ها يا عوني، عملت إيه؟ سألني معاون المباحث بنبرة حماس. قلت: ولا حاجة يا باشا. رفع معاون المباحث رجليه على المكتب وتنهد، أشعل سيجارة ورزع مشط الكبريت في الطاولة. المدام حاولت تقتلك أمس، وإذا بك تفاجئني اليوم برغبتك في رؤيتها، وبعد ربع ساعة من التوسل، أضف إليها نص ساعة بتتكلموا مع بعض، جاي تقول لي "ولا حاجة"؟ إيه؟ كنتم بتراجعوا أسئلة امتحان الثانوية العامة مثلاً؟ حتى دا كان بيحصل زمان أيام علي ابن الجنيني وإنجي.
ثم نهض معاون المباحث، كان مرتدياً بنطال جينز أزرق وقميص أبيض طوى أكمامه حدود الكوع، عدل ياقة القميص ومسح شعره بيده وابتسم. ممكن أعرف سيادتك شايفني إيه؟ ثم ضرب فتحي بيه الطاولة بيده بغضب جعل فنجان القهوة يتراقص. عوني، لو ما قلتش كل اللي تعرفه هخليك ترقص. قلت: لكن أنا معرفش أرقص يا باشا. متشغلش بالك، همس فتحي بيه، كل هنا بيرقص، هعلمك الرقص على أصوله. وغمز بعينه. أدركت أن فتحي بيه جاد وكان لدي دافع أن أخبره الحقيقة.
قلت: حاضر يا باشا، هقولك كل حاجة. نيرة متعرفنيش لا من قريب ولا من بعيد، لكنها اختارتني لأنها تابعت قصة أنا كتبتها على صفحتي اسمها "خيانة مزدوجة" وبطلة القصة كان اسمها نيرة. أنا لسه برتب أفكاري، لكن أنا متأكد أن نيرة بريئة وأنا فيه طرف تالت هو اللي ارتكب الجريمة، وتقريباً لأن نيرة رافضة تتكلم، هو شخص قريب منها، واحد من العيلة أو شخص يهمها أمره. أنا حطيت مجموعة من الافتراضات وهمشي وراها. ابتسم ضابط المباحث.
عوني، أنت جاي تعمل دعاية لصفحتك في القسم هنا؟ عايز تقنعني أقرأ قصة كتبتها علشان أوصل للحقيقة؟ أنت بتهزر يا عوني. ولو كنت أنت والبنت دي هتشتغلوني، أنا مضطر أشغل حنكش. قلت: حنكش مين يا باشا؟ آه، أنت متعرفش حنكش؟ ضغط فتحي بيه الجرس وظهر مخبر جلف ضخم بشارب ثعلبي وعيون ماكرة. أعرفك على حنكش يا عوني. قلت: بلاش حنكش يا باشا، والله أنا قلت الحقيقة وتقدر تراجع الكاميرات.
مش هراجع حاجة يا عوني، ولو شفتك في القسم هنا مرة تانية هخلي حنكش يتعامل معاك. كنت أعرف أن فتحي بيه يمكنه أن يصدق أي شيء سوى الحقيقة. ضباط المباحث لا يرحبون بالطرق المباشرة السهلة. على كل، أنا مش هقابل معاون المباحث تاني. نيرة هتتنقل للسجن وهناك فيه زيارة أقدر أطلبها. أخرجت ورقة من جيب بنطالي. شروق. اسمها أخت نيرة وجوزها. قررت أبدأ من هناك.
وأنا نازل السلم خبطت في شاب صاعد السلم بيلهث. كان شبه نيرة جداً، عيونه خضراء زيها ونفس ملامحها. الشاب اعتذر لي، بينما كنت أفكر أنا أنه ربما أخ نيرة. وكنت على وشك أسأله: أنت مين؟ لكن مش معقول أسأل شخص أول مرة أشوفه: أنت مين؟ دا مش بيحصل غير في روايات أحمد مراد أو محمد صادق.
لزقت في الحيطة ووقفت مكاني. أنا ممثل جيد عندما أرغب. أنا أكون مهرج. ركزت في الورقة وعيني على الشاب الذي طرق باب فتحي بيه، ثم بعد دقائق دخل غرفة نيرة التي لم تنقل بعد إلى الحجز. دسست الورقة في جيب بنطالي. عندما يعمل عقلي، أخشاني، فأنا كتلة حماقة متحركة.
خطفت ساندوتش طعمية من عربة فلافل متحركة غير عابئ بالحموضة. وغمزت بعيني لشابة جميلة كانت تعبر الشارع، ذكرتني بريتا سيزيف. كانت ملابسها متناسقة تكاد تكون خرجت من فتارين عرض للتو، وعلى كتفها حقيبة ظهر مقلدة ماركة "فيكتوريا سيكريت". أعجبني حذاؤها الأبيض كوتش ماركة أديداس، وكانت تمشي واثقة حتى أنها لم تبالي بحماقتي. أخذت قضمة من الساندوتش وهمست: سنلتقي مرة أخرى.
ثم قفزت داخل أتوبيس 319 ووقفت بين الناس متعلقاً بالعمود النحاسي حتى لا أسقط. تابعت اليافطات والماره من زجاج الأتوبيس القذر. كيف تمضي الحياة بتلك الطريقة بينما شخص مثلي يعيش بمفرده؟ أحياناً عندما أقطع الطريق سيراً في منتصف الليل أبحث عن كلب يرافقني. كانت شروق تسكن في حي هادئ، زقاق قديم، لكن البناية في حد ذاتها مقبولة. طالعت البناية من الجهة الأخرى وسمعت صراخ الغفير الغاضب. فيه إيه يا بيه؟ أنت جاي تعاكس هنا؟
إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا دي يا رب. قطعت الشارع بغضب. كنت أطول من الغفير الذي يرتدي جلباب بني وعمة زرقاء وشال تبني. كان له شارب لم يشذب منذ شهر وعيون سوداء ضيقة ولحية طفيفة تشبه زغب يدي. وكنت أجمل منه، ربما كان هذا الشيء المحفز في الأمر. قلت: ما شأنك أنت؟ الشارع مكتوب باسمك؟ بصق الغفير من فمه: هو يوم مش فايت باين عليه. يا بيه عيب عليك، باين عليك محترم وابن ناس، هو ينفع تقف تعاكس بنات الناس وأنا قاعد هنا؟
هو أنا كرنبة مثلاً؟ وكنت أول مرة أسمع شخص يشبه نفسه بكرنبة، مما زاد من احترامي للغفير الهازئ. قلت: دعنا نتفق أنه ليس هناك قانون يمنع التسكع في الشارع؟ ولا حتى الوقوف قرب الرصيف. معاك حق يا بيه، لكن فيه أصول، وفيه غفير بياكل عيش هنا ومهمته يحافظ على الأمن والأمان. مرة أخرى يبهرني الغفير، فهو يعرف واجبات شغلته. قلت: أصلك أنت متعرفش أنا هنا بعمل إيه، وعمال تخلق اتهامات تفور الدماغ.
قعد يا أخي، هفهمك. قعدت مع الغفير على الدكة. أنا يا سيدي بدور على شقة وأولاد الحلال قالوا لي إن فيه شقة فاضية هنا. صمت الغفير وهمس: لو كان كده، ماشي. ومكنتش أعرف أن فيه شقة فاضية ولا يحزنون. اعملنا كوبيتين شاي بقا يا عم الحج خلينا نتكلم في التفاصيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!