تطلع لها بزهول وهى تتأمله بسكون مخفى بالأشتياق يلعب الشوق مداهمة مريبة مع قلبها. نعم، استمعت لصوته يصيح بأسمها وتراه أمامها. لم تتوهم، هي بحقيقة لا طالما هربت منها. أقترب ياسين ليقف أمامها مباشرة. فرفعت عيناها السمراء لتقابل عيناه الجافة. لم تتخيل أن تلك العينان كانت تكن لها حبًا بيومٍ ما. ربما ما فعلته يستحق القسوة والكراهية.
وقف يتأملها بعاصفة من المشاعر المرتبكة كحال قلبه. هل مازال هذا القلب يميل لها بعد ما ارتكبت بحقه؟ لا، هو الآن لملكة أخرى. خرج صوتها أخيرًا قائلة بتوتر: _عامِل إيه؟ وقف يتأملها بسكون مريب، ثم حطمه بعدما توجه لسيارته قائلاً بسخرية: _شيء ما يخصكيش. وغادر ياسين تاركها تتطلع للفراغ التي سلكته السيارة. *** بالقصر. ترك سيارته بإهمال ثم دلف للقصر مسرعًا. فأتى الحارس وصفها بانتظام. توجه لغرفة والده مسرعًا، فلحقت
به تلك الفتاة قائلة بغضب: _فين هديتي يا عدي؟ استدار ليجد شقيقته تقف والشرار يلمع بعينيها. فقال بسخرية: _هو الحفلة خلصت ولا إيه؟ مليكة بصدمة: _هي لسه بدأت! رفع يديه على وجهها بخفة: _طب قولي لنفسك بقى. وتركها عدي وأكمل طريقه. طرق الباب وعندما استمع لصوت والده دلف للداخل قائلاً ببسمة هادئة: _صباح الخير. رفع يديه يتأمل ساعته قائلاً بسخرية: _قصدك مساء الخير. جلس على المقعد يتراقب حديثه بعناية. فأكمل ياسين قائلاً باستغراب:
_مش روتين أجازتك الخروج يعني، ولا الحال اتقلب؟ ابتسم بمكر على دهاء والده ثم تمتم قائلاً بجدية مصطنعة: _هو حضرتك متعرفش إلا حصل لمازن؟ ضيق عيناه الساحرة التي ورثها هذا الوحش عنه قائلاً بخبث: _على حد علمي إن مازن في المستشفى بقاله يومين وحضرتك مرحتلوش. _عشان كدا خرجت النهاردة وغيرت الروتين. قالها هذا الوحش بثباتٍ تام اعتاد عليه من والده. لم ينكر ياسين إعجابه بدهاء عدي، ولكنه يعلم جيدًا بأن هناك أمرًا ما.
خلع ياسين نظارته ثم أغلق الحاسوب قائلاً بنبرة مزيفة: _أوك يا عدي، النهاردة يوم مهم في حياة عمر ولازم تكون جنبه، وأظن ده من واجباتك كأخ قبل ما تكون ضابط شرطة، ولا إيه؟ ابتسم عدي قائلاً بتأكيد: _أكيد. _طبعًا سمعت إن معتز وجاسم عايزين يعقدوا القران معاه. ياسين بهدوء: _حاسس إن معتز متسارع شوية وده شيء مريب، لكن جاسم ده طبيعي. استقام بجلسته قائلاً باهتمام: _طبيعي إنه حب بنت فحابب يرتبط بيها بشكل رسمي.
ابتسم بخفوت على تبدل عقلية الوحش، فعلم الآن بأن تفكيره هو الصائب. _مش معتز اللي يفكر كدا يا عدي. بادله الحديث بنفس نبرة الهدوء: _طب إيه الحل؟ شرد بعقله قليلاً ثم قال بثبات: _الحل موجود عنده بس هو يستغله صح. عدي بعدم فهم: _مش فاهم حضرتك. استرسل حديثه ببسمة هادئة: _متخدش في بالك، المهم تكون متواجد هنا معاهم. _حاضر، عن إذن حضرتك. قالها عدي بعدما نهض عن المقعد وتوجه للخروج. فأشار له ياسين بالانصراف. *** بغرفة نور.
كانت تجلس على الفراش بهدوء، تفكر بنعم الله عليها. حينما فقدت بصرها كانت والدتها لجوارها لتكون هي مرشدها. وعندما أذن رحيلها أتى عمر ليكون خاتمها بعشقه وحنانه المنان. نعم، لم تطلب من الله استرداد بصرها قط. كانت تحمده على نعمه العديدة، فكيف لها الانتباه لذلك وهي منغمسة بقوافل نعمه العطرة. ولكنها ما إن دلف عمر لحياتها حتى باتت تدعو الله أن تستعيد بصرها ولو لدقائق تختم صورته عيناها وتظل هي آخر من تراه.
اليوم ستكون له زوجة، لم تصدق ذلك، ولكن شعورها بفرحته المزفوفة بنبرة صوته أشعلت الفرحة بقلبها المظلم. أفاقت نور على صوت دقات باب الغرفة. فتحسست بيدها الفراش إلى أن وقعت يدها على حجابها، فوضعته على رأسها قائلة بصوتٍ هادئ: _أدخل. دلفت مليكة أولاً تتراقب الأمر، ثم اقتربت منها لتخبرها بأن أخاها الأكبر يود رؤيتها ويستأذن للدلوف.
ابتسمت نور على أخلاق تلك العائلة، فرغم غناهم الفاحش إلا أن قلوبهم معطرة بقيم تفوقها ملايين المال. دلف عدي بعدما أخبرته مليكة بترحيبها به. جلس على المقعد وعيناه تفترش الأرض. أسندتها مليكة للجلوس على الأريكة المجاورة له، ثم فتحت الباب على مصراعيه وغادرت. عدي ومازالت عيناه أرضًا: _أنا حبيت أعرفك عن نفسي، مدام هتكوني زوجة أخويا. ابتسمت على طريقته المرحة قائلة بفرحة: _سمعت عن حضرتك كتير من مليكة وماما. عدي باستغراب:
_ماما؟ قالت بخجل: _أنا بنادي لطنط آية ماما بناءً على رغبتها وإحساسي ناحيتها كدا. ابتسم قائلاً بجدية: _طب تمام أوي، اسمعي بقا الكلمتين اللي جاية أقولك عليهم. أنصتت له جيدًا فاسترسل حديثه قائلاً بابتسامة صغيرة:
_صحيح، أنا وعمر توأم بس هو بيختلف عني كتير. عمر قلبه من دهب، لما بيحب بيحب بجد. افتكر وأحنا صغيرين، تصميمه على إنه يكون مختلف عن الكل كانت أبسط أحلامه يكون دكتور ويعالج الناس. عمر فعلًا مختلف عن الكل، عمره ما كان أناني أو حب التكبر. بالعكس، قراراته دائمًا بتكون من القلب. بقولك الكلام ده عشان تتأكدي إنه بيحبك بجد، ووصوله للجنان ده بسببك. أينعم أنا معادش عارف استحمله، بس كلها كام أسبوع ويغور عني أقصد يتجوز يعني.
تعالت ضحكاتها بسعادة لما استمعت له، فرفع عدي عينيه ليرآها أخيرًا قائلاً بسخرية: _بتضحكي؟ أوك، بكرا تشوفي وتقولي أخويا الكبير حذرني من الواد ده. لمعت دموع الفرح بعينيها، فرددت بهمس: _أخويا. أجابها بصدمة مصطنعة: _إيه ده، يعني هي ماما ومليكة أختك وأنا ابن الجيران؟ تصدقي أنا غلطان، كنت هقف معاكي ضد الحيوان ده لو عمل حاجة. _لااا طبعًا، أنا فرحانة لأني كان نفسي يكون ليا أخ. قالتها نور بدمعة حارة على وجهها، فابتسم قائلاً
بجدية: _والأخ ده قدامك أهو، أنتِ دلوقتي زي مليكة بالظبط. يوم ما تحتاجييني متتردديش ثانية واحدة. كان على بعد مسافات قليلة منهم يستمع لأخيه بسعادة واحترام، فعدي يكبر بأنظاره يومًا بعد يوم، يشعر بأن الفارق بينهم كبير للغاية، ليس دقائق بل أعوام. خرج عدي بعدما زرع الفرحة بقلبها ليجد شقيقه بالخارج يتطلع له بفرحة. نظراته تحمل الكثير من الحديث المكبوت. رفع يديه على كتفيه قائلاً بثبات: _مبروك دخولك عرين الزوجية.
تعالت ضحكاته قائلاً بحزن مصطنع: _لسه كتير، ده مجرد كتب كتاب بس. عدي بغضب: _احمد ربنا يا أخي، غيرك لسه موصلش للمرحلة دي. تعالت صدمات عمر ليقول بزهول: _غيرك! اللي هو أنت؟ لا، فاهمني، أنت لقيت رحمة؟ ابتسم الوحش إبتسامته المثيرة مشيرًا بعينيه، فاكمل عمر بحماس: _أذير. ربت على كتفيه قائلاً بثبات: _بلاش عشان أنت داخل على جواز والعملية عندك مش ناقصة جنان. عمر بصدمة: _للدرجادي؟ عدي بتأكيد: _وأكتر.
ابتلع ريقه بصعوبة من تفكيره بالأمر قائلاً بلهفة: _بعد الحفلة هعرف. تركه وغادر قائلاً بمكر: _افتكر. وقف يتأمله بغضب ولكنه انفض عنه أي أفكار وتوجه لغرفتها. *** توجه لغرفته ليجدها تعتلي طريقه، فتجمدت الدماء بعروقه حينما تذكر رسالتها. أسيل بخجل شديد: _بعتلك رسالة على الواتساب، شوفتها؟ ما إن ذكرت كلماتها حتى جذبها من معصمها بقوة لغرفته ثم أغلقها سريعًا. تطلع لها بشرارة تكاد تلهب الغرفة بأكملها، فخرج صوته المزلزل:
_أنا حذفت الرسالة وهلتزم الصمت عن اللي سمعته. سألته باستغراب: _ليه يا عدي؟ زفر قائلاً بغضبٍ جامح: _أسيل، أنتِ عارفة كويس أنتِ بالنسبالي إيه؟ بلاش تعيشي بوهم، أنتِ مش قده. فر الدمع من عينيها كشلالات عميقة قائلة بحزن شديد: _بس أنا بحبك أوي. رفع يديه بقوة كبيرة حطمت الزجاج من خلفها، فصرخت بخوف. رفعت عينيها لتلتقي بعين الوحش الثائر قائلاً بنبرة كالموت: _اخرجى من هنا. رفع يديه المملوءة بالدماء:
_عارفة لو سمعت الكلام ده تاني هعمل فيكِ إيه؟ تطلعت له بدموع قائلة بنبرة تحتضن الحطام والكسرة: _مقدرش أوعدك. قالت كلماتها الأخيرة بعدما توجهت لباب الغرفة. خرجت والدموع تلحقها كأنها لعنة مميتة تود الفتك بها. أما هو فجلس على الفراش يشدد على شعره بغضب من تلك الفتاة التي تتابع وهمًا قاسي وتترك عاشقها المحبب. تزرع الجراح بقلبه وهو يستقبلها بصدر رحب. بالخارج.
توجهت لغرفتها بدموع، رأها ياسين الجارحي ليخمن الآن ما الذي يحدث لها؟ *** بغرفة رعد. دينا بصدمة: _أنتِ مجنونة صح؟ داليا بدموع: _ليه؟ عشان بقولك مش شايفاه غير مجرد أخ؟ دينا باستغراب: _بس أنا كنت بشوف الحب في عيونك لجاسم من وأنتِ صغيرة. _يا ماما، فيه فرق بين الاحترام والحب، وأنا بحترم جاسم بس ده مش معناه إني بحبه. قالتها داليا بعدما تركت المقعد وجلست جوار والدتها على الفراش. لم تجد كلمات تتفوه بها فقالت بهدوء:
_يا بنتي راجعي نفسك، جاسم شاب كويس مش هتلاقي حد يحبك قده، وبعدين أنتِ كدا هتعملي مشاكل بين أبوكي وأدهم، الكل عارف إن النهاردة كتب كتابك مع عمر. صدمت من حديثها فقالت بدموع: _يعني عشان متحصلش مشاكل أتجوز واحد مبحبوش؟ قاطعتها قائلة بلهفة: _لااا يا بنتي مقصدش الكلام ده، بس يا حبيبتي إيه اللي مش عاجبك بجاسم؟ صرخت قائلة بغضب: _يوووه يا ماما، مش بحبه، شايفاه زي رائد وياسين وعدي والكل، شايفاه أخ، هتجوزه إزاي ده؟
تفاجئت دينا حينما وجدت رعد يقف خلفها، ولكنها تطلعت له بحزن من القادم. داليا بصدمة: _بابا! رعد بهدوء: _من إمتى وإحنا بنغصب عليكم حاجة؟ قالت بارتباك وعيناها أرضًا: _أنا. قاطعها بإشارة من يديه قائلاً بحزم: _اعتبري الموضوع منتهي، روحي على أوضتك. أنصاعت له وتركت الغرفة. اقترب رعد من دينا الباكية رافعًا يده على كتفيها بحنان، فرفعت وجهها المنغمس بدموع: _هو ليه بيحصل مع أولادنا كدا يا رعد؟
رائد واللي بيحصل معاه ودلوقتي داليا، هو مش مكتوب لنا نفرح؟ جلس لجوارها محتضنها بحنان، فهو يعاني مثلها ولكن عليه الصمود. أخرجها من أحضانه قائلاً بهدوء: _وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرًا لكم، نسيتي كلام ربنا ولا إيه يا دينا؟ أجابته بهدوء: _ونعم بالله. أكمل حديثه قائلاً بثبات: _وبعدين مالهم أولادنا؟ داليا مشكلتها بسيطة ورائد الحمد لله، إحنا كنا فين وبقينا فين، وإن شاء الله رانيا تقدر تسامحه. رددت بأمل: _يارب يا رعد.
احتضنها هامسًا بصوته الرجولي العميق: _يارب يا حبيبتي. *** وقفت أمام الغرفة بتردد، تقدم قدمًا وتأخر أخرى. ذكريات تهاجمها من الماضي المغموس بالعشق والوجع. لمعت حديث آية برأسها أن عليها تخطي الماضي من أجل ابنتها. خطت للداخل فتطلعت للغرفة بصمتٍ قاتل. تتعيش مع ذكرياتها المعتقة بالعشق، ولكن سرعان ما قلبت لذكريات مريبة جعلت قلبها ينبض بعنف لذكرى هذا اليوم. فلاش باااك.
عاد من الخارج يبحث عنها بعينيه إلى أن وقعت عيناه عليها وهي تجلس بالتراس. أقترب منها فاحتضنها هامسًا جوار أذنيها: _وحشتيني. ابتسمت بفرحة لسماع صوته، فاستدارت لتتقابل مع عينيه الرومادية. تطلعت له بخجل شديد من نظراته الخبيثة ثم قالت بتوتر: _بتبصلي كدا ليه؟ رفع يديه يحتضن وجهها تاركًا العنان لنظراته تنقل لها عشقه المتوج: _مش مصدق إن الجمال ده ملكي. تلون وجهها بحمرة الخجل، فابتعدت عنه قائلة بارتباك:
_أنا هدخل آخد شاور عشان نازلة مع مليكة. رائد باستغراب: _رايحين فين؟ رفعت يدها تزيح خصلات شعرها المتمرده على عينيها بفعل الهواء قائلة بارتباك من نظراته الفتاكة: _رايحين نشتري شوية حاجات، وداليا جاية معانا. قالت كلمتها الأخيرة واختفت من أمام عينيه. أما هو فوقف يتأملها إلى أن اختفت من أمامه. جلس على الأريكة يتأمل الأشجار من حوله.
الهواء العليل يتمرد على خصلات شعره الغزير، فأغضبه كثيرًا حتى أنه توجه للدلوف، ولكنه توقف على صوت الهاتف. تطلع رائد للطاولة بزهول حينما هاتفها يلمع برقم مجهول، فألتقطه: _ألو. أغلق الهاتف بوجهه سريعًا، فزع الشك بقلبه. فتح السجل ليجد ما يصل لأكثر من عشر مكالمات باليوم الواحد، وما جعل الغضب يلعب دوره المحسوم، المحادثة بينهم على الواتساب. سمح لنفسه التجول بالرسائل السابقة، فتعالت شرارة الجحيم.
ألقى بهاتفها أرضًا فتهشم كحال قلبه، ثم دلف للغرفة يبحث عنها كالمجنون. خرجت من المرحاض بعدما ارتدت ثيابها وبيدها الحجاب، فتفاجئت به يصيح باسمها بجنون. أقترب منها ليقف أمام عينيها، فتطلعت له بصدمة من رؤيته هكذا. وقف يتأملها بصمت قاتل لا يقوى على التصديق، لا، هناك أمر خاطئ، ولكن عقله لم يمنحه السكينة.
ربط ارتباكها بالفترة الماضية وتصميمها بالخروج الزائد عن الحد مع ما حدث منذ قليل، فأصدر القرار بانتساب تلك الكلمة القاتلة لها "خائنة". يا لها من خنجر طعنه بقسوة بدون رحمة أو شفقة لعشق زرع بالقلوب. أنهى حديث العينان بصفعات قوية لم تتوقعها منه. وقفت تطلع له بصدمة ألجمتها عن الحديث حينما شرع لها بتلك الكلمة، ثم أنهال عليها بكم من اللكمات المبرحة. صرخت وتراجعت للخلف كأنها ترى ما حدث أمامها.
رفعت يدها على أذنيها لعل صوته يكف عن الحديث، لم تشعر بدمعاتها تشق طريق وجهها حينما تذكرت حديثه وذكرياتها التي ظلت حليفتها طوال تلك المدة القاسية. أتى من الخارج بعدما أوصل ابنته لغرفتها الجديدة، ففرحت بها كثيرًا. وجدها تتراجع للخلف بفزع كأنها ترى شبحًا، أقترب منها بحذر فصطدمت به. أستدارت رانيا لتجده أمامها، تملكها الخوف مما صار منذ أربعة أعوام، حتى أنها لم تقوى على الوقوف، فسقطت بين يديه كالجثة الهامدة.
حملها بخوف شديد، اقتلع قلبه، فحاول جاهدًا أن يجعلها تستعيد واعيها. *** بغرفة نور. ارتدت ما اشتراه لها عمر بعدما خرج صباحًا لأجلها. فستان من اللون الأزرق كالون عينيها. أعانتها مروج على ارتدائه بعدما نقلت لها صورة عن تفاصيله ولونه الجذاب. ارتدته وهي تشعر بتراقص نغمات قلبها حينما شعرت بوجوده لجوارها. ربما قرب الموعد ليزدهر أشواك العشق. *** بغرفة عدي. دلف ياسين للداخل وعيناه تبحث عنه بغضب شديد.
إلى أن وقعت عليه، فهبط للأسفل ليقف أمامه. حبس أنفاسه تحت المياه كأنه يحاول إثبات شيئًا ما، فطوفت بها عاصفة العشق والريحان نقلت صورة بسمتها الساحرة، فجعلته يبتسم بهيام. خرج عدي من قاع المياه لشعوره بأنه بحاجة للهواء، فتعجب حينما وجد أباه يقف لجواره. _بابا. قالها بخفوت واستغراب، فتوجه للخروج قائلاً بزهول: _في حاجة يا بابا؟ أنا كنت لسه عند حضرتك؟ _اسمع يا عدي، أنا صبرت عليك كتير، بس أنت استغليت صبري.
قالها ياسين الجارحي بعدما رفع يديه بوجه ابنه الأكبر بغضب يكاد يفتك به. لم يعلم ما سبب غضبه المفاجئ، فقال بحذر شديد: _أنا مش فاهم حاجة، في إيه؟ اقترب ياسين منه قائلاً بنبرة صوته الثابت: _أنا واثق إن في حاجة انت مخبيها عليا. ببساطة ممكن يكون جوازك على أسيل مع أخوك، وأنت عارف إني أقدر أعمل كدا. عدي بغضب: _هو انتوا ليه مش قادرين تفهموا؟
أنا مش بحبها، أنا بعتبرها أخت ليا مش أكتر ولا أقل، ثم إني مش مجبر أتجوزها، وحضرتك عارف كدا كويس. حاوطته نظرات ياسين القابضة للأنفاس، فحل السكون على عدي حينما علم ما تفوه به. خرج صوت ياسين الحازم قائلاً بعصبية: _أوعى تكون فاكرني أهبل أو مش بفهم، أنا ياسين الجارحي، عقلي يوزنك انت وعشرة زيك، عشان كدا سايبك تعمل اللي يريحك، بس يجي ببالك إني غبي ومش فاهم اللي بيحصل لأولادي وأنا هنا بمكاني، تبقى بتحلم حلم سخيف.
وصعد ياسين الدرج متوجهًا لغرفة عدي المنصدم مما استمع إليه. ولكنه لم يتمكن من إخفاء ابتسامة إعجاب بنفوذ ياسين الجارحي. دق هاتفه برقم كبير الحرس، فرفعه بصمت يستمع للقادم. الحارس: _الشخص اللي حضرتك اديتنا صورته حاول الهجوم على الفيلا. رفع يديه يزيح خصلات شعره المتمردة على عينيه بفعل المياه قائلاً بلهفة: _مصطفى ما يعديش من تحت إيديكم، عايزه أرجع بالليل ألاقيه. قاطعه حديث الحارس قائلاً بخوف:
_للأسف يا فندم، في مجموعة أخدوه قبل ما يوصل للفيلا. عدي باستغراب: _مين دول؟ تعرفهم؟ الحارس بتردد: _الحرس الخاص بياسين بيه، والد حضرتك. أبعد الهاتف عنه والبسمة تتسع شيئًا فشيء، فترددت صدى كلمات والده برأسه ليعلم الآن بأنه على علم بما يحدث معه. *** بغرفة معتز. رفع هاتفه يطلبها فأجابته بعد عدد من الاتصالات. حاول كبت غضبه فقال بهدوء: _برن عليكِ من ساعتها.
جاهدت للحديث، فهي تعلم بأنها اليوم ستصبح زوجته بعدما نجح بإقناع والدها. _آسفة، كنت بعيدة عن الفون. جلس على المقعد قائلاً بثبات ونبرة هامسة: _ولا يهمك، أنا كنت بكلمك أطمن، يا ترى ذوقي عجبك؟ تطلعت للفستان الموضوع على الفراش بعناية بابتسامة إعجاب قائلة بخجل: _جدًا، ذوقك جنان، تسلم إيدك يارب. معتز بصدمة: _الكلام الحلو ده ليا؟ لم تتمكن من الحديث أو حتى التحكم بابتسامتها، فصمتت تستمع له. استند برأسه على المقعد الذي
يتحرك معه بعنف فقال بهمس: _تعرفي يا شروق، أول ما شوفتك حسيت إنها مش هتكون أول مرة، وإن فيه حاجة غريبة هتحصل. مكنتش أعرف إن الحاجة دي هتكون سرقة قلبي. كانت تستمع له بسعادة، هل تسعد لجمال اسمها بين نغمات صوته أم كلماته المعسولة؟ لا تعلم بأنه يعد لها خندقًا لتغزو به. *** مر اليوم سريعًا وتدلى القمر ليعلن عن الليل الحافل للجميع.
عاد ياسين للقصر ولم يرى أمامه من قوة صدماته، حتى أنه لم يتمكن من مباشرة أعماله فألغى اجتماعاته وعاد للقصر. صعد خطوات الدرج بتميل وغير اتزان. هرولت مليكة خلفه حينما رأته يتجه للأعلى فقالت بابتسامتها الرقيقة: _كنت فين يا ياسين؟ مش عارف إن النهاردة عيد ميلادي؟ تطلع لها بنظرات غريبة لم تفهمها مليكة، ولكنها خجلت كثيرًا حينما وجدته يتفحص فستانها الجديد بإعجاب. خرج صوته الهادئ على عكس الحرب التي يقودها قلبه:
_كل سنة وأنتِ طيبة. _كدا من غير هدية؟ قالتها بغضب طفولي، فتأملها بغموض. رفع يديه لأول مرة على وجهها، فلم تتوقع ذلك، قائلاً بنظرة أربكتها من كونه ليس بخير: _أنتِ أحلى هدية يا مليكة. حالت النظرات بينهم وهو مازال يتطلع لها كأنه وجد إجابة لسؤال يدور بقلبه. تاهت ببحر عيناه الزرقاء حتى أنها أقسمت بأن المياه ستغار من لونها الساحر.
أخفض يديه لجيبه تحت نظراتها، ثم أخرج سلسال من الألماز رقيق للغاية بمنتصفه قلب صغير يلمع بطريقة ملفتة. ابتسمت بسعادة وخجل حينما اقترب منها يلبسها بنفسه. رفعت عيناها تتأمله بخجل شديد، فحمر وجهها لقربه المهلك. خطفت أنظارها للسلسال، لعله يشيح نظراته بعيدًا عنها، ولكنه مازال متعلقًا بنظراتها. قاطعت حبال النظرات داليا قائلة بمشاكسة: _طب وهديتي فين؟ ولا اتنسيت؟ صعد ياسين للأعلى قائلاً بمرح: _افتكرك بتاع إيه؟ داليا بغضب:
_كدا يا ياسين، مااااشي. تعالت ضحكات مليكة ويدها متعلقة بالطوق كأنه حياتها منذ الآن. *** تعالت أصوات الموسيقى الهادئة، فاليوم مميز للغاية بمناسبات عديدة لعائلة الجارحي، وأهمهم عقد قران عمر ومعتز وجاسم كما يعتقد البعض. هبطت نور للأسفل بمساعدة آية لتخطف الأنظار بطالتها البسيطة وحجابها الأزرق ذو الطرف الطويل على خصرها، فكانت كالملكة بحق. تقدم منها عمر وعاونها على الجلوس وظل هو يتأملها بشوق لأن تكون زوجته.
أما معتز فأعجب بذوقه الرفيع الذي جعلها كالحوريات الهاربة من أحد القصص الخيالية، فكانت فتاكة بكل ما تحمله معاني الكلمات. كانت جميع العائلة حاضرة للحفل، فتم عقد قران عمر ونور ومعتز وشروق. نبض قلب ياسين بخوف شديد، فتقدم من عدي قائلاً أمام الجميع: _أنا كمان عايز نعقد القران بعد إذن حضرتك يا عمي. تطلع له عدي وياسين والجميع بزهول، ولكن ازدادت فرحتهم وخجل مليكة حينما وافق ياسين. وبالفعل تم عقد قران ياسين ومليكة.
أما على الجانب الآخر. صدم جاسم مما استمع إليه، حتى أنه سأل عمه مرة أخرى، فأجابه بأسف قرار ابنته. لمعت عيناه بشعلة غامضة، فبحث عنها كثيرًا إلى أن وقعت عيناه عليها، فجذبها بعنف للأعلى. *** خرج عدي للتراس فرفع هاتفه يستمع لصوتها، ولكن لم يأتيه رد. جن جنونه وحاول كثيرًا ولكن لم يأتِ صوتها العاشق ليحلل قلبه. فأسرع لسيارته يقودها بجنون ليصل لمعشوقة الروح. *** بالقاعة الخاصة. جذبها عمر للداخل قائلاً بسعادة:
_مبروك يا حبيبتي. صمتت فلم تقوى على الحديث من خجلها، فأبتسم قائلاً بمزح: _أنا اتجوزتك غصب عنك ولا إيه؟ تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية: _هبلغ عنك وأقولهم كفيفة والدكتور بتاعي استغلني. ابتسم عمر قائلاً بحزن مصطنع: _وأهون عليكي يا نور؟ ترقص قلبها من طرب صوته المقرب لها، فعلمت بأنه قريب منها. وضعت عيناها أرضًا ثم قالت بارتباك: _عمر، أنا كنت عايزة أقولك حاجة. وسعت بسمته حينما استمع لأسمه، فقال بلهفة:
_قولي، حاجات مش حاجة واحدة. ابتسمت قائلة بجدية: _أنا موافقة أعمل الجراحة. _عشان الجواز مش كدا؟ قالها عمر بغضب شديد، فقاطعته قائلة بإنكار: _لااا، صدقني ده قراري. ثم قالت بحزن مصطنع: _وبعدين انت ليه معتش بتعملي اختبارات؟ أنا بحبها على فكرة. تأمل عينيها بعشق ثم قال بفرحة: _بس كدا جاهزة؟ ولا المرادي صعب جدًا؟ نور بغرور مصطنع: _مفيش حاجة صعبة بإذن الله، قول يلا الاختبار.
اقترب منها يتأملها ملامح وجهها الملائكي، ثم رفع يديها لتتابعه بخطواتها. وقفت تشير بيدها لتعلم إلى أين هي، فأستغل اللحظة ورفع هاتفه يلتقط لها صورًا كثيرة. سمعت صوت الفلاش، فعلمت ماذا يصنع، فتسللت الحمرة لوجهها. وضع هاتفه على الطاولة ثم حمل لوحة الرسم لها. جذب المقعد وعاونها للجلوس، ثم قدم لها اللوحة. قالت باستغراب: _أرسم إيه؟ جلس أمامها ثم رفع يديها على عيناه قائلاً بهمس: _أنا يا نور.
تجمدت يدها حينما لامست كل إنش بوجهه. نعم، كم تمنت أن تراه، ولكن خجلها كان أقوى منها، وها هو يعاونها على تحقيق رغباتها. تركت الحرية له، فحرك يدها على أنحاء وجهه. حفرت ملامحه الوسيمة بقلبها. أبعدت يدها بخجل شديد حينما طبع قبلة رقيقة على يدها. عمر بعشق: _هتعرفي؟ اكتفت بالإشارة له بارتباك ثم توجهت للخروج، فكادت أن تتعثر من طول فستانها. أحتضنها بخوف شديد قائلاً بلهفة: _أنتِ كويسة؟ أشارت له بصمت، فعنفها قائلاً بغضب:
_كان ممكن تطلبي المساعدة. نور بخجل بمحاولة لتغيير الحديث: _هرسم في أوضتي وهوريك بكرة عشان تشوف إنك أد التحدي. ابتسم قائلاً بثقة: _ملامحي صعبة تترسم. وضعت يدها على خصرها قائلة بغضب: _ليه بقا إن شاء الله؟ _بمناسبة الوقوع، مشفتش الواد جاسم. قالها حازم بعدما دلف لينال ضربية من عمر. *** بالأعلى. كانت تبكي بشدة، فلم تهبط الحفل، كل ما تراه هو... أينما ذهبت يكون رفيقها، تراه بكل مكان، ما ذنب قلبها أن وقع أسير حبه؟
أفاقت أسيل من دروب أوجاعها على صوت باب غرفتها، فصعقت حينما وجدتة يقف أمامها. نعم، عاد من جديد، أحمد... رددت اسمه بصوت مبحوح وبسمة تحمل الشقاء، ثم هرولت لأحضانه تبكي بقوة، فربما سيكون لها المداوي وربما سيكون السجان. العشق القاتل حائل بين قيود العشق ليجعل الكأس المرير مذاق الجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!