت له عيناها لترى حقاً نظرات هائمة عشقاً بها، لتنكس رأسها خجلاً بسعادة لا توصف، ثم دلفت مسرعة إلى غرفتها وسط أعين إسماعيل المراقبة لهما.
***
شقة نسمه...
جلست نسمه بضعف شديد حين أقبلت أحلام نحوها بكوب من العصير قد أعدته خصيصاً لها فور عودتهم إلى الشقة، لتصر عليها احتساءه بشدة.
"اشربي حبيبتي عشان تتقوي كدة."
"لا يا أحلام، ماليش نفس خالص."
"لاااااا... ما هو مينفعش. إنتى ضعيفة أوي ومحتاجة أي حاجة تقويكي. مش شايفة وشك عامل إزاي."
باستسلام لأحلام أمسكت نسمه بالكوب لتحتسي العصير كله وهي تبتلع غصة بحلقها ونار بقلبها لا تستطيع تحملها.
"لازم أواجهه... لازم. لو مش عاوزني يقولي، مش يقابلها كدة من ورايا. أنا... بعد كل اللي بينا ده... يخونى يا أحلام."
حاولت أحلام تهدئة نفس نسمه قليلاً.
"اهدّي كدة. مفيش داعي تخربي بيتك. يمكن بينهم شغل؟ ولا الحكاية متستاهلش الانفعال ده. اهدّي كدة وفكري الأول قبل ما تتسرعي."
تهدجت أنفاس نسمه وأرجعت رأسها للخلف، فلم تعد تحتمل حقاً، لقد أصبحت مجهدة للغاية.
نظرت أحلام لساعة يدها ثم أردفت بضيق.
"معلش يا حبيبتي. أنا لازم أروح. عبده زمانه راجع من الشغل."
أغمضت نسمه عينيها وتفهمت أحلام أنها تدرك مقصدها، فانصرفت عائدة إلى شقتها تاركة نسمه بوهنها وأفكارها المحزنة.
***
دنيا...
أخذت تدور وتدور بسعادة بالغة. حقيقة لم تكن تتوقع هذا الشرط، ولم تتوقع فرحتها به، ولم تتوقع رؤية نظرة العشق بعينيه. كم كان رقيقاً حالماً كما كانت تتمنى، تلك الكلمة التي تنبع من القلب والتي انتظرتها لسنوات وسنوات.
لأول مرة تشعر بحب حقيقي يعصف بها. لم يكن ما مرت به من قبل يسمى عشقاً مطلقاً، لقد كانت صغيرة لا تدرك ولا تعي ما معنى تلك الكلمة ولا تلك الأحاسيس، فما تشعر به اليوم مختلف تماماً عما كانت تظن أنها عاشت به من قبل.
أمسكت دنيا هاتفها لدعوة صديقاتها لعقد قرانها بالغد. اتصلت بالبداية بـ سحر وأبلغتها بذلك بسعادة تفوق الوصف حقاً، ثم حاولت الاتصال بـ نسمه، لكن هاتفها كان مغلقاً، فقررت الاتصال بـ عمر لتخبره بموعد عقد قرانها بالغد وعليهم الحضور دون تأخير.
***
مكتب المحاسبة...
جلس عمر يتأفف من تصرفات تلك المقيته التي أجبره وائل على التعامل معها، ليصب غضبه عليه، فهو السبب الرئيسي للتعامل مع مثل تلك الغير سوية.
"مش معقول يا أخي. إنسانة حقيرة ومستفزة. إيه ده؟ ما تروح ترمي بلاها على غيري. أنا راجل متجوز وبحب مراتي."
كان يشعر وائل بأنه محق بما يقول، لكنه حاول التملص من كونه السبب، لمعرفتهم بعضهم ببعض، وربما يشعر ببعض الغيرة من تفضيل نورهان لـ عمر عنه، ليمزح بسماجة أثارت حنق عمر أكثر.
"حد يطول. وبعدين يعني هي نسمه عارفة حاجة ما تفك كدة وتمشي أمورك؟"
"إنت بتستعبط؟ لا ده طبعي ولا نسمه تستاهل مني كدة. وبعدين تطلع مين دي اللي تقارن نفسها بـ نسمه؟ بس بس ده أنت كل يوم بيطلع فيك صفات أوحش من اللي قبلها."
دق هاتف عمر برقم دنيا لينظر نحو شاشة هاتفه باستراب قاطعاً حديثه مع وائل ليجيب هذا الاتصال.
"ألو... دنيا... إزيك."
انتبه وائل لذكر اسم دنيا ليتابع تلك المكالمة باهتمام بالغ مصنعاً البرود كعادته.
"إزيك يا عمر. برن على نسمه تليفونها مقفول."
"مقفول؟ غريبة ليه؟"
"مش عارفه. عموماً أنا بتصل عشان تبلغها إن كتب كتابي بكرة على ابن عمي في بني سويف. لازم تيجوا. ضروري."
وإلى الأحداث بقية.
انتهى الفصل الثامن عشر.
رواية الميراث الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب
مكتب المحاسبه ...
دق هاتف "عمر" برقم "دنيا" لينظر نحو شاشة هاتفه بإستراب، قاطعاً حديثه مع "وائل" ليجيب هذا الاتصال.
"ألو .... "دنيا" ... إزيك؟"
انتبه "وائل" لذكر اسم "دنيا" ليتابع تلك المكالمة باهتمام بالغ، مصطنعًا البرود كعادته.
"إزيك يا "عمر" ... برن على "نسمة" تليفونها مقفول."
"مقفول؟ غريبة ليه؟"
"مش عارفة ... عمومًا أنا بتصل عشان تبلغها إن كتب كتابي بكرة على ابن عمي في بني سويف ... لازم تجوا ... ضروري."
اتسعت عينا "عمر" بدهشة وهو ينظر تجاه "وائل" معقبًا، ليسمعه رده على حديث "دنيا".
"كتب كتابك؟ كده فجأة كده! عمومًا ألف مبروك ... أنا هبلغ "نسمة" وبإذن الله نحاول نيجي."
"تمام ... وأنا هبعت لك رسالة فيها العنوان بالضبط ... هستناكم ... أوعوا متجوش ... سلام."
"أكيد طبعًا .... مع السلامه ...."
أنهى "عمر" الاتصال لينظر إلى "وائل" الذي تحفز بجلسته فور سماعه بكلمة عقد قرآن، ليتساءل بتوجس.
"كتب كتاب مين يا "عمر"؟"
أعاد "عمر" جزعه للخلف وهو يزم شفتيه باستياء، فقد حذر "وائل" من تقاعسه وبروده معها، ليجيبه بضيق.
"دنيا ... مش قلت لك إنها ممكن فجأة تروح منك ... يلا ربنا يسهل لها الحال."
بتلك اللحظة شعر "وائل" بعظيم فعله وأنها ستضيع من يده حقًا، ليثور بانفعال.
"هو اسمه إيه ده ... يعني نسيب بعض مفيش أسبوعين تلاتة ألاقيها بتتجوز؟"
"يا ااااا سلام ... عايزها بقى تفضل قاعدة لما تتكرم عليها وتروح تخطبها؟"
"خلاص يا "وائل" سيبها تشوف نصيبها."
دق هاتف "عمر" بنغمة رسالة، تلك التي أرسلت بها "دنيا" عنوان بيت عائلتها.
انتبه "وائل" لذلك، فبالتأكيد تلك الرسالة من "دنيا" قد بعثت بها عنوان بيت عائلتها، هب مسرعًا لخطف الهاتف من يد "عمر" والاطلاع على فحوى الرسالة، وقد حفظ هذا العنوان جيدًا ولن يترك "دنيا" تضيع من بين يديه بتلك السهولة.
انفعال "وائل" بتلك الصورة أثار تخوف "عمر" لينتهره عن فعل أي تصرف متهور.
"أوعى يا "وائل" ... خلاص ... بلاش مشاكل."
بنظرات غاضبة ماكرة للغاية، ربما أيضًا تحمل نبرة تهديدية.
"ما هي لو مش ليا ... تبقى مش لحد خالص."
تركه "وائل" منصرفًا، ليتبعه "عمر" على الفور محاولًا تهدئته والتفكير بمنطقية، ليبقى معه وقت طويل يحاول إثنائه عن أي تصرف متهور.
***
مع حلول المساء وبتلك البقعة المظلمة الهادئة، تجمع بعض الأشخاص حول مصابيح صغيرة حتى يستطيعوا قطع هذا الظلام ورؤية ما يحاولون عمله بهدوء تام حتى لا يشعر بهم أحد.
وقف "علام" على رأس بعض المنقبين عن تلك الآثار بتلك البقعة التي وجدوها وتيقنوا بوجود كنوز مدفونة بباطن الأرض، ليعمل كل منهم بحماس للوصول لمبتغاهم.
لكن نفس "علام" الآمرة نصبت نفسه قائدًا لتلك المجموعة، ليملي عليهم بأوامره وتوجيهاته والكثير من التوبيخ والصرامة في التعامل، ليسبب لهم جميعًا الضيق أثناء الحفر.
أخذ "أبو المعاطي" يحفر بسخط وهو يتمتم بالسباب بداخله على هذا المتغطرس الذي أحضره بنفسه، لكنه مجبر على ذلك وعليه الطاعة رغماً عنه حتى لا يلقى به في السجن.
وبعد مرور الوقت هتف أحدهم بسعادة للوصول لبداية السرداب الذي يوصلهم للآثار أخيرًا.
"أهي يا بوي ... أهي ... بانت المقبرة."
لمعت عينا "علام" بوهج طامع، متخيلًا تلك المعيشة الثرية التي سيعيش بها بعد الوصول لتلك الكنوز، كذلك تخيل سعادته بعد الزج بـ"عنتر" بالسجن والخلاص منه، لتبقى "سحر" له وحده، فليس "علام" من يرفض ويقال له لا.
***
شقة عمر ونسمة ...
بعد محاولات عديدة لمنع "وائل" من السفر لـ "دنيا" وعاد إلى منزله، استطاع "عمر" العودة إلى شقته بوقت متأخر عما كان يفترض عودته به.
بالبداية لم تنتبه "نسمة" لعودة "عمر"، فهي منذ فترة تشعر بألم شديد ببطنها بعد رحيل "أحلام".
انتبه "عمر" لجلوس "نسمة" بإعياء شديد على أحد المقاعد، فاقترب منها بفزع لرؤيتها شاحبة بتلك الصورة.
"نسمة ... "نسمة" .. حبيبي ردي عليا."
فتحت "نسمة" عينيها بإعياء واضح، لتتذكر خيانته لها، فحاولت النهوض بتألم مبتعدة عنه قائلة.
"إبعد .... عني ...."
نظر إليها "عمر" بغرابة لرد فعلها العنيف والقاسي، كما لو كانت غاضبة منه.
"مالك يا "نسمة" ... فيكي إيه حبيبي بس؟"
حاولت "نسمة" صب غضبها عليه، هذا الخائن الذي لا يستحق حبها، هذا الكاذب، حتى الآن يوهمها بحبه وهو يتلذذ بالبقاء مع أخرى من خلف ظهرها.
ألم بطنها جعلها ترتجف للغاية وهي تصرخ بانفعال.
"متـ .... تقولش ... حبيبي ... إنت خااااين ..... كدااااب ..... بتـ .... بتتـ .... بتقابل ... واحدة ... مممن .... ورااايا ...."
بذهول مما تقصفه به "نسمة" وهو البريء من كل تلك التهم، حاول الدفاع عن نفسه وتبرئتها مما تتهمه به.
"محصلش ... وعمره ما يحصل."
"أنا ... شفتها .... بعيني ... فى المكتب ... النهارده ...."
أدرك أنها تقصد تلك المنحطة "نورهان"، ليضم شفاهه بإدراك قبل أن يوضح لها كل شيء يخص تلك المنفرة.
"دي ..."
قاطعته "نسمة" وهي تصرخ بألم شديد.
"ااااه ... إلحقني يا "عمر" ... بطني بتتقطع ... اااه ...."
بفزع شديد دنا منها ليسندها، لتلقي بحملها فوق ذراعه، لا تقوى على تحمل تلك الآلام.
تعجب "عمر" من حالتها متسائلاً.
"إيه إللي حصل أكلتي إيه ولا شربتي إيه ... إنتي أصلاً لا بتاكلي ولا بتشربى بقالك كام يوم؟?"
"شربت العصير ... "أحلام" شربتني عصير .... إلحقني يا "عمر" ... أنا حامل يا "عمر" ...."
ذُهل للحظات، محاولاً فهم ما تفوهت به للتو، ليدرك أن عليه التوجه إلى المستشفى فوراً.
أسند "نسمة" لتجلس على أحد المقاعد أولاً، قبل أن يتجه لجيرانهم لترك "مؤمن" لديهم حتى يستطيع نقل "نسمة" إلى أقرب مشفى.
حملها بخفة فوق ذراعيه متجهاً بعجالة للمشفى القريب للحاق بها قبل أن تسوء حالتها.
***
المستشفى ....
دلف "عمر" إلى المشفى ومعه "نسمة" التي تئن ألمًا، وقد توقف عقلها عن التفكير بأي شيء الآن سوى ولدها الذي علمت به فقط في الصباح.
ما الذي يحدث لها وما سببه الآن؟ نظرت تجاه "عمر" الذي يكاد يموت قلقًا عليها، متسائلة بداخلها.
لم هو قلق إلى هذا الحد؟ ألم يعد يحبني؟ ألم يتركني لأجل أخرى؟
أمسك "عمر" بكفها ضاغطًا عليه بحنو ليشعرها بأنه معها دائمًا ولن يتركها أو يتخلى عنها.
فحصها الطبيب على الفور، ثم طلب من أحد أطقم التمريض إعطائها بعض الحقن على وجه السرعة، مقررًا أن تبقى تحت رعايتهم ليومين حتى تستقر حالتها.
مع توتر "نسمة" الشديد وتلهفها لمعرفة ماذا حدث لها، كان "عمر" يسبقها بالحديث وهو ما زال ممسكًا بكفها الذي لم يتركه للحظة واحدة.
"خير يا دكتور ... هي مالها بالضبط؟"
بعملية فائقة أجابه الطبيب وهو يتابع ذلك المعلق الذي وضعته إحدى الممرضات بذراع "نسمة".
"المدام حامل في بداية الشهر الثاني ... وغالبًا حصل إجهاض أو حاجة كانت هـ تفقد الجنين ... والحمد لله إحنا اديناها حقن للتثبيت، لكن لازم متتحركش نهائي لمدة يومين ... بعدها نشوف استقرار الجنين والحالة كويس."
قلق "عمر" للغاية على حالة "نسمة"، فهي كل ما تهمه، وأي شيء يعوض بعد ذلك.
لثوانٍ قليلة أخذت "نسمة" تتذكر حديث "عمر" وتحذيره لها من قرب "أحلام" في الأيام الأخيرة، تذكرت صدمتها ونظراتها الغريبة لـ "مؤمن"، تذكرت كيف أصرت ألا تخبر "عمر" عما تظنه به، وصولًا إلى إحضارها لها كوب العصير، لتشك بالأمر أن "أحلام" وضعت لها شيئًا بالعصير لتفقدها جنينها حقداً منها كما حدث في السابق.
خرج الطبيب، ليبقى "عمر" إلى جوار "نسمة"، لتفيق "نسمة" من شرودها بجلوسه إلى جوارها يضم كتفها إليه بحنو تحتاجه بالفعل.
لكن غريزة الأنثى أقوى، لتتذكر ما فعله أو ظنت أنه فعله، لتبعده عنها بانفعال.
"بس ... إبعد عني."
ابتسم "عمر" لطفولة حبيبته وبرائتها، ليردف بخفوت عاشق متيم.
"بس أنا لو أبعد أموت ... يرضيكِ أموت؟"
كتفت "نسمة" ذراعيها، هي بالفعل اشتاقت لكلماته العذبة، لكنه لن يخدعها بها، لتدير وجهها بالجهة المقابلة بضيق.
استكمل "عمر" موضحًا.
"عارفة يا "نسمة" ... كل الناس في الدنيا دي كلها مش هقولك في كفة وأنتِ في كفة ... لأ ... إنتِ أساسًا في الكفتين ... مينفعش أساسًا أقارن حد بيكي ولا حتى من بعيد ... كل الناس دي عبارة عن شوية كسر إزاز ... إنما إنتِ زمرده نادرة استحالة تتكرر أو تتقارن."
تطلعت به بنظرة عتاب، ثم أرفت وما زالت تشعر بالضيق منه وشك بعدم تصديقه.
"يا سلام ... ولما أنا غالية أوي كده ... بتروح لغيري ليه؟ هاه؟"
اعتدل بجلسته ليبقى بمواجهتها، ممسكًا بكفيها بين راحته، وما زالت عيناه تشرق ببريق عشقه الذي تعلمه تمامًا، ليبرر ما حدث ويوضح الحقيقة لها.
"حبيبي صدقيني والله ما فيه حاجة من اللي في دماغك دي ... دي واحدة "وائل" أصر أني أعمل شراكة معاها، بيقول كانت دفعتنا في الكلية وقابلني بيها واتفقنا بس نعمل صفقة توريد مع بعض ... بس هي لا تعني لي شيئًا أبدًا ... وحتى النهارده لما جت المكتب وبتدلع بطريقتها الماسخة دي طردتها، وأساسًا إحنا سلمنا الصفقة كلها يعني خلاص ... مفيش لازمة لوجودها ... أنا مش ناقص وش ... ولو كنت أعرف إن الموضوع ده حيضايقك ما كنت دخلت الشراكة دي أصلًا ... أنا بحلف لك أهو وأنتِ عارفة إني عمري ما بحلف كدب."
بدأت ملامحها تلين وترتسم تلك التقاسيم البريئة التي يعشقها بها، فهي صافية نقية مختلفة تمامًا عن الجميع.
"طب مقولتليش ليه من الأول؟"
أرجع جزعه للخلف وهو ما زال محتضنًا كفيها بين خاصتيه، ليتنهد ببطء قبل أن يجيبها بصدق.
"خفت تقعدي تفكري في أي حاجة وأنا ما صدقت نفسيتك بدأت ترتاح بعد السفر."
ثم استقام معاتبًا إياها.
"وبعدين قوللي هنا ... مش إحنا اتفقنا يوم فرحنا منعـ ... نزعلش من بعض بالظنون كده ... وإننا لازم نتأكد من بعض الأول قبل ما نزعل بالشكل ده؟"
تذكرت "نسمة" تلك الليلة التي أخبرته بها إنها عاقبته حتى لا يسئ الظن بها قبل أن يتأكد منها أولاً، وها هي من انزلقت بتلك الهاوية هذه المرة وليس هو.
"أيوة ... أنا غلطانة ... حقك عليا ... هي "أحلام" اللي أصرت إني ما أتكلمش معاك وأسألك عشان مكبرش الموضوع."
"أحلام تاااني .... !!!! .... وأهو تعبتي وإتأثرتي ... لو كنتي سألتيني كنت جاوبتك ... ولو كنت بكدب عليكِ كنتي أكيد حتعرفي."
"معاك حق ... مش هخبى عليك تاني ... لو كنت من البداية سألتك مكنش حيحصل مشكلة."
"المهم إنك كويسة دلوقتي ... وهم يومين وحتروحي بيتك وتنتهي كل المشاكل دي."
أصر "عمر" على البقاء برفقتها بتلك الليلة، فلن يستطيع الراحة وهي بعيدة عنه وعن قلبه.
***
ظللت السماء بغطائها الأسود وهدوئها الصامت لم يخلُ إلا من صوت حشرات الحقول بهذا الليل.
تعبأت الغرفة بدخان تلك الأرجيلة لبداية سهرة خاصة بين "أبو المعاطي" وصديقه "جمعة".
لم يكتفيا بتدخين تلك السموم، لكن وضعوا بعضًا من العشب المخدر للعقول (الحشيش) بتلك الأرجيلة ليزيلا عناء حفرهم طوال الليل.
قبيل الفجر مر "هريدي" على المندرة الملحقة بدارهم بالمصادفة، ليجد "أبو المعاطي" و "جمعة" قد ثقل لسانهما، لا يدريان ما يتفوهان به.
شعر بالأسى تجاه أخيه الذي لم يترك خطأ إلا وقام به، اقترب منه منبهًا إياه أن يترك تلك الأرجيلة ويعود إلى داخل الدار.
"أبو المعاطي" ... "أبو المعاطي" ....
نظر إليه "أبو المعاطي" مضيقًا بعينيه ليحاول التعرف إلى هذا الوجه المألوف، لكن عقله لم يكن راجحًا ليهتف به.
"علام باشا ... تعالى يا بيه."
انتفض "جمعة" من نومته فوق الوسائد مرحبًا بـ "هريدي" ظنًا منه أنه "علام".
"يا مراحب يا بيه ... خطوة عزيزة."
نظر نحوهم "هريدي" باستغراب، ثم حاول إفاقة أخيه.
"قوم يا "أبو المعاطي" ... يلا كفاياك."
"حالاً أهو يا بيه ... طلعنا المساخيط (الآثار) من الأرض ... حنحطها في بيت "عنتر" ... ولا انت حتحطها ....؟"
تعجب "هريدي" مما يتفوه به أخيه، فهل يعمل ليلاً بالتنقيب عن الآثار؟ لكن ما علاقة "عنتر" بذلك.
"عنتر ... مساخيط (تماثيل) ... ؟!!!!!!"
أوضح "أبو المعاطي" كل شيء لـ "هريدي" بدون حتى طلبًا منه.
"مش إنت يا بيه اللي قلت لما نخلصوا الحفر حتحط المسخوط (التمثال) بدار "عنتر" وتبلغ عنيه (عنه) وتبقى خلصت منيه (منه) واصل."
استطاع "هريدي" إدراك ما يفكران به وما سيفعله هذا المدعو "علام" بـ "عنتر"، ليومئ بتفهم وقد اتسعت عيناه بهلع، ليتسلل إلى الخارج هاربًا قبل أن يدرك "أبو المعاطي" أنه كان يتحدث معه ويؤذيه بقوته الغاشمة.
***
في الصباح ...
أحلام ...
بعد خروج "عبد الحميد" تجهزت "أحلام" لزيارة "نسمة" للاطمئنان عليها بعد إعياءها بالأمس. مرت بشقتها الجديدة، لكن لم يجيبها أحد بعد طرقها عدة مرات، حتى قابلتها جارتها وأخبرتها بما حدث ليلة الأمس، لتسرع "أحلام" إلى المشفى للاطمئنان على "نسمة".
المشفى ....
بعد قضاء تلك الليلة الطويلة، استيقظ "عمر" على رنين هاتفه ليجيب هذا الاتصال بصوت خافت.
"أيوة يا أستاذ "صادق" ... إيه ... أنا مش فاهم حاجة ... خلاص نص ساعة وأكون عندك في المكتب ... تمام ... مع السلامة."
استيقظت "نسمة" على صوت "عمر" متسائلة بقلق.
"خير يا "عمر" ... فيه حاجة؟"
"لا ... مش فاهم ... أستاذ "صادق" المحامي عايزني ضروري في المكتب .... ساعة بالكتير وحرجع لك حبيبي ... تمام."
"ماشي."
خرج "عمر" متجهاً صوب المكتب بعجالة كما طلب منه المحامي الخاص به وبأعماله.
اعتدلت "نسمة" وقد شعرت بأنها أصبحت أفضل حالاً من الأمس، سمعت طرقات خفيفة على باب الغرفة التي تمكث بها، لتسمح للطارق بالدخول.
"ادخل."
أقبلت "أحلام" بابتسامة صافية، قابلتها "نسمة" بتجهم عظيم، فهي بالتأكيد السبب بما حدث لها.
ألقت "أحلام" تحية الصباح بود بالغ.
"صباح الخير يا "نسوم" ... شكلك أحسن كتير أوي من إمبارح."
ثارت "نسمة" بغضب، فرغم طيبتها الشديدة إلا أنها تكره بشدة من يخدعها بتلك الصورة، فتحلت بشجاعة لمواجهة "أحلام" بما اقترفته بحقها.
"إنتِ ليكي عين تيجي بعد إللي عملتيه ... أنا عملت لك إيه عشان تأذيني كده ... بس أنا الغلطانة عشان صدقتك تاني."
حركت "أحلام" رأسها نافية بعدم فهم.
"إنتِ بتقولي إيه ... أنا عملت إيه؟"
"مش إنتِ اللي حطيتيلي الدوا في العصير عشان البيبي ينزل ... وإنتِ اللي كنتي مصرة إني ما أتكلمش مع "عمر" ... عشان يبعد عني."
ذهلت "أحلام" من تلك الاتهامات الموجهة إليها، لتتباطأ أنفاسها بوهن مردفة بصوت يكاد يخرج من حنجرتها.
"لأ طبعًا ... أنا يمكن غلطت في حقك زمان واعترفت لك بكده ... وربنا عاقبني على إللي عملته بس وقتها كنت صغيرة وعقلي صغير ... لكن فهمت وندمت واستغفرت ربنا .... هو يعني البني آدم منا مش بيغلط ويتوب ... ولا لازم يفضل طول عمره بيتعاقب بحاجة قديمة عملها ... أنا بجد بحبك وإنتِ أختي وصاحبتي ... هأذيكي ليه وأنا راجعة نفسى نرجع أصحاب زي الأول ... أنا قلت لك متكلميش "عمر" عشان الموضوع ميكبرش."
عقبت "نسمة" بشك.
"طب والعصير ... إيه حتنكري دي كمان ... ده أنا أول ما شربت العصير بطني كانت بتتقطع ... والدكتور قال إن البيبي كان ممكن ينزل."
لم تجد "أحلام" ما تبرئ به نفسها، لترفع كتفيها للأعلى بعدم إدراك.
"والله ما أعرف ... أنا عملت لك عصير بس ... والله ما حطيت فيه حاجة."
صمتت "نسمة" بضيق وهي تلتفت بالاتجاه المعاكس بعيدًا عن "أحلام" قائلة بحزن.
"كان نفسي نرجع يا "أحلام" زي الأول ... بس أنا مش مصدقاكي ... مش عارفة أصدقك."
نكست "أحلام" عينيها أرضًا بتعاسة بالغة، وخرجت من غرفة "نسمة" بصمت تام، فلم تجد سوى الدموع حليفًا لها، فيبدو أنها ستوصم بالخائنة طوال حياتها.
***
دار عنتر ...
اتفق "عنتر" مع والدته الحاجة "فهيمة" للسفر غدًا إلى القاهرة لزيارة والدا "سحر" لطلب زواج ابنتهم. وقد أبلغتهم "سحر" بذلك، لتنتظر مرور الساعات بفارغ الصبر للسفر غدًا ويتوج تلك المشاعر بقلوبهم برباط قوي أمام أعين الجميع.
***
وائل ...
ضرب "وائل" بحديث "عمر" عرض الحائط وقرر الذهاب لبيت عائلة "دنيا" لمنع تلك الزيجة بأي شكل، فقد أفاق متأخرًا بأن "دنيا" لن تكون إلا له وبأي صورة كانت.
استقل القطار المتجه إلى بني سويف والذي سيصل مساء اليوم، متمنيًا بداخله أن يستطيع اللحاق بها قبل عقد القرآن.
رواية الميراث الفصل العشرون 20 - بقلم قوت القلوب
دلف إلى المكتب باحثاً عن المحامي الخاص به ليجده جالساً بمكتبه في انتظاره بقلق.
"السلام عليكم... خير يا أستاذ صادق؟ قلقتني."
"اتفضل اقعد يا عمر بيه... وأنا هقولك."
جلس عمر وارتسمت على ملامحه علامات القلق، فهو لا يطلبه بتلك الجدية إلا لأمر هام للغاية. ترقب عمر نطق صادق للكلمات لفهم ما يدور بخلده، حين نطق قاطعاً تخميناته.
"فيه مشكلة كبيرة يا عمر بيه."
"مشكلة... مشكلة إيه بس؟"
"فيه بلاغ اتقدم في الشركة امبارح إننا ما التزمناش بعقدنا بتاع التوريد الجديد للفاكهة المطلوبة وبيلزمونا ندفع الشرط الجزائي."
هب عمر منتفضاً هاتفاً بانفعال.
"إزاي ده؟ إحنا وردنا كل الدفعات ومعانا إيصالات بكده!"
خرج عمر من مكتب صادق متجهاً صوب غرفة مكتبه وسط متابعة أعين صادق المتحسرة دون إبلاغ عمر بشيء. فتح عمر درج مكتبه بتفاجؤ حين وجد الدرج مفتوحاً بالفعل، ليقلب بين الملفات الموضوعة به بذهول، فيبدو أن أحدهم اقتحم مكتبه وسرق جميع إيصالات التوريد الخاصة به. رفع رأسه بصدمة وهو يصرخ انفعالاً من تلك الورطة بل المصيبة التي وقعت فوق رأسه.
"آآآآه... مين اللي اتجرأ وسرق مكتبي؟ ازااااااي؟!"
وقف صادق بباب مكتب عمر بضيق بالغ قائلاً.
"أنا دورت كتير على الإيصالات دي وملقتهاش... فاتأكدت إن اللي سرقهم بلغ صاحب المصنع إنهم ضاعوا مننا، عشان كده قدم البلاغ ده."
هوى عمر فوق المقعد من خلفه بذهول وهو يتمتم بصدمة.
"يعني كل الفلوس اللي دفعتها حق الفاكهة دي راحت في الأرض، ده غير الشرط الجزائي اللي لازم يتدفع؟ ده كده خراب بيوت يا صادق."
"مكنش معاك أي نسخة من الوصلات بتاعة الاستلام دي؟"
أسند عمر مرفقيه فوق المكتب وهو يضع كفيه بحسرة فوق رأسه.
"لأ... كانت الأصول كلها في الملف وكنت قافل عليه بإيدي."
انتبه عمر لجهاز الحاسوب الخاص به متذكراً كاميرات المراقبة بالمكتب، ليسرع معيداً تسجيلات اليوم الماضي بأكمله لمعرفة من الذي تجرأ على سرقته. التف صادق ليتابع معه تسجيل كاميرات المراقبة، حتى انتبها لخروج عمر من المكتب ومحاولة نورهان لسرقة الملف من مكتبه، ليضرب عمر قبضته براحة يده هاتفاً بحدة.
"يا بنت الـ... هي مفيش غيرها؟"
"وحتعمل إيه؟"
"مش عارف... هي أكيد عملت كده عشان أروح لها... وأنا مش حناولها لها... بس أعمل إيه... أعمل إيه... يا أروح لها يا رحت في داهية... ده كفاية الشرط الجزائي لوحده."
"طب أنا عندي فكرة... إحنا نبلغ الشرطة بشريط الفيديو ده ونتهمها بالسرقة... وهم أكيد لما هيفتشوا مكتبها ولا بيتها هيلاقوهم."
شرد عمر بتخيل ما قاله له المحامي ليردف موافقاً.
"صح كده... مظبوط... كلامك مظبوط يا أستاذ صادق."
اتجه نحو قسم الشرطة للإبلاغ عن نورهان وسرقتها لأوراق عمر من مكتبه.
***
بيت عائلة ناجح.
استعد الجميع لحفل اليوم بعقد قرآن ناجح ودنيا بالمساء. وصل والدا دنيا لحضور عقد القرآن بعدما اتفق راضي مع الجد ناجح على ذلك. أحضرت والدة دنيا فستان وردي ناعم للغاية من الستان الناعم مكون من قطعتين، الأولى فستان رقيق جداً وفوقه قطعة منفصلة من الشيفون بنفس اللون كوشاح معلق بصورة مائلة أكسبه رونق خاص.
بسعادة غامرة استقبلت دنيا والديها، ثم حملت فستانها معلقة إياه فوق الخزانة بغرفتها تتأمل تفاصيله من آن لآخر وهي تقوم بعمل ماسكات وتحضيرات عديدة لوجهها لتظهر بأبهى صورة اليوم.
***
المستشفى.
دلف الطبيب مطمئناً على حالة نسمة خلال مروره اليومي ليتفقد حالتها بابتسامة خفيفة.
"كويس أوي... أظن الوضع استقر بس لازم ناخد بالنا من الحركة المفاجئة ومنتعبش نفسنا خالص."
راودها هذا التساؤل الذي حيرها منذ الأمس، فقذفت به مرة واحدة تجاه الطبيب.
"هو أنا أخدت حاجة كانت حتنزل البيبي؟ دوا يعني أو حاجة زي كده؟"
ضيق الطبيب حاجبيه بتمعن ليجيب بوضوح.
"لأ خالص... إنتي ممكن تكوني تعبتي نفسياً أو حركة منفعلة ولا حاجة... لكن مفيش أثر لدوا أو حاجة زي دي متقلقيش... المهم تتابعي بحرص الفترة اللي جايه عشان الحمل يثبت."
صدمها بالحقيقة لتشعر بمدى قسوتها على أحلام دون سبب لذلك، فقد تركت لظنونها الحكم عليها دون أن تراجع نفسها وتتحقق أولاً. نكست رأسها خجلاً من تصرفها نادمة على جرحها بتلك الصورة لتغمغم بداخلها.
"لازم لما أطلع من المستشفى أروح وأطيب خاطرها... أنا غلطت أوي."
***
في المساء.
شقة عبد الحميد.
عاد عبد الحميد منهكاً حاملاً حقيبة أوراقه الصغيرة ليرتمي فوق الأريكة بإرهاق قبل أن ينظر تجاه أحلام المنزويه بأحد أركان غرفة المعيشة حزينة للغاية. اعتدل عبد الحميد متسائلاً بتوجس.
"مالك يا أحلام؟ فيه حاجة حصلت ولا إيه؟"
زمت شفاهها قليلاً ثم انفجرت باكية وهي تسرع بخطواتها تجاهه ترتمي فوق صدره تلتمس به بعض الحنو على حالها فقد هُزمت للغاية اليوم. كانت تتمنى قربهم لكن من الواضح أنها وصمت بفعله لن تغفر طوال العمر.
قضت أحلام وقت طويل تبكي بنشيج عالٍ حتى بدأت نفسها بالهدوء، ليسمح لها عبد الحميد بالتنفيس عما بداخلها قبل أن يسألها عما حدث. بعد قليل بدأت تسرد أحلام ما حدث بينها وبين نسمة اليوم لتشعر بظلم عظيم وقع بها وهي مظلومة لم تكن تريد سوى مصلحة صديقتها وحياتها ليس إلا.
حاول عبد الحميد تهدئتها وهو يفكر بأن يخبرها بخبر مفرح يبعدها عن الحزن الذي تعيش به.
"روقي كده... عندي ليكي خبر جنان... بس نبطل عياط الأول."
رفعت أحلام عيونها المنتفخة تجاهه وهي تسأله بفضول فقد استطاع بالفعل لفت انتباهها فهي فضولية للغاية.
"خبر إيه؟"
"لأ... مش نتعشى طيب الأول ده أنا هلكان من هنا لهنا."
"ماشي... بس أحضر العشا وتقولي على طول... مش حقدر أستنى."
"ماشي."
***
المستشفى.
عاد عمر بإحباط بالغ بعد إبلاغ الشرطة عن نورهان إلى المستشفى ليصطحب نسمة إلى البيت فقد أبلغه الضابط أنه سيتم إعلامه إذا تم العثور على تلك الأوراق الهامة. تجهزت نسمة للخروج وجلست بانتظار عودة عمر الذي تأخر كثيراً فعند ذهابه في الصباح أخبرها أنه لن يتأخر عنها.
بمجرد رؤية وجهه المتجهم قلقت نسمة للغاية وتيقنت بحدوث أمر ما.
"إيه اللي حصل يا عمر؟"
دلف إلى داخل الغرفة محاولاً التنفس بانتظام فقد ضاق تنفسه للغاية فقد خسر الكثير اليوم، خاصة إذا ألزم بدفع الشرط الجزائي فستكون خسارته فادحة. تنهد ببطء وهو يجلس إلى جوارها بصمت. أعادت نسمة سؤالها مرة أخرى.
"إيه اللي حصل يا عمر؟ متقلقنيش عليك... إنتِ حتخبّي عليا تاني؟"
"لأ... مشكلة في الشغل بسبب الزفتة نورهان دي."
"حصل إيه؟"
"سرقت إيصالات التوريد ودلوقتي المصنع بيطالبني بشرط جزائي لأنه بلغ إني موردتش... ما هو عارفين إن الإيصالات مش معايا... وأنا يا إما أورد الفاكهة تاني... يا أدفع الشرط الجزائي... يا أتحبس... يعني خسارة من كل ناحية."
دارت نسمة نصف استدارة تجاه عمر ثم أردفت بأريحية.
"عمر خد الفلوس بتاعتي اللي في البنك... ولا تزعل نفسك ولا تشيل هم خالص."
كم تريح قلبه ببرائتها النقية، ابتسم رغماً عنه لجائزته الوحيدة التي نالها بالفعل بحياته، فلم هو حزين الآن لفقده بعض المال، لا يهم فهي وولده أغلى من كل كنوز الأرض. ضمها عمر تجاهه فهي مصدر طاقته على الاحتمال لكل شيء، فحين تضيق به الدنيا عليه تذكر شيئاً واحداً فقط سيهونها عليه، أنه لديه نسمة. قبّل جبينها بحنان وهو يهمس.
"ربنا يخليكي ليا حبيبي... فلوسك دي أنا أزودها لك وبس... متشغليش بالك... بإذن الله تتحل... يلا بينا نرجع بيتنا."
"آه يا ريت... مؤمن كمان وحشني أوي."
ترددت نسمة بإخبار عمر عن أحلام فهو بالتأكيد مشغول بمشاكله ولن يرهقه بمشكلتها الصغيرة مع أحلام.
***
بعد قليل قامت قوات الشرطة بمداهمة مكتب نورهان بشركتها الخاصة، ومع البحث والتفتيش لم يجدوا أثر لتلك الإيصالات التي أبلغ عنها عمر، لتشعر نورهان بالزهو والانتصار من عدم تمكنه من إثبات وجود تلك الإيصالات أو الوصول إليها لتهاتف نورهان عمر بغرور شديد.
"ألو... شفت بقى يا عمر إن محدش يغلبني."
"رجعي الإيصالات أحسن لك."
"أحب أقولك مش نورهان صادق اللي يتقال لها لأ... أنا أحسن واحد فيكي يا بلد ييجي تحت رجلي هنا ويتمنى أرضي بس عنه."
"لآخر مرة بقولك... رجعي الإيصالات يا نورهان."
"مفيش إيصالات... حرقتهم... وريني بقى حتعمل إيه؟"
استشاط عمر غضباً من تلك المجنونة التي ستطيح به وبقوة ليغلق الهاتف بوجهها فلم يعد لمحادثتها أهمية فقد ضاع كل شيء. صدمت نورهان من رد فعل عمر لتتجه لسيارتها تبحث عن إيصالات التوريد لحرقهم بالفعل، فعليه أن يتأدب معها، لكن الصدمة الكبرى كانت عندما فتحت درج السيارة الأمامي ولم تجد الملف لتقف بذهول وقد اتسعت عيناها عن آخرهما بغير تصديق وهي تضرب فمها بكفها بشهقة قوية.
"يا نهار أسود... الورق...."
لمعت عيناها بخوف فهي لم تفقد إيصالات عمر فقط بل كل الأوراق التي كانت تخبئها بهذا الدرج والذي سيطيح بها خلف قضبان السجن الحديدية إذا سلمت للشرطة فبها أصول تلاعب بشركائها السابقين وسرقتهم. هوت نورهان بقوة فوق مقعد السيارة فقد ضاع مستقبلها الآن لتبقى تتمنى أن سارق تلك الأوراق ربما يساومها لكسب بعض المال بدلاً من تسليمها للشرطة.
***
وائل.
توقف القطار بتلك المحطة التي كان ينتظرها منذ وقت طويل ليسرع باللحاق بـ دنيا قبل أن تضيع من بين يديه.
***
بيت عائلة ناجح.
جلس الجد بصحبة ابن أخيه راضي وزوجته وقد التف أبناؤه وأحفاده من حوله، الكل في انتظار حضور المأذون لعقد قرآن ناجح ودنيا. وقفت كاميليا مرغمة بعد ضغط والدتها الشديد بألا تتيح فرصة للشامتين بغيابها، لكنها كانت تشتعل من داخلها بنيران غاضبة وغيره حارقة. حضر المأذون ليرحب به الجميع خاصة ناجح الذي كانت ابتسامته تعلنها صراحة أنه سعيد للغاية.
"اتفضل يا عم الشيخ."
جلس المأذون إلى جوار راضي والد دنيا وأشار إلى ناجح بالجلوس أولاً ثم أردف.
"أمال فين العروسة؟"
أسرعت بدرية أخت ناجح بالإجابة.
"جايه حالاً أهو."
دلف بدرية إلى غرفة دنيا التي جلست بانتظار أن يدعوها الجميع لمصاحبتهم بتوتر شديد. كانت ناعمة للغاية فقد أكسبها ذلك اللون الوردي نعومة غير عادية وقد أطلقت شعرها البني الناعم فوق كتفيها بحرية واضعة تاج من اللؤلؤ الوردي الرقيق فكانت كالملائكة. تحركت خلف بدرية بارتجاف وخجل شديد وقد ارتسمت ابتسامة عذبة للغاية فوق ثغرها.
نهض ناجح من جلسته فور رؤيتها بإنبهار من نعومتها التي سلبت قلبه ليهتف بمزاح.
"اكتب بسرعة يا عم الشيخ الله لا يسيئك... أوام الله يكرمك."
ضحك الجميع على تعجل ناجح بعقد القرآن، فيما عدا كاميليا التي كانت تنظر شزراً لـ دنيا بحقد تام. وقف إسماعيل بتوتر فمع كل هذا الجمع أراد أن يشرب سيجارة من تلك العلبة التي بحوزته لكنه تخوف من وجود والده وعمه وجده أيضاً لينسل من بين الحضور لنفث دخانها بعيداً عنهم فالجميع مشغولون بـ ناجح ودنيا ولن ينتبهوا له.
وضع المأذون كفي ناجح ورضي معاً لبداية عقد القرآن واضعاً فوقهم منديل أبيض من الحرير.
"بسم الله الرحمن الرحيم... قل ورايا يا أستاذ راضي... زوجـ..."
قطع مراسم عقد القرآن بصوت وائل الصارخ.
"لااااااااااااا.... الجوازة دي لا يمكن تتم... ابدااااااااااا...."
وقف ناجح ذهولاً من هذا الشخص الغريب بينهم، بينما دق قلب دنيا بقوة من صدمتها برؤيته هنا ببيت عائلتها. ألم يكتف ببروده معها طوال تلك السنوات فيأتي الآن ليفسد اللحظة الوحيدة التي شعرت بها بالسعادة حقاً. لقد كانت قد نسيته بالفعل، لم تشعر بأن بقلبها شيء تجاهه، كانت صغيرة غير مدركة لمشاعرها لتنساق خلف وهم شعرت بأنه هو ما يسمى بالحب. تجربة أرادت الخوض بها بعد رؤية قصة عشق نسمة وعمر، لكنها في الحقيقة لم تحبه بتلك الصورة بل كان الوهم يشعرها بذلك. شعرت بأطرافها باردة للغاية ودقات قلبها بازدياد. عادت بنظراتها تجاه ناجح المندهش تريد الصراخ بـ وائل وتخرجه من ذلك البيت ومن حياتها نهائي.
تلاشت ابتسامة ناجح ليهتف بـ وائل.
"إنت مين وعايز إيه؟ بتوقف كتب الكتاب ليه؟"
ابتلع وائل ريقه بصعوبة وهو يتابع تلك العيون المحدقة به بغضب خاصة دنيا ليرفع عيناه بعيداً عنها وهو يقول.
"الجوازة دي متنفعش تتم... نهائي."
"ليه؟"
"عشان ااااا.... عشان ااااا...."
حاول وائل البحث عن سبب يمنع تلك الزيجة فلم يجد سوى كذبة واحدة ستمنع إتمام عقد القرآن بصورة قاطعة ليتحلى بثقة زائفة قائلاً.
"عشان أنا و دنيا متجوزين عرفي."
همهم الجميع بغضب لحقها بصراخ غاضب، بينما صعقت دنيا من كذبه الشنيع، أيقصفها بتلك التهمة البشعة حتى ينال مقصده فقط، أيجرؤ على اتهامها بالباطل أمام جميع أهلها. نظرت نحوه بذهول وقد تهجت أنفاسها بقوة وهي تستمع لسباب الجميع بها وبشرفها. صرخت به نافية.
"إنت اتجننت؟ إنت بتقول إيه؟"
ثم استدارت نحو والديها وجدها وناجح تبرئ نفسها من تلك الوصمة الشنيعة.
"متصدقوش... محصلش... محصلش."
تلجلج وائل لنفي دنيا وأراد تأكيد ذلك ليتحداها بكذب.
"خلاص يا دنيا... قولي الحقيقة... أنا جاي اهو عشان نتجوز رسمي قدام أهلك مفيش حاجة نخبيها خلاص."
حدقته بنظرات نارية وصراخ غاضب.
"كداااااب... محصلش."
كان الجميع يتحدث ما بين همهمات غاضبة وكلمات قاسية وسباب لتربيتها المخله المدللة لتدور كل الكلمات برأسها لتقع بقلبها كالسهام القاتلة.
"كده برضو يا راضي؟ دي آخرة تربيتك!"
"مش تلم بنتك جاي ترميها علينا!"
"قال وعاملة الشريفة وهي متجوزة من ورا أبوها!"
"إخص عليكِ... تربية ****!"
"أدي آخرة الدلع!"
لاحت دموعها الساخنة فوق وجنتيها الباردتين تنهمر بقوة والجميع يسبها ويطعنها بشرفها تريد الخلاص من تلك الاتهامات القاسية. لكن الضربة القاضية جاءت من اتجاه آخر، قصفة أخرى لم تتوقعها دنيا لتطيح بتحملها وقواها أرضاً، حين وجدتها كاميليا فرصة سانحة للضرب بمقتل حتى تنهي فرصتها بالكامل مع ناجح لتهتف بقوة أنصت لها الجميع.
"أيوة حصل... أنا سمعتها بوداني بتكلمه وبتقوله إن كتب كتابها النهارده ولازم ييجي ضروري يتجوزها رسمي أحسن يجوزوها وهي متجوزة عرفي."
شهق الجميع بتصديق كاميليا، فحتى لو كان بقلبهم بعض الشك فقد أكدته ابنتهم ليلقي الجميع ببقية الاتهامات على دنيا بعد تأكيد زواجها من وائل بغير علم أهلها. دارت عيونها حول الجميع دون تمييز من يسب ومن يلعن ومن يغضب فالجميع منفعل للغاية. وقعت عيناها على والدها ووالدتها اللذين نحو وجوههم عنها خجلين من أفعالها. نظر إليها ناجح نظرة منكسرة متحسرة حزينة للغاية لتحرك رأسها نافية تحاول إخباره ألا يصدقهم. نكس رأسه وتحرك مبتعداً لتدور برأسها بين الجميع، فالكل يكذبونها ويصدقون هذا الاتهام البشع عنها. لم يقف أحد معها بل ألقى الجميع بتهمة عليها، ربما معهم حق لأن هذا الوضيع من اتهمها حقاً وأكدت حديثه تلك الحقودة.
لم تستطع دنيا تحمل كل تلك نظرات الكراهية واللوم بعيون الجميع فركضت مسرعة إلى خارج البيت هاربة من نظراتهم القاسية واتهاماتهم الجارحة. ساد الصمت بين الجميع بعد خروج دنيا، ما كانت إلا نظرات متفحصة لـ وائل الذي فجر القنبلة منذ قليل، بينما تلاقت عينا الكاذبان وائل وكاميليا ليدرك كلاهما سوء نفس الآخر. لاحت بعض عبارات الشماتة بين أفواه البعض ولوم شديد لـ عبد الراضي وزوجته أوقفها صراخ ناجح المؤلم.
"كفايه بقى... كفايه."
شعر ناجح بالاختناق فأتجه نحو باب الشقة للخروج مبتعداً عن هذا الجو الخانق حين أسرع إسماعيل لاهثاً بنظرات مرتاعة.
"إلحقوا يا جماعة.... دنيا رمت نفسها في النيل... شفتها بعيني بترمي نفسها."
شهقات مرتفعة بعدم تصديق تبعها ركض ناجح بقوة تجاه الطريق ليعبره بسرعة فائقة يلحقه باقي أفراد العائلة. لم يتوانى ناجح عن خلع الجاكيت الذي يرتديه بسرعة ليلقي بنفسه على الفور بالنيل باحثاً عن دنيا وإنقاذها قبل فوات الأوان. اقترب وائل من حافة النهر ليجد طوق اللؤلؤ الوردي الذي كانت تضعه فوق رأسها ملقى بإهمال على الأرض ليرفعه بين أصابعه شاعراً ببعض الندم. هل أخطأ بفعله وبمجيئه إلى هنا؟ هل هو السبب بما فعلته بنفسها؟ هل اقترف ذنباً بحق دنيا؟ مر الوقت والجميع يبحث عن دنيا والقلوب بدأت بفقدان الأمل فيبدو أن كل شيء انتهى خاصة عند سماعهم صرخة ناجح المؤلمة بعد عثوره على الوشاح الوردي من فستان دنيا عائماً فوق مياه النيل.