كانت عطر تجلس حزينة، لتصاب بالصداع مرة أخرى. أمسكت رأسها وضغطت عليها، حاولت أن تقوم ولكن لم تستطع. تحاملت على نفسها وذهبت لتحضر بعض المهدئات التي كتبها لها الطبيب في حال انتابها أي تعب. أخذتها، أسندت نفسها، وذهبت إلى السرير لتنام عليه. ركنت بهدوء وأغمضت عينيها، لتسمع الباب يفتح. لم تفتح عينيها، ليدخل أيوب ليجدها هكذا. تنهد واقترب، ليهتف: "عطر، إنتِ كويسة؟ وشك أصفر ليه أكده؟ تهمس له: "تعبانة بس شوية وهنام."
ليهتف: "طب إنتِ ما أكلتيش؟ تهمس: "ماليش نفس، كتر خيرك يا ولد عمي." نزلت الكلمة عليه توجعه، فهي لم تعد تناديه باسمه، ولم تعد تنظر إليه من الأساس، كأنها أصبحت شخصًا آخر. ابتلع ريقه واقترب منها، ليهمس: "عطر، إنتِ فيكي إيه؟ فتحت عينيها: "هيكون إيه، مفيش. هو إني عملت حاجة؟ ليهتف: "مالك أكده بجيتي ساكتة؟ لو عشان أبوكي، هو راجل منه لله، بس ماتنجهريش." ابتسمت له: "أنجهر؟ تنهدت: "لا، اطمن، أنجهر على إيه؟
ما حسّاش إنه أبويا عادي، ادي عيشتي طول عمري، ما مستنياش حاجة من حد." همست: "تصبح على خير." واستدارت لتنام، وأغمضت عينيها. ظل يتفرسها بوجع، ثم قام وغير ملابسه وأتى لينام بجوارها. ظل يراقبها ويستغرب تغيرها، فقد كانت شعله تطارده، لتنزوي مرة واحدة.
مر الوقت وأغمض عينيه، ليسمعها تتأوه. كانت عطر تحلم حلماً غريباً، تحلم بزوجها يبتعد عنها، وهي تقف بعيداً. وجدت الظلمة تجتاحها، فخافت بشدة، وبدأت في الصراخ وتنادي عليه، ولكن الظلمة أحاطت بها، فطَبقت على جسدها، لتبدأ هي في التشنج. هب أيوب وحس بها، ليجدها تئن بوجع، وتهمس: "لا، الضلمة، لا، لا. مش تاني. لا الضلمة." كانت تتشنج وتصرخ. فهزها: "عطر، جلبي مالك؟ اصحي يا جلبي."
ظل يهزها، لتستفيق مرة واحدة على وجه حبيبها. اندفعت إليه واحتضنته، كانت خائفة ترتعش من فقده. ليهمس: "فيه إيه؟ مالك بتترعشي ليه أكده؟ إنتِ جرالك إيه، عطر؟ ماتخوفنيش. مالك بالله عليكي." كانت ترتعش وتحاوطه بشدة، وهو يحتضنها ويمسد عليها ويطمئنها بكلمات حانية. تنهدت، وعادت إلى حالتها الطبيعية. ابتعدت بهدوء، وانكمشت بعيداً، وأغمضت عينيها ونامت. ظل هو ينظر إليها، يتنهد، ويقترب منها ليحاول أن يشدها إليه. ابتعدت وانزوت، وهمست:
"تصبح على خير." ظل ينظر إليها ويحس بوجع داخله. ليهمس: "مالك يا جلبي؟ إيه اللي جرالك بس يا ربي؟ إيه ده؟ دي كأنها نار. إيه اللي جلبها أكده؟ إيه؟ ماعادتش عايزاني خلاص؟ ما جدرش أكده. أعمل إيه؟ ماتتطين تصالحها؟ إنتِ مالك كيف الطور أكده؟ صحيح قالت وجرحتك، بس إنتِ بطل. طايحتك دي، إنتِ واعر ليه أكده؟ تنهد: "ماعرفش أنطق، والكلام صعب. وإني أيوب ما يتجاليش أكده. يا رب أعمل إيه؟ نايمة تنتفض، ومبعدة إزاي؟
جلبي وجعني عليها، هموت وآخدها في حضني." تنهد، وانتظر حتى استكانت، ليشدها إلى حضنه، وظل طول الليل يشعر بالقلق عليها.
قامت عطر في الصباح، لتجد نفسها في أحضان حبيبها. سالت دموعها، فابتعدت فوراً، حتى لا يظن أنها تقترب منه. قامت واغتسلت، وتركت المكان. نزلت، وأخذت ابنها، وجلست بهدوء تداعبه. كانت لم تعد ترى إلا هو. كانت قد قَصَّت دنيتها وأفكارها، رغم ألمها، ولا تصبو إلا أن تعيش له. فكرت أن تترك البيت، ولكن صرفت الفكرة، فالطفل أحق أن يعيش بجوار أبيه ويأخذ سنده منه.
فقررت أن تزهد العيشة وتسلم أمرها لله. كانت لا تتطلع إلى أيوب ولا تنظر إليه من الأساس، حتى لا تتعذب، وكان هذا يحرقه. كانت هادئة بزيادة، وتلبستها حالة من الشحوب. كانت جالسة مع نبوية وسارة، لتدخل زينة عليهم. كانت تعلم أن أيوب رفض عطر، والكل يعلم ذلك. لتدخل، فتجلس وتسأل: "هو أيوب فين يا مرة عمي؟ تُهتف: "فوق، يا بتي، لسه ما صحاش." لتهتف: "يوه، وتسيبوه أكده؟ ولا هو عشان مالوهش حد بقِي يصحيه؟ خلاص، إنّي هطلع أصحيه."
تركتهم وصعدت. نظرت سارة إليها بغضب، وتهتف بتأنيب: "هي مالها يا مرة عمي؟ ماتحترم حالها." تهتف نبوية: "الله يهديها يا بتي، ويهدي ولدي." نظرت إلى عطر التي لم ترفع عينها: "ما تزعليش يا بتي، بكرة هتتعدل." تهتف عطر بوجع: "مفيش حاجة يا مرة عمي، الله يريح قلوب الكل." مر الوقت، وتنزل زينة: "إني صحيته، وهعمله الأكل دلوك." واتجهت مسرعة تجهز الأكل. لتزغد سارة عطر: "إنتِ ساكتة ليه أكده؟
ما تقومي تسخمطي عيشتها، البت بتخطف راجلك يا حزينة." ابتسمت عطر: "ما عادتش تفرق، الله يهنيه." نزل أيوب، وأصبح على الكل، وعيونه على زوجته التي لم ترفع عيونها. تافف، واقترب من ابنه وقبله. كان يداعبه، ولكنه كان يتمنى أن يرى عيونها، إلا أنها كانت كالجثة، لا تنطق. تنهد، وابتعد. لـتدخل زينة بصينية الأكل، وتجلس بجواره وتتكلم معه، تتمنى أن ترفع عيونها. "إيه؟ هي ما بتنطقش ليه؟ البت راشجة جنبي زي الجرادة، ودي ما بتبصش حتى خلاص؟
مش رايداني؟ ما بتحسّش؟ إياك؟ ماعتش فارق معاها بعد ما كنتِ بتجري ورايا؟ ليشعر بالغضب. ليسمع زينة تقول: "ربنا هيراضيك يا ود عمي، وتفرح قريب." ليهتف، وهو ينظر إلى عطر: "يا رب يا زينة، إلا خلاص الواحد اتخنق." تهتف: "ما عاش اللي يخنقك. هو حدر معلش وخلاص بقِي؟ كل واحد يدور اللي على هواه." ليهتف: "آه، واضح إن كل واحد هيدور اللي على هواه."
هنا، لم تعد عطر تحتمل، لتشعر بصداع رهيب يجتاحها. أغمضت عينيها حتى لا تنطق، وكبتت نفسها، والألم يشع منها. وضعت يدها على رأسها، وركنت على المقعد. ليلاحظها أيوب، لينهش قلبه. هب وذهب إليها، ليمسكها ويهتف: "فيكي إيه؟ مالك أكده؟ رفعت عيونها، كانت لا تنطق. ليأخذ الطفل خوفاً عليها، ليحسها تراخت على الكرسي. ليحملها مسرعاً ويعدو بها إلى الخارج، ليذهب بها إلى الطبيب، ودموعها تسيل. كان مرعوباً، خائفاً عليها.
تدخل إلى الطبيب، وجلس معها، وبقي لفترة من الوقت. ليخرج الطبيب، ليهتف: "بص يا أيوب، أنا بنصح إننا نسيبها هنا يومين نراقبها، وتبقي تحت عينينا. هي بتمر بضغط رهيب، وإحنا ما لحقناش، والخوف لترجع زي الأول. حالتها حالة ياس غير عادية، وزهد في الدنيا، ودي كفيلة إنها تدمر أي شخصية عندها. بلادة وبرود يخوف، والواضح إنها فقدت حاجة كبيرة بتركن عليها." ليهتز أيوب: "يا مري؟ يعني ممكن تتلبس تاني؟
ليهتف الطبيب: "لا، بعيد، بس ممكن نفسيتها تتعب بأي طريقة، الله أعلم. التعب النفسي أشكاله كتير، وعطر شخصيتها مش محاربة، بتستسلم بسرعة، ودي خلقة ربنا." ليهتف أيوب: "طب ممكن أدخلها؟ ليهتف: "والله، أنا أديتها مهدئ، هي مش هتبقي معاك، بس هتكون سامعاك، بس من فضلك، لا، متضغطش عليها." يدخل أيوب، ويقترب منها، ليحس بوجع عليها. ليجلس بجوارها، ليمسك يدها ويهمس: "عطر، جلبي، إنتِ كويسة؟
فتحت عيونها، ونظرت إليه بتوهان. ليابتسم لها، ويقبل يديها، ويهمس: "حجك عليا يا عمري، ماتزعليش ولا تنجهري أكده." لتظل تنظر إليه بتوهان، لتغمض عينيها مرة واحدة. ليغمض عينه بوجع: "إني آسف يا جلب أيوب، إني وجعتك يا عمري. حجك عليا والله، كنت موجوع، والكلام بتاعك واعر، بس إني راجل غبي، كان لازم أسامح، زي ما جَلبي سامح. وجرب مني إني أعمل أكده، أمرط نفسك أكده، وأدبل عيونك أكده. إني حاسس إني ما عنديش جلب، ليه أكده؟
كبري ورجولتي واعرين أكده ليه؟ دا حبيبي حنين وطيب، واتعمل فيه كتير، أقوم أعمل فيه أكده؟ كنت هضيع جَلبي عشان كبري. حجك عليا يا واخداه عجلي، جهرتك، إياك إنت مجنون، تعملك زينة وورد، وإنت البعيد جبله، ما بتحسّش. وكت هتمرضها تاني؟ دا حبيبي رجيج واحنين، وجلبه أبيض، ما بيتحملش. إنت إيه؟ واغش ما عندك دم؟ إياك تلبسلك وتدلعك وتهنن؟ إيه هتنهب؟ مانت عملت فيها برضك، وجهرتها. إيه عشان كلمتين، تنجلب أكده؟ ما عندكش قطر الحنية؟ إياك؟
يا جلبي، والمحروجة التانية، تجهرها بالكلام، وجاعدة كيف الجطة، حاطة وشها في الأرض، تكبت حالها، لما انجهرت. إنت راجل سو. عايزها تطلع العفريت اللي كان بياخد حجه بالشر، عشان هيا غلبانة. ارحم، وماتتجبرش عالضعيف." ليقترب ويقبل شفتيها، ويهمس: "عهد عليا، لآهنينك، وأعيشك الحلو كله. دا جلبي يتاخد وينحط جوا الجلب، ويتجفل عليه، ويتهنن، ويدلع. عهد عليا، لآراعيِك، وأعليِك، ولا يجي يوم أئذيكي يا جلبي."
ظل يقبل يدها. ليبتعد، ويعود إلى بيته، فالطبيب أخبره أنها ستنام للصباح. يدخل، لتقف له أمه: "إيه؟ جهرت البت؟ اتمرضت تاني؟ هتجبلنا السو تاني بسببك." ليهتف: "أم الله يرضى عنك، إني تعبان." لتهتف: "من إيه؟ قول، تعملك إيه البت أكتر من أكده؟ ها؟ إيه كسرة النفس دي؟ تعملك إيه؟ تحب على يدك عشان جالتلك كلمتين عفشين من جهرها؟ إيه الكبر ده؟ هتخش جنة ربنا بكبرك ده إزاي؟ ليهتف: "خلاص يا أمي، إني تعبان."
لتهتف: "ولما إنت متهبب، ما بتلينش للبت اللي غلبت تصالحك، ليه تذلها ليها؟ عايزها تتلبس تاني؟ يا مري! إنت دماغك دي ليه أكده؟ ليهتف: "إني غلطت، وهصلح غلطي. بالله عليكي، همليني في غلبي." ليسمع زينة: "ما تسيبه يا مرت عمي، هو فيه إيه؟ لتنظر إليها نبوية، لتصرخ:
"لحد أهنه، وكفاية. اسمعي يا بت جمال، تجعدي أهنه بادبك من غير حرابة. نشيلك على راسنا، إنما تخربي بيت ولدي، نبعت لأبوكِ يجي ياخدك. إني سكت كتير، ولحد أهنه، ما هسكتش. إنتِ إيه؟ ما بتزهجيش؟ نخر وخراب." لتهتف زينة: "أكده يا مرت عمي؟ عشان رايدة مصلحة أيوب." ليصرخ أيوب: "وإنتِ مالك بيا؟ دا إيه الجرف ده؟ ماشية ورايا زي الجرادة، وما فيش فايدة. إيه؟ ما عندكيش كرامه؟ ما فيش دم خالص؟ أجولها لكِ إزاي عشان تحسي؟
إنتِ إزاي ما عندكش دم أكده؟ إني بحب مرتي، ولا هحب غيرها. منك لله. بعدي عن حياتي، وسيبني أعرف أعيش بقه. هو إيه؟ إني ناقص جهر؟ اسمعي يا بت، إنتِ يمين بالله، لو جربتي مني أو من مرتي تاني، لأكون حادفك لأبوكي اللي بلالنا بيكي. اتلمي أحسنلك، واسمعي، بس تنطقي جوا الدار دي، يمين أتحاسب عليه، أكون فاتح دماغك، وطاردك بره الدار كلها." لتهتف بقهر: "هتطرد زينة ليه؟ عشان رايدالك الخير وبتحبك؟ ليصرخ: "وإني ما بحبهاش! إيه؟
جُولك إيه؟ هو عافية؟ إيه الحزن الأسود ده؟ ورايدة الخير لحالك؟ اسمعي، إني جبت آخري. تسمعي مرتي كلمة عفشة تاني، أو تفكري تجربي منها، الله في سماه، ما هتباتي فيها، فاهمة يا بت عمي؟ إني باجي عالدم، وإنتِ أوعي لحالك. أيوب لا هو رايدك، ولا هيجي في يوم يريدك." ودفعها وصعد إلى الأعلى، وتركها تنتحب على حالها. فالحب ليس جبراً، فالقلب بين يدي الرحمن، يقلبه كيف حيث يشاء.
صعد أيوب ليجلس، ليحس بهم الدنيا. ظل أيامه تدور أمامه، وما فعله بزوجته، وما مرت به، ليشعر بوجع الدنيا، وأنها اكتفت من ذلك الوجع. "إيه يا أيوب؟ تاني هنعيده؟ تاني؟ ما بتهمدش؟ غلاية بتدور؟ جالت كلمتين تجهرها؟ تطلعلك الجرف تاني؟ هتتحمل بعدها؟ هتتحمل تاني؟ دا حبيبيك كان نار؟ ياخد العجل؟ بيلف عليك، وإنت جاسي؟ إيه الحزن ده؟ ماتحترم حالك بقه؟ بلاش جرف. إنت مالك راجل سو أكده؟ مانت عاشج، والعاشج بيقطع حاله على حبيبه."
ليبتسم ويهمس: "حبيبي أنت والله يا عطر." ليركن ويسهم لفترة. ليحس بيد حوليه. ليلتفت، لتبتسم: "عطر؟ إنتِ جيتي إزاي؟ لتجلس على قدمه: "اتوحشتك، جيت يا جلبي." ليحتضنها: "عطر، جلبي، إنتِ سامحيني يا واخداه عجلي، جلبي وروحي." لتبتسم: "بجد يا أيوب؟ يعني ما تهملنيش وتروح للبت زينة؟ ليحتضنها: "أهمل إيه؟ أطيّن إيه؟ داني جلبي هيجف." ليتلمسها بحنان، ليهتف: "اتوحشتك جوي، حاسس إني كنت في نار، وبجري في نار، ودلوك حاسس براحة الجلب."
لتحاوطه وتهمس: "وعطر هتصب عليك الحب كله، بس ترضي عني." ليداعبها، لتخجل بشدة، ليهمس: "يا جماله وهو جمر أكده، مش مصدق، حبيبي بين يدي، جمر أكده، يا جلبك يا أيوب." لتضع يدها على قلبه: "ماله جلبك يا جلبيليهتف: "جلبي طاير من فرحته." تهمس: "واني كلي ليك يا جلبي، بس ترضي عني. إني عايشة عشان ترضي عني وبس." ليهتف: "راضي يا جلبي."
ليحملها ويذهب بها للفراش، ليتوه معها، ليعيشا معاً حلم جميل، ناعم بكل معنى الكلمة. لياخذها في حضنه، وينام هانئاً، ليهمس: "حاسس إني دخلت الجنة." لتحتضنه وتهمس: "جنه؟ وأي جنه يا جلبي؟ جنه عطر غير؟ لتضيق عينها، وتتوحش، وتبتسم بخبث، وتنام في أحضانه هانئة، تنعم أخيراً بما أرادته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!