كان الشارع صاخبًا عندما نزلت من التوكتوك. اشتريت من الفرن خمسة أرغفة، ثم صعدت إلى شقتي. ارتميت على الكنبة. ستظهر الحقيقة بين يوم أو يومين. هل ستعود نيرة إلى شقتها بعد براءتها؟ كيف سيكون الوضع حينها، وهل ستسرى همسات عن علاقة بيني وبينها؟ مشكلتي أنني أستبق الأمور، أستبقها بطريقة مزعجة ومؤرقة وتعيسة. وكان شيء داخلي ينبض بقلق، شيء مبهم وغير مفهوم، حزن ساكن له رائحة البول، شيء من الشك المعاكس.
نمت وأنا أحمل داخلي ذلك الهاجس. استيقظت من النوم عدة مرات للذهاب للمرحاض. منذ شخصني الطبيب بتضخم حميد في المثانة وأنا أواظب على تلك العادة. أقصد الحمام وسط الظلمة، لا أفتح النور حتى لا يطير النوم من عيوني. في نومي تراودني أحلام مزعجة وغير مفهومة. أنني أهرب من شيء وأبذل كل جهدي في الركض، رغم ذلك لا أتحرك من مكاني. وعندما يقترب الشيء مني أستيقظ.
رغم مرور السنين لا زلت أتطلع لليلة أقضيها بلا أحلام، ليلة أنام فيها مثل البشر وليس مثل الهررة، أفتح عيني كل عشرة دقائق. لكن الذي أيقظني ليست الأحلام ولا الكوابيس، بل طرق طرق متواصل بوتيرة ثابتة ورخمة. لاحظت أن الساعة تشير للعاشرة مساء. لازلت أحتفظ بساعة جدارية أحتفظ بها كلما انتقلت من مكان لمكان. حتى الآن لم أجد مكانًا يسعني!!
مكان يسع حماقاتي، يسع تفاهاتي، يسع حزني، يسع روحي ويسع تناقضاتي، وسأموت دون أن أجده، لأن الفرحة الصافية محرمة على من هم مثلي. "همست من خلف الباب: من؟ "جاء الصوت الهادر: افتح يا خويا، يعني هيكون مين عايزك؟ أطلقت سبة. آخر ما ينقصني لبنى صاحبة العمارة وحديث عن الإيجار والسلفيات. صرخت: "لحظة أغير هدومي."
ارتديت تيشرت أزرق وفتحت صندوقًا خشبيًا قديمًا احتفظ فيه بأشياء هامة. أخرجت منه ساعة روليكس قيمة كانت ملك والدي. إذا فتحت لبنى فمها عن الإيجار سأمنحها الساعة، وإذا استمرت في الثرثرة المغرضة سأهشّم رأسها بمنفضة السجائر. عندما فتحت الباب لم تكن لبنى بمفردها. كان معها شخص أعرفه سطحيًا. شروق. ارتفع حاجبي وتراجعت خطوة لا إرادية. "فيه ضيفة عايزاك يا عوني."
قلت للبنى: "خليها عندك وأنا دقايق وهكون معاكم." فضلت أن أتحدث معها في شقة لبنى منعًا للكلام، ولأن شقتي تقلب تعدل، ولأنني لست من الصنف الذي يستقبل نساء في شقته. غيرت ملابسي مرة أخرى. ارتديت بنطال تريننج لوتو أسود، تيشرت أبيض مطبوع عليه رسم لبرج إيفل، وكوتشي أديداس مقلد أبيض اللون ابتعته بمائتين وخمسين جنيه في أوكازيون التصفيات. وضعت لفافة التبغ في جيبي بنطالي والقداحة.
سرحت شعري ولم أقف أمام المرآة، فعلى كل حال مظهري لن يعجبني ولن يعجبني ولن يعجبني. أغلقت الباب بقوة وطرقت باب شقة لبنى. فتحت لي ابنتها جين، فتاة في العاشرة من عمرها خمرية البشرة نحيلة ومرحة. "همست جين بصوت خافت: هناك ضيوف ينتظرونك في الصالة." "قلت: من؟ "قالت: فتاة جميلة." "قلت: طيب." ألقيت السلام وجلست. "أنا شروق أخت نيرة." "قلت: أهلًا وسهلًا." "زوجي قُتل اليوم." "همست: الله يرحمه." "أنت عوني؟ "قلت: نعم أنا عوني."
"أنت إلى ماسك قضية نيرة؟ "قلت: نيرة طلبت مساعدتي وأنا بذلت كل جهدي، لكن أنا مش محامي، وأكيد مش أنا اللي هخرجها من السجن." "ليه؟ "قلت: ليه إيه؟ "همست شروق: ليه نيرة طلبت مساعدتك أنت بالذات؟ "قلت بلا مبالاة: اسألي أختك." "علاقتي بنيرة مش كويسة، مش ماشية على ما يرام. بقالنا كتير أوي مختلفين ومفيش بينا أي تفاهم." وكانت تنتظر مني شرحًا توضيحيًا، ألغازًا وربما أسرارًا.
"قلت: أنا مش هقدر أفيدك بحاجة يا مدام شروق، أنا معرفش ليه أختك اختارتني." وضعت شروق يدها على طرحتها بتوتر. طرحة لبنية تحتها بندانة سوري بنية. بأصابع مرتعشة دقت جبهتها. "نيرة مش بتعمل أي حاجة والسلام، نيرة بتثق بك." "قلت: للأسف أنا آخر إنسان في العالم ممكن أن ينال ثقة أي كائن بشري." "أنت متعرفش نيرة زي." وأدارت شروق وجهها تفكر. "أنت أكيد فيك حاجة مميزة، أصل مش معقول تعمل كده من غير سبب." "كنت
أتساءل في نفسي: أي حماقة قد تدفع امرأة لترك شقتها وطلب الكلام مع شخص مجهول بالنسبة لها وقد قُتل زوجها للتو؟ "أنت معتقده إني قتلت جوزك يا مدام شروق؟ رفعت شروق وجه بلوري أبيض خالٍ من النمش والتعقسات. شفاه ضيقة ممتعة في القضم والعض. "ليه بتقول كده؟ "أخرجت سيجارة ولم أرد." "ردفت شروق: أنا مش جايه علشان أتهمك، أنا مش شرطية." "ليسأمني الله، تخيلت للحظة شروق في زي ضابطة ضيق ترفل في أرجاء الشقة وتلقي الأسئلة." "استاذ عوني؟
أنا محتاجة مساعدتك، طالما نيرة وثقت بك أنا كمان هثق بك." "قلت: أنا مش محامي والله." "همست شروق: عارفه، لكن أنت بتساعد نيرة. ساعدني أنا كمان." "قلت: نيرة في السجن." "لكن أنت حرة. أساعدك إزاي؟ "ساعدني أعرف المجرم وأنتقم منه، ساعدني نحط الحديد في إيده." سحبت نفسًا من لفافة التبغ. "أنتِ معتقده إن القاتل شخص واحد؟
"أيوه، وده السبب اللي خلاني ألجأ لك. أسامة قتل بنفس طريقة أحمد جوز نيرة. الموضوع مش صدفة، أنا خايفة على حياتي وحياة نيرة." أخيرًا هزت لبنى مؤخرتها وتلحلحت تعمل شاي. "أنا شفتك بتراقبني استاذ عوني، أنت مشيت ورايا إلى المنتزه." "قلت: فعلاً أنا مشيت وراكي، لكن مش شفت حاجة مهمة." ثبتت شروق عينيها الخوخية على وجهي، ومر شبح ابتسامة مغدورة على وجهها وأدركت أنها ليست أنثى عادية. ثم طرف حاجبها بتوتر.
"الشاب اللي شفته معايا ده كان عشـيـقـي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!