تحميل رواية الميراث بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وضعت آخر قطعة من ملابسها المطوية في حقيبة ظهرها الكبيرة، ثم أغلقت سحابها وهي ترفع الحقيبة فوق ظهرها لترتدي حمالتيها على كتفيها استعدادًا للرحيل. فتحت باب غرفتها وخرجت منها، حيث قابلت والدتها التي كانت ما تزال تقف في الصالة مكتفة ذراعيها أمام صدرها بضيق. "أنتي برضه مصممة على اللي في دماغك يا سحر؟" قالت والدتها بنبرة معاتبة. طبقت سحر شفتيها وهي تدنو من والدتها، تحاول توضيح وجهة نظرها لها. "ماما حبيبتي، خلينا نفكر بالعقل كده. أنا دلوقتي بقالي أربع سنين من ساعة ما اتخرجت من الكلية وأنا ليا شخصيتي ال...
رواية الميراث الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم قوت القلوب
مرت ساعات وساعات ولم يتغير شيء. ظل الجميع ينتظرون على شاطئ النيل، و"وائل" قد انزوى بعيداً عنهم، و"ناجح" مُصر ألا يخرج من الماء إلا بعد عثوره عليها.
التف أفراد الشرطة والإنقاذ النهري محاولين البحث عن "دنيا" وإخراجها. لكن مع مرور كل تلك الساعات الكئيبة، تيقن الجميع أنهم فقدوا "دنيا"، تلك الشابة الرقيقة الجميلة.
أبعد فريق الإنقاذ النهري بقية العائلة حتى إيجاد جثمان تلك الفتاة، فيبدو أن التيار المائي قد جرفها بعيداً عن تلك البقعة. وعليهم البحث عنها لحين إيجادها، ووقتها سيتحتم عليهم إخبارهم بذلك.
تراجع الجميع وسط أعين باكية على فقدان شباب تلك الفتاة التي أنهت حياتها بمقتبل العمر. تلقى "وائل" نظرات ملومة من الجميع، بينما التزم هو الصمت التام. فماذا سيقول؟ سيخبرهم أن سبب موت ابنتهم ما هو إلا كذب وافتراء؟ لا، لن يقدر.
الجميع تراجع بانكسار إلا "ناجح" الذي مازال يسبح في ماء النيل باحثاً عنها بقلب مفطور.
***
دار عنتر...
تجهزت "سحر" ووضعت جميع ملابسها في حقيبة ظهرها، فاليوم ستعود إلى القاهرة برفقة الحاجة "فهيمة" و"عنتر" حسب الموعد المتفق مع والدها "زكي" لمقابلة "عنتر" وطلب يدها، بعدما قام والد "سحر" بالسؤال عن "عنتر" جيداً بطريقته الخاصة قبل أن يلتقي به.
ارتدى "عنتر" على غير العادة قميصاً سماوياً وسروالاً أسود ليظهر طوله الفارع أكثر وأكثر، وتجلت وسامته التي كانت تخفى خلف هذا الجلباب الذي يرتديه طوال الوقت.
مرت تلك الأيام ببيت "عنتر" غريبة وحميمية للغاية. لم تشعر يوماً أنها غريبة مختلفة، بل شعرت أنها جزء متأصل بتلك البيئة وهذا المكان.
الألفة التي شعرت بها مع الحاجة "فهيمة" وابنتيها "صباح" و"هالة" كانت كافية لتقبل كل ما رأته مختلفاً عنها. تعلمت منهم الكثير، ليس بعاداتهم وتقاليدهم وطعامهم الشهي، بل تعلمت أخلاقيات اندثرت بحياة المدينة. تعلمت التقارب والمحبة وهدوء الطبع بعدة أيام فقط. تعلمت أشياء لم تكن تتعلمها بالمدارس والجامعات والسفريات العديدة التي قامت بها. فلكل أصل نواة، وعلينا البحث عن النواة والأصول لبناء ركيزة محبة قوية.
خرجوا من باب الدار لتجد سيارة تنتظرهم قد أحضرها "عنتر" لتقلهم لمحطة القطار لاستقلال القطار المتجه للقاهرة. وبدأت رحلة العودة.
***
علام...
ازداد حقد "علام" أكثر وأكثر بعد معرفته بموعد تلك الزيارة التي سيقوم بها "عنتر" لبيت خاله "زكي" اليوم.
تفكر كثيراً بأن اليوم هو فرصته السانحة بتنفيذ مخططه ووضع قطعة من الآثار بدار "عنتر" للتخلص منه، خاصة وأن الجميع مسافر والبيت سيكون خاوياً.
***
شقة عمر ونسمة...
قلق واضطراب يمر بهما "عمر" بصمت. فخسارته تلك المرة قوية للغاية، خاصة هذا الشرط الجزائي الضخم الذي سيعتبر قسمة ظهر قوية له.
مرت ساعات الليل بطولها الممل وهو جالس يتفكر بحل. فإما خسارة كل شيء أو يتم الزج به في السجن، خاصة وقد قامت تلك المقززة "نورهان" بحرق إيصالات التوريد الخاصة به.
استيقظت "نسمة" بهدوء وهي تتطلع نحو "عمر" بإشفاق، فلم يغفل جفنه طوال الليل.
دنت منه بهدوء وهي تجلس أرضاً إلى جواره، محاولة الابتسام لتزيح عنه بعضاً من همومه التي تثاقلت فوق كتفيه.
"مش عايزة أشوفك حزين وزعلان كدة يا حبيبي. بإذن الله ربنا حيفرجها."
تنهد "عمر" بقوة مردفاً:
"ونعم بالله."
نظر تجاهها بابتسامة حزينة ثم أحاط وجهها البريء بكفيه هامساً:
"المهم إن إحنا بخير ومع بعض، وأي حاجة تانية تهون. بس مكنتش أحب إن أنا إللي أضيع تعب أبويا وجدي سنين. بس غصب عني."
"متزودهاش على نفسك يا حبيبي. خد الفلوس إللي في البنك وإدفع الشرط الجزائي وربنا يعوض علينا بقى."
تطلع بها "عمر" بصمت. هو لم يعد لديه حل آخر ومجبر على ذلك، فقد أخلف وعده لجده ومضطر لأخذ نصيبها لسد هذا الدين.
شابت نظراته تحسر وألم عظيم ليضمها إليه بقوة داعياً بقلبه لفرج قريب.
***
كاميليا...
قضت ليلتها كاملة تتقلب بفراشها بارتجاف شديد. فهناك هاتف ينادي بداخلها لتشعر بذنب عظيم وأنها سبب قوي لما أقدمت عليه "دنيا" وأنهت حياتها مقابل كذبتها.
شعرت "كاميليا" بأن روح "دنيا" تحوم حولها تحاول خنقها كلما غفلت عيناها لتتفزز من نومتها غير المريحة بأنفاس متهدجة وهي تدور برأسها بهلع باحثة عن أثر "دنيا" في الغرفة، لكنها تجد الغرفة خاوية تماماً.
جلست فوق فراشها تمسح قطرات العرق المتساقطة من جبهتها بكفها بارتجاف لتخرج من الغرفة بهلع مبتعدة عن شبح "دنيا" الذي يراودها.
***
شاطئ النيل...
أجبر فريق الإنقاذ النهري "ناجح" على الخروج من مياه النيل، فقد بدأ يتأثر ببقائه لتلك الساعات الطويلة باحثاً عن "دنيا".
جلس إلى جوار تلك الشجرة المائلة ناظراً نحو ماء النيل بعينين تعيسة ودموع لا تنقطع، رافضاً تصديق أنه قد خسرها إلى الأبد.
اقتربت منه أخته الصغرى "بدرية" تستند بكفها فوق كتفه مؤازرة إياه.
"بالراحة شوية يا ناجح. متعملش في نفسك كدة!!!"
رفع بصره تجاهها بملامة ليعيد بصره تجاه النيل مرة أخرى بصمت حزين. كيف لا يفهمون ما وقع بقلبه؟ كيف لا يصدقون حزنه وانفطار قلبه عليها؟ لينكس رأسه بنشيج يفطر القلوب حين يسمع تأوهه حزناً عليها.
وقف "وائل" ينظر تجاه "ناجح" وبكاءه المرير باستراب. فهو على قدر معرفته بـ "دنيا" لسنوات، إلا أنه لم يشعر بمثل هذا الحزن لفقدها. بالطبع هو حزين، لكن ليس بمثل تلك الدرجة. للحظة شجاعة قرر أن يبرئ ذمتها من افتراءه الذي طالها حتى لا تبقى سيرتها بفعل مشين لم تقترفه.
تقدم بخطوات متخاذلة نحو "ناجح" و"بدرية" وبعض من أفراد عائلتهم مازالوا بانتظار خبر إيجاد جثمانها الذي قذفه التيار بعيداً.
وقف للحظات بصمت متأملاً "ناجح" ثم تنحنح قليلاً لجذب انتباهه إليه.
"إحم... أنا... أنا..."
تردد "وائل" قليلاً، فما سيقوله سيدينه وبشدة، لكن بالنهاية أراد إخلاء ضميره من تلك الحقيقة التي أثقلت صدره.
"أنا... عايز أقولكم... إني كدبت عليكم. أنا و"دنيا" مش متجوزين عرفي ولا حاجة. أنا قلت كدة... عشان اااا... ااااا... كنت خايف تضيع من إيدي."
رفع "ناجح" وجهه ناظراً نحو "وائل" بعيون يملؤها الغضب. فبكذبه خسرها، وألقت بنفسها غارقة في النيل. بسببه فقد من عشقها قلبه بسبب أنانيته ورغبته بالارتباط بها.
تملكته ثورة عظيمة لينتهض من جلسته محاولاً ضرب "وائل" بقوة، فربما يرتاح قلبه المحترق.
"آه يا كداب يا واطي! بقى عشان أنانيتك... تعمل فيها كدة!"
انقض "ناجح" بقبضته ضارباً "وائل" ليهوي أرضاً، ثم قبض بكفيه حول عنقه يحاول خنقه بقوة.
انتبه الجميع لتلك المشاجرة بين "ناجح" و"وائل" محاولين إبعاد "ناجح" عن "وائل" وإنقاذ "وائل" من بين يديه، فهو خسيس لا يستحق أن يخسر نفسه لأجله.
وقف "ناجح" بصدر ناهج. أراد لو ينهي حياته كما انتهت حياتها، لكنهم خلصوه من بين يديه.
نهض "وائل" متراجعاً لخطوات مبتعداً عن مرمى يد "ناجح" وهو يعدل من ملابسه التي اتسخت من الأتربة أثر سقوطه، ثم أردف بجبن شديد:
"أنا قلت أرضي ضميري. الحق عليا يعني؟!"
رفع "ناجح" ذراعه لضربه مرة أخرى، لكن "وائل" تراجع بخطوات سريعة إلى الخلف مبتعداً عنه ليقف بعيداً بانتظار خبر من فريق الإنقاذ أولاً قبل عودته إلى القاهرة، فلم يعد له سبب للبقاء بعدما حدث لـ"دنيا".
ضغطت "بدرية" على أخيها بالجلوس قليلاً وتهدئة نفسه، فكل ذلك لن يعيد "دنيا" إليهم مرة أخرى.
***
علام...
دفع أحدهم جانباً بقوة وهو يمسك بذلك التمثال الذهبي الصغير بأعين تسطع ببريق طامع انتهازي غير مصدق أن الثروة أصبحت ملك كفيه.
"إوعى كدة. هات. أخيراً يا علام. أخيراً."
تصاعدت ضحكاته المتتالية لأول مرة لتثير اندهاش العمال الذين تنحوا جانباً يفسحون مجالاً لسيدهم بفحص محتويات المقبرة.
انتبه "علام" لنفسه ثم تساءل دون أن ينظر لـ "أبو المعاطي":
"وبعدين؟ إيه إللي بتعملوه بعد ما نلاقي الآثار دي؟"
أجابه "أبو المعاطي" بغيظ شديد، فقد قاموا بكل شيء ويتحصل هو بالنهاية على تلك الغنيمة بمفرده ملقياً لهم الفتات.
"فيه واحد حييجي يشتري وهو يصرفهم بمعلومة."
"آه. بس الآثار دي حتفضل معايا وأنا إللي حاتفق معاه. مفهوم."
زم "أبو المعاطي" فمه مجيباً من بين أسنانه:
"مفهوم يا... بيه."
وحتى يطمئن بالاً قرر نقل تلك الآثار والمشغولات الذهبية لاستراحته الخاصة، فلن يظن أحد أنه متورط بهذا الأمر ويخفي تلك الآثار بحوزته.
أشار "علام" بلهجته الآمرة لـ "أبو المعاطي":
"روح هات عربية كبيرة. سواقها مضمون طبعاً عشان ينقل لي الحاجات دي عندي في الاستراحة بتاعتي."
"تؤمرني يا بيه."
وخرج "أبو المعاطي" يتلفت سراً باحثاً عن شخص مؤتمن ينقل تلك الآثار دون أن يدري بهم أحد.
***
سحر وعنتر...
مرت الساعات بخفة تلك المرة ليصلوا إلى القاهرة بقطارهم السريع. قامت "سحر" بعمل المرشد السياحي لهم لإرشادهم لبيت والديها وقد كادت تطير من فرط سعادتها ونشوتها.
لم يكن سوى زمن قصير مرت كلحظات حتى وصلوا لبيت عائلة "سحر". استقبلهم والديها بحفاوة لشدة إعجاب ابنتهم بتلك العائلة الكريمة التي استضافتها ببيتهم. وما ظهر منهم أكد ذلك من الأصل والعراقة وطيب المعشر.
ألف الجمع بعضهم البعض على الفور، فقد قام والد "سحر" بالتحري والسؤال عنهم مسبقاً ليطمئن إليهم ويرضى بزواج ابنته لـ "عنتر".
دقات قلبيهما كدقات قلوب عصافير العشق حين بدأ الجميع بقراءة الفاتحة وإعلان خطبة "سحر" و"عنتر".
اتفقوا على إتمام تلك الزيجة بعد شهر من الآن لحين تحضير بيتهم بالمنيا بما يليق بالعروس، ليصر والد "سحر" على بقائها بالقاهرة لحين إتمام مراسم الزواج.
***
شاطئ النيل...
ساعات تمر ومازال الوضع كما هو. فريق الإنقاذ يبحث عن "دنيا" و"ناجح" قابع بترقب منتظراً بألم.
تناوب أفراد عائلته بالانتظار معه لعلهم يصلون لخبر ما، لكن والديها بقيوا بحالة إنكار شديدة لفقدان ابنتهما الوحيدة وجلسوا بالصالة بانتظار عودتها، مما أشفق الجميع على حالهم.
اقترب "ممتاز" والد "ناجح" من ولده يربت فوق كتفه بهدوء وهو يزفر بحزن محاولاً لمرة جديدة لإقناع "ناجح" بالعودة للبيت لحين إيجاد جثمانها.
"ناجح يا ابني بالراحة على نفسك شوية. هي كانت بنت ظريفة. بس برضه أنت ملحقتش تعرفها عشان تموت نفسك عشانها كدة. إنت قلبك كان حيقف في الميه وإنت بتدور عليها كل الساعات دي."
رمق "ناجح" والده بنظرة لم يفهم "ممتاز" مغزاها ليكمل مستطرداً:
"يا ابني كلنا زعلنا عليها وعلى شبابها. بس مش حاسس إنك مزودها شوية؟!"
التفت "ناجح" نحو والده لتظهر ملامح وجهه التعيسة الشاحبة وقد التصقت خصلات شعره بغير هدى فوق جبهته بعد جفاف شعره إثر سباحته باحثاً عن "دنيا".
اهتز صوته الباكي وهو يحدث والده بإنفعال مكتوم محاولاً السيطرة على دموعه وانهياره التي مازال لا يتحمل فكرة غيابها إلى الأبد عنه.
"مزودها شوية....!!!! إنت مش فاهم حاجة يا بابا. فاكر يا بابا لما جدي طلب مني إني أسافر مصر من يجى سنة وأكتر عشان أوصل لعم "راضي" أمانة."
عقص "ممتاز" حاجبيه متفكراً حتى تذكر أن والده الحاج "ناجح" قد طلب بالفعل من "ناجح" ولده طلباً كهذا، لكن لا يتذكر لماذا ذهب.
"أيوة. تقريباً. فاكر حاجة زي كدة."
"أهو أنا شفت يومها "دنيا" لأول مرة في حياتي. أول ما شفتها وحسيت إنها خطفت قلبي من مكانه. حاولت أكلم عمي "راضي" إني أتقدم لها بس للأسف هي رفضت حتى من غير ما تشوفني ولا تعرفني. وقتها قلت أكيد فيه سبب إنها ترفض بالصورة دي. رحت عنوان المكتب إللي هي شغالة فيه. وعرفت سبب رفضها. كانت مشغولة باللي اسمه "وائل" اللي جه النهارده ده."
اتسعت عينا "ممتاز" بالظنون ليهتف بإندهاش:
"الله! ده الكلام بجد بقى؟!"
نفى "ناجح" ما ظنه والده بصورة قاطعة:
"لأ طبعاً. أنا يمكن لما قال كدة لما جه. أنا افتكرت إنه ممكن فعلاً يكونوا اتجوزوا عرفي من غير ما حد يعرف. لكن هو جه وبرأ "دنيا" من اتهامه ده وإنه عمل كدة عشان يبوظ الجوازة."
"أمال إيه بس يا ابني دوختني."
"حكمل لك. سألت على اللي اسمه "وائل" ده وقلت لو كويس خلاص. ربنا يسعدها معاه. لكن لقيته بيلعب ومش جد وبيتهرب من الارتباط بيها وبيعرف بنات كمان. فاكر إنها مضمونة دايماً قدامه. لكن هي مكنتش شايفة دة وعشانه رفضت كل اللي اتقدموا لها. وقتها عملت شراكة مع "عمار" وفتحنا جيم في القاهرة. مكان الجيم ده في العمارة إللي في وش المكتب إللي هي شغالة فيه. زيادة عن سنة وأنا بستناها كل يوم. شايفها وهي حتى مش شايفاني عرفت عنها كتير حبيتها أكتر وأكتر. ده أنا حتى رحت لها المكتب ده كتير أوي لكن هي دايماً كانت مش شايفاني. قلبي وجعني من كتر ما الغشاوة مالية عينيها. ملقتش إلا حل واحد."
"عملت إيه؟"
"جيت لجدى هنا وحكيت له الحكاية واتفقنا نعمل موضوع الميراث ده عشان تيجي هنا. ونخلي الموضوع كأنه وصية من جدي."
استقام "ممتاز" متسائلاً بإستراب وقد انتابه الشك:
"استنى هنا. يعني "راضي" ملهوش ميراث من جدك؟"
"لأ. دي حكاية كدة اخترعناها عشان "دنيا" تيجي هنا."
"طب إزاي "راضي" وافق يسفر بنته وهو عارف إن مفيش ميراث ليه؟"
"إحنا طلبنا إيد "دنيا" من عمي "راضي" ووافق. واتفقنا معاه على كل حاجة. وعشان يقدر يقنع "دنيا" إن هي إللي تسافر بداله. عمل نفسه إنه اتكسر وجبس رجله مخصوص لحد ما وافقت وجت أخيراً."
نظر "ناجح" بأسى لمياه النيل أمامه وهو يتألم بتحسر.
"كان نفسي أقولها إني بحبها أوي كدة. كان نفسي أحكيلها هي كل إللي عملته عشانها. يا ريتني ما فكرت إنها تيجي. أنا السبب. أنا السبب."
ازداد بكاؤه بمرارة لفقدان من عشقها قلبه، ليشاركه والده حزنه بقلب حزين.
***
شقة عمر ونسمة...
أخرج "عمر" التوكيل الرسمي الذي قد سجلته له "نسمة" بعد وفاة جده للتصرف بأموالها بوجه عام، قبل أن يذهب للمصرف في الغد لسحب المال ودفعه كقيمة الشرط الجزائي لصاحب المصنع الذي خالف ضميره واتهمه جزافاً بأنه لم يورد تلك الفاكهة إليه.
حاولت "نسمة" أن تشعره أن لا قيمة لهذا المال، فلا داعي لتلك النظرة الحزينة التي تجلت بملامحه قبل ذهابه.
"حبيبي الفلوس دي زي ما جت. ييجي غيرها. مش مهم. متزعلش نفسك."
بإقتضاب تام ردد:
"الله المستعان. بكرة الصبح أروح أسحب الفلوس وأدفعها. أنا رايح لـ"صادق" المحامي عشان يجهز لي الأوراق إللي تثبت إنهم استلموا الفلوس دي عشان ميكرروش الموضوع ده تاني."
"طيب حبيبي. خد بالك من نفسك."
رواية الميراث الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم قوت القلوب
سمع عمر ونسمة طرق جرس الباب، فالتفتا إليه باستغراب. من ذا الذي يطرق بابهما في هذا الوقت؟ تقدم عمر ليفتح الباب، متفاجئاً بوجود أحلام أمامه بوجه متجهم.
"أحلام...!" قال عمر متعجباً.
اقتربت نسمة من عمر إثر سماعها اسم أحلام، فوجدتها فرصة عظيمة لتعتذر لها عما بدر منها في المستشفى، فـ عمر لا يعلم ما فعلته معها بعد.
"أحلام... تعالي حبيبتي، أنا كنت عاوزاكي في موضوع مهم أوي. اتفضلي... اتفضلي..." قالت نسمة بترحيب حار.
أردفت أحلام بنفس التجهم، وما زال وجهها عابساً حزيناً. فهي لم تنس ما حدث بعد.
"وأنا كمان يا نسمة، كنت عايز اكي وعايزة عمر في موضوع ضروري."
دلفت أحلام إلى الداخل، لكنها أمسكت باب الشقة قبل أن يغلقه عمر، منبهة إياه.
"ثواني يا عمر، أنا مش لوحدي."
دار عمر بوجهه نحو الباب ليتطلع إلى الداخل بإندهاش كبير، حين تقدم عبد الحميد بابتسامته الهادئة ملقياً التحية بهدوء.
"السلام عليكم، معلش جينا مرة واحدة كدة من غير معاد."
تعمق عمر بنظرته تجاه عبد الحميد، وأشار إليه بإصبعه السبابة قائلاً بتذكر.
"مش إنت...!"
أومأ عبد الحميد بالإيجاب، ولم يتخل ثغره عن تلك الابتسامة الهادئة.
"أيوه أنا."
أشار له عمر بالدخول، وهو يشعر بالتوجس من عدم فهمه ما الرابط بين أحلام وهذا الرجل. لكن لم تتركه أحلام يتخبط في حيرته كثيراً، حين قدمت عبد الحميد إليهم.
"ده عبده... جوزي."
رحبت به نسمة بحفاوة على الفور، بينما بقى عمر يطالعهم بحيرة وعدم فهم.
"أهلاً وسهلاً، اتشرفنا بيك يا أستاذ عبد الحميد."
لم تتوان نسمة في الانتظار لتستمع لما جاءت أحلام وزوجها من أجله الآن، وبدأت بالاعتذار على الفور.
"أنا آسفة فعلاً يا أحلام، أنا ظلمتك بجد وجيت عليكي. بس معلش اعذريني انتي المرة دي. لقيت كل حاجة ملخبطة حواليا. بس الحمد لله أنا فوقت أوي وعرفت واتعلمت حقيقي من كل حاجة عدت عليا. ووعد... خلاص... موضوع زمان ده اتقفل خالص وعمري ما حجيب سيرته نهائياً ونفتح صفحة جديدة مع بعض. والمسامح كريم بقى."
تجلت ابتسامتها العذبة تسترضي أحلام، التي ابتسمت على الفور، فهي لم تكن تريد أكثر من ذلك.
"الله أكرم، خلاص طبعاً."
"والله يا أحلام أنا كنت حاجيلك البيت بس عندنا موضوع كدة شغلنا. وقلت يخلص وأجيلك على طول."
نظرت أحلام إلى عبد الحميد أولاً، قبل أن تردف.
"ما هو إحنا جايين عشان الموضوع اللي انتي بتقولي عليه ده."
هنا وقع الشك بقلب عمر، لينظر تجاه عبد الحميد بتفحص في انتظار فهم ما يسعيان لأجله.
نظر عبد الحميد موضحاً الأمور لعمر، حتى لا ينساب الشك بقلبه أكثر، قائلاً.
"أنا أفهمك. لما أحلام جت لمدام نسمة واتصالحوا، وصل لمدام نسمة رسالة من واحدة اللي هي نورهان. ساعتها أحلام كانت عايزة تتأكد من إن نورهان فعلاً بينكم حاجة ولا مجرد سوء فهم. وعشان أحلام كانت عايزة تطمن مدام نسمة الأول قبل ما تشك فيك، طلبت مني إني آجي الشركة عندكم وأشوف إيه طبيعة العلاقة ما بينكم. طبعاً مع إلحاح أحلام وافقت وجيت الشركة على أساس أشتغل معاكم في الشركة بعد الظهر. الأمور كانت ماشية عادي جداً وكنت خلاص قلت كفاية كده وأطمن أحلام وخلاص إن اللي بينكم مجرد علاقة عمل."
أومأ عمر بتفهم، في انتظار تكملة عبد الحميد.
"لكن لما شفت نورهان سرقت أوراق من مكتبك، مشيت وراها وشفتها وهي بتخبيها في عربيتها."
استرعى حديث عبد الحميد انتباه عمر الكامل، ليتقدم بجزعه إلى الأمام في انتظار تكملته لما حدث بعد ذلك، قائلاً.
"وبعدين..."
"أقولك. نورهان من غبائها سابت العربية مفتوحة وأنا فتحتها وأخدت كل الأوراق منها. وجيت أرجع الحق لأصحابه. أدي الورق يا عمر."
بتلهف شديد وعدم تصديق، أمسك عمر بالملفات التي لوح بها عبد الحميد إليه، ليقلب بهم وبجميع الأوراق الموضوعة بهم، مردداً.
"معقول ده... فعلاً هي دي الإيصالات بتاعتي... الحمد لله رب العالمين... ربنا مبيضيعش حق حد والله... أنا حقيقي يا أستاذ عبد الحميد مش عارف أشكرك إزاي."
"مفيش داعي للشكر، ده حقك ورجع لك."
ثم نظر عبد الحميد تجاه أحلام قائلاً.
"يلا بينا بقى."
"يلا."
تمسك بهم عمر بشدة وهو يدعوهم للبقاء.
"لا والله، انتوا مش أغراب. يمكن حصلت مشاكل زمان بس سبحان الذي يغير ولا يتغير. وأحلام أخت وصديقة. وانت كمان... ده كفاية اللي عملته معايا. لازم تقعدوا معانا شوية."
نهضت نسمة وهي تمسك بيد أحلام قائلة.
"أيوه، واقعدوا انتوا هنا مع بعض وأنا وأحلام نحضر لكم عشا خفيف كده."
جذبت نسمة أحلام معها إلى المطبخ، ليبقى عمر وعبد الحميد سوياً. لاحظ عمر وجود أوراق أخرى لا تخصه، ليبدأ بالتمعن بها ويجد لها معلومات وإحصائيات كثيرة، يمكنها أن تزج بنورهان بالسجن لفترة طويلة. ليقرر بتقديم تلك الأوراق بالغد إلى النيابة العامة للقبض على تلك المجرمة اللصة.
بالمطبخ...
أخذت نسمة تحضر الطعام وهي تتجاذب حديثها مع صديقتها أحلام بصفاء داخلي غريب، أعادها لسنوات وسنوات من الماضي. لتلاحظ شحوب وجه أحلام وتقززها.
"مالك يا أحلام...؟!"
"مش عارفة... ريحة الأكل قلبت لي بطني... مش قادرة أستحملها."
بإندهاش كبير، أخذت نسمة تشتم روائح الطعام الشهية، متعجبة من تقزز أحلام منها.
"غريبة... مع إن أكلي والله الكل بيقول عليه حلو أوي."
نفت أحلام تلك الصفة السيئة عن طعامها، معللة.
"لا يا حبيبتي مقصدش والله... أنا أصلاً بقالي كام يوم حتى الأكل اللي بعمله مش طايقة ريحته خالص."
التفت نسمة بكامل استدارتها نحو أحلام، متسائلة بحبور شديد.
"لا تكوني حامل يا أحلام... أنا كنت كده في مؤمن...؟!"
ذهلت أحلام وتيبست حركاتها، لتهتف بصوت خفيض للغاية.
"معقول... ممكن؟... أنا من ساعة ما انشغلت معاكي في موضوع عمر ونورهان والموضوع ده مبقتش أفكر فيه خالص."
"ليه لأ... بيبقى ساعات فيه أمور نفسية كده هي اللي بتمنع على فكرة."
مجرد إحساسها بإمكان حدوث الحمل جعلها سعيدة للغاية، وبداخلها ترقب قوي وتمني بأن يصبح ظنهما حقيقة.
***
شاطئ النيل...
لم يقدر ممتاز على اصطحاب ولده إلى البيت، ليتركه بمحله عائداً للجميع بالداخل.
جلس ناجح أرضاً مرة أخرى بصمت تعيس، حين سمع صوتها الذي عشقه يخترق أذنيه بهمس رقيق.
"سنة بحالها وانت جنبي وأنا مش عارفه...؟!"
التفت ناجح إلى الخلف متطلعاً لملاكه الغائب.
"دنيا...!"
دنت منه جالسة إلى جواره بملامح مندهشة للغاية.
"أنا بسألك بجد... سنة بحالها عاوز تقرب مني مش عارف...؟"
زاغت عيناه تتأكد من وجودها حقيقة إلى جواره، أم أنه يتخيل ذلك. كانت مازالت ترتدي ذلك الفستان الوردي الناعم وشعرها متطاير بخصلات عشوائية رائعة. عيناها تنبض كالقلوب الدافئة.
مد أصابعه تجاه ذراعها يتأكد أنها بالفعل تجلس إلى جواره، ليشعر بدفء ملمسها. إنها حقيقة واقعة بالفعل.
أغمض عينيه براحة هاتفاً بعشق واشتياق بتلهف شديد.
"دنيا... حبيبتي... انتي عايشة... آه... الحمد لله يا رب."
تلك اللهفة العاشقة التي تراها بعينيه، ارتجافه وحزنه على فقدها، سعيه لمجرد أن تلاحظ وجوده. أدركت دنيا بأنها تحبه للغاية. لم تكن تدرك ذلك تماماً، لكنها الآن متأكدة من ذلك.
إنه الوحيد الذي أحبها بتلك الدرجة وأراد قربها وحزن لأجلها. لقد شعرت بقلبه الحزين.
أجابته دنيا وسط عبرات تلألأت بأهدابها.
"أيوه يا ناجح... أنا لسه عايشة. أنا عملت كده بس عشان تعرفوا إني معملتش حاجة. لكن أنا عمري ما أفكر أغضب ربنا... وأنتحر وأموت نفسي بالشكل ده."
تنهد ناجح براحة شديدة مردفاً.
"يااااه... تعبتي قلبي... بس خلاص مش مهم... المهم إنك بخير."
بتلك النظرات الشقية، كررت سؤالها مرة أخرى.
"سنة يا ناجح... عايز تقرب مني...؟"
أجابها بهيام شديد.
"ولو العمر كله برضه هفضل مستني... دنيا... أنا بحبك... بحبك أووووي."
أجابته صريحة تعلن عشقها لهذا الشقي.
"وأنا كمان يا ناجح... بحبك أووووي."
"طب ومستنيين إيه... يلا نتجوز حالاً."
أمسك كفها بين راحته بقوة، لينهد من جلسته مسرعاً بخطواته تجاه بيت العائلة مباشرة، وهو يردد بصوت عالٍ للغاية جعل الجميع ينظرون من الشرفات تجاهه.
"دنيا عاااااااايشه... دنيا مماتتش... أنا حتجوز دنياااااااااااااااااا."
لم يصدقوا عيونهم بعودة دنيا إليهم، ليركضوا جميعاً نحوها يحتضونها بحب شديد ويتحمدون على سلامتها.
اصطحبها والديها بعد بكاء شديد لعودتها سالمة إلى الأعلى مع بقية العائلة.
***
وائل...
بداخل نفسه كان يظن أنه المثابر المحارب، بانتظار استخراج جثمانها. وإلا فلم ينتظر كل هذا الوقت. فغيره كان ترك الأمر برمته وسافر عائداً إلى بلده. لكنه انتظر. هو الشهم الذي لا مثيل له.
انتبه على صراخ ناجح بعودة دنيا بصدمة، غير مدركاً كيف عادت بعد أن ألقت بنفسها بالنيل.
وقفت مذهولاً لفترة، ثم أفاق لنفسه ليتقدم نحو البيت ليتحدث معها ويطمئن عليها.
كان كف ناجح ونظرته القاسية أول من أوقفه بحدة، حين وضع كفه فوق صدره مانعاً إياه من التقدم.
"حيلك حيلك... على فين يااا... كداااب."
أبعد وائل كف ناجح عن صدره بقوة، متناسياً ما فعله معه ناجح بالصباح.
"ملكش فيه... أنا عايز دنيا."
رمقه ناجح قائلاً قبل أن يصعد خلف دنيا والعائلة.
"بس يا بابا... دنيا خلاص اختارتني أنا وحنتجوز بكرة... مش عاجبك... النيل قدامك."
أنهى ناجح عبارته وهو يشير تجاه النيل من خلفه، قبل أن يتركه صاعداً لأعلى البيت.
وقف وائل ينفث أنفاسه بغضب، قابضاً كفه بقوة كما لو كان يستطيع ضرب ناجح حقاً.
اقترب إسماعيل الذي كان يشاهد هذا المشهد كاملاً من وائل، ليسأله بفضول.
"هو انت بتحبها فعلاً...؟"
"أه طبعاً... وبعدين... انت مالك... خليك مع قريبك...!!!"
تلفت إسماعيل وهو يخفض صوته حتى لا ينتبه إليه أحد، قائلاً بخيلاء.
"أنا عندي الحل اللي يخليكم تتجوزوا والنهارده كمان."
هدأ وائل قليلاً وهو يسأله بشك.
"وانت إيه مصلحتك...؟"
"أهو... مش بتقول بتحبها... وكمان أصل ناجح ابن عمي ده واخد كل حاجة... فمش عايز أهنيه على دنيا كمان."
"اااه... قولتلي... غيران منه يعني...؟ طب إيه اللي أعمله عشان أتجوز دنيا...؟"
نظر إسماعيل إلى البيت ذو التصميم الغريب، فهناك درج سلالم صاعدين إلى الدور الأول من كلا الاتجاهين.
"شايف السلم ده."
أشار إسماعيل إلى السلم جهة اليسار، ليتجه وائل بنظرة إليه.
"أيوه ماله...؟"
"ده يا سيدي جدي كان عامله زمان لما كان زعلان مع عمي ومش عايز يشوفه. السلم ده بيطلع على الأوضة القبلية... والأوضة دي هي اللي دنيا بتنام فيها. انت حتستنى الدنيا تهدى ويدخلوا يناموا وتدخل أوضة دنيا... ومش حوصيك بقى... ساعتها أنا حقول لهم يدخلوا الأوضة ويقفشوكم سوا... وإحنا صعيدة يا ابني... حيجوزهالك... حيجوزهالك."
لمعت عينا وائل بمكر إعجاباً بتلك الفكرة الشيطانية، مردداً.
"وماله... ماشي."
***
ساد سواد السماء كغطاء حالك يغطي ما تخفيه القلوب.
بعد أن أتم تحميل ما استطاع وضعه فوق السيارة، والبقية أبقى عليه أبو المعاطي حارساً لحين الاتفاق مع تاجر الآثار المهربة.
أمسك أحد التماثيل بيده متفكراً بقيمته الثمينة التي سيخسرها حين يضحي به، لكنه قرر القيام بذلك للتخلص من عنتر.
تلثم علام بشال كبير أخفى معالم وجهه تماماً، ارتدى ملابس رياضية سوداء لتتيح له الحركة جيداً، واتجه صوب دار عنتر.
توقف لدقائق ملاحظاً هدوء المارة، فقد قبع الجميع ببيوتهم وأغلب القرية هادئة بصمت رهيب، فيبدو أنه موعد نوم حل على القرية بكاملها.
ابتسم ساخراً لترتيب القدر، فلم يلاحظه أحد بالمرة. نظر إلى تلك الدار البسيطة باستهزاء، فغمغم قائلاً.
"بقى تسيبيني أنا يا سحر وتيجي تعيشي في عشة الفراخ دي... بس وماله... لسه الندم ليه وقته."
حاول فتح باب الدار، لكنه كان موصود بمفتاح على ما يبدو، فقرر القفز إلى داخل أحد النوافذ المطلة على الطريق إلى داخل الدار.
حالفه الحظ تلك المرة أيضاً، وبسهولة فائقة كان علام يقف بداخل غرفة الفرن بدار عنتر.
أخرج التمثال من بين قطعة قماش كبيرة كان قد أحاطها بها، وأخذ يبحث عن مكان مناسب لتخبئتها به.
تجول داخل الدار حتى صعد إلى الدور العلوي، ليدلف إلى الغرفة المقابلة له، يتلفت حوله باحثاً عن موضع مناسب.
بعد وقت ليس بالكثير، كان قد وضع التمثال بخزانة ملابس خشبية بحيث يتوارى عن الأعين، لحين إبلاغ الشرطة عن عنتر.
نفض كفيه، فقد قام بمهمته على أكمل وجه، ليستدير للخروج من الغرفة والدار كلها كما لو لم يفعل شيئاً بالمرة.
***
وائل...
ظل مترقباً إشارة إسماعيل كما اتفقا منذ قليل، بأن يبلغه حين تدلف دنيا إلى غرفتها، ليبدأ مخططه بحذر شديد.
لاحظ وائل خيال إسماعيل الممتلئ يشير إليه من شرفة إحدى الغرف بأن كل شيء على ما يرام وعليه التحرك الآن، فعلى ما يبدو أن الجميع خلد إلى النوم.
بخطوات لص سارق، تحرك وائل بخفة شديدة صاعداً السلم الجانبي الذي أشار إليه إسماعيل من قبل، متجهاً لغرفة دنيا.
وصل إلى الغرفة ليجد باب شرفتها الزجاجي مفتوحاً، ليسمح بدخول الهواء بتلك الليلة الحارة.
لاحت ابتسامة ماكرة على ثغر وائل وهو يدلف بهدوء إلى الداخل، فيبدو أن كل شيء يسير أفضل مما توقع، وعليه الآن أن يقترب من دنيا أولاً دون أن تنتبه.
كانت تلك فرصته المنشودة حتى يحظى بـ دنيا، حتى لو كان رغماً عنها أو بصورة لا ترضاها، فهي بالتأكيد تحبه وقد وافقت على زواجها من ناجح لتكيده فقط ليس إلا.
جلس إلى جانب دنيا التي تغط بنوم عميق وسط تلك الغرفة المظلمة، ليبدأ وائل بالتقرب منها والتودد إليها كما طلب منه إسماعيل.
إسماعيل...
اطمأن لأن مخططه يسير وفقاً لما خطط إليه بالضبط، وها هو وائل بداخل الغرفة، لتتسع ابتسامته الماكرة. فعليه الآن إتمام خطته بعمل فضيحة لهم، ويصبح زواجهم أمراً حتمياً.
صرخ إسماعيل بصوت جهوري حتى يتجمع كل أفراد العائلة، مصطنعاً الاستنكار الشديد.
"إيه اللي بيحصل من ورانا ده... عينى عينك كده ولا همك حد!!!!! وإحنا إيييه... مش رجالة في البيت ده...!!!!!"
صوته المزعج جعل الجميع يركضون تجاه الصالة لرؤية ما الذي حدث لكل تلك الجلبة.
"إيه اللي حصل... إيه الدوشة دي...؟!"
"الهانم!!!!! الهانم اللي مستغفلانا كلنا وبتتقابل مع الواطي ده في أوضتها... ودي مش أول مرة على فكرة... بس أنا قلت أتأكد الأول... حتى ادخلوا أوضتها وشوفوا...."
بحمية وعصبية شديدة، اتجه الجميع تجاه الغرفة للإمساك بهم قبل أن يهرب هذا الوغد الذي يتحدث عنه إسماعيل، انتقاماً لشرف العائلة.
اقتحم الجميع الغرفة، وقد ضغط أحدهم مصباح إنارة الغرفة، ليظهر وائل ممدداً بفراشها وهي إلى جواره مفزوعة تماماً من اقتحامهم غرفتها عنوة.
اتهام أخلاقي أقرب لليقين هذه المرة، فكيف يكذبون أعينهم جميعاً؟ ليتبادل رجال العائلة عصبيتهم وحميتهم على شرفهم الغالي الذي تعدى عليه هذا الدنيء.
"أه يا ابـ****** والله ما أنا سايبك... أنا حموتك بإيدي...."
"لا استنى... دمه حلال ليا...."
كانت نظرات الهلع الأكبر بأعين وائل، وهو ينظر إلى تلك الناعسة المصدومة إلى جواره.
قلب نظراته المصدومة بينها وبين إسماعيل، الذي كان يتطلع نحوه بابتسامة شامته ساخرة، فلم تكن تلك غرفة دنيا، بل كانت غرفة كاميليا.
شريكته بالكذب وتشويه سمعة دنيا بدون دليل لأغراضها الدنيئة، فهي تستحق وائل، وائل لا يستحق إلا مثلها، كاذبة حقودة. فالقلوب الطيبة تستحق بعضها البعض، والقلوب الخبيثة يستحق بعضها البعض.
هتف خال كاميليا الكبير مصطفى، مهدداً وائل بستره لتلك الفضيحة.
"تتجوزها ولا يبقى النهارده آخر يوم في عمرك...!!!!!"
ابْتَلَعَ وائل ريقه بهلع، فليس لديه خيار، إما تلك الممتلئة أو حياته، ليؤمئ بالإيجاب بقهر شديد.
"حاااضر... بالراحة بس... والله أنا....."
قاطعه ممتاز خال كاميليا باشمئزاز.
"انت ليك عين تتكلم... انت تخرس خالص... وإلا قسماً عظماً بدل ما تبقى دخلتك... تبقى خارجتك."
مرغم على ذلك، ليعيد بصره بقهر شديد تجاه كاميليا، وهو يجز على شفتيه بحنق شديد، وهو يومئ بالموافقة بصمت.
حاولت كاميليا المصدومة بالدفاع عن نفسها قائلة.
"يا خالي... اسمعني بس...."
كان رد خالها مصطفى بصفعة قوية، أسرع إجابة لها، وهو يطالعها بتقزز شديد.
"اخرسي خالص... مش كفاية عملتك السودة... وجايباه في أوضتك ومستغفلانا كلنا... قسماً بالله لو نطقتي ولا فتحتي بوقك لأخلص عليكي بإيدي دي... فااااهمه...."
سالت دموعها بقهر، وهي مرغمة على الموافقة خوفاً من بطش عائلتها بها، دون حتى المقدرة للدفاع عن نفسها، فقد اتهمت باطلاً كما اتهمت دنيا باطلاً من قبل.
خرج الجميع من الغرفة بسخط واضح وخزي كبير من تصرفات ابنتهم المخلى، مصطحبين معهم وائل حتى لا يتمكن من الهرب قبل إتمام زواجه من كاميليا.
وقف خارج الغرفة كلاً من دنيا وناجح وإسماعيل، وقد تعالت ضحكاتهم من وائل وكاميليا وهما ينظرون لبعضهما البعض.
فلم يكن ذلك مخطط إسماعيل وحده، بل كان لثلاثتهم معاً انتقاماً من كاميليا ووائل أيضاً.
همس ناجح بأذن دنيا.
"شربها المغفل... تصدقي لايقين على بعض مووووت."
تعالت ضحكة دنيا، لتتذكر شيئاً ما، فالتفتت تجاه ناجح بشك متسائلة.
"استنى يا بتاع الخطط دي كلها... هو انت كنت عارف إني نايمة في أوضتك لما قابلتني أول مرة...؟"
نظر ناجح إلى إسماعيل أولاً، ثم أجابها ضاحكاً.
"إسماعيل قالي... وقلت أعمل عليكي فيلم كدة... إسماعيل ده هو الوحيد اللي كان عارف كل حاجة."
رفعت دنيا حاجبيها اندهاشاً.
"وهو برضه اللي قالي أعمل نفسي رميت نفسي في النيل وأنا طالعة من البيت متدايقه."
تجهم ناجح بوجه إسماعيل بغضب.
"يعني إنت السبب...!!! عارف إنها ممتش ومقولتليش...؟!"
أجاب إسماعيل بحرج بعد أن فضحته دنيا.
"ما أنا لو كنت قلت لك مكنش حد حيصدق... كان لازم الحكاية تبقى مظبوطة."
تذكر إسماعيل خروج دنيا من بيت العائلة باكية بقهر اتهامها زوراً من قبل هذا المنحط وائل، ليقابلها إسماعيل بتوجس متسائلاً بقلق.
"مالك يا دنيا... إيه اللي حصل...؟"
وسط شهقاتها المقهورة أجابته.
"محدش مصدقني... محدش مصدق إنه كذاب... وائل كذاب... أنا لا يمكن أعمل كده... لا يمكن أتجوزه عرفي من ورا أهلي... هو... هو... بيقول كده عشان يبوظ حياتي."
تفهم إسماعيل غرض وائل جيداً، بنيته في تخريب زيجة ابن عمه من دنيا، لكن ما صدمه معرفة ما فعلته كاميليا أيضاً، حين استطردت دنيا قائلة.
"و.... و .... كاميليا بتقول إنها سمعتني بكلمه وبقوله... ييجي عشان نتجوز رسمي... هي كمان.... هي كمان كذابة ومفترية."
هنا تراءت له فكرة مجنونة لإثبات براءتها، قائلاً بعجالة.
"بقولك إيه.... اعملي اللي حقولك عليه وأنا حثبت للكل إنك بريئة."
توقفت دنيا عن البكاء متسائلة بفضول.
"إزاي...؟!"
"اتدارى بس بعيد في الضلمة وأنا حقول إنك رميتي نفسك في النيل... وحتشوفي... وإرمي فستانك ده ولا أي حاجة في المية عشان يتأكدوا."
بموافقة تامة على تلك الفكرة المجنونة، مزقت دنيا الوشاح من فستانها وألقت به في مياه النيل، وألقت أيضاً الطوق الذي كانت تضعه فوق رأسها على ضفته، ليتأكدوا من إلقاء نفسها به حقاً.
وحين كانت متوارية عن الأعين تتابع حزن الجميع على فقدها، استمعت لحوار ناجح مع والده الذي جعلها تخرج إليه دون تفكير، فلم تصدق أن ناجح يحبها بتلك الدرجة.
عاد إسماعيل إلى الواقع بعد شروده على صوت صادح بالخارج.
انتبه الجميع لصوت الجد آتياً من الصالة الخارجية، آمراً بقوة.
"بكرة كتب كتاب دنيا وناجح... ومعاهم كاميليا والواد الواطي."
وكالعادة كان أمر الجد واجب النفاذ.
***
علام...
قفز من نافذة غرفة الفرن إلى خارج الدار، وهو يعدل من وضع لثامه فوق وجهه، حين اعترضه طريقه أحدهم يثبته بقوة من الخلف حتى لا يتحرك، مقيداً ذراعيه من الخلف دون استطاعته لرؤية من الذي تجرأ بفعل ذلك.
رفع علام هامته بذعر خوفاً من أن تكشف هويته، حين سمع صوتاً مألوفاً يسخر منه.
"على فين يا... علام باشا...؟!"
نظر علامتمعناً بصاحب الصوت، وهو يحاول الفرار من أيدي هذا الشخص الذي يقيد يديه من الخلف.
"مين...؟ إنت مين...؟"
اقترب الشخص أكثر لتظهر ملامحه بضوء مصباح الطريق، لتتسع عينا علام بهلع.
إنه ضابط الشرطة الذي يتولى زمام تلك المنطقة.
ابْتَلَعَ ريقه بتخوف، حين مد الضابط يده كاشفاً وجهه العابس بحدة.
"انت فاكر إنك حتهرب ولا إيه...؟"
تلعثم علام قليلاً، ثم حاول التحلي بثبات وقوة حتى لا يتهمه هذا الضابط بشيء، فليس لديه أي دليل على اقترافه أي عمل خارج عن القانون.
"هرب إيه وكلام إيه!!!! خلي الراجل بتاعك ده يسيب إيدي... وإلا حوديك في داهية... أنا ضابط زيك ولا نسيت...؟"
رمقه الضابط من أعلى لأسفل قدميه، ثم ضحك ضحكة قصيرة ساخرة.
"لا منستش يا... باشا... اتفضل قدامي انت مقبوض عليك بتهمة الاتجار في الآثار... وكمان محاولة تدليس أدلة لتوريط إنسان بريء."
"هو إيه ده... احفظ مركزك يا حضرة الضابط... أنا علام صبحي مش هافيه."
"خلاص يا علام... إحنا حرزنا كل الآثار اللي خبيتها في الاستراحة... وكمان قبضنا على الرجالة بتاعتك واعترفوا عليك."
ثم نظر الضابط لأحد أفراد الشرطة قائلاً.
"ادخل يا ابني هات التمثال اللي الباشا خباه في بيت الناس الأبرياء دول."
لم يجد أفراد الشرطة بُد من كسر قفل الباب للوصول إلى الداخل، فما زال عنتر وأهله غير متواجدين بالبلدة.
بعد تفتيش دقيق، أخرج أحدهم قطعة الآثار ليتقدم بها نحو الضابط أمام مرأى عين علام، الذي تيقن بأنه سقط بالمنزلق وثبتت عليه التهمة.
قبل مداهمة بيت عنتر بقليل...
اتجه هريدي إلى قسم الشرطة ليخلي مسؤوليته عما يحدث بالبلدة، معترفاً بكل ما أخبره به أبو المعاطي، وهو غير واعٍ ببحثهم عن آثار بأحد الأماكن ومعهم هذا الضابط المدعو علام.
كما أخبره بمخططه للتخلص من عنتر بوضع قطعة الآثار ببيته واتهامه هو ببيعها.
انطلق الضابط على الفور للتأكد من صحة البلاغ المقدم من هريدي، ليتوصل بالفعل لتلك المقبرة، وتم القبض على أبو المعاطي، الذي اعترف فوراً بوجود الآثار بالإستراحة الخاصة بعلام، وأن علام ذهب لبيت عنتر لتخبئته قطعة الآثار به.
عاد الضابط لقسم الشرطة متحفظاً على علام لتوجيه الاتهام إليه، فلا أحد يقع فوق طائلة القانون.
***
في الصباح...
وقفت أحلام بانتظار نتيجة هذا التحليل بتوتر غريب، بينما أمسك عبد الحميد بكفها مطمئناً إياها أنه مهما كانت النتيجة، فذلك لن يغير قيمتها وحبه لها مطلقاً.
خرجت إحدى الفتيات التي تعمل بمعمل التحاليل، وقد ارتسم على وجهها ابتسامة سعيدة تزف إليهم خبر إيجاب الاختبار.
"مبروك... إيجابي."
علت ضربات قلبها فرحاً، ناظرة نحو عبد الحميد بسعادة لا توصف، لتبكي فرحاً هذه المرة، فكم عوض الله قريب.
"حامل... أنا حامل يا عبده... أنا مش مصدقة نفسي... ألف حمد وشكر لك يا رب."
"مبروك يا حبيبتي... الحمد لله... الحمد لله."
كانت تلك أكبر هدية حصلت عليها أحلام، فكم من الخير يكون مقابله الخير، وعليها الحمد والشكر بكل حال.
***
عمر...
أبلغ عمر عن نورهان بتقديم تلك الأوراق بحوزته، ليتم التحقق من صحتها أولاً، قبل أن تتجه قوة من أفراد الشرطة للقبض عليها واتهامها بالسرقة والنصب بموجب تلك المستندات، فما بُني على باطل فهو باطل.
***
حل المساء لتعلو مظاهر السعادة والفرح بعائلة ناجح، فبعد دقائق قليلة سيتم عقد قرآن دنيا وناجح، وبالطبع كاميليا والواد الواطي.
جلس الأربعة بمشهد هزلي، فزوج منهم كاد يطير فرحاً باجتماعهم.
والزوج الآخر مجبر بوضع مؤسف لا يحتمل، لتبقى تلك الزيجة أغرب زيجة لاثنين يستحقان بعضهما البعض.
لم تخلو نظرات وائل وكاميليا بالغضب لكل منهما، وبالحقد على دنيا وناجح، لكن تلك نتيجة مستحقة لأفعالهم.
***
بعد مرور عام ونصف...
وسط أرض خضراء واسعة ممتلئة بمحاصيل زراعية مبهجة للنفس، ومصنع صغير لصنع المربى الذي أخذ يكبر بالعمل الجاد لأصحابه.
وإلى جوار تلك الصوبة الكبيرة، تجمع الأصدقاء بتلك الاستراحة الكبيرة، بعد أن دعاهم عنتر وسحر لقضاء يوم برفقتهم بتلك الاستراحة.
جلست نسمة وأحلام يداعبان أطفالهما، فـ نسمة رزقت بفتاة تشبهها تماماً، بينما رزقت أحلام بفارق أسبوعين بطفل أسمته نسيم تيمناً باسم نسمة.
بينما جلس عمر برفقة عبد الحميد، الذي ائتمنه عمر على العمل معه، وتوطدت علاقتهم كثيراً خلال هذا العام والنصف.
أقبلت دنيا وناجح ببساطتهم وحضورهم المبهج، وقد حملت دنيا ابنتها الرضيعة فوق ذراعيها ترحب بهم.
"وحشتوني أوي."
التفت الجميع إليهم، لينضم ناجح إلى عمر وعبد الحميد، وجلست دنيا مع نسمة وأحلام.
دقائق بسيطة فاصلة، ليهل عنتر ومعه بعض الأشخاص يحملون صواني أعد عليها طعام شهي، قائلاً بترحاب بالغ.
"والله نورتونا، حط يا ابني الوكل اهنه وروح هات البقية من عند الحاجة."
وضعوا صواني الطعام، لتُقبل سحر باتجاههم، تتحرك بتثاقل ببطنها المنتفخة، فهي حامل بالأشهر الأخيرة أيضاً، لترحب بأصدقائها وتجمعهم الذي تحبه.
"وحشتوني، يلا تعالوا نتغدا الأول وبعدين نقعد ونرغي كتير أوي، قعدتكم الحلوة دي ميتشبعش منها."
قعد الأصدقاء الأربعة وأزواجهم وأولادهم لتناول الطعام سوياً، لتزيد أوصال المحبة، ليصبح هذا هو ميراثهم الذي يغنيهم، وعليه توريثه لأبنائهم.
فالميراث الحقيقي هو توريث الأبناء هذا الحب والمودة والإخلاص لبعضهم البعض، فهذا هو الميراث الذي يعيش ويغني ويبقى.