كانت سيارة كيا بيضاء تقف خارج المطعم، والمفاتيح المعقودة في رأس دمية دب قطبي تتراقص بين يدي نيرة. عندما خاطبتني: "هتسوق يا عونى ولا اسوق انا؟ "مش بتسوق غير لما تكون العربيه بتاعتى يا نيرة! "وهي العربية مش بتاعتك يا عونى!؟ منحتها نظرة هادئة. فأنا يقللني الشك قبل أي مبادرة بعدما تلقيت صفعات الخذلان. "ليه مش متأكد يا عونى؟ انت مش بتعرف تسوق؟
همست وابتسامة باردة مثل الثلج تتراقص فوق شفتي الخمريتين المعقودتين مثل سنارة صيد نمرة خمسة فرنسي تستخدم في صيد شاموش بحيرة ناصر. "ممكن سواقتي متعجبهاش يا نيرة." "وهي يعني العربية هتعترض يا عونى؟ "إذا لم تعترض السيارة، إذا لم يكن لها موقف فأنا غير مهتم بسواقتها." وتراقصت على وجه نيرة نظرة حائرة تقييمية عابثة. وهمست بتفكير: "إذا كانت معترضة ليه هتسوقها أصلاً؟
"قلت لك لأن لدي مزاجيتي المتفردة والتي قد تبدو مجنونة، لكن لا متعة إطلاقاً إذا لم تمرر دوافعك ورغباتك بالضربة القاضية، أحياناً يا نيرة." "خلاص هسوق أنا طالما دي رغبتك، أنا قلت بس أشوفك الأول." جلست نيرة خلف عجلة القيادة وانطلقت بالسيارة. ولاحظت أنها تقود ببطء، عكس أختها شروق التي تنطلق بسرعة. وبين هذا وذاك ارتبك عقلي. ذلك الاختلاف يرهقني جداً ولا يسمح لي بوضع افتراضية للعمل بمنطق ثابت.
"مش المفروض تكوني مع شروق أختك دلوقتي يا نيرة؟ "ليه يا عونى؟ "يعني جوزها مات وأكيد هي حزينة ومتوترة ومحتاجة حد جنبها." "أنا علاقتي مع شروق مش أحسن حاجة يا عونى، وبعد كل اللي بيحصلنا ده أنا مش عدت فاهمة حاجة." "لكنها أختك يا نيرة وجوزها مات." "أنا كمان جوزي مات، اتقتل في شقتنا واتهمت بقتله، شايف العبثية وصلت لحد فين يا عونى؟
وكان هناك أطفال يلعبون في الشارع تحت بناية نيرة الجديدة. رفعوا رؤوسهم عندما مرت. وطالتني بعض النظرات المتطفلة، ليس بسبب طلتي البهية بالطبع، بل لأنني رفقة نيرة الجميلة. صعدنا درج السلم. حيث قادتني نيرة لشقتها الجديدة التي استأجرتها بعد خروجها من السجن. كانت الشقة فاخرة ولم تشعرني بالراحة. فأنا لا أحب الأناقة الزائدة وشعرت أن ترفضني. قعدت على الأريكة وألقت نيرة حقيبتها بلا عناية على الكرسي. مما أشعرني بالراحة.
"سأخرج من هنا حي." "شايك ايه يا عونى؟ "خفيف سكر زيادة." "ياه انت لسه مغيرتش رأيك؟ "تعرف يا عونى واحد مثلك يليق به أن يشرب قهوة ولا شيء آخر." "وأنا لن أشرب القهوة ولا الشاي بالقرنفل ولا هوت تشيكلوت ولا آيس تي ولا أي شيء قد يعجب الآخرين وغير مهتم أنا أعجبهم، أنا الذي يركض الآخرون نحوه ولست الشخص الذي يلهث خلف أشياء لا تخصه، ولن أفتح يدي عبثاً لكل من يطلبني."
"لا أحب القهوة يا مدام نيرة، جربتها مرة ووجدتها مرة وليس لها مفعول السحر. ويمكنني ببساطة أن أكره العالم الذي يحبه غيري." "مثير للاهتمام أنت يا عونى وهذا ما يمنحك فرصة." "كم ملعقة سكر؟ "أربعة لو صغيرة." تركت نيرة الماء يغلي في الإبريق ودخلت غرفتها وعادت بعد دقائق مرتدية ملابس المنزل. تموت المرأة، يموت جسدها وروحها وتبقى عينيها متقدة لا تفقد بريقه. لم أخشى في حياتي سوى المرأة التي تهرب الحياة من عينيها.
وضعت نيرة كوب الشاي أمامي بطريقة رسمية. "تفضل يا عونى." شكرتها وأشعلت لفافة تبغ. "من الحماقة أن تركض من مصيرك الذي ينتظرك فأنت واقع على كل حال." "برأيك يا عونى من قتل أسامة زوج شروق؟ "أعتقد شروق أو عشيقها." "هي شروق ليها عشيق يا عونى؟ "آه ليها عشيق." "وإنتي كمان." رفعت نيرة حاجب محدد رفيع ومرسوم بعناية فائقة. "بطل هزار يا عونى." أطلقت دفعة من الدخان الأزرق وتنهدت بضيق.
"أكره من يستغيني وأكره أكثر من يتمثل الغباء عندما يتحدث معي." "والأكثر كرهاً بالنسبة لي الذين يدعون الذكاء في حديثهم معي." "شروق قتلت عشيقها يا نيرة، لقوه ميت صباح اليوم في شقته، شاب مسالم يعيش بلا هدف ويركض خلف الحب ككلب يستحق هذا المصير البائس." "أنا معرفش أن شروق ليها عشيق يا عونى، قلت لك علاقتنا مش أحسن حاجة ومعتقدش إن شروق ممكن تقتل أي حد."
"شروق طيبة ورقيقة جداً، أنا مش بقول كده لأنها أختي لكن لأني أعرفها كويس." "وإنتي طيبة يا نيرة؟ "ده سؤال ولا مدح يا عونى؟ "امرأة قوية مثلك لا يمكن أن تكون ضحية في قصة أحدهم." وثبت عيني على وجه نيرة الصافي أحفر فيه بكل قوتي. "أنت الشريرة." "عونى كلامك يخوف."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!