رفعت يدها على رأسها بألم شديد. ثم استقامت بجلستها مرددة آهات خافتة. بدأت باستيعاب ما حدث لها، فوزعت نظراتها بالغرفة بضعف شديد لتصعق حينما تجده يجلس بغرور وثبات بمنتصف الغرفة، واضعاً قدماً فوق الأخرى، تاركاً نظراته تتفتل بها. تطلعت له بصمت قاتل. دموعها تلمع بعينيها الضعيفة. ولكن بداخلها قوة للرحيل من هذا المشفى. جذبت حجابها الموضوع على الكومود الطبي الصغير، ثم وضعته على شعرها المنسدل بضعف.
جاهدت للوقوف بمفردها، وبالفعل استطاعت رغم شعورها بالدوار. تقدمت لتخرج من الغرفة غير عابئة به ولا بنظراته الغامضة. ولكنها وقعت أمام الباب من شدة الدوار. لم يتحرك رائد لمساعدتها، اكتفى بنظراته لها المخادعة بالاستمتاع لرؤيتها تنازع. وقف رائد ثم تقدم ليكون على مقربة منها. فجثى بركبته ليلتقي بعينيها. تطلعت له بدموع تكتسح ملامحها، تتأمله بصمت وألم. فحتى القسوة لم تقو عليها تجاهه. خرج صوته المشحون بموجات الغضب:
"تعرفي أد إيه أنا مستمتع وأنا شايفك كده." حلت الصدمة ملامح وجهها حينما رأت البسمة تزين وجهه. قطع سيل النظرات برنين هاتفها بالحقيبة الموضوعة على الكومود. توجه رائد للحقيبة ثم أخرج الهاتف بعين تلمع بالنيران لرؤية اسمه يعتلي الهاتف. استدار لها بعين من لهيب نقلت لها من المتصل. فتح السماعة الخارجية وعيناه تفترس ملامحها ليستمع لصوت هذا العدو اللدود له. مجدي بغضب: "أنتِ فين يا رانيا كل دا؟ أنا مش حذرتك قبل كده من التأخير؟
مريم مبطلتش عياط من ساعتها." انكمشت ملامحه باستغراب، ولكن صوتها الطفولي قدم ليحطم ما تبقى بقلبه. جذبت الصغيرة الهاتف قائلة ببكاء: "ماما أنتِ فين؟ أنا خايفة أوي." وضعت رأسها أرضاً تحتضنها ببكاء حارق وصوت شهقات مرتفعة للغاية. ما ظلت تتخفى عنه صار حقيقة له. أغلق الهاتف ثم ألقى به بقوة فتهشم لجزيئات صغيرة. تلك الحمقاء تظن أنه كشف الحقيقة، ولكنها لا تعلم أي لعنة حلت عليه.
أقترب منها بخطى أشبه للموت ثم جذبها من شعرها بالقوة لتقف أمامه. فصرخت بقوة عندما أنهال عليها بكم هائل من الصفعات قائلاً بصوت مخيف للغاية: "زباااالة! أنا هفضحك قدام الناس دي كلها، هخليكي تقضي باقي العمر الرخيص بالسجن لخيانتك ليا. مكنتش أتخيل أنك بالمستوى الدانيء دا." لم تعد تحتمل قواه الفائقة، فصرخت تستغيث بمن بالمشفى. وبالفعل اجتمع من فيها ليفضوا بينهم.
فجذبت حجابها وهرولت للخارج بسرعة كبيرة، غير عابئة بدمائها المندثرة ولا بآلام القلب المحطم. كل ما تشعر به أنها بمعتقل وحش كاسر وعليها الفرار. لوحت بيدها برجاء لسيارة الأجرة التي وقفت على الفور. فصعدت قائلة بدموع: "اتحرك بسرعة الله يخليك." انصاع لها السائق وغادر مسرعاً، فمظهرها يوحي بأنها من عائلة محترمة للغاية. وقف السائق أمام العمارة القابعة بها، فطلبت من البواب أن يحاسب السيارة. وصعدت هي سريعاً لشقتها. *******
_***** أمام المطار. سبقت بخطاها للخارج، ولكنه تفاجأت به يجذبها بقوة لتلتقي بعينيه الممزوجة باللون العسلي والبني القاتم المخيف. رحمة بثبات: "في إيه يا عدي؟ خرج صوته الثائر: "أنا بحاول أعمل نفسي مصدقك، بس عايز أعرفك حاجة، أنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الكدب." تلبلكت قائلة بحزن متخفي: "ليه بتقول كده؟ تأمل عينيها بصمت قاتل يتغلل بغضب: "رحمة، أنتِ عارفه كويس إني أقدر للحيوان دا، هو والا يتشدد له." أجابته بهدوء:
"عارفه يا عدي." عدي بثبات مريب: "أنا عمري ما حبيت ولا أعرف يعني إيه حب، أنتِ الوحيدة اللي فوقتني على حقيقة أن جوايا قلب." رفع يديه أمامها قائلاً بثقة: "أنا مستعد أحارب الدنيا كلها عشانك، إشارة منك ليا هتكون بمثابة إعلان الحرب على الحيوان دا." تطلعت ليديه بدموع حتى كادت أن تضعف وترفع يدها ليده وتقبل بعرضه، ولكن واجبها تجاه والدتها أكبر من ذلك.
نعم تعلم بأنه سيتمكن من حمايتها، ولكنه سيفقد شخص عزيز بعائلته، فهي تعلم انتقام عمها كيف يكون. كسرت حاجز الصمت قائلة بثبات مازال يلاحقها: "أنا ممكن أكون حبيتك، بس مقدرش أكسر قلبه بعد ما عمل كل دا عشاني." وتركته وتوجهت للخروج، فتفاجئت بيده مرة أخرى. تطلع لعيناها قليلاً ويدها محاصرة بين يديه ليقطع ضعف نظراتها بجمال عينيه: "هتقدري؟ لم تجد الإجابة على سؤاله، فطلعت لعينيه بهيام شديد. فابتسم بثقة وتركها تنظر لعسلية عينيه.
ثم رفع يدها أمام عينيها لتكون ملفتة لانتباهها. ليتركها مرة واحدة، فتطلعت ليدها قليلاً ثم لعينيه بحيرة. فابتسم قائلاً بسخرية وثقة عالية: "روحي يا رحمة، بس دا... ورفع يده مشيراً على موضوع قلبها؛ "دا ملكي وهيفضل كده. قوتك المزيفة دي مش هتحميكي كتير، أنا واثق أننا هنتقابل تاني وساعتها هتشوفي بعينك أد إيه أنتِ ضعيفة."
وتركها تطلع له بصدمة، ثم ارتدى نظارته السوداء متجهاً لتلك السيارة التي تنتظره منذ ساعات بأمر من والده ياسين الجارحي. أسرع الحارس بفتح باب السيارة لسيده، فدلف للداخل غير عابئ بها، لأنه يعلم جيداً حصوله على قلبها. أما هي فظلت كما هي تطلع لطيف السيارة آلى أن اختفت من أمامه، فجلست أرضاً تبكي بصوت مرتفع. محتقن بألم الفراق لنبض قلبها. تحت نظرات استغراب من حولها. ******** _**** بقصر الجارحي.
كان الجميع يجلسون على المائدة الطويلة يتناولون طعامها بسعادة وتبادل الحديث المرح. تراقصت الطاولة ياسين وبمقابله يحيى. عز بحزن: "القعدة دي ناقصة." هاشم بحزن هي الأخرى: "عندك حق يا عز، أنا كلمته عشان ينزل، قالي أنه لسه شوية شغل هيخلصهم وينزل إن شاء الله." دينا: "إن شاء الله ينزل على خير يا حبيبتي." تالين: "هو رائد فين يا دينا؟ رعد بتأفف: "من ساعة ما رجعنا من السفر وملوش وجود." آية بهدوء:
"رائد كان هنا امبارح يا رعد، وكان طالع لكم بس الوقت كان متأخر." آرا بمزح: "أيوا مهو لازم يشوف خالته الأول ههههه." حازم: "أنتِ بتقولي فيها يا طنط هههه." يحيى لياسين: "عدي هينزل إمتى يا ياسين؟ رفع يديه قائلاً بثبات: "طيارته وصلت من ربع ساعة تقريباً." جاسم؛ "زمانه على وصول إن شاء الله." مليكة بفرحة: "إن شاء الله، واحشاني أوي." حمزة: "يارب يفتكر اللي قولته له عليه." تالين بذهول: "هو إيه؟ حمزة بغضب مصطنع:
"أنتِ كل حاجة عايزة تعرفيها." عز: "خلاص يا جماعة، هو مفيش فايدة أبداً." تطلع لهم ياسين فساد الصمت مجدداً، فكسره قائلاً ونظراته على ياسين: "أخبار المقر إيه يا ياسين؟ أجابه ببسمة هادئة: "كل حاجة تمام يا عمي، جاسم نفذ المشروع الجديد على أكمل وجه، ومعتز مسك إدارة المصانع بجانب شركته، ورائد أسس مقر جديد عشان نوسع بيه العمل." ابتسم بسمة لا تليق سوى به قائلاً بأعجاب: "برافو عليكم، كدا نريح بقى والا إيه يا يحيى؟
تطلع يحيى لملك القابعة لجواره قائلاً بشرود بجمالها: "منريحش ليه، داحنا نطلع شهرين تلاته سفر تاني." تعالت ضحكات الجميع، على عكس عمر ومعتز القابع بهدوء يفكر بما ارتكبته تلك الفتاة وكيفية الانتقام بطريقة لا تهز مملكة الجارحي. أما عمر فكان تفكيره بها ممزق بالخوف من حسم الفكرة الخاطئة ببالها. خطفت مليكة نظراتها له بغضب ساكن بعينيها، يعلمه جيداً، فكعادته يخفي شبح ابتسامته بسكونه التام.
قطع السكون دلوف عدي بطالته الثابتة، فهرولت مليكة لأحضانه بسعادة: "عدي." أحتضنها عدي بأشتياق قائلاً ببسمة بسيطة: "أميرتي الصغيرة عاملة إيه؟ بكت قائلة بدموع: "زعلانة عشان مكنتش بتكلمني خالص." ابتسم بمكر: "هو أنا كنت بتفسح؟ مليكة ببسمة صغيرة: "جبتلي إيه؟ أزاحها عمر بسخرية: "يا شيخة أوعي، هو دا اللي يهمك." وقف أمام أخيه يحتضنه بفرحة، فشدد هو الآخر باحتضانه هامساً بجوار أذنيه: "بتفكر بقالك ساعة في إيه؟
تأفف عمر لشعور عدي به الزائد عن الحد، فقال بحزن: "فاتك كتير." غمز له قائلاً بمكر: "لينا أوضة تلمنا نتكلم وتحكي اللي فاتني." ابتسم عمر وتراجع للخلف، فتقدم عدي يقبل يد والدته قائلاً بابتسامة صغيرة: "واحشتيني يا ست الكل." ابتلع عمر ريقه بخوف شديد ونظراته على والده من عقاب أخيه، ولكنه تفاجأ ببسمة السعادة التي تراقب عدي. آية: "مش قولتلك بتعرف تضحك عليا؟ صدقنا بغضب: "ما خلاص بقى يا بت، هو كان بيلعب ما قالك وراه شغل."
رفع رأسه لدينا قائلاً بامتنان: "حبيبتي يا خالتو، دايماً كده في صفنا." يارا: "وأحنا بالخدمة برضو يا سيادة الرائد." ابتسموا جميعاً، ثم استقبل الجميع بالترحاب به. على عكس أسيل المتخشبة على المقعد تتأمله ببسمة واسعة. وقف أمام والده فتطلع له بصمت، قرر قطعه بعد مدة: "قولتلك عايز أرجع مصر، ألاقيك." عدي بهدوء: "كان غصب عني يا بابا، حضرتك عارف ظروف شغلي." ياسين بشك: "لا عارف دماغك كويس."
لم يخف عدي ملامح الإعجاب بوالده على قسمات وجهه، فشرع ببسمة بسيطة واحتضنه. جلسوا جميعاً بالقاعة يرتشفون العصائر، والخوف يتبادل على وجه حازم لعودة الوحش الثائر لقصره. جلس الشباب بالأسفل يتبادلون الحديث. ياسين بسعادة: "القصر نور برجوعك يا وحش." عدي: "منور بيكم يا شباب." جاسم ونظراته على حازم: "كده هتشيل عننا حاجات كتير." مروج ونظراتها على معتز؛ "آه والله يا جاسم." عمر: "ههههههه، انتوا ما صدقتوا." داليا:
"أينعم، وأنا أول واحدة، عدي حافظ حقوق الغلابة اللي زينا." أسيل بنظرات هائمة: "عندك حق يا داليا." اكتفى ببسمة بسيطة، قاطعها بستغراب: "رائد فين يا عمر؟ كاد عمر أن يجيبه، فوجده يدلف للداخل بوجه محتقن. تعجب الجميع من رؤيته هكذا، فأسرعت داليا لأخاها قائلة بقلق: "مالك يا رائد؟ لما يجيبها وجلس بجانب جاسم بعين تلمع بشرار مريب. ياسين: "أسيل، خدي مليكة وداليا واطلعي فوق دلوقتي." كادت أن تعترض، ولكن نظراته كانت حازمة.
صعدت الفتيات، وتبقى الشباب بمجلسهم، فأقترب عدي منه قائلاً بثبات: "في إيه؟ رفع عيناه المملوءة بشرارة الغضب: "في أن كلامي طلع صح في أني دخلت بن آدمة زبالة حياتي." عمر بهدوء: "أهدأ بس يا رائد وفهمنا في إيه." وبالفعل انصاع له رائد وشرع بقص ما حدث. ********* _************ بمنزل رانيا. دلفت للداخل، ففزع مجدي من رؤيتها هكذا. أقترب منها بصدمة كبيرة: "مين اللي عمل فيكي كده؟
تطلعت له بدموع غزت قلبه ليعرف الآن من جرؤ على فعل ذلك. ****** _** بالقصر. معتز بصدمة: "مش معقول!! رائد ببركان يصاحبه: "زي ما سمعتم كده، الهانم مش محترمة أنها لسه على ذمتي أنا، بقا هوريها الجحيم بعينه." ياسين بهدوء: "الموضوع دا فيه غلط يا رائد." صاح بغضب: "أنت لسه بتدافع عنها؟ دي متستاهلش غير اللي هعمله فيها هي والكلب دا." وقف عدي وتوجه إليه قائلاً بنبرته الساكنة: "وليه متحطش في افتراضاتك أن البنت دي بنتك."
كانت كلماته صادمة للجميع، فتطلعوا له بصدمة، حتى رائد توقف يراقبه بصمت. ثم صاح بانفعال: "لا مستحيل." ياسين: "عدي عنده حق، لازم تديلها فرصة." توجه للخروج والغضب يفتك منه قائلاً بحزم: "أبقى غلطان لو سبتها هي والحيوان دا ثانية واحدة." ارتعب جاسم، فقال بخفوت: "رائد مش هيسكت." زفر عمر بنفاذ صبر: "أنا معتش فاهم حاجة." معتز بعصبية: "اللي نفهمه أنها بن آدمة زبالة زي ما قال رائد، ممكن حد فيكم يفهمني ليه مجدي دا لسه في حياتها؟
لم يجد أحد الجواب المناسب على سؤاله. فتراقبوا صمت الوحش بخوف. أما عدي فتوجه لغرفته بعدما رفع هاتفه لشخص من أتباعه ليعلم ما السر الخفي وراء رانيا وهذا الأحمق المتحدي لرائد الجارحي. ****** _***** مر الليل وسطعت الشمس المذهبة بأشعتها المخيفة لها. فدلفت للداخل بعدما استجمعت قوتها. فتحت لها الباب بملامح غاضبة، ثم جذبتها من شعرها بقوة كبيرة فصرخت ألم. هناء بسخط: "تعالي يا صايعة يالا مقضياها ولا فارق معاكي حد."
بكت رحمة وهي تحاول تخليص نفسها من بين يدي زوجة عمها القاسية، فصاحت بصراخ كثيف كعادتها: "ماماااااا." كلما عصف بها الضرب المبرح، صاحت بصوت أعلى للاستنجاد بوالدتها التي تنازع للحياة بعدما تلقت ضربة مميتة من هذا اللعين. هرع قلبها حينما لم تجد منقذتها، فشرعت بالبكاء الحارق والتوسلات بأن تتركها. هبط هذا اللعين على صوت صرختها، فوجدها تنازع للعيش بين يدي أمه.
جلس على المقعد مخرجاً من جيبه علبة من السموم ينفثها براحة وسعادة لعودتها. لم تجد ملجأ سوى الركض إليه قائلة بدموع وهي تتمسك بقميصه: "مصطفى أرجوك حوشها عني." كانت كلماتها ذات مغزى مريب، وملامستها له جعلته يتلذذ بشكل غريب. فوقف قائلاً بصوت متقطع: "اسمي جميل أوي، منكبكت." فوقفت خلفه بفزع لتجدها تجذبها بشدة. حال مصطفى بينهم قائلاً بهدوء: "خلاص بقى يا ولية، هي رجعت خلاصة." هناء بسخرية:
"رجعت بعد ما فضحتنا يا صابع البرومبه، وبعدين أش عارفك أنها متلمتيش على الواد اللي كان معاها دا." تعالت شعلة الغضب بعينيه، فكرهه النفسي مريب ومحبوك عليها بخيط غليظ. استغلت رحمة انشغالهم بالحديث، ثم هرولت لشقتهم بالأعلى. فصاحت بالطرق المستميت عليه لتفتح لها والدتها وتحفظها من هؤلاء الشياطين. ولكن هيهات، لم تأت الدعوة بصدر رحب. تجمدت محلها حينما رأته يصعد الدرج بعصا غليظة تعرفها جيداً، فكم نالت منها ضربات مميتة.
تراجعت للخلف بخوف شديد قائلة بدموع تغرق وجهها البريء: "أنا معملتش حاجة والله." ناولها ضربات قاسية ولكمات على وجهها، فصاحت بصراخ قوي وهي تتوسل له أن يستمع لها. كم لعنت نفسها باختيارها المؤلم، بكت كثيراً وهي تعلم جيداً أنها لن تستطيع العثور على وحشها الثائر لحمايتها. أنهى ضربه قائلاً بصوت هادئ مريب بعدما ألقى العصا: "إيه دا رحمة؟ بتعيطي ليه؟ لم تستغرب ما يحدث معه، فهي على علم تام بحالته النفسية المريبة.
جلست أرضاً وهي تبكي بألم محتضنة ذراعيها المنتفخة من أثر الضربات. خرج صوتها قائلة بدموع: "ماما فين؟ أتاها صوتٍ تعرفه جيداً: "أمك في المستشفى يا أختي." رددت الكلمة بصدمة: "مستشفى!! أقترب عمها منها قائلاً بغضب شديد: "آخرة عمايلكم الوسخة أنتِ وأمك، ابني كان هيروح فيها لو أمك كانت ماتت، بس الإصابة مموتتهاش." تناثرت دموعها بصدمة: "انتوا عملتوا إيه في أمي؟ بلل شفتيه قائلاً بنبرة ونظرات مخيفة: "يلا ادخلي ارتاحي."
بكت قائلة بصراخ: "مش هدخل غير لما أشوف أمي." أنهال عليها بالضرب المبرح مرة أخرى حتى فقدت وعيها. ****** _****** لم يتمكن من النوم، فظل طوال الليل بالشرفة، أراد التحكم بضربات قلبه، ولكنه فشل بنهاية المطاف. لم يتمكن للحظة نسيانها، فكيف سيتمكن وعشقها متربع على عرش قلبه. تأمل سطوع الشمس بنظراته المتحدية لها، كأنه يخبرها بأن ظلامه لن تستطيع هي ملائه بنورها.
انسحب بخطاه للأسفل، ثم شلح قميصه لتظهر عضلات جسده المقسمة بحرافية عالية، فألقى بنفسه بمياه المسبح الخاصة به وبأخيه. حبس أنفاسه تحت المياه، ما تمكن من الوقت لنسيانها، ولكن هيهات، كان يشعر بها لجواره. قلبه يصرخ بتمزق، كأنها تستغيث به. نفض تلك الأفكار عنه، ثم صعد لسطح المياه بثقة وكبرياء، كأنه يعلن لذاته قوته في نسيانها. تفاجئ بعمر يقف أمامه وبسمته الواسعة تزين وجهه المشابه له. خرج من المياه يجفف شعره الغزير قائلاً
بستغراب: "أنت لسه هنا؟ عمر ببسمة واسعة: "أكيد مش همشي غير لما أرزل عليك الصبح." تطلع له بعدما أزاح المنشفة من على وجهه، فجلس على المقعد يجفف شعره قائلاً بخبث: "يعني حضرتك معترف أنك رزل؟ عمر بغرور: "الاعتراف بالحق فضيلة." تعالت ضحكات عدي، فتسللت الوسامة لوجهه بحرافية، ثم قال بحزم مصطنع: "على شغلك يا عمر أحسن لك." لوى فمه قائلاً بتأفف: "يعني طول الليل صاحي ورافض تتكلم معايا وبالنهار على شغلك يا عمر؟
طب مش هنتكلم ولا إيه؟ لف المنشفة على وسطه بإحكام، ثم توجه للصعود قائلاً بصوت كالسيف: "لما يجيلي مزاجي." عمر: "ماشي يا عم المغرور." وأكمل عدي طريقه للغرفة، ولكنه صاح غاضباً بعمر المتوجه للخروج: "أنت قافل الباب يا زفت؟ التفت قائلاً بتأكيد: "أيوا، ليه؟ كانت نظرات عدي له كافية بـِجعله يردد مسرعاً: "آسف، أنا متعود على أن الأوضة ليا لوحدي لغيابك المعتاد." عدي بغضب: "طب بغبائك دا هدخل إزاي يا متخلف؟ عمر:
"لف بقى وأدخل من جوا." وغادر عمر سريعاً قبل أن يهبط الوحش للأسفل. زفر عدي مشدداً على شعره البني الغزير بغضب جامح، ثم استسلم في نهاية الأمر. ودلف للقصر من الباب المجاور له. دلف بخطى ثابت، ثم توجه لغرفته مستخدماً الدرج. تعجب عدي حينما استمع لصراخ مليكة وداليا، فخرجوا من غرفتهم للأسفل بسرعة كبيرة.
وقف يتأملهم بملامح تحمل شفقة لطفولتهم، ثم أكمل طريقه ليتفاجئ بأسيل تخرج هي الأخرى وبيدها حذاء ذو كعب عالٍ تركض خلفهم بغضب وجنون. ولكنها تصنمت محلها حينما وجدته يقف أمامها والغضب يشتعل على قسمات وجهه. وضعت عينيها أرضاً سريعاً، ولكنها تفاجئت بصوته الساخر: "طب هما ممكن لسه صغيرين بالسن، وحضرتك أي نظامك؟ رفعت عينيها المترقرقة بالدموع، فتقابلت بعينيه، ليزفر بقوة متحكماً بأعصابه:
"مش كل ما حد يكلمك تبكي يا أسيل، مليكة وداليا أصغر منك، وأنتِ المفروض يكون لكِ مكانتك. عموماً، اعملي اللي يريحك." وتركها عدي وغادر، وتبقت هي تتأمله إلى أن اختفى من أمامها. بسمة تردد اسمها من على شفتيه كان لهم سحراً خاص. دلف عدي لغرفته، ثم شرع بتبديل ثيابه لسروال أسود اللون وتيشرت أبيض ضيق يبرز عضلات جسده، ثم ارتدى جاكيت طويل بعض الشيء باللون الأسود، مصففاً شعره بحرافية عالية، تاركاً رائحته العطرة تلحق به.
هبط للأسفل، فوجد الجميع يعتلون الطاولة، استأذن منهم لتأخره عن العمل بسبب أخيه. لاحقته أسيل بنظراتها التي كانت محور اهتمام ياسين الجارحي. ****** _***** بالمشفى. وصل عمر المشفى، ثم صعد لمكتبه والخوف يغلف قلبه بتمكن، فجلس يحسم أموره بالصعود لها أم يتجاهلها حتى تستطيع حسم قرارها. دلف إسلام للداخل قائلاً بلهفة مريبة: "جبت البرفيوم." عمر بستغراب: "طب قول صباح الخير الأول." ابتسم بحرج: "صباح الخير يا عم."
لم يجبه عمر، وأخرج مفاتيح سيارته، ثم ناوله إياهم قائلاً بهدوء: "في شنطة العربية." إسلام بستغراب: "طب ما كنت جبتها وأنت طالع." عمر بسخرية: "أشيل 250 إزازة؟!! إسلام بسعادة: "لا، دانت جبت الكرتونة بقا زي ما قلت." عمر بجدية: "المفتاح معاك، اعمل اللي تحبه، وسيبني دلوقتي." لم يجادله وهبط للأسفل بخطى محفورة بالخداع. ***** _***** بمنزل رانيا. لم تذق النوم والقلق ينهش قلبها، فمجدي لم يعد منذ أمس.
استمعت دقات على باب الشقة، فتحملت على نفسها لترى من؟ دلت هبة قائلة بصدمة: "مالك يا رانيا؟ وأيه اللي عمل فيكِ كده؟ رانيا ببكاء: "سبك مني وقوليلي مجدي رجع؟ هبة بزهول: "هو مش عندك؟ جلست على المقعد وتعالى صوت بكائها لعلمها الآن بأنه وقع بشباك رائد الجارحي. هبة بصراخ: "في إيه يا رانيا؟ مال مجدي؟ هو مش عندك؟ فاهميني." بكت وهي تقص لها عن رحلتها مع العناء منذ أربع سنوات، وبإعادة الماضي من جديد بعودة زوجها رائد الجارحي. *****
_**** بمركز الشرطة. العميد بأعجاب: "برافو عليك يا عدي، عرفت تلعبها صح ومن غير ما تدخل نفسك في متاهات." اكتفى عدي بابتسامته الهادئة، ثم قال: "بفضل تعليمك لينا يا فندم." العميد بشك: "لا معتقدش، دا ذكائك اللي متعودين عليه في كل مهمة." ثم أكمل بجدية: "خلاص بقى، أنت أخدت تار صاحبك، نرجع بقى لشغلنا والا إيه يا سيادة الرائد؟ وقف يحييه، ثم استأذن بالانصراف.
دلف عدي لمكتبه براحة كبيرة للثائر لرفيقه الذي كان طعم لهم ليحققوا انتقامهم منه، فقلب عليهم الطاولة لينهوا حياة بعضهم البعض بذكائه المعهود. دلف مازن مسرعاً حينما علم بعودته. ":حمدلله على السلامة يا وحش." ابتسم عدي قائلاً بملامح لا تنبت بشيء: "الله يسلمك يا مازن، طمني عليك." جلس مازن على المقعد المجاور له بعدما احتضنه قائلاً بلهجة مسرحية: "صاحبك اتقحرت من غيري." بادله بسخرية: "والله بشك إنك ظابط شرطة."
وضع يديه على المكتب بضيق: "يا عم أعمل إيه عشان أثبتلك بس." عدي بتعجب: "فين دبلتك؟ انكمش بجلسته بحزن شديد بدا على ملامحه، فنقل لعدي ما به، فقال مسرعاً: "في إيه يا مازن؟ جاهد لخروج صوته: "مفيش، أنا وشهد انفصلنا." قال بصدمة: "وقصة الحب اللي بينكم؟ ابتسم ساخراً: "تقصد استغلال." عدي بحزم: "متقولش كده، قول في إيه؟ مازن بألم:
"أنا فعلاً حبيتها يا عدي، بس مشفتش منها أي حب، ديما بشوف استغلال ليا ولمنصبي كظابط شرطة، بحس أني مارد لتحقيق رغبتها وسيلة ليها عشان تكون مرتاحة في حياتها بعد كده، عشان كده فضلت أنهي العلاقة قبل ما تكون جدية بالجواز." عدي بتفهم: "ولا يهمك يا مازن، إن شاء الله ربنا هيعوض عليك." كاد أن يجيبه، ليتعلل كلماته بتلك الحورية الواقفة أمامه كأنها تخبره بأنها التي ستغزو قلبه. عدي بصدمة حقيقة: "مروج!!
تقدمت من المقعد فجلست بدموع ووجه متورد من البكاء. رفع مازن عينيه ليتقابل مع تلك الفتاة الساحرة، لم يدري كم من الوقت تطلع لها أو ظل يتأمل هذا الجمال الرقيق. ولكنه حينما وجدها تبكي، استأذن للخروج، فالأمر عائلي. خرج وعينيه تتلفت لرؤيتها مرة أخرى، حتى أغلق باب الغرفة وغادر لمكتبه. مروج ببكاء: "أنا آسفة يا عدى، أنا عارفة أنك محرج علينا كلنا منجيش هنا، بس غصب عني لقيت نفسي جايالك." ترك مقعده وجلس أمامها قائلاً بقلق:
"مش مهم الكلام دا، قوليلي مالك؟ رفعت عينيها الممزوجة بدموع معبأة منذ زمان، ثم قالت: "معتز لسه زي ما هو يا عدي، لو ضحكت معاه أو هزرت مش بيقبل مني حاجة، أنا هزرت معاه من كام يوم ومن ساعتها وأنا بطلب منه أنه يسامحني، اعتذرت كتير وأنا عارفة أني مش غلطانة، بس عشان يكلمني، حتى النهاردة روحتله المكتب، طردني من هناك." قالت كلماتها الأخيرة وبكائها يزداد أضعافاً:
"عمري ما حسيت منه الحنان، على طول بحسه أنه بيكره نفسه حتى. لو عندي مشكلة كنت بلجأ لجاسم أو رائد وأحياناً ياسين وعمر، رغم أني ليا أخ بس بالاسم بس." خرج عن هدوئه: "إحنا كلنا أخواتك يا مروج، معتز زودها فعلاً." نهض عن مقعده، ثم كفكف دموعها قائلاً بمزح: "أما خليه يسف دموع مبقاش أنا، بس برستيجه هيضيع." مروج بتأكيد: "فعلاً." عدي بمكر: "طب إيه رأيك بهدية؟ صاحت بسعادة: "حلوة ديا." أكمل بنفس لهجته المرحة:
"متقوليش كده، كنت جبتلك هدية وخلصت." تعالت ضحكاتها بعدما احتضنته بسعادة أخوية، فخفف عنها ألمها، لذا هو القدوة للجميع. خرج معها للخارج، ثم أوصلها لسيارتها. فغادرت، واتجه هو ليلقن معتز درساً قاسياً لن ينساه أبداً. **** _****** بالقصر وبالأخص بغرفة ياسين. دلف جاسم للداخل، ثم أسرع للفراش، فأزاح عنه الغطاء قائلاً بصراخ: "ياااااسين." انقض عن الفراش قائلاً بفزع: "في إيه على الصبح؟ جاسم بجنون:
"كارثة، كارثة، إيه دي مصيبة هتطب على دماغنا كلنا." انكمشت ملامحه بقلق: "رائد." جاسم: "هو بجنانه خطف مجدي، أو هو اللي جاه برجله، مش عارف إيه اللي حصل بالضبط، بس المصيبة واحدة، أنه تحت بالمخزن والحرس بكل مكان." تجمدت الكلمات، فلم تعرف طريق الخروج. ردد بخفوت: "دا أكيد مجنون." جاسم بتأكيد: "ومش بعيد نحصله لو حد من أعمامك شم خبر." ياسين بغضب: "إحنا لسه هنستنى." وجذب ياسين قميصه وارتداه مسرعاً، ثم ركض للأسفل. *******
_****** بالمشفى. كانت تشعر بالضيق، بالعادة كان يبدأ يومه بها أولاً، ولكنها تشعر أنه يتعمد ذلك. ابتسمت بسعادة، ثم قالت بخفوت: "أتأخرت يا دكتور." ابتسم بخفة، فأكمل طريقه للداخل قائلاً بهدوء: "حبيت أسيبك تفكري براحتك." تلون وجهها باللون الأحمر قائلة بخجل: "بس أنا فكرت خلاص." استجمع شجاعته قائلاً ببعض الخوف: "طب والقرار؟ انغمس وجهها باللون الأحمر القاتم، فبدأت السعادة تتسلل لوجهه حينما قالت: "موافقة."
لم يتمكن من كبت سعادته، فحملها بين ذراعيه ملتفاً بها بسعادة، ثم وضعها واستعاد عقله قائلاً بصوت يملأه السعادة: "لازم أكلم بابا." وغادر مسرعاً قبل أن يستمع لها حينما قالت أنها تود انتظار والدتها، ولكنه غادر. ***** _****** بالمقر. توجهت شروق لمكتب العامل المتخصص بالوظائف لسحب أوراقها وبعض متعلقاتها التي تركتها، فتفاجئت بمعتز يعتلي المكتب بدلاً منه. قالت بصدمة: "أنت؟
لم تنتظر منه الحديث وتوجهت للخروج سريعاً، ولكنها تفاجئت به يغلق الباب. تراجعت للخلف بخوف شديد، فأقترب منها وهي تبتلع ريقها بتوتر وارتباك. شروق بصوت متقطع: "أنت قفلت الباب ليه؟ لم يجيبها وظل يقترب منها حتى حاصرها بين الحائط قائلاً بصوت فشلت بفك شفراته: "منكرش أعجابي بيكي من أول لحظة شوفتك فيها، بس دا مش طبعي ولا دي أخلاقي، وعشان أثبتلك كلامي، مقابلتي مع باباكي ووعدي ليكي بأنك هتكوني مرأتي."
لم تفهم ما يقوله، فأبتعد عنها، تاركاً الغرفة بأكملها، ومازالت كلماته تتردد بداخلها. صعد لمكتبه، فدلف للداخل ليجد مقعده مخصص لعدي الجارحي. فقال وهو مغمض العينان مستسلم بجلسته: "أتأخرتم." معتز بستغراب: "عدي!! ترك المقعد ووقف أمامه بعين ملتهبة بالغضب: "مكنتش متوقع أنك هتشوفني بعد ما أهنت أختك؟ ابتلع ريقه بتوتر، ثم قال بغضب فشل بكبته: "بتتعمد تهيني دايماً." قاطعه قائلاً بصوت كالسهام:
"محصلش، وأنا وأنت عارفين كده كويس، حساسيتك أنها أكبر منك مخلياك عايز تفرض رجولتك الزايدة عشان تثبت للكل أنك أكبر منها بتصرفاتك، بس للأسف بتصغر نفسك بدون ما تحس." صمت معتز قليلاً ليكمل عدي بثقة:
"محدش فاهمك أد إيه يا معتز، أنا لحد الآن بكلمك بهدوء وبكل احترام، رغم فرق السن اللي ممكن أستغله زي ما حضرتك بتعمل كده، بس لأ، أنا عندي خطوط حمراء مش بتعداها، وهي الاحترام، لأنك ببساطة لو محترمتش اللي قدامك عمره ما هيحترمك، سواء كنت أصغر أو أكبر منه." صمته جعل هدي يسترسل حديثه قائلاً بثقة: "كده كلامي وصلك؟ ياريت أرجع البيت ألاقي دا بنفسه." وتركه عدي وغادر بعدما ارتدى نظارته السوداء.
هبط لسيارته، ولكنه توقف واضعاً يديه على صدره بألم شديد، يستمع لصوتها الباكي المتردد لصدى صوتها. عدي…. عدي…. عدي.. لاااا، لا يتوهم، صوتها يخترق مسمعه، أهي لجواره؟ تأمل المكان جيداً، فوجده خالياً منها، أذن ما هذا الألم؟ من أين يأتي هذا الصوت؟ ******* _************** بالجامعة. حازم بتأفف: "يوووه، أنت معتش في دماغك غير سيرة المذاكرة." محمد:
"يا حازم، الامتحانات بعد أسبوع، مش هنلحق نذاكر بأسلوبك دا، وبعدين ألا كنت خايف عليه حصل من ساعة ما اتعرفت على الشلة الزبالة دي وأنت اتغيرت." تملكه الغضب قائلاً بصوت مرتفع: "أنت نسيت نفسك ولا إيه؟ دانت كلماته بمثابة خنجر له، فقال بحزن: "لا، اللي نسي نفسه للأسف هو أنت يا حازم، سلام يا صاحبي." وتركه وغادر، فزفر بغضب، ثم أكمل سيره لمن يجلسون أمامه على السيارات، مجموعة من الشباب المشهورة بسوء خلقهم.
رفع هاتفه الصائح بأزعاج له، ليجدها رسالة من أخيه على الماسنجر يطمئن عليه، فرد عليه الرسالة برسالة أخرى، غير واعٍ لتلك الفتاة التي اصطدم بها. تطلعت له قائلة بغضب: "مش تفتح يا محترم." رفع وجهه بابتسامة تلقائية لرؤية هذا الجمال الهادئ، قائلاً بهدوء: "بعتذر منك، مخدتش بالي." أشارت له بخفة بتقبل أمره، ثم أكملت مسيرتها لرفيقتها المنصدمة. نسرين بتعجب: "مالك يا بت؟ تجبها رفيقتها غير بصراخ:
"أنتِ عارفه أنتِ كنتِ بتكلمي مين من شوية؟ قالت بعدم اهتمام: "هيكون مين يعني؟ "حازم الجارحي." قالتها رفيقتها بصدمة من عدم معرفتها بالأمر. أما الأخرى فقالت بعدم اهتمام: "وأيه يعني؟ مطلوب منه يدوس على خلق الله مثلًا." انغزتها رفيقتها بغضب: "امشي يا نسرين، مفيش فايدة فيكِ، هتفضلي زي ما أنتِ." وبالفعل انصاعت لها وتوجهت للداخل. أما حازم فجلس بجوارهم على السيارة من الخارج، فكانوا يحاوطون بالسيارات خلف بعضهم ويجلسون عليها.
قال أحدهما بخبث وهو يشير بعينيه لرفيقه: "روقتك صحت." "تطلع له حازم بغضب جامح." فقال الآخر: "عندك حق، أنا متوقعتش من حازم الهدوء دا، قولت هيخلص عليها عشان الأسلوب الزبالة دا." حازم بغضب: "أنت بتتكلم كده إزاي؟ قال الآخر بمكر: "عنده حق يا حازم، البنت بهدلتك خالص، دي أسلوبها مع الكل أفضل من كده، أصلها جديدة هنا وبين كدا متعرفش أنت مين ولا ابن مين." استرسل أحدهما: "بصراحة، محدش هيحترمك بالجامعة بعد كده." صاح بغضب:
"ما عاش ولا كان اللي يهين حازم الجارحي، وهتشوفوا هعمل في الحيوانة دي إيه." وتركهم وغادر، وعلى وجوههم بسمة انتصار بالتشفي من تلك الفتاة المستجدة، فلم يستطيع أحد منهم الحصول على كلمة صغيرة منها. ****** _***** بمخزن قصر الجارحي. دلف ياسين وجاسم للداخل، فصدموا حينما وجدوا مجدي معلقاً والكدمات تغطي معظم وجه. أقترب ياسين منه بصدمة، فحل وثاقه بمساعدة جاسم، ثم مدده على الفراش المجاور لهم.
دلف رائد خلفهم بعدما علم من الحرس باقتحامهم المكان، فصاح بهم: "أنتم بتعملوا إيه هنا؟ وقف ياسين قائلاً لجاسم بحزم: "اطلب دكتور فوراً يا جاسم." رائد بغضب: "متطلبش حاجة، الحيوان دا هيموت." لكمه ياسين بقوة أوقعته أرضاً، ثم صاح به قائلاً بحزم: "نفذ اللي بقولك عليه بدون نقاش." وبالفعل أخرج جاسم هاتفه ثم طلب الطبيب. أما ياسين فجذبه ليقف أمامه قائلاً بغضبٍ جامح:
"غيرتك عمتك عن أخلاقك يا رائد، خلاص بقينا سفاحين بنخطف ونستقوى." وقف يحسم أمره، فغضب من نفسه غضب شديد، فلكم الطاولة التي تهشمت بقوة كبيرة من قوته المفرطة، ثم صاع بغضب شديد: "هي اللي عملت فيا كده! هي اللي خانتني ومكتفتش بكده، لا خالفتني منه وهي لسه على ذمتي." يشعر بجرحه، ولكن عليه أن يكون قاسياً، فقال بهدوء: "اعمل اللي يريحك، بس بلاش الطريقة دي." وتركه وتوجه للقصر. بينما ظل جاسم لجوار مجدي حتى أتى الطبيب ولملم جرحه.
*** _******* كانت ممددة على الأرض جثة هامدة، فقط عينيها تشدو الدمعات الحارقة على ما حدث بوالدتها. لعنت نفسها على ما فعلته، تلفظ اسمه بتكرار، لعله يشعر بها ويقسم الجبال بحثاً عنها. شعرت بقلبها ينبض بقوة، فقالت بدموع: "عدي…… عدي." على الجانب الآخر. أوقف سيارته بقوة، ثم وضع يديه على قلبه، صارخاً بقوة: "يا الله." ثم بدأ بسماع اسمه مجدداً، ولكن تلك المرة بوجع أشد. ****** _***********
عاد معتز للقصر، ثم توجه لغرفة شقيقته التي تنظر له بصدمة حقيقة، فلاول مرة يدلف لغرفتها. أقترب منها قائلاً بحزن: "جبتلك هدية." ألقى بها على الفراش، زافراً بغضب: "بصي، أنا معرفش أنا بعمل كده إزاي، بس أنا مش عايزك تزعلي." لم تجبه، فكاد فمها الوصول للأرض من الصدمة. توجه للخروج قائلاً بحزن: "يبقا لسه زعلانة." جذبته بقوة تحتضنه بسعادة: "لاااااااا، زعلانة إيه، دانا نفسي أرقص."
ابتسم معتز، ثم رفع يديه يشدد من احتضانها، فسقطت دمعة خائنة منه على معاملة أخته له برغم ما ارتكبه بحقها. ***** _**** ترك رائد المخزن وتوجه للقصر لينصدم مثلما صدم ياسين لرؤيتهم رانيا بالداخل. كانت عين رعد توحي بالكثير والكثير من الغضب الدفين على ابنه. رائد بغضب جامح: "أنتِ بتعملي هنا إيه؟ رعد بحزم بعدما وقف أمام ابنه: "كلمني أنا، صحيح الكلام اللي هي بتقوله دا." تهرب منه قائلاً بضيق: "دي حيوانة وهي أزبل منه."
"جاوبني على سؤالك." كانت كلماته تزف بالقصر بأكمله، فهبط الجميع للأسفل. ووقف عدي وعمر بعدما عادوا من الخارج يستمعون لما يحدث. رائد بغضب بعدما جذبها بقوة من ذراعيها غير عابئ لأحد: "أنتِ اللي دخلتي هنا برجليكي ومش هتخرجي غير بمزاجي." وجذبها رائد بقوة من شعرها فصرخت ألماً. تدخلت هبة بغضب: "أنت كمان ليك عين، سيبها بقولك، وقولي جوزي فين؟ كانت صدمة له، فتركها قائلاً بسخرية: "إيه دا، أنتِ عارفة بعلاقتهم وبتدافعي عنه كمان."
دينا بغضب: "اخرجي بره أنتِ وهي." آية بهدوء: "اصبري بس يا دينا لما نفهم في إيه." أقتربت رانيا منه قائلة بدموع: "مجدي فين يا رائد؟ رعد بغضب شديد: "أنت ساكت ليه؟ انطق." يحيى: "مش كده يا رعد، الله، جاسم اطلب عمك ياسين فوراً." وبالفعل انصاع له. أما رانيا فبكت قائلة بألم لم تعد تحتمله: "قولي مجدي فين يا عمي، وأحنا هنخرج من هنا فوراً." رعد بهدوء: "معرفش حاجة من اللي ابني بيعملها من ورايا، للأسف." رائد بسخرية:
"ليكي عين تيجي لحد هنا وتطلبي بعشيقك أبو بنتك." كانت صدمة للجميع، والصدمة الأكبر صراخها. صرخت بقوة كأنها لم تعد تحتمل الظلم أكثر: "مجدي أخويااااا! ومريم بنتك أنت." ثم سقطت أرضاً تبكي بانكسار. عمر بصدمة: "إزاي؟ هبة بدموع هي الأخرى وهي تحاول تهدئة رانيا: "دي الحقيقة." رائد بسخرية: "لا، خطة مرضية بصراحة." رفعت عيناه له بدموع غزيرة. فقال عدي بنبرة مؤيدة لهم: "ممكن تسمع الأول هما عايزين يقولوا إيه."
صمت رائد والجميع، فأقتربت هبة من عدي وقدمت له شريط من الطراز القديم، فأشار للخدام بإحضار ما يناسبه. انصاع الصوت بجميع أرجاء القصر، كأنه يعلن انتهاء عذاب تلك المسكينة وبراءة لها مما ينسب إليها، وتحطم قلب القاسي الذي طعنها بقوة. كان صوت والدتها قبل الوفاة، فصوتها كان متقطع بصوت ملحوظة.
"أنا عارفة يا بنتي أنك حزينة على موتي، الشريط دا مش هيوصلك غير وأنا بين يدي الله، عايزكِ تعرفي حاجة واحدة بس، أنا حبيتك أكتر من نفسي يا حبيبتي." تعالت شهقات رانيا لذاكرها محتواه، كذلك المرأة تسجل بصوت متقطع من البكاء.
"أنا مش وحشة يا بنتي، الفقر هو اللي وحش أوي، خلاني أبيع ضنايا عشان أقدر أعيش وأصرف عليكي وعلى أبوكي المريض، بعت ابني وأنا بموت ألف مرة فكرت بالانتحار، بس خفت عليكم، كنت بين اختيارين، أنتِ وهو، خفت عليكي لأن البنت ميعتمدش عليها، لكن هو مهما كان راجل. أنا كنت بشوفه كل يوم ونفسي أروح وأقوله أنا أمك، بس خوفي من الناس دي كان أقوى، بس شرطي معاهم أني بعد موتي، بنتي هتطالب بأخوها أو بالاقل تعرفه الحقيقة، الشرط كان مستمر لوفاتي، وأنا خلاص يا بنتي بواجه الموت كل يوم. أدعيلي بالرحمة، وخاليه يسامحني،
مع الشريط ورقة بعنوانه: حاربي يا رانيا عشان أخوكي، وادعيلي يا بنتي." رسالة مزقت قلوب من بالقصر، منهم من بكى، ومنهم من تحطم، ومنهم من شفق على حالها، ومنهم من ود الصراخ من تحمل تلك الفتاة، ومنهم من وقف كأنه السهام حطمت أجساده وقلبه، هكذا كان حال رائد الذي جلس على المقعد بانكسار، وعبارتها تتردد بعقله. "غرورك اللي منعني أعرفك طبيعة علاقتي بمجدي، لأن كنت عارفه أنها علاقة مؤقتة."
رفع عينيه لها بانكسار، صدماته قوية بقدر المستطاع، هل تركها تعاني أربع سنوات لأجل ابنته؟ هل حرمت ابنته من أبيها؟ ما الذي ارتكبه هذا؟ ذنب فاضح لا يغتفر، ولكن هل ما سيفعله سينهي عذابها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!